رياض الصالحين - الدرس : 056 - باب الصدق - الصحبة في الإسلام - متى يكون العبد صادقاً عند الله, ومتى يكون كاذباًً؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 056 - باب الصدق - الصحبة في الإسلام - متى يكون العبد صادقاً عند الله, ومتى يكون كاذباًً؟


1998-07-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

أمر خطير :

 أيها الأخوة الكرام، عقد الإمام النووي رحمه الله تعالى باباً, في كتابه رياض الصالحين, سماه: باب الصدق، وبدأ هذا الباب بهذه الآية الدقيقة الخطيرة التي هي قانون، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 هناك شيء في حياة المؤمن خطير جداً، هي البيئة التي تحتضنه، الأصحاب الذين يصحبهم، الجلساء الذين يجالسهم، الأهل الذين يسامرهم، النزهات التي يذهب مع أصحابه إليها، هؤلاء الذين حولك من هم؟ إن كانوا من أهل الدنيا جروك إلى الدنيا، إن كانوا من أهل المعصية، ومن أهل البهتان, ملؤوا سمعك أكاذيب، إن كانوا من أهل الباطل زينوا لك الباطل ، إن كانوا من أهل الشهوات أغروك بالشهوات، وإن كانوا من أهل الصدق، من أهل العفاف ، من أهل المروءة، من أهل الكرم، من أهل الطاعة، من أهل الآخرة سحبوك إليهم .
 لذلك: بعد أن تؤمن, أخطر شيء: البيئة التي تحتضنك، البيئة التي تحيط بك، الظروف التي تؤثر فيك، الأصحاب الذين تصحبهم، مع من تجلس؟ مع من تصحب؟ مع من تمضي وقتا طويلاً؟ مع من تذهب إلى النزهات؟ مع من تحضر في سهرة؟ هؤلاء إن كانوا طيبين كنت معهم طيباً، وإن كانوا سيئين كنت معهم سيئاً، فلذلك لا يمكن أن يسلم إيمانك إلا بصحبة أهل الإيمان، لا يمكن أن يسلم دينك إلا بصحبة صالحة، لا يمكن أن تكون عفيفاً إلا مع الأعفة، إن كنت مع المنحرفين أخلاقياً, رأيت المعصية غنيمة، والفسق والفجور مغنماً، أما إذا كنت مع أهل الإيمان, رأيت العفة مغنماً، كأن الله عز وجل يقول: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، أي اتقوا سخطه، اتقوا معصية تستحقون عليها العقاب، اتقوا انحرافاً ينتهي بكم إلى النار، اتقوا صفات الجلال بصفات الكمال، كن مستقيما لئلا يبطش الله بك، كن عفيفاً لئلا يسحقك الله عز وجل، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية: 12]

ما وراء هاتان القصتان :

 ذهب شاب إلى الخليج، وهو في ريعان الشباب، عمره ست وعشرون سنة، ذهب بعقد عمل، جاءه دخل، اشترى سيارة، في أول رحلة بها إلى دبي من أبو ظبي، أصابه حادث فقطع عموده الفقري، فصار مشلولاً، في السادسة والعشرين على الكرسي، انتهى، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية: 12]

 هناك أمراض يعوي من ألمها الإنسان عويَ كالكلاب، اتق صفات جلال بصفات الكمال، كن مستقيماً لئلا يقهرك الله عز وجل .
 لي صديق يحمل دكتوراه في العلوم، صديقه يحمل دكتوراه أيضا في الجيولوجيا، درس في فرنسا، وتزوج فرنسية، وجاء إلى بلده الذي احترمه كثيراً، وعينه في منصب رفيع قريباً من مدير عام في الصناعة، بيته في أبي رمانة، فقد بصره .
 طبعاً: جاملوه شهراً وشهرين، يبعثون البريد إلى البيت مع مستخدم، موضوع معين، ما توجيهك؟ فيقول: مع الموافقة، بعد شهرين سرحوه، قال لصديقي: واللهِ أتمنى أن أجلس على الرصيف أتسول, وليس لي إلا معطف على كتفي، وأن يرد الله إلي بصري، قال تعالى:

﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾

[سورة البروج الآية: 12]

 هذه العين التي تطلقها في الحرام, لعل الله يحرمك منها، هذه الأذن التي تسمع الغناء الفاحش, لعل الله يحرمك منها، خف من الله .

((يا موسى خفني، وخف نفسك، وخف من لا يخافني))

اخط هذه الخطوة :

 أيها الأخوة, أحد أكبر الضمانات: أن تعيش مع المؤمنين، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ, أَنَّهُ سَمِعَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا, وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))

[أخرجه ابن حبان في صحيحه]

 المؤمن ينهض بك، قال ابن عطاء الله السكندري:

((لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله))

 إذا أحببته ترقى إلى الله، وإن استمعت إليه ازددتَ علماً .

((لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ولا يدلك على الله مقاله))

 درس اليوم: البيئة، الأصحاب، الأصدقاء، الجيران، الأخوان الكرام، مع من تجلس؟ مع من تسهر؟ مع من تذهب إلى نزهة؟ من تشارك؟ من تدعو إلى بيتك ليأكل؟ الفسقة يحسدونك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 من أجل أن تزدادوا صدقاً، من أجل أن تزدادوا استقامة، من أجل أن تزدادوا قرباً إلى الله عز وجل، جرب أحيانا جلسة روحانية –بالتعبير العامي– جلسة فيها تجلٍّ، جلسة فيها ذكر لله عز وجل، يقول لك: واللهِ لا أنساها إلى سنة، سررنا، لماذا سررتم؟ لأن فيها ذكر الله عز وجل .
 عن أبي هريرة رضي الله عنه, أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:

((مَا اجتمعَ قَوم في بيت من بُيُوتِ الله تباركَ وتعالى, يَتْلُونَ كتابَ الله عزَّ وجلَّ، ويَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نزلت عليهم السكينةُ، وَغَشِيَتْهم الرحمةُ، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده))

[أخرجه أبو داود في سننه عن أبي هريرة]

 تحفهم الملائكة، وتتنزل على قلبهم السكينة، وتتغشاهم الرحمة .

((وما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه, إلا قاموا عن أنتن من جيفة حمار))

قناعة نابعة من خبرة :

 أيها الأخوة, أنا أقنعكم الآن، أينما جلست، آخر خطبة سمعتها، آخر درس سمعته، لم يعلق شيء بذهنك، ولا حديث، لا آية، ولا قصة, حاول أن تذكرها لمن حولك، وأنت على المائدة، وأنت في دعوة، وأنت في سهرة، وأنت في سفر، حاول أن تذكر الله كثيراً، قال تعالى:

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آَيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾

[سورة البقرة الآية: 151-152]

 كما ذكرناكم ذكروا غيركم، كما هديناكم اهدوا غيركم، كما ألقينا عليكم الحق ألقوه على غيركم، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 قلت لأحدهم كلمة، قلت له: إذا أكرمك الله بهداية إنسان، كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))

 قلت له من باب الدعابة: خير لك من مارسيدس، ماذا ظن؟ ظن أنها سيارة، لا، المعمل كله لك، كل شيء لك، ليس السيارة، يمكن من أضخم معامل العالم، كله ملكك، مبيعاته لخمس قارات، محجوز لشهرين، وثمن السيارة عندنا خمسة عشر مليوناً، الشبح، المعمل كله لك، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا, خير لك مما طلعت عليه الشمس، خير لك من حمر النعم.
 الحمُر جمع حمار، أم الحمْر جمع أحمر، النِّعم جمع نِعمة، أما النَّعم جمع الأنعام، الماشية، الغنم، خير لك من حمر النعم، خير لك من الدنيا وما فيها، خير لك مما طلعت عليه الشمس .
 شركة أدوية أسبرين، ما تقدر فائضها النقدي غير الأرباح الموزعة، غير تغطية رأس المال, عندها فائض نقدي بمئة وستين مليار دولار كل سنة .
 وهناك رجل مالك شركة ميكروسوفت، كمبيوتر، قيل عنه: إنه أغنى إنسان في العالم.
 الآن: حجمه المالي خمسون مليار دولار، شاب في مقتبل العمر، برنامج الويندوز، وبرامج الكمبيوتر كلها من إنتاجه .

((خير لك من الدنيا وما فيها))

((خير لك من حمر النعم))

((خير لك مما طلعت عليه الشمس))

[أخرجه الحاكم في مستدركه]

خذ هذه الصحبة واحذر من غيرها :

 قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 كن معهم، فاصحبهم، وتأدب في مجالسهم، وخل حظك وراءك مهما قدموك، صدق القائل:

ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا  هم السلاطين والسادات والأمرا
فاصحبهم وتأدب في مجالسهم  وخل حظك مهما قدمـوك ورا

 هذه القصيدة لأبي مدين شعيب .
 اجلس مع أهل الله في أدب، وعفة، وتواضع، وذوق، وقرب من الله، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 واللهِ لن تجد إنساناً أديباً إلا وله منهل علمي ينهل منه، لن تجد إنساناً أديباً إلا وله مسجد يتأدب بأدبه، ابن المسجد متميز، سمته حسن، عنده حياء، لا ينطق بكلمة نابية، أما إذا جلستُ مع أناس لا أعرفهم, أكشفهم في دقيقة واحدة من مزاحهم الرخيص، ليسوا من أصحاب الطريق إلى الله، هؤلاء أبناء الطريق، هناك ابن طريق، وهناك ابن الطريق، ابن طريق إلى الله سالكة، وهناك ابن الطريق، من مزاحهم المنحرف، من نظراتهم الوقحة، من كلامهم القاسي، من استعلائهم، فقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 لمصلحتك، تقتبس منهم الشيء الكثير، لذلك: إذا كان للإنسان أخٌ مؤمن, وفيٌّ, ليعضّ عليه بالنواجذ، لأنه كما قال بعض العلماء:

((هو أندر من الكبريت الأحمر))

  نادر جداً، صديق صدوق، صديق مؤمن، نصوح .
 شعرت مرة, أن بعض أخواننا في المسجد, كل خمسة يقيمون لقاء أسبوعياً، كل اللقاء ود ومحبة، أنس ولطف، تناصح، ترتاح نفوسهم، الإنسان اجتماعي، الإنسان لو عزلناه عن أخوانه في مكان، عزلناه عن الضوء، وعن الساعة، وعن التاريخ، وعن الليل والنهار، وعن الأشخاص عشرين يومًا, يختل توازنه العقلي، فالإنسان اجتماعي .
 لذلك ورد:

((الجليس الصالح خير من الوحدة، لكن الوحدة خير من جليس السوء))

 إذا وُجد جليس السوء فعش وحدك، فهو أرقى أنواع العبادة، قال تعالى:

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾

[سورة الكهف الآية: 16]

نقطة هامة :

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا))

 الآن: هناك موضوع سريع، هناك صدق الأقوال وصدق الأفعال، لو سألتني: ما الكتاب الذي تقرأ منه؟ قلت لك: أنا أقرأ كتاب رياض الصالحين، أنا صادق، وإنه رياض الصالحين، جاء كلامي مطابقاً للواقع، هذا صدق الأقوال، هذا الشيء سهل، لكن الشيء الصعب صدق الأفعال، أن تقف أمام الحجر الأسود، وأن تستلمه, وأن تبكي، وأن تقول: يا رب, باسم الله، الله أكبر، اللهم إيمانا بك، وتصديقاً لكتابك، واتباعاً لسنة نبيك، وعهداً على طاعتك، ثم انتهى الحج، ورجعت إلى الشام، جلست في البيت، وذهبت إلى المحل، حلحلت الأمور، بعد شهرين من الزمن, عدت كما كنت، تقول في البيع: بديني رأس مالها أكثر، وهي رأس مالها أقلّ، قال تعالى:

﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 102]

 هذا ما كذب في لسانه، بل كذب في أفعاله، أفعاله لم تأت مطابقة لعهد الله عز وجل، هذا اسمه صدق الأفعال، أو كذب الأفعال .
 فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ))

 فإذا كنت صادقا في أفعالك, هداك الصدق إلى البر، إلى سبب الجنة، وهو العمل الصالح، يصلح عملك إذا كنت صادقاً مع الله عز وجل .

((إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا))

 نريد صدق الأفعال، لا صدق الأقوال، لأن الله عز وجل أثنى على سيدنا إبراهيم فقال:

﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾

[سورة النجم الآية: 37]

 وفّى ما عليه .

 

قصتان من هذا العصر :

 لي قريبة, لها زوج توفي، كانت له زوجة ميتة، له منها أولاد شباب، فهذا القريب قال لزوجته في ساعة صفاء: لي عند رجل خمسمئة ألف, وضعتها استثماراً، هي لك إذا متُّ، كلمة، ليس هناك ورقة، ولا شهود، ولا على مسمع من أولاده، فلما مات قالت لأولاده: أبوكم قال لي كذا، فقالوا: حاضر يا خالة، نزلوا إلى المحل التجاري، قالوا لصاحبه: اكتب وصلاً لخالتنا، بدلاً من وصلِ والدنا، فدهشتْ، بهذه البساطة، بعد أسبوع، أعطوها خمسة عشر ألف ليرة، وقالوا لها: هذا المهر، قالت: جزاكم الله خيراً، بعد أسبوع قالوا لها: سألنا شيخاً فقال: يجب لك تسعون ألفاً، وليس خمسة عشر، على السعر الجديد، أعطوها تسعين ألفاً، هذا الشيء الطبيعي، بلا دين، لكن لأن أداء الحقوق صار نادراً, صار هذا الفعلُ أمراً عظيماً .
 هناك أخ من أخواننا, أقام بناية ضخمة جداً، من عشرين سنة، بناها وباعها، هناك تأخير إداري للترسيم، باع البيت بثلاثين ألفاً، وأصبح ثمنه اثني عشر مليوناً بعد عشرين سنة ، وهو غير مرسم، فالجماعة قلقوا قلقاً شديداً، عرضوا عليه، وأحدهم أحد أخواننا من كبار تجار الحريقة، عرضوا عليه كل بيت مليون حتى يرسّمه لهم، بيتك ثمنه اثنا عشر مليونا، اشتريته بثلاثين ألفا، ولكن ليس باسمك، تدفع مليونا حتى يصير باسمك، عرضوا عليه, صدقوني, مئة مليون، البناية فيها مئة وحدة، ضخمة جداً، بين بساتين وأقبية وطوابق، عرضوا عليه مئة مليون، ماذا قال؟ قال: لا، أنا بعتكم، وقبضت الثمن، وربحت عليكم، وليس لي عندكم شيء، ولما يحين الوقت, سأكتب البيت باسمكم، بعد شهرين وفّى بعهده، كتب البيوت بأسماء أصحابها .
 هذا أمر نادر، لا، هذا الأصل، هذا الحق، هو لم يفعل شيئا إلا ما أمره الله، ولكن لأن المستقيم نادر, صارت القصة غريبة جداً، من قلة الخير, وقلة الوفاء, والذمة, أصبحت القصة نادرة، هذا وضع مئة مليون تحت رجله لئلا يغضب الله عز وجل، لماذا آخذ منكم مليونا؟ أنا بعتكم في زماني بثلاثين ألفا، وربحت عليكم سبعة آلاف، وقبضت المبلغ، وليس لي عندكم شيء، لك عندي أن أفرغ لك باسمك، هذا هو الدِّين .
 ومرة ثانية الدين ليس في المسجد، إياك أن تظن أن كل من دخل المسجد, صار صاحب دين، تدخل المسجد لتأخذ تعليمات الصانع، وتدخل مرة ثانية وتقبض الأجرة بالصلاة ، لكن أين دينك؟ بالبيت، أين دينك؟ في الدكان، أين دينك؟ في العيادة، أين دينك؟ في المكتب، أين دينك؟ في حفلك، هذا الدين .
 أكثر الزوجات يقلن: هذا صاحب دين، يصلي، لا, هذا كلام باطل، لا تكفي الصلاة حتى يكون صاحب دين .
 قال سيدنا عمر لرجل:

((من يعرفك؟ قال: فلان يعرفني، قال: ائتني بمن يعرفك، أتى بشخص، وقال: هذا يعرفني، قال له: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: هل حاككته بالدرهم و الدينار؟ قال: لا، قال: هل جاورته؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه))

نصيحة لك :

 فيا أيها الأخوة، كلمتان، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾

[سورة التوبة الآية: 119]

 لا بد لك من مجلس علم، لا بد لك من أخوان مؤمنين، اسهر مع المؤمنين، ادع المؤمنين، سافر مع المؤمنين، شارك المؤمنين الصادقين، وليس المزعبرين، حتى لا تصاب بخيبة أمل .

((لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ))

[أخرجه ابن حبان في صحيحه]

 وإن الصدق في الأفعال يهدي إلى البر، وإلى العمل الصالح،

((إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018