رياض الصالحين - الدرس : 051 - باب وجوب أمر أهله بالصلاة - المهمة القدسية التي أنيطت في عنق الآباء تجاه أولادهم وخطورتها إذا تفلتوا منها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 051 - باب وجوب أمر أهله بالصلاة - المهمة القدسية التي أنيطت في عنق الآباء تجاه أولادهم وخطورتها إذا تفلتوا منها


1998-05-30

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

ما الذي يسعد الأب في حياته, وما الذي يشقيه؟ :

 أيها الأخوة الكرام، الإمام النووي رحمه الله تعالى, عقد باباً في كتابه رياض الصالحين، سماه: باب وجوب أمر أهله بالصلاة, وأولاده المميزين، وسائر من رعيته، بطاعة الله تعالى، ونهيهم عن المخالفة، وتأديبهم, ومنعهم من ارتكاب كل منهي عنه .
 أولا: ربنا عز وجل صمم الإنسان بطريقة أسرية، كل إنسان له أب, وأم, وأولاد، وأخوة, وأخوات، ووضع في قلب الأب والأم من الرحمة والعطف الشيء الذي لا يوصف، من الذي يشقي الأب؟ أن يرى ابنه شقياً، من الذي يسعده؟ أن يرى ابنه سعيدا، لذلك أحد أكبر مصدر للشقاء: شقاء أولاد الإنسان، وأحد أكبر مصدر سعادة الإنسان: أن يرى أولاده سعداء.
 وحينما كنت مسافراً إلى أمريكا قلت لهم: لو أن الإنسان عندكم حقق نجاحا إدارياً كنجاح كلينتون، وحقق نجاحا ماليا كنجاح أوناسيس، وحقق نجاحاً علمياً كنجاح أنشتاين، ولم يكن أولاده كما يتمنى يشقى بشقائهم .
 أنا أقول لكم: أخطر موضوع يعاني منه الأب, أن يرى ابنه شقياً، إما بتفلته من الدين ، أو بعدم صلاته، أو بعدم انضباطه، أو بعد توفيقه في الحياة، يبقى الابن الشقي طعنة في صميم القلب، إلا أن المشكلة مثل السرطان تماماً، يكشف بعد فوات الأوان، السرطان لا يكشف في البدايات أبداً، ولا سيما سرطان الثدي، كحبة العدس، لا يكشف، إلى أن يصبح الورم كالبرتقالة فيُكشف، لكن بعدما انكشف, انتشر في الدم، نسميه انتقالاً، انتقل المرض عبر الدم إلى كل أماكن الجسم وانتهى .
 والمشكلة: أن كشف هذه المشكلة, تكون بعد فوات الأوان، أما الانتباه لها في الوقت المبكر, فيحتاج إلى علم، يحتاج إلى فهم، يحتاج إلى متابعة، أن تكشف المشكلة قبل فوات الأوان .
 طفل محبب مهمل، في سن معينة, هو بعيد عن أمه وأبيه، فجأة ينسلخ منهما، ويوالي أهل السوء، غاب عن البيت، جاء الساعة الثانية ليلاً، سألته, تهجم عليك، ضرب أمه، ضرب أخوته، تطاول على والده، انتهى .
 الآن: اكتشفنا الورم الخبيث، متى؟ بعد فوات الأوان، أما لو كان صغيراً دون الخامسة, كان معك، وعلمته الدين، وعلمته القرآن، وعلمته الفقه، وعلمته البطولة، علمته إنفاق المال في سبيل الله، علمته ارتياد المساجد، علمته أخلاق المسلمين، فهمته عن أصحاب رسول الله، حببته بالمسلمين، صار معك معيناً، قال تعالى:

﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة الصافات الآية: 102]

 ولا شيء أسعد على الإطلاق, أن يكون ابنك معيناً لك في حياتك، من أن يكون ابنك منضبطاً، من أن يكون ابنك في خدمتك، من أن يكون لك لا لغيرك .

حقائق من واقعنا :

 أخواننا الكرام، هناك آباء يبكون الآن دماً، لي قريب سنة 1974، ترك مئة مليون، وكلكم تجار, وتعرفون معنى مئة مليون سنة 1974، قبل أن يموت بخمسة أيام, قال لزوجته ، وقد وجد أولاده متفلتين، شاردين، قال ابن لأمه: هذه البنت إذا لم تخطبيها لي، يجب أن تسبح بين الرجال، شرطه أن تسبح بين الرجال، هذا طلبه، علم الأب بطلب ابنه، فقال كلمة، قالها واحترق قلبه، اعتصر قلبه، قال: اتبعنا –باللغة الدارجة- العراط, تركنا الذهب، جمع ثروة طائلة, اعتبرها فحماً، وترك أولاده, واعتبرهم ذهباً، أهمل أولاده .
 كل واحد منا يا أخوان معرض لهذه المصيبة، أن يكتشف أن ابنه منحرف، ابنه زان، ابنه شارب للخمر، ابنه له سهرات لا ترضي الله، ابنه له غطات مع رفاق السوء، ابنه لا يعبأ بالدين إطلاقاً، ماذا تفعل به؟ ابنك، كم من أب سيق إلى المخفر ليرى ابنه ملقى القبض عليه؟ إذا لم ترع ابنك وهو صغير دون الخامسة، إن لم ينشأ على طاعة الله، إن لم ينشأ على محبة الله، إن لم ينشأ على محبة رسول الله، محبة أصحاب رسول الله، محبة المؤمنين، إن لم يتأدب بأدب الإسلام، إن لم يعرف الخير، عود ابنك أن يكون معك في مجالسك، عود ابنك أن يكون عنده تفكير حر، عود ابنك أن يكون كريم النفس، لا تقمعه قمعاً، علمه تعليماً .

((علموا أولادكم ولا تعنفوهم، فإن المعلم خير من المعنف))

 لما تربي ابنك تربية عالية، وتراه يصلي، ويغض بصره، وهو صادق أمين، له سمعة طيبة، يُدخِل على قلبك من السعادة, واللهِ ما لا يوصف .
 مرة قلت لأب، وابنه صالح، والأب فقير، أقسمت له بالله أيماناً معظمة: إن هذا الابن لو كُشف لك الغطاء, لرأيته أغلى من ألف مليون دولار, تلمسها بيدك، ابنك متفلت، هذا لا يعرف إلا بعد الموت، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[سورة الطور الآية: 21]

 كل أعمال ذريته في صحيفتك، لأنه تعب، فإذا بذلت خمس وقتك لأولادك، تجلس معهم، تحفظهم كتاب الله، تأخذهم إلى معهد شرعي، تنشئهم على طاعة الله، تصلي معهم، تداعبهم، ينتمون إليك، ولا ينتمون إلى أولاد الجيران، لا تقل: ليس لدي وقت، إذا لم يكن لديك وقت, فأنت لست ناجحاً في الحياة .
 أخي أنا أخرج قبل الشمس، قبل أن يستيقظوا، وأعود بعد أن يناموا، يحسب نفسه ملبِّيًا للغرض، وأفلح، هو جندي، لا بد من وقت تصرفه في خدمة أولادك .
 كثير من الأخوان يسافرون, ويتركون بيوتهم، ليس هناك رجل، تفلت الأولاد، والبنات انحرفن، والأبناء وقعوا في الفاحشة، ليس هناك أب، فأكبر دخل يأتيك, وأنت بعيد عن أهلك وأولادك خسارة، وأقل دخل يأتيك, وأنت مع أولادك تربيهم هو ربح .
 أقول كلاماً عن معاناة: كل إنسان يعمل في الدعوة، بحكم عمله, تأتيه مئات القصص ، والقصص كلها خبرات، كلها تجارب، كلها حقائق، من له ابن يبذل من أجله في اليوم ساعة أو ساعتين، فلما يستقيم، و يصلح حاله، يكون عندئذ قرة عين لوالديه، قال تعالى:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾

[سورة الفرقان الآية: 74]

ما وراء هذه الآية :

 أيها الأخوة الكرام، الإمام النووي رحمه الله تعالى, عقد في كتابه رياض الصالحين باباً سماه: باب وجوب أمر أهله، دقق في هذه الآية:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 أهليكم، كما أنك مكلف أن تقي نفسك النار, فأنت مكلف أن تقي أهلك النار، لأن البنت يوم القيامة –هكذا ورد في بعض الآثار– تقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي.

قصتان لهما عبرة :

 هناك قصة مشهورة: أن طفلاً صغيراً فقيراً سرق بيضة، فعلمت أمه, فأثنت عليه، تفاقم الأمر حتى وقع في جريمة، حكم عليه بالإعدام، فلما وقف أمام المشنقة ليعدم، قيل له: ألك حاجة؟ قال: أن أرى أمي، فجاؤوا بها إليه، قال: يا  أمي, مدي لسانك كي أقبّله قبل أن يحين الحين، مدت لسانها فقطعه بأسنانه، وقال: لو لم يكن هذا اللسان مشجعاً لي في الجرائم ما فقدت حياتي .
 لا تكذب أمام ابنك، لا تقل له: أنا لست هنا، لا تؤاخذني، أنت بهذا العمل مجرم، طفل صغير، وأبوه جالس في البيت، دق الجرس، قال له: قل له: لست موجوداً، هذا هو الكذب .
 لي قريب مقيم في أمريكا، جاء إلى بلده الشام، معه طفل, عمره خمس سنوات، في أثناء النهار أزعج أهله، قالت له جدته: اهدأ وارتح، وفي المساء آخذك معي، فركن، في المساء لم تأخذه، قال لها: أنت كذابة، على الفطرة .
 علمه الصدق، علمه على الأمانة، اهتم به، أمّن له كل حاجاته، علمه القرآن، اعتن به ، واتركه معك دائماً .
 هناك آباء كبار في عيني، يوم العيد يأخذ أولاده على المراجيح، يسرّه، هذا مقامه، لم يبعثهم وحدهم، خاف عليهم، لم يحرمهم، ولم يتركهم، أخذهم بيده، وألعبهم .
 كان النبي عليه الصلاة والسلام يدخل بيته، يركب الحسن والحسين على ظهره، يمشي على أربع، هذا سيد الأمة، سيد الأمة، سيد الخلق هكذا، في البيت واحد من أهل البيت .

قف عند هذا الكلام :

 أيها الأخوة, هذا الكلام أقوله لكم من محبتي: كل واحد منكم مسلم غال على الله، ومستقبلنا في أولادنا، فلا بد أن تقعد مع أهلك، وأن تعلمهم، لا أبالغ أنك لو أخذت الأهل نزهة, فأدخلت عليهم السرور، والله هي كالعبادة في سبيل الله، من يصدق أنه خرج في نزهة وكسب أجراً؟ إذا كان الهدف أن تدخل على قلب أهلك السرور ضمن الأدب، وليس في المقهى ، حيث الغناء, والنساء كاسيات عاريات، ليس هذا مكاننا نحن أبداً، هذا ليس مكان المؤمنين الطاهرين .
 فالمؤمن لما يكون إيمانه قوياً, فكل حركاته وسكناته في سبيل الله، حتى لو جلس مع أهله، حتى لو قعد مع أولاده أربع ساعات، وأصغى لهم، وناقشهم، وسمع لهم، وأضحكهم، وأدخل على قلبهم السرور، المؤمن إذا دخل إلى البيت, يصير في البيت عيد، وهناك آباء بمجرد أن يدخلوا البيت –والعياذ بالله– دخل معه البلاء إلى البيت، يصرخ دائما، ويضرب، ويضجر، ويسب, فصار وجوده في البيت مشكلة وعبئاً، وإذا خرج من البيت يقول أهله: الحمد لله ارتحنا، يتنفسون أهله الصعداء .
 أعرف أبناء مرض أبوهم، فلما جاء الطبيب, وقال لهم: حالة عرضية، لم يحتملوا ذلك ، انزعجوا جداً، نريد أن يموت، هذا الأب بخيل إلى آخرته، ينتظر أهلُه موتَه، الأب البخيل .
 هناك صديق أب, توفي من يومين، رأى ابنه، فسأله: إلى أين ذاهب؟ قال: أنا ذاهب لأسكر على روح أبي, والله هذا الكلام دقيق، كلام واقعي، كلام فيه معاناة، انتبهوا .
 أحد أكبر مصادر سعادتك أولادك، والأبوة المثالية طريق إلى الجنة، الأبوة المثالية رسالة، رسالتك أولادك، والمسلمون بخير إذا كان أولادهم بخير، وإذا كان أولادهم شرقاً, وغرباً، وانحرافات, لا يعلمها إلا الله، أين المسلمون؟ ألا ترى في الطريق نساء كاسيات عاريات؟ أين آباؤهم؟ أين أمهاتهم؟ أين أخوتهم الذكور؟ أين أزواجهم؟ هؤلاء المسلمون، قال تعالى:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[سورة مريم الآية: 59]

ما هي المسؤولية التي وقعت في عنقك أيها الأب من خلال هذه الآية؟ :

 أيها الأخوة, الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 أنت محاسب على أهلك، محاسب عن بيتك، فيه معصية، فيه مخالفة، فيه صحن هوائي، وغافلك ابنك، وجلس إلى الساعة الخامسة فجراً، يرى أشكالاً وألواناً، وقع في شبكة الزنا، وقع في عادات منحرفة جداً، فلم يعد يصلي، أنت حتى ترى حوارا في الشارقة، حتى ترى ندوة الاتجاه المعاكس, هدمت أولادك، اقرأ كتاباً بدل ذلك، انتبهوا أيها الأخوة .

حدق البصر في هذا :

 قال لي مرة شخص كلاماً, وصار يبكي، قال: ماذا أريد أن أقول؟ قال: ابنتي حامل من ابني، من جراء هذا الصحن، هذه مصيبة، إذا أكلت الزيت والزعتر فليس مصيبة، إذا كان غداؤك كأس شاي مع خبزة يابسة فليس مصيبة، هذا وسام شرف، لكن الأخرى مصيبة، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 أذكر لكم هذا الكلام من قلبي، وليست القضية قضية معلومات, كتب، تجارب، حالات تنتهي إلى سمعي .
 أحد علماء دمشق الأجلاء, جاءه شخص، قال له: أرجوك أن تذكر قصتي على المنبر ، وأنا سامحتك، عندي صحن، وكنت سهران مع زوجتي, وأولادي، يدير القنوات، فوقع على منظر خبيث، فقلبناه، وما انتيهت أن ابني حفظ رقم المحطة، قال لي: الساعة الثانية عشرة نعسنا, فنمنا، استيقظت الساعة الثانية على صوت أنين، وجد ابنه على ابنته، قال له: اذكرها على المنبر، وذكرها على أشهر منابر دمشق، أين يذهب المسلمون؟ في أي طريق يسيرون؟ طريق الهلاك .
 فأنا أتمنى على أخواننا الكرام، اعتنِ بأولادك، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

 لما أرى الابن مع أبيه في المسجد, كأنك أعطيتني مليون ليرة، وأنا يهمني ابنك أكثر منك، لا تغضب مني، أنت نجوت، في هذه السن لا تفعل شيئا، أما ابنك فهو معرض لكل انحراف، نحن واللهِ في العيد من باب تشجيع الصغار في الزيارة, نضع أكلات غالية، وهدية عيد لكل طفل, جاء مع أبيه، يحب المسجد، كم أخذنا الصغار على المسابح، سبحوا، أكلوا، ولعبوا الكرة، وفق رغباته المشروعة، حتى يحب القرآن، يحب السنة، يأتون إلى الدروس.
 فالقضية: أن خصوم المسلمين أذكياء جداً، وأقوياء, وأغنياء، فإذا لم يكن المسلمون كحد أدنى مثلهم بتربية أولادهم, ضاعت هذه الأسر، وتجد هؤلاء الشباب متسكعين في الطرقات .

أمر الهي آخر موجه إليك أيها الأب :

 أيها الأخوة, الآية الثانية:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[سورة طه الآية: 132]

 سيدنا عمر حينما طعن واغتيل قبل الفجر، بعدما طُعن وسال منه الدم، وقبل موته بدقيقة, كان قلقاً على شيء، شيء محيّر، ماذا يقول؟ قال:

((هل صلى المسلمون الفجر؟))

 مطعون، اغتالوه، ودمه يسيل، ويخاف أن المسلمين لم يصلوا الفجر:

((هل صلى المسلمون الفجر؟))

 يأتي الأب فيقول للأم: هل أكل الأولاد؟ أكلوا، هل جاؤوا؟ جاؤوا، هل لبسوا؟ لبسوا، هل سأل مرة: أصلى الولد العشاء قبل أن ينام؟ ليست مشكلة، اسأل أمه: هل صلى العشاء؟ هل صلى الفجر حاضراً؟ هذا هو المطلوب من الدرس، قال تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[سورة طه الآية: 132]

 اعتن بأولادك، قد يكون البيت متواضعاً جداً, وهو قطعة من الجنة، وقد يكون البيت ثمنه مئة وستون مليوناً, وهو قطعة من جهنم، هذه مفارقات الحياة، هناك بيت صغير في رأس الجبل، فيه زوج, وزوجة, وأولاد مربون, قطعة من الجنة، وتجد بيتا في أفخر أحياء دمشق متفسخ، فيه انحراف، فيه شقاء زوجي، قال تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[سورة طه الآية: 132]

 بطولتك في بيتك، بطولتك أن تكون زوجاً ناجحاً، وأن تكون أباً ناجحاً، وأن تكون صاحب يبت منضبط، وأن تربي أولادك تربية عالية، هذه بطولتك، إذا نجحت فهنيئا لك.
 أحيانا أخ في المسجد ممتاز، قال لي: عندي ثلاث بنات، والله معك حق، بعثنا له خطيباً، فرأى البنات بثياب فاضحة، قال الأب: أنا واللهِ لم أقدر عليهم، نشأت متفلتاً، وعرفت الله بعد الخمسين، أنا الآن بناتي بهذا الوضع، لا سيطرة له عليهم، هذا شيء صعب جداً.
 المشكلة: صارت بعد فوات الأوان، وهو صغير, من السهل جداً أن تربيه، أما إذا كبر, وفلت من يديك, انتهى أمرهم، ذكراً كان أو أنثى، والبنت أصعب .
 فيا أيها الأخوة، هذا الباب باب خطير، قال تعالى:

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾

[سورة طه الآية: 132]

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

[سورة التحريم الآية: 6]

إليكم هذه الأحاديث التي تشمل معنى درسنا اليوم :

 عمر بن أبي سلمة رضي اللَّه عنهما: قال:

((كنتُ غُلاما في حجْرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت يَدي تطيشُ في الصحفَة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياغلامُ سَمَّ اللَّه، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يلَيك، فما زالتْ تلك طِعْمَتي بعدُ))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح وأبو داود والترمذي في سننهما ومالك في الموطأ]

 انظر على هذا التهذيب،

((يَا غُلَامُ, سَمِّ اللَّهَ, وَكُلْ بِيَمِينِكَ, وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ))

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤول عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ ومَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، -قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))

[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما عن ابن عمر]

نهاية المطاف :

 أيها الأخوة, آخر كلمة أقولها لك: لا تصدق أن ثمة إنساناً على الأرض أو جهة, تحل محلك في تربية أولادك، تقول: الزمن فسد، ماذا نفعل؟ المدرسة مقصرة، وأنت مسؤول وحدك ، وليس هناك جهة تحل محلك، أنت مَسْؤُولٌ أمام الله عن أولادك، والأولاد أمانة في عنق والديه، والله سبحانه تعالى الموفق .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018