رياض الصالحين - الدرس : 066 - باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد - متى يقبل الله النفقة في سبيله؟ وهل إذا أنفق الرجل من ماله ينقص, وما الفائدة من هذا الدرس التي ينبغي أن نجنيها؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 066 - باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد - متى يقبل الله النفقة في سبيله؟ وهل إذا أنفق الرجل من ماله ينقص, وما الفائدة من هذا الدرس التي ينبغي أن نجنيها؟


1999-05-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

إليكم هذه الأحكام الفقهية التي تتعلق بموضوع الإنفاق فيما أمره الله :

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في رياض الصالحين، من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم، والباب اليوم: باب الإنفاق مما يحب ومن الجيد .
 أيها الأخوة, قد تستغربون، وقد لا تصدقون, أن رجلاً عنده محل يبيع الألبسة الجاهزة والأحذية، في أحد أسواق دمشق المهمة، أراد أن يرسل الزكاة من بضاعته، فأرسل إلى أحد المساجد أحذية، كل حذاء بقياس مخالف للثاني، ممكن؟ عنده مخزون كبير، حذاء يساري والثاني يميني، مقياس أحدهم 41، والثاني 42، و36، 38، كل واحد بمقياس، وواحد يساري والثاني يميني، أرسل هذه البضاعة كزكاة ماله إلى بعض المساجد، ألقيتْ في المهملات، فالذي يتألم له الإنسان أشد الألم, أن الشيء الذي لا تحبه، الشيء الذي تبغضه، الشيء الذي تشمئز منه, تدفعه كزكاة مالكك، مع أن الله عز وجل يقول:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 92]

 أي الشيء الذي تحبه، والشيء الذي تحرص عليه، الأكلة التي تحبها، إلا أن العلماء استثنوا الألبسة، أما في الطعام, فلا يجوز أن تعطي ما تكره، قال تعالى:

﴿وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ﴾

[سورة البقرة الآية: 267]

 أما في اللباس فمسموح لك أن تقدم ثياباً جيدة، لكن أنت لا تحب هذا اللون، الأذواق مختلفة في الثياب، فإذا كانت الثياب نظيفة وجيدة, يأخذها وهو طيب القلب، ففي الطعام لا يقدّم إلا الجيد، أما في الثياب فمسموح أن تقدم ثيابك التي لا تعجبك الآن، أو قياسها صغير، يمكن أن تقدمها للفقراء، وهذا من السنة, قال تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 92]

 لأن هذا الذي تحبه هدية إلى الله عز وجل، وكلما كان الذي تقدم له الهدية كبيراً عندك تعتني بالهدية، إذا كان للإنسان أقرباء في مستوى رفيع جداً، وأراد أن يقدم لهم هدية يختار أجمل شيء، أفخر شيء، أغلى شيء، حتى الغلاف يختاره من أعلى مستوى، حتى الشريط، حتى الورق, هكذا الهدية، فإذا كان الشيء مقدماً لله عز وجل, فيجب أن يكون في أعلى مستوى .
 الآية الكريمة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾

[سورة البقرة الآية: 267]

 لو أن الإنسان حج من مال حرام، فإذا وضع رجله في الركاب, وقال: لبيك اللهم لبيك, يناديه مناد فيقول:

((لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك))

 هذا إذا كان المال حراما، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾

[سورة البقرة الآية: 267]

 أنفق المال الحلال الطيب، الذي من كسبك، قال تعالى:

﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾

[سورة آل عمران الآية: 188]

 أنفق من مال اكتسبته أنت، أنفق من مال طيب، أنفق من مال زكي، قال تعالى:

﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾

[سورة البقرة الآية: 267]

قارن :

 حدثني شخص عن شيء, واللهِ يندى له الجبين، قال لي: في مطعم كانت أسرة جالسة، طلبت دجاجاً، هناك خادمة، بعد أن يأكلوا اللحم, يبقى العظم، وعليه بقية لحم صغيرة جداً، تقدمه سيدة الأسرة للخادمة، هذا عمل يغضب الله عز وجل .
 هناك بيوت فيها ظلم شديد، هناك بيت فيه خادمة، وكان عندهم وليمة، والوليمة فيها ما لذ وطاب من الطعام، بقي بعض الأكل من أسبوع، فألزمت السيدة الخادمة أن تأكل وحدها هذا الطعام القديم، ولم تذق من الطعام الجديد لقمة واحدة .
 لما يخسف ربنا عز وجل بأسرة تأتي فجأة نقمة الله عز وجل، وهذا بأسباب، كلما كانت علاقتك مع الله قوية تتأدب مع الله .
 وقد بلغني، -وما أدري مبلغ هذا الحديث من الصحة-, أن النبي الكريم رأى تمرة على السرير فأكلها، فحجب عنه الوحي أسبوعين، فقال:

((يا عائشة, لعلها من تمر الصدقة))

  تمرة واحدة أكلها خطأ, حدب عنه الوحي أسبوعين تقريباً .
 وفي حديث آخر: عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ:

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ نَائِمًا, فَوَجَدَ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِهِ فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا, ثُمَّ جَعَلَ يَتَضَوَّرُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ, وَفَزِعَ لِذَلِكَ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ, فَقَالَ: إِنِّي وَجَدْتُ تَمْرَةً تَحْتَ جَنْبِي فَأَكَلْتُهَا, فَخَشِيتُ أَنْ تَكُونَ مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ))

 لذلك:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 92]

 وقال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾

[سورة البقرة الآية: 267]

 إذا قدم الإنسان هدية لله عز وجل, يقدمها في أعلى مستوى.
 حدثني أخ كريم، أنه كان من تجار العصرونية, رجل صالح جداً، توفي رحمه الله، إذا دعا الموظفين إلى الأكل, لا يأكل معهم حتى لا يستحوا، فإذا انتهوا من الطعام, أكل ما بقي من طعامهم، ومات في ليلة القدر، وهو يتلو القرآن، وعاش عمراً مديداً, أمضاه في الصلاح، فقضية الهدية يجب أن تقدَّم لله عز وجل في أعلى مستوى .

اقرأ أيها التاجر :

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:

((كَانَ أَبُو طَلْحَةَ رضي الله عنه أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ, وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ, وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا, وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ, فِيهَا طَيِّبٍ, قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

 جاء أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ اللَّهَ َتَعَالَى أنزل عليك

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

 وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ, وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ, أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ تعالى, فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ, ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ, وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ, وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ, فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ))

 

[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

 كان من كبار أغنياء الصحابة، لكن غناه كان نخلاً.
 وبالمناسبة: كم تعيش النخلة من السنوات؟ قرابة ستة آلاف عام، النخل التي في المدينة التي أكل منها النبي لا تزال قائمة حتى الآن، تعيش النخلة ما يزيد عن ستة آلاف عام.
 وقال لي أحد أخواننا: إن في العراق خمسين مليون نخلة، لم يبق منها بعد الحرب إلا النذر القليل، كانت أكبر ثروة في العراق غير النفط النخيل، والتمرة عبارة عن صيدلية، فيها ست وخمسون مادة غذائية، التمر فيه مواد مهدئة، فالذي عنده انفعالات حادة, التمر فيه مواد مهدئة، والتمر فيه مواد قابضة، فالذي عنده ميوعة زائدة في الدم, فالتمر فيه مواد قابضة، والتمر فيه مواد ملينة، قال تعالى:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾

[سورة مريم الآية: 25]

 فالمرأة الحامل, تحتاج إلى مادة ملينة, كي تبقى الأمعاء فارغة، فيكون الطريق سهلاً لخروج الجنين، تحتاج إلى مادة مهدئة ومسكنة, وتحتاج إلى مادة قابضة، لأن بعد الولادة هناك عشرة آلاف شريان سينقطع، فلا بد من مادة قابضة، ومادة ملينة، ومادة مهدئة، مادة سكرية هي الطاقة، وكل هذا في التمر، وقالوا: التمر صيدلية بكاملها، من فيتامينات، وفيه ثمانية معادن، تقريباً ربع حاجتك من المعادن في اليوم, يؤمّنها لك مئة غرام من التمر .
 وفي حديث عَائِشَةَ قَالَتْ:

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ, بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ, يَا عَائِشَةُ, بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ أَوْ جَاعَ أَهْلُهُ, قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا))

 والتمر لا يتلوث أبداً، وله بحث طويل، فيه مواد مهدئة، ومادة مرممة، ومواد سكرية ، ومواد قابضة، ومواد ملينة، وهو أنسب فاكهة للمرأة التي على وشك الولادة، قال تعالى:

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾

[سورة مريم الآية: 25-26]

 وهي من الأشجار المعمرة .
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال:

((كَانَ أَبُو طَلْحَةَ رضي الله عنه أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ, وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ, -وهو بستان كله نخل قبالة المسجد النبي-, وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْخُلُهَا, وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ, –بستان فيه نبع ماء، كله نخيل أمام المسجد النبوي، هذه له، وهي أحب ماله إليه، فرضاً: يكون لأحدنا أرض بالمليحة، وأرض بالمخيم، وأرض بالمعرة، وأرض في الزبداني؛ حيث المناظر جميلة، والهواء نقي، ونبع ماء نقي، مسوّرة، كلها مشجرة، هذه أحب ماله بيرحاء-.
قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

 جاء أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ اللَّهَ َتَعَالَى أنزل عليك:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

 وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ, وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ, أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا –أي خيرها- عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ, وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ, فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ))

 

[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]

استنبط هذه الحقيقة من هذه الحادثة مع مثال عليها :

 أتمنى عليكم أن تضعوا أيديكم على هذه الحقيقة، هذه الحقيقة تستنبط من حادثة بسيطة جداً .
 فعَنْ عَائِشَةَ:

((أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَقِيَ مِنْهَا, قَالَتْ: مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا))

[أخرجه الترمذي عن عائشة في سننه]

 النبي عليه الصلاة والسلام جاءته شاة، وأراد أن يوزعها، وزع معظمها، ولم يبق منها إلا القليل، فخشيت عائشة رضي الله عنها أن يوزعها كلها، وتبقى بلا طعام، فقالت:

((يا رسول لم يبق إلا كتفها، فقال عليه الصلاة والسلام: بل بقيت كلها إلا كتفها))

 توسيعاً لهذا المثل أقول: الشيء الذي تستهلكه زال، والشيء الذي تنفقه بقي، ما الذي يفنى؟ الذي تستهلكه، وما الذي يبقى؟ الذي تنفقه .
 مثل آخر: يروى أن سيدنا عمر, أنه أمسك تفاحة بيده أعجبته، كبيرة الحجم، عبقة الرائحة، طيبة المذاق، أمسكها ليأكلها، قال:

((أكلتها ذهبت، أطعمتها بقيت))

 فلو فرضنا هذه الأرض بيرحاء التي يحبها كثيراً سيدنا طلحة، أمضى فيها كل يوم ساعتين أو ثلاثاً، أشجار النخيل، الثمار طيبة، ينبوع ماء، إلى أن جاءه الموت، تركها وذهب، ٍأما حينما أنفقها قبل أن يموت, جعلها لنفسه ذخراً في الجنة, فالشيء الذي تستهلكه، والذي تنفقه يبقى .
 وأنا أنصح أخواننا الكرام، لا تعتمد على الورثة أبداً، والله عندي أكثر من عشر وصايا لم تنفذ واحدة منها، أهل الميت لا تسخو أنفسهم لتنفيذ الوصية، أبونا لم يكن يعلم، نحن أولى، مزقت كل هذه الوصايا، لم يرضوا بتنفيذها .
 أعرف رجلاً, ترك أربع بنايات لأولاده قبل أن يموت, تمنى أن يكتب مبلغ مئة ألف، والله لم ينفذوا الوصية، لذلك: درهم تنفقه في حياتك, خير من مئة ألف درهم يُنفق بعد مماتك.
 أحدهم ترك له والده قريباً من مئة مليون سنة 1974، سأله أحدهم وقد رآه ماشياً: إلى أين ذاهب؟ قال: أنا ذاهب لأسكر على روح أبي.

 

((روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول: يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حل و حرم، وأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة علي))

 فَقَالَ:

 

((يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ اللَّهَ َتَعَالَى أنزل عليك

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

 وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ, وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ, أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ, -هذا هو الربح الحقيقي، الشيء الذي تنفقه-, وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الْأَقْرَبِينَ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ))

 

.

 

سؤال يكثر ترداده :

 أيها الأخوة, كثير من الأخوان يسألونني: أحوالنا فاترة، صلاتنا ليس فيها حال، وليس فيها إقبال، ليس فيها تأثر، نقرأ القرآن فلا نتأثر، نحن مستقيمون، نصلي فلا نشعر بشي، نذكر الله فلا تأتينا النفحات، فما السبب؟ .
 في أحسن الأحوال، في أحسن التأويلات, أنك إذا كنت مستقيماً, سلمت من عذاب الله ، لكنك لا تسعد باستقامتك، لا تسعد إلا بإنفاقك، إن أردت السلامة, فاستقم على أمر الله، وإن أردت السعادة, فاعمل عملاً صالحاً, يقربك إلى الله .

قصص ليست خيالية وإنما واقعية :

 أحد أخواننا طبيب أسنان, هو متفوق جداً، جاءته مدرِّسة معلمة في الابتدائي، في أسنانها خطأ، قال لي: تقويم الأسنان يكلف سبعين ألفاً، فلما ذكر لها الأجرة, أحجمت واعتذرت، قال لي: وهي تعتذر، هذه معلمة، ومنظر فمها غير مقبول، وهو مثار الضحك والسخرية من قِبل الطالبات، فقال: نويت أن أقوّم لها أسنانها لوجه الله تعالى، قال لها: نحن نبدأ بالتقويم، وإن شاء الله تسرِّين، قال: بقيت ستة أشهر تقريباً عشت في جنة، هو عنده مئتا مريض، وكلها فواتير ضخمة، ثمانون ألفاً، أما هذه فلله عز وجل، قال: والله عشت ستة أشهر في أسعد حال، قدمت شيئاً لله، فلما انتهى قال لها: يا أختي هذه هدية، بارك الله بمالك, لا أبتغي شيئاً .
 فأتمنى من كل أخ, أن يكون له عمله لوجه الله، لا تبتغ منه أجرة, ولا سمعة, ولا ثناء, ولا مكانة، ولا تنويهًا ولا شكرًا في الجريدة، ولا رخامة، هو عمل لوجه الله، بينك وبين الله خالص، هذا الذي يسعدك .
 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ))

 لذلك اسأل نفسك هذا السؤال: لو أن ملك الموت جاءك فجأة، ما العمل الذي تعرضه على الله إذا وقفت بين يديه؟ وهل أنت مخلص في هذا؟.
 ورد في بعض الصحاح, عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أولَ النَّاسِ يُقْضَى يومَ القيامةِ عليه, رجلٌ استُشْهِدَ، فأُتِيَ بِهِ ، فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ, فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيك حتى استُشْهِدتُ، فقال: كذبتَ، ولكنكَ قاتلتَ لأن يقالَ: جَرِيءٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وَجْهِهِ، حتى أُلقيَ في النَّارِ, ورجلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ, وَعَلَّمَهُ، وقرأَ القرآن، فَأُتيَ به، فعرَّفهُ نِعَمَهُ, فَعرفَهَا، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تَعلَّمْتُ العِلْمَ, وعلَّمْتُهُ، وقرأْتُ فيكَ القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنكَ تعلَّمْتَ العلم ليقال: عالمٌ، وقرأتَ القرآن ليقال: هو قارئ، فقد قيل، ثُمَّ أُمِرَ به، فَسُحِبَ على وجهه، حتى أُلقيَ في النَّارِ، ورجلٌ وسَّعَ اللهُ عليه، وأَعطَاهُ من أَصنافِ المال كُلِّهِ، فأُتيَ بِهِ, فعرَّفهَ نِعَمه، فعرفها، قال: فما عَمِلْت فيها؟ قال: ما تَركتُ من سبيلٍ, تُحِبُّ أَنْ يُنفَق فيها, إِلا أَنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنكَ فعلت ليُقَال: هو جَوادٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به, فَسُحِبَ على وجهه, ثم أُلقيَ في النَّارِ))

[أخرجه مسلم في الصحيح والنسائي في سننه]

 فينبغي أن تبحث عن عمل, تقدمه بين يدي الله عز وجل، وأن يكون هذا العمل خالصاً لله تعالى، تبتغي به وجه الله .
 السبت الماضي, زارني طبيب في البيت، والله تكلم كلاماً, بقيت ساعات في نشوة كلامه، له عيادة خاصة، ويعمل في مستشفيات خاصة، وله وظيفة في مستشفى عام، يقسم بالله إنه يبقى مع مرضى المستشفى العام إلى الساعة الواحدة ليلاً، يعتني بهم، وكأنهم في عيادته، قال: هؤلاء واسطتهم الله، فقراء، أقسم بالله يعتني بهم عناية، يتابع حالاتهم، طعامهم، شرابهم ، أحياناً: عشر ساعات، يأتي بيته الساعة الواحدة، أين كان؟ في مستشفى عام، فهذا مؤمن، الذي يرى هذا المريض الفقير، هذا واسطته الله عز وجل .
 أقسم لي رجل يعمل في سجن عدرا، أن قاضيًا يأتي من دمشق، فيقيم في السجن عشر ساعات، يلتقي مع مساجين الذين دعاواهم مرفوعة عنده واحداً، يا بني! خصمك قدم هذه الوثيقة، هل هذه صحيحة؟ إذا كانت مزورة, فأخبرني حتى لا أظلمك، يا بني! محامو خصمك قدم مذكرة فاقرأها، فيها إشكال، لأنه يخاف الله عز وجل، يذهب يوم الثلاثاء إلى السجن عشر ساعات, يسأل المساجين مسجوناً مسجوناً, عما قدِّم في حقه من مذكرات، وشهادات, ووثائق، لعل يكون فيها شيء من الغلط أو التزوير، يتأكد بنفسه حتى يستطيع النوم، لأنه قاض .
 أخواننا الكرام، لا بد من عمل صالح، قال تعالى:

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر الآية: 10]

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[سورة الكهف الآية: 110]

 كثير من أخواننا في رمضان, يحبون أن يدعوا طلاب العلم الأجانب، شيء طيب جداً، طلاب أفارقة, وأتراك، وشيشان، وداغستان، طلاب علم، فهذا يقدم لهم الطعام عشاء فاخراً، ويؤنسهم، ومع كل واحد ظرف فيه مبلغ من المال هدية في رمضان، هذا عمل لوجه الله، لا يعرف واحدا منهم، تتبنى طالب علم، أو لك دفعات لأسرة فقيرة، لك عمل طيب .
 أحد أخواننا, له سيارة يعيش من دخلها، صدمته سيارة، وصل مؤخرة السيارة إلى المقعد الخلفي، لا بد لتصليحها من مبلغ سبعين ألف ليرة، والذي صدمه, يريد أن يضربه أيضاً، قال لي: كان هناك امرأة, تمشي في الطريق فجاءته، وقالت له: هذه تصليحها علي، لا تتأسف، يبدو أنها امرأة ميسورة الحال، رأت إنساناً, مظلوماً, فقيراً، سيارته محطمة، فقالت له : تصليحها علي .
 الإنسان مخبوء بثوبه، إنسان لا عمل له, لا قيمة له عند الله تعالى، طبيب، مهندس، محام، مدرس، تاجر ....
 هناك مطعم في حلب، يبيع الحمص والفول، الصحن بخمس ليرات، جاءه طفل وقال له: أعطن بربع ليرة صحن فول لآكل، فقال للخادم: أعطه صحناً عادياً بخمس ليرات كاملاً، قال: بربع ليرة، فقال: بخمس ليرات .
 هناك إنسان عنده رغبة لإكرام الناس، فأنت اسأل نفسك هذا السؤال: هل لك عمل طيب خالص لله عز وجل، لا تبتغي به إلا وجه الله عز وجل؟ .
 هذا درس اليوم، وأنفق مما تحب، لا تنفق مما تكره، قال تعالى:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[سورة آل عمران الآية: 92]

 بيرحاء أجمل أرض قدّمها لله عز وجل .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018