الدرس : 23 - سورة الأنفال - تفسير الآية 64 ، لا قلق من أي خوف إذا كان الله حسبك - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 23 - سورة الأنفال - تفسير الآية 64 ، لا قلق من أي خوف إذا كان الله حسبك


2010-01-01

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

 

الله سبحانه وتعالى لم ينادِِ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم باسمه تكريماً وتعظيماً له:

أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثالث والعشرين من دروس سورة الأنفال، ومع الآية الرابعة والستين وهي قوله تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

( الله لم ينادِ رسوله محمداً باسمه في القرآن كله تكريماً وتعظيماً له
حينما تقرؤون القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى لم ينادِِ رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم باسمه، قال:

 

﴿ يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 35 )

قال:

 

﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ ﴾

( سورة هود الآية: 48 )

يا نوح، يا آدم.

 

﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة المائدة الآية: 116 )

﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾

( سورة الصافات )

ما قال الله في القرآن كله يا محمد، بل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾

و:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾

( سورة المائدة )

تعظيماً له، لأنه سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، الله عز وجل أوصله إلى سدرة المنتهى.

 

﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

( سورة النجم )

الإسراء والمعراج تكريم من الله عز وجل بعد جفوة البشر لهذا النبي العظيم:

بل إن الإسراء والمعراج جاء تكريماً من الله، بعد جفوة البشر لهذا النبي العظيم، لذلك ما محنة إلا وبعدها منحة من الله، وما من شِدة إلا وبعدها شَدة إلى الله، وأي مؤمن حينما يحافظ على طاعته لله وعلى استقامته، إن جاءته محنة فليعلم علم اليقين أن بعد هذه المحنة منحة، وإن جاءته شِدة وبقي طائعاً، مستقيماً، متوجهاً إلى الله، فبعد هذه الشِدة شَدةٌ إلى الله.
الإسراء والمعراج تكريم من الله لهذا النبي العظيم
فالنبي عليه الصلاة والسلام كما ترون ما خاطبه باسمه أبداً، بينما خاطب معظم الأنبياء بأسمائهم.

 

﴿ يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾

( سورة مريم الآية: 12 )

﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾

( سورة الصافات )

﴿ قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ ﴾

( سورة هود الآية: 48 )

﴿ يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ﴾

﴿ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾

ولم يقل الله عز وجل في القرآن كله يا محمد،

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾

الفرق بين مقام النبوة ومقام الرسالة، مقامة النبوة درجة قرب أعلى.
فلما مرّ الصديق بأحد الصحابة وهو سيدنا حنظلة رآه يبكي، قال له: " مالك يا حنظلة تبكي ؟ قال: نافق حنظلة، قال له: ولَمَ يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين، فإذا عافسنا الأهل ننسى، من أدب الصديق قال له: يا أخي وأنا كذلك، انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انطلقا إليه وحدثاه بما جرى، قال له النبي الكريم: نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا، مقام النبوة إقبال مستمر على الله، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة، لو بقيتم على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة، ولزارتكم في بيوتكم ".

 

النبوة مقام إقبال وقرب واتصال دائم بالله عز وجل والرسالة مقام تبليغ ودعوة إلى الله:

النبوة مقام إقبال وقرب لله والرسالة مقام تبليغ ودعوة إلى الله
معنى ذلك مقام النبوة مقام القرب، و الإقبال على الله، أعلى مستوى في الإقبال القرب، مقام الأنبياء، اتصال دائم، إقبال دائم، وأما مقام الرسالة مقام الرسول معه رسالة ينبغي أن يبلغها، فأحياناً في موضوع التبليغ:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ﴾

( سورة المائدة الآية: 67 )

في مقام القرب:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾

النبوة مقام إقبال وقرب، واتصال دائم بالله عز وجل، والرسالة مقام تبليغ ودعوة إلى الله، والنبي عليه الصلاة والسلام ما خوطب باسمه إطلاقاً بل خوطب بمقام النبوة:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾

وخوطب بمقام الرسالة بحسب السباق.

 

 

 

الله عز وجل أودع بالإنسان الشهوات والشهوات حيادية:

إذاً الآية الرابعة والستون

 

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾

هناك نقطة دقيقة جداً يجب أن تكون واضحة لديكم، هو أن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب الكافر لأنه كفر به، بل يعاقب الكافر لأنه من لوازم كفره أن يعتدي على الآخرين، كيف ؟
الشهوات التي أودعها الله في الانسان حيادية
الله عز وجل أودع بالإنسان الشهوات، والشهوات حيادية، أودع فيه حب المرأة، أودع فيه حب النساء.

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )

حبّ المال، ما من إنسان على وجه الأرض يستطيع أن يقول: أنا لا أحب المال، إنسان يصرح، إنسان لا يصرح، أما هذا الميل أودعه الله فينا، أودع فيه حب العلو في الأرض، ما من إنسان إلا ويتمنى أن يكون ذا شأن كبير، يشار إليه بالبنان، يحترمه الناس، يعظمونه، أيضاً هذا مما أودعه الله فينا، ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾

 

﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )

المركوب، سابقاً خيل والآن سيارة.

 

﴿ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 14 )

المزرعة، أي بيت، وسيارة، ومكان للاصطياف ـ مزرعة ـ، وامرأة، هذه الشهوات الكبرى التي أودعها الله في الإنسان.

 

الإنسان بالشهوات يرتقي صابراً و شاكراً:

أخواننا الكرام، الكلام دقيق جداً، ما أودع الله فينا هذه الشهوات إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، كيف ؟ الإنسان بالشهوات يرتقي صابراًويرتقي شاكراً
الله عز وجل أعطاك منهجاً، افعل ولا تفعل، وإذا قال لك: افعل في هذه الحدود، فحينما أودع الله في الإنسان حب المرأة شرع له الزواج، بالإسلام لا يوجد علاقة بين الرجل والمرأة إلا علاقة زواج، لا يوجد خليلة، لا يوجد عشيقة، لا يوجد صاحبة، هناك زوجة، المرأة أم، بنت، أخت، خالة، عمة، زوجة، هذه المرأة، الإسلام نظيف جداً.
الله عز وجل أودع الشهوات، فإذا أخذنا ما سمح الله به ارتقينا إلى الله شاكرين، وإذا تركنا ما نهانا الله عنه ارتقينا إلى الله صابرين، فأنت بالشهوات ترتقي صابراً، وترتقي شاكراً، إذاً هي حيادية، هي كالبنزين في السيارة، إذا وضع هذا البنزين في المستودع المحكم، وسال في الأنبوب المحكم، وانفجر في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، ولّد حركة نافعة أقلتك أنت وأهلك إلى مكان جميل، أما إذا صُبت هذه الصفيحة على السيارة، وأصابها شرارة، أحرق المركبة ومن فيها، سُلم نرقى بها إلى أعلى عليين، أو دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين، لولا الشهوات ما ارقينا إلى رب الأرض والسماوات.

 

بطولة الإنسان أن يتحرك بدافع شهواته وفق الحيز الذي سمح الله له فيه:

بطولة الإنسان أن يتحرك بدافع شهواته وفق الحيز المسموح به
كلام آخر: ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
مرة حدثني زميل في العمل، قال لي: أنا في مرحلة من حياتي كنت شارداً، وارتكبت أخطاء كبيرة جداً، ثم أكرمني الله بزوجة، أقسم لي بالله، قال لي: والله ساعة مع زوجة والله راضٍ عني أسعد من ألف ساعة مع امرأة لا تحل لي، هذه الفطرة.
إذاً أيها الأخوة، الله عز وجل حينما أودع الشهوات أعطاك حيزاً مسموحاً به، كل بطولتك أن توقع حركتك من خلال هذه الشهوة في هذا الحيز، لا يوجد بالإسلام حرمان، أنا أخاطب الشباب، حرمان لا يوجد، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
مثلاً إنسان تزوج، يتم اللقاء الزوجي، ويقوم على قيام الليل، ويبكي في الصلاة لأنه فعل شيئاً يرضي الله، وما خرج عن منهج الله، وكل إنسان يتقصى طاعة الله عز وجل يهديه إلى سبلها، لذلك بطولتك أن تتحرك بدافع شهواتك وفق الحيز الذي سمح الله لك فيه.

 

الله تعالى لا يعاقب الكفار على كفرهم بل يعاقبهم على جرائمهم لانحرافهم واعتدائهم:

اللهلا يعاقب الكفار على كفرهم بل يعاقبهم على جرائمهم
لذلك الله عز وجل لا يعاقب الإنسان إذا كفر به، لكن من لوازم الكفر الآن دخلنا في الموضوع الدقيق، من لوازم الكفر العدوان، الإنسان إذا أراد الدنيا، وكفر بالآخرة، لا تكفيه زوجته، وهذا حال معظم الفسقة، يجب أن يعتدي على امرأة ثانية، قريبة، موظفة... إلخ، لأن شهوته إلهه.

 

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

( سورة الفرقان الآية: 43 )

مرة ثالثة لا يعاقب الكافر على كفره، يعاقب الكافر على إساءته، لأنه اعتدى على أعراض الآخرين، أو اعتدى على أموالهم، لا يكفيه رزقه، يريد أموالاً مملينة.
فلذلك الله عز وجل لا يعاقب الكفار على كفرهم بل يعاقب الكفار على جرائمهم، لأنه من لوازم الكفر أن تنحرف.

 

 

التلازم الحتمي بين الكفر و العدوان:

من لوازم الكفر العدوان
الآن أدلة:

 

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الماعون )

يجب أن تؤمن أن هناك تلازماً حتمياً بين الكفر وبين العدوان، العالم ترونه دولاً قوية جداً، تحتل بلاداً، تقتل ملايين، ملايين مملينة، مليون قتيل، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، بدعوى البحث عن سلاح شمولي في بلد عربي، لا تصدق إنساناً كفر بالله عز وجل اكتفى بما أتاه الله عز وجل، من لوازم الكفر العدوان، دقق:

﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾

( سورة المؤمنون )

من لوازم عدم الإيمان بالآخرة إنسان قوي وبإمكانه أن يأخذ أموال معظم الناس ويعيش حياة تفوق حدّ الخيال، لَمَ لا يفعل ؟.

 

الانحراف الشديد يحتاج إلى غطاء عقدي هو الإلحاد:

لذلك الانحراف الشديد يحتاج إلى غطاء عقدي هو الإلحاد، ما السبب أن نظرية دارون راجت رواجاً عجيباً ؟ وأنا أقسم لكم بالله دارون نفسه حينما قال: "إن لم يثبت العلم نظريتي فهي باطلة "، دارون تصور أن الفأرة تأتي من الخرق البالية، وأن الضفدع تأتي من الوحل، وأن الديدان تأتي من تفسخ اللحم كل إنسان يتحرك بغطاء والمجرم يحتاج لغطاء الإلحاد
هذا كتابه في أصل الأنواع، قال: "إن لم تثبت العلم نظريتي فهي باطلة"، الآن علماء الغرب الكبار الذين آمنوا بهذه النظرية رفضوها رفضاً كلياً، ومع ذلك ما من بلد في العالم حتى البلاد الإسلامية تُدرس هذه النظرية في المدارس، وهذه النظرية تعني أن الله غير موجود، شيء عجيب ! لماذا ؟ هذه النظرية مريحة، تلغي المسؤولية، تلغي الدار الآخرة، تلغي الحساب، كل سلوك يحتاج إلى غطاء عقدي.
بقال حضر درس علم، قال المدرس: شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، ما هذا ! حديث رائع، فيه يضيف للحليب ماء، هذه كبيرة، هكذا قال النبي، ما من حركة تتحركها إلا بحاجة إلى غطاء، يسمونها فلسفة، أو تصوراً، أو المنطلقات النظرية، فكل إنسان يتحرك بغطاء، الغطاء الذي يحتاجه المجرم الإلحاد.
نظرية دارون راجت بالعالم مع أنها باطلة فقط لأنها تلغي المسؤولية
لذلك نظرية دارون راجت رواجاً مذهلاً بالعالم، أقسم لكم بالله عندي دراسة دقيقة جداً لمعظم العلماء الذين آمنوا بهذه النظرية، رفضوها رفضاً قاطعاً، السبب أن هذا الإنسان الذي كان وحيد الخلية المخلوق، وتطور صار إنساناً، اسمه كائن مرحلي، وحيد الخلية، الإنسان يوجد بدماغه مئة و أربعون خلية، هذا المخلوق المرحلي لم يعثر عليه إطلاقاً، بل إن الأحافير ـ معنى الأحافير أي آثار الكائنات الحية بالصخور، أحياناً يثور بركان، حمم البركان تتراكم فوق الكائنات الحية، بعد آلاف السنين هذه الحمم تتصخر، لو كسرت لكان بداخلها شكل الحيوان الذي دفن معها ـ تؤكد أن المخلوقات التي عاشت قبل 530 مليون عام هي نفسها الآن باطلة كلياً، لماذا هي رائجة ؟ تلغي المسؤولية، معنى ذلك أن الإنسان يعتقد عقيدة تريحه، وقد تكون غير واضحة.
أوضح مثل: صديقان عزما العزم على شراء سيارتين، أحدهما اشترى سيارة والثاني لم يشترِ، في البلد سرت إشاعة أن هناك مشروع قانون بتخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف، الذي اشترى يكذب هذه الإشاعة من دون دليل، والذي لم يشترِ يصدقها من دون دليل، تكذيب الإشاعة مريح لمن اشترى، وتصديقها مريح لمن لم يشترِ.

على الإنسان ألا يعتقد شيئاً من دون دليل قطعي:

انتبه ما كل ما تعتقده صواباً، كل الأحاديث التي فيها شفاعة بالمعنى الساذج تعلق الناس بها، لأنها مريحة، كل أخطائك غُفرت، مثلاً:

 

(( من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه))

[ الشيخان عن أبي هريرة].

على الإنسان ألا يعتقد شيئاً من دون دليل قطعي
والله شيء مريح، عش عشرين أو ثلاثين سنة بالمعاصي والآثام، و بعد ذلك قم بحجة فترجع كيوم ولدتك أمك، من قال لك ذلك ؟ لا يغفر في الحج إلا الذنوب التي بينك وبين الله وحدها فقط، وما بينك وبين العباد لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة.

صحابي جليل جاهد مع رسول الله، واستشهد، جاء ليصلي عليه، قال: أعليه دين ؟ قالوا: نعم، قال: صلوا على صاحبكم، ما صلى عليه، أخوه في الله تألم ألماً شديداً قال: يا رسول الله عليّ دينه، فصلى النبي عليه، سأله في اليوم التالي: أأديت الدين ؟ قال: لا، سأله في اليوم الثالث: أأديت الدين ؟ قال: لا، في اليوم الرابع، قال: أديته، فقال عليه الصلاة والسلام: الآن ابترد جلده.

أنا أتمنى على الأخوة الكرام ألا يعتقدوا شيئاً من دون دليل قطعي، العقيدة خطيرة إذا توهمت الشفاعة بالمفهوم الساذج تفاجأ يوم القيامة:

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾

( سورة الزمر )

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ].

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة].

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة].

(( وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ].

هذا الدين.

 

من لوازم الكفر ارتكاب الجرائم:

من لوازم الكفر ارتكاب الجرائم
لذلك الله عز وجل لا يعاقب الكفار على كفرهم بل يعاقبهم على جرائمهم، لأنه من لوازم الكفر ارتكاب الجرائم، والعالم الآن أوضح شاهد، ماذا يجري ؟ احتلال دول، قتل بالآلاف، بالمئات، بالملايين، قتل، إبادة، نهب ثروات، إذلال، الغرب اتخذ قراراً بالإفقار، ثم بالإضلال، ثم بالإفساد، ثم بالإذلال، ثم بالإبادة، الله عز وجل يعاقب الكافر على جرائمه، مثلاً:

 

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

( سورة العلق )

﴿ أَرَأَيْتَ ﴾

! أين الجواب ؟ هذا الذي ينهى عن الصلاة، ويحارب الدين، انظر إلى سلوكه، كاذب، منافق، شهواني، يرتكب أعمال إجرامية كثيرة جداً،

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

( سورة القصص الآية: 50 )

من لم يكن على الحق فهو على الباطل حتماً:

يوجد بالحياة شيء اسمه اثنينية، حق وباطل، خير وشر، صدق وكذب، أمانة وخيانة، فإن لم تكن على الحق فأنت على الباطل حتماً، الدليل:

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

دعك من كلامه، دعك من أقواله، دعك من معتقداته، دعك من تصوراته، انظر إلى سلوكه، فيه عدوان، وكبر، يأخذ ما ليس له، يغتصب شركة، يغتصب بيتاً، لأن حركته شهوانية،

﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

والهوى ليس له حدود.
من لم يكن على الحق فهو على الباطل حتماً
لذلك الحديث القدسي الصحيح:

(( يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم، كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام، كن فيكون وأخذي كلام، ذل فيزول، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله، ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ].

﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾

( سورة إبراهيم الآية: 7 )

فسيدنا إبراهيم عندما ألقي في النار، جاءت ضفدع كانت قد ملأت فمها ماء ونفثته على النار، لكن هذه الضفدع لا يمكن أن تطفئ هذه النار، وهناك كائن آخر صار ينفخ، لا هذا الكائن زادها اشتعالاً، ولا هذه الضفدع أطفأتها، لكن كل كائن أخذ موقفاً، هناك موقف أخذته أنت، قد تقف مع الحق، وقد لا يؤثر هذا الموقف في دعم الحق، إنسان ضعيف، وقد تقف مع الباطل، وقد لا يؤثر هذا الموقف في ازدياد الباطل، لكن أخذت موقفاً.

 

الإنسان إن لم يستقم على أمر الله ولم يتحرك وفق منهجه لابدّ من أن يعتدي على الآخرين:

إذاً أيها الأخوة، القضية أن الإنسان إن لم يستقم على أمر الله، وإن لم يستنر بنور الله، وإن لم يتحرك وفق منهج الله، لا بد من أن يعتدي على حقوق الآخرين.

 

(( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ].

الإنسان إن لم يستقم على أمر الله لابدّ من أن يعتدي على الآخرين
هل تصدقون أن العالم الغربي قتل ثلاثمئة ألف زنجي ؟ والله هناك جرائم مرتكبة بالعالم العقل لا يصدقها، هذا الكفر، من لوازم الكفر العدوان، العدوان يومي، بأحدث الطائرات f16، والأباتشي، قُتل أطفال صغار، ونساء ضعيفات، ألف و ثلاثمئة امرأة وطفل قتلوا في غزة، بأحدث الأسلحة، المجتمع الغربي بأكمله عقد مؤتمراً بشرم الشيخ، البيان الوحيد جئنا من أجل أن نمنع تهريب السلاح إلى فلسطين، هل تصدقون هذا الكلام ؟.
هذه الجرائم ضد الإنسانية، اعمل كلمة، تصريحاً، استنكرها، أبداً، جئنا من أجل منع تهريب السلاح إلى الفلسطينيين،

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

في بعض البلاد المحتلة بشرق آسيا، وضعوا خمسة آلاف إنسان في قلعة كبيرة، وتركوهم بلا طعام ولا شراب حتى أكل بعضهم جلد بعضهم، وشربوا بولهم، ثم قصفوا بالطائرات حتى أبيدوا عن آخرهم، الخبر عادي جداً، شيء طبيعي.
أنا أقول: هؤلاء الطغاة كيف ينامون الليل ؟ هذا الذي هدم سبعين ألف بيت في غزة هذه السنة السادسة ولا زال حي يرزق، والله يمد بعمره، الله كبير،

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

الله عزّ وجل شرفنا وكرمنا بعبادته وحده سبحانه:

لذلك:

﴿ يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 7 )

اشكر الله، يوجد باليابان شركات عملاقة، أهل اليابان ماذا يعبدون ؟ شيء لا يصدق هناك من يعبد الحجر، هناك من يعبد الشجر، هناك من يعبد الشمس والقمر، هناك من يعبد النار، هناك من يعبد الأعضاء التناسلية عند الرجل، هناك من يعبد موج البحر، هناك من يعبد الجرذان في آسيا، فالله عز وجل شرفنا وكرمنا بعبادة الله وحده، الواحد الأحد، الفرد الصمد.
لذلك لا تقلق على هذا الدين إنه دين الله، ولكن اقلق ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له، لا تقلق، إن الله سبحانه وتعالى قادر أن ينصر هذا الدين بالرجل الفاجر.

 

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

شيء آخر: لا تقلق من وجود الباطل، الباطل قديم، الباطل قديم قدم الإنسان، ولكن البطولة أن لا ينفرد الباطل بالساحة، هناك باطل، وهناك ملاهي، وهناك جوامع، وهناك أعمال ساقطة، وهناك فن هابط لا يرضي الله، الباطل قديم، ولكن البطولة أن لا ينفرد الباطل بالساحة.
الآية الكريمة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾

المؤمن له مرتبة علمية وأخلاقية وجمالية
يكفيك، بلد فيه ما يقدر بخمسين مليون إنسان، وله ملك قوي جداً، بيده كل شيء، الجيش، والشرطة، والوزارات، والأموال، كل شيء بيده، فإذا عاداك مئة ألف بهذا البلد، وكان معك الملك، أنت رابح أم خاسر ؟ الكلام دقيق، مئة ألف عادوك في بلد، كلهم مواطنون عاديون، الملك الذي بيده كل شيء معك، فأنت الرابح الأول.

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾

كل شيء بيد الله عز وجل، كل شيء بيده، هذا التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، أنت بالتوحيد وبالدعاء أقوى إنسان في الأرض.

(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ].

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟.

(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي، أعرف ذلك من نيته فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ورد في الأثر].

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ أي واحد منكم وقد يكون شاباً صغيراً، من أسرة فقيرة، وظيفته متواضعة جداً، إذا كان الله معك أنت أغنى إنسان، وأقوى إنسان، و أعلم إنسان، الله يحب المؤمن الذي نفسيته عالية جداً، أنت مؤمن الإيمان مرتبة علمية، وأخلاقية، وجمالية.
ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، ولو اتخذه لعلمه.
لأنك مؤمن لك مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية.

 

من أقام أمر الله فيما يملك كفاه الله ما لا يملك:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾

من أقام أمر الله فيما يملك كفاه الله ما لا يملك
بعضهم قال: حسبك الله أي يكفيك الله، يكفيك الله فيما لا تملك أسبابه، نحن هل نملك أسباب أن نلغي الغرب القوي كله ؟ لا نملك، العالم الإسلامي بأكمله لا يملك أن يلغي الغرب، حسبك الله فيما لا تملك أسبابه، وفيما تملك أسباب

ه ﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

كل إنسان هناك شيء لا يملكه، وشيء يملكه، فالذي تملك أسبابه المؤمنون يعاونك، المؤمنون بعضهم لبعض نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم.

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 10 )

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾

( سورة التوبة الآية: 71 )

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾

فيما لا تملك من أسبابه شيئاً،

﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

فيما تملك، أو أنت كإنسان تملك دائرة أمرك فيها نافذ، بيتك، كل إنسان له بيت هو الأب، هو المنفق، شيء طبيعي جداً أمره نافذ في زوجته، وفي أولاده، وفي بناته، لكن لا يملك ورماً خبيثاً، هذا شيء لا يملكه، لا يملك طاغية جباراً، فالله عز وجل كأنه يقول لنا: أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك، انتهى الأمر.

 

إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية: 11 )

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
إذا لم تغير ما في نفسك من الشرود إلى الهدى، من المعصية إلى الطاعة، من الغفلة إلى الذكر، الله لا يغير شيئاً عندك، بل إن مشكلة المسلمين الأولى أنهم يفعلون ما يحبون، يعيشون وفق أهوائهم، وينتظرون معجزة من الله تنصرهم على أعدائهم، هذا شيء مستحيل

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾

يكفيك الله فيما لا تملك أسبابه، أقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك.

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 126 )

﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 160 )

أما فيما تملك تحتاج إلى جنود، إلى من يعينك،

﴿ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

وفي درس قادم إن شاء الله نتابع الآيات.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018