مختلفة - سوريا - الدرس : 08 - جمعية المكفوفين ـ فلسفة المصائب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

مختلفة - سوريا - الدرس : 08 - جمعية المكفوفين ـ فلسفة المصائب


2000-01-04

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته وقادة ألويته و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 أيها الأخوة الكرام ، والله غمرتموني بمدح لا أستحقه ، لكن هذا حسن ظنكم بي ، وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم فإذا انتهت هذه الكلمة التي سألقيها ووجدتم ما كنتم تتوقعون فالفضل لله عز وجل ، وإلا فحسبكم الله ونعم والوكيل .

من ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة تحلّ معظم مشكلاته :

 أيها الأخوة الكرام ، بادئ ذي بدء هذا الكون يدل على خالق عظيم ، خالق حكيم ، خالق عدل ، خالق خلق الإنسان لجنة عرضها السماوات والأرض ، خلقه لجنة فيها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، خلقهم لجنة ليس فيها كل متاعب الأرض ، لا يوجد تقدم بالسن ، ولا يوجد كبر ، ولا فقد حاسة من الحواس ، ولا زوجة سيئة ، ولا ولد عاق ، ولا ارتفاع أسعار ، ولا قهر ، ولا ضغوط عالمية ، خلقه لجنة عرضها السماوات والأرض ، يدفع ثمن الجنة في الدنيا ، فالإنسان حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة تحل معظم مشكلاته .
 الإمام ابن عطاء الله السكندري يقول : ربما أعطاك فمنعك ، وربما منعك فأعطاك . وقد يكون المنع عين العطاء ، وحينما تكشف لك الحكمة في المنع يصبح المنع عين العطاء ، أقسم لكم بالله والله هذه الكلمات التي سوف أقولها هي والله في كل خلية من جسمي وفي كل قطرة من دمي ، يوم القيامة يكشف الله لك حكمة ما ساقه إليك من أي شيء ، إذا لم تذب كالشمعة محبة له فهذا الدين ليس دين الله عز وجل ، إذا لم تذب كالشمعة محبة له على كل ما ساقه إليك الدليل :

﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾

( سورة يونس الآية : 10 )

 علاقة العباد جميعاً بربهم يوم القيامة بكلمة واحدة .

 

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

 أيها الأخوة ، دققوا في هذا الكلام الطيب الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام:

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ من كنز العمال عن ابن عمر ]

 أيها الأخوة ، أفضل مليار مرة أن تكون مصاباً بالتهاب معدة حاد وأمامك حمية صارمة من طبيب محب ، من أن يكون الإنسان مصاب بورم خبيث يقول له الطبيب كُلْ ما شئت .

 

﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً ﴾

( سورة الأنعام الآية : 44 )

 هذه المعاني أيها الأخوة ، تملأ القلب رضا عن الله ، إن إنسانًا كان يطوف حول الكعبة يقول : يا رب ، هل أنت راضٍ عني ؟ كان الإمام الشافعي يمشي وراءه ، قال له : " يا هذا ، هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : سبحان الله ! من أنت ؟ قال : أنا محمد بن إدريس ، قال : كيف أرضى عن الله ، وأنا أتمنى رضاه ؟! قال : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله " .
 فالإنسان حينما يرضى عن الله في المصيبة ، قال سيدنا علي : الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين .

 

بطولة الإنسان أن يرضى عن الله عز وجل :

 أيها الأخوة ، الذي دارس رياضيات ، الذي معه شهادة ثانوية يدرك هذا المثل ، واحد في الأرض ومئة وستة وخمسين مليون كيلو متر من الأصفار ، وكل ميليمتر صفر ، هذا الرقم ضعه صورة لكسر ، وضع مخرجه لا نهاية ، القيمة صفر ، هذا من بديهيات الرياضيات ، أيّ رقم مهما كان كبيراً إذا نسب إلى اللانهاية فهو صفر ، الآخرة لا نهاية ، وأي عطاء في الدنيا يملك مثل بيل كيت تسعين ملياراً ، أو أي إنسان يتربع على أقوى دولة في العالم كبوش ، أي إنسان بمنصب رفيع أو بمال وفير أو بصحة طيبة أو بزواج ناجح ، هذه الدنيا لو أنها تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء .
 هذه المعاني أيها الأخوة تجعل الإنسان الذي أكرمه الله ببلوى كالمرجل يرضى عن الله ، ويقدم على طاعته ، ويخدم عباده ، والله بين يدي كتاب أشرف عليه والله إذا صدر سوف يحدث قنبلة في الشام أو في البلاد الإسلامية ، كبار العمالقة ، كبار العلماء ، كبار الخطباء ، كبار المصلحين ، كانوا مصابين بعاهات كبيرة لحكمة بالغة بالغة البطولة أن نرضى عن الله ، البطولة أن نرى الدنيا محدودة .

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء :

 الإنسان من أدق تعاريفه بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، إنسان له والدة قد شلت خدمها سنوات طويلة ، خدمها برعاية بالغة سنوات مضت بقي الأجر ، الإنسان إذا امتحنه الله في الدنيا بمصيبة هذه المصيبة سوف تنتهي ، ولكن ماذا يبقى ؟ أن يقول العبد يا رب لك الحمد ، والله لو يعلم الإنسان كم عند الله للصابرين :

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (10)﴾

( سورة الزمر )

 لكن أنا أضع بين أيديكم بحث علمي دقيق ، يوجد بالدنيا حظوظ ، الذكاء حظ ، طلاقة اللسان حظ ، الغنى حظ ، قوة الإقناع حظ ، الوسامة حظ ، الصحة حظ ، هذه الحظوظ كيف وزعت في الدنيا ؟ وزعت توزيع ابتلاء ، أنت ممتحن فيما أعطاك ، وممتحن فيما زوى عنك هنا المشكلة ، ممتحن فيما آتاك الله وممتحن فيما زوى الله عنك :

 

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر )

 صحة طيبة ، دخل كبير ، زوجة ، أولاد ، مكانة ، سمعة ، فيقول هو هذه مقولته :

 

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر )

 قس على هذا أي شيء ، يقول هو ربي أهانن ، لم يأتِ الجواب لا ، لا أداة نفي ، جاء الجواب :

 

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر الآية : 17 )

 كلا أداة ردع ، لقد أخطأتم يا عبادي ، ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء .

 

من رضي بما قدّر الله عليه رضي الله عنه :

 أنت حينما تكتشف هذه اليد الرحيمة العليمة الحكيمة التي أرادت هذا القرار ، والله أحياناً أنا أقول لإنسان يشكو من شيء ، أقول له ألا تحب الله ؟ يقول بلى والله ، أقول له هذا قرار الله ، بطولتك أن تقبله ، أن تقول يا رب لك الحمد .
 والله حدثني طبيب بمستشفى جاءهم مريض مصاب بالسرطان في الأمعاء ، شيء يلفت النظر ، مبتسم ، كلما دخل مَن يعوده يقول له : اشهد أنني راض عن الله ، يا رب ، لك الحمد ، عجيب إذا قرع الجرس تتهافت الممرضات لخدمته ، غريب غرفة منورة ، فيها تجلٍّ ، فيها روحانية ، كأن هذه الجنة قطعة من الجنة ، وما شكا ولا تألم ولا رفع صوته ، والآلام لا تحتمل ، بقي أياماً معدودة وتوفاه الله ، ولحكمة بالغة بالغة بالغة ، جاء مريض آخر إلى الغرفة نفسها ، والأطباء نفسهم ، والممرضون نفسهم ، ما مِن نبي ما سبّه هذا المريض الثاني ، سبّ الدين ، إذا قرع الجرس لا أحد يدخل ، الله عز وجل أعطى موظفي هذه المستشفى درساً لا ينسى ، المصيبة نفسها ، مع مؤمن راض عن الله والله أيها الأخوة حينما تأتي مصيبة ويقول العبد يا رب لك الحمد أنا راض ، هل أنت راض عني .
 إنسان سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وهو سيد ولد آدم يكون بالطائف ، ضرب بالطائف ، ضرب وهو سيد الخلق وحبيب الحق ، ضرب ، واستهزئ به ، وكذب ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، خمس دول إسلامية محتلة ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، إلى من تكلني ؟ هذا من ؟ سيد الخلق وحبيب الحق وسيد ولد آدم ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ، وفي سنده ضعف ]

 حينما كان الإسراء والمعراج اكتشف أنه سيد الأنبياء والمرسلين ، لذلك كل محنة وراءها منحة وكل شدة وراءها شدة إلى الله عز وجل ، والله يقولون الحزن خلاق ، الحزن يصنع الرجال ، الحزن يفعل شيئاً لا يصدق .

 

لن يسمح الله عز وجل لأي إنسان أن يدخل الجنة دون أن يبتلى :

 الآن حوصر النبي عليه الصلاة والسلام حتى أكل أصحابه أوراق الشجر ، سنوات ثلاث ، وفي معركة الخندق :

﴿ إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا(12)﴾

( سورة الأحزاب )

 قيل للشافعي : " يا إمام ، أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ فقال : لن تمكن قبل أن تبتلى " .
 إنسان ابتلي بفقد عينيه ، إنسان ابتلي بمشكلات لا تعد ولا تحصى ، كل إنسان يبتلى بشيء ، أنا أقول لكم مستحيل وألف ألف ألْف مستحيل أن يسمح لك بدخول الجنة دون أن تبتلى والدليل :

﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

الدنيا دار التواء لا دار استواء :

 هذه الدنيا أساسها الابتلاء ، أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي .
 كنت مرة في إدلب التقيت مع طبيب من كبار أطباء إدلب ، قال لي : يوم كنت طالباً في جامعة حلب ، هو يذهب إلى إدلب كل خميس ، كان في سيارة عمومية خمسة ركاب ، قال لي صعدت إلى المقعد الأول ، قال : جاء إنسان فتح الباب ، وهو حجمه صغير ، قال لي : ما تكلم ولا كلمة ، أمسكني من ثيابي وحملني وألقاني خارج السيارة معه صديقه ما قال له انزل ، قال والله لو قال لي انزل لما حزنت ، لم يكلمني أبداً كأنني ذبابة ، قال لي أصابني الألم ، كدت أموت من الألم ، وأقسم لي بالله لو معي سلاح لقتلته ، احتقار لا يحتمل ، إنسان جالس طالب طب ، يأتي إنسان كالوحش يحمله من ثيابه ويركب ويقول للسائق امشي ، مشى السائق ، قال أصابتني آلام انتظرت ساعتين حتى يأتي ركاب وما كان في ركاب كثر ، وركبت السيارة الثانية ، عند تفتناز السيارة قالبة والخمسة ميتون ، قال لي خلال ثانية انقلب قلباً ، شكر لله عز وجل .

وراء كل مصيبة حكمة من الله عز وجل :

 والله أيها الأخوة كل إنسان أصيب بمصيبة وصبر عليها إذا ما تأتي ساعة يذوب كالشمع محبة لله على هذا المصاب الذي أصابه الله به ، الله عز وجل حكيم ، ورحيم ، وعادل ، و رؤوف ، وجميل ، وخلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ، وإذا أعطى أدهش ، لذلك قال علماء العقيدة : لا يجوز أن تقول الله ضار هو من أسمائه الضار ، قل الضار النافع ، لأنه يضر لينفع ، قل الخافض الرافع يخفض ليرفع ، قل المانع المعطي يمنع ليعطي ، يبتلي ليجزي ، هذه أسماؤه الحسنى يجب أن تذكر اسمين اسمين ، الحقيقة قضية المصيبة حينما نفهم حكمتها دقق في هذه الآية ، الله عز وجل يخاطب المؤمنين ، يخاطب أحبابه ، يخاطب أولياءه ، يخاطب الذين يحبونه :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة )

كل إنسان مبتلى بما أعطاه الله أو بما زوى عنه :

 أهل الكهف كانوا في القصور إذا هم في الكهف ، جعل الله كهفهم جنة ، هذه رحمة الله عز وجل تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، رحمة الله ، فإذا رحم الله عبده ألقى في قلبه نوراً والله في آلاف المبصرين ، في مئات ألوف المبصرين ، في مئات ملايين المبصرين ، في آلاف ملايين المبصرين ، عميت بصائرهم ورأوا الباطل حقاً والحق باطلاً ، وأمامهم شقاء إلى أبد الآبدين ، و هناك أناس فقدوا بصرهم لكن الله عوضهم عن فقد بصرهم ببصيرة رأت الحق حقاً فاتبعته ورأت الباطل باطلاً فاجتنبته ، هؤلاء لو كشف الغطاء والله لذابوا جميعاً شكراً لله عز وجل ، هذه فلسفة المصائب ، لذلك الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء ، أنت مبتلى فيما زوى الله عنك ، مبتلى فيما أعطاك ، أعطاك صحة مبتلى بالصحة ، لا سمح الله ولا قدر أعطاك مرضاً مبتلى بالمرض ، لكن الابتلاء سنوات معدودة تدخل الجنة وتنسى كل شيء ، المؤمن إذا جاءته المنية ورأى مقامه في الجنة يقول يا رب لم أرَ سوءاً قط ، ينسى كل متاعبه ، والذي شرد عن الله وغرق في الشهوات حينما يأتيه ملك الموت يصعق صعقة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا .

بطولة الإنسان أن ينجو من عذاب الآخرة :

 هناك بالحميدية محل تجاري يبيع أقمشة ، إذا المحلات كلها فارغة من الزبائن عنده عشرة زبائن ، بائع من الطراز الأول بضاعته من الدرجة الأولى ، لكن بعيد عن الله بعد الأرض عن السماء ، غارق في المعاصي والآثام ، مرة ابن عمه زاره يبدو كان عنده إنسانة تعمل في الفن قبلته قالت له لا تنزع طعم فمي ، الآن كان عندي فلانة ، صار معه مرض خبيث بالدم ، لما اكتشف حقيقة المرض تأتيه نوبات هستيرية ، لا أريد أن أموت ، هو يكون قريب أحد أصدقائي الخلص ، قال لي حينما وافته المنية أقسم بالله صاح صيحة لم يبقَ في البناء كله إنسان ما سمعها ، البطولة في الآخرة ، البطولة أن تنجو من عذاب الآخرة ، البطولة أن أكون طائعاً لله ، هذه المعاني أيها الأخوة تلقي في القلب الرضا عن الله عز وجل يا رب هل أنت راض عني ؟ قال هل أنت راض عني حتى أرضى عنك ؟

فلو شاهدت عيناك من حسننـا  الذي رأوه لمـا وليت عنا لغيرنا
و لو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب و جئتنا
و لو ذقت من طعم المحبة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسمـة  لمت غريبــاً و اشتياقاً لقربنـا
ولـــو لاح من أنوارنا لك لائح  تركـت جميع الكائنـــات لأجلنا
* * *

الله عز وجل  يتجلى على قلب كل مؤمن تجلياً ينسيه متاعب الدنيا :

 الله موجود يتجلى على قلب المؤمن ، يتجلى تجلياً ينسيه الدنيا وما فيها ، أين وجدها إبراهيم عليه السلام ؟ في النار ، أين وجدها أهل الكهف ؟ في الكهف ، أين وجدها سيدنا يونس ؟ في بطن الحوت ، تصور إنسان فجأة رأى نفسه في بطن الحوت .
 الحوت الأزرق الذي يزن مئة وخمسين طناً ، ويستخرج منه خمسين طناً لحماً وخمسين طناً دهناً ، خمسين طناً عظماً ، وجبته المعتدلة بين وجبتين أربعة طن ، سيدنا يونس لقمة واحدة ، والإنسان بإمكانه أن يقف في فم الحوت :

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ (88)﴾

( سورة الأنبياء)

 وكان في تغطية تحت ، إذا ما في تغطية مشكلة :

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

( سورة الأنبياء)

المصائب نوعان مصائب دفع و مصائب رفع :

 أيها الأخوة ، من أهم الأبحاث في العقيدة فلسفة المصائب ، المصائب دفع إلى الله ، هناك مصائب رفع مقامات ، لك عند الله مقام كبير ، هذا المقام لا تبلغه إلا في شدة ، أنا أقول هذه والله بشارة من الله ، كل شدة وراءها شدة إلى الله ، اقرؤوا أول سورة الإسراء :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 1 )

 الآن لو كان حفظك للقرآن متعتاًع ونسيت تتمة الآية ماذا تكمل ؟ إنه على كل شيء قدير ، هذا السياق العام ، الآية ليس هكذا :

 

﴿ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 1 )

 هذا المقام الإسراء والمعراج بلغت يا محمد سدرة المنتهى ، أنت سيد ولد آدم ، أنت سيد الخلق وحبيب الحق ، لأننا سمعنا دعاءك في الطائف وكنت صابراً وكنت محتسباً ، يا رب :

(( يا رب ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

الله عز وجل جعل متعة الدنيا متناقصة و ليست مستمرة لحكمة بالغة :

 أيها الأخوة هذه المعاني في فلسفة المصائب نحتاجها جميعاً ، لا يوجد شخص منا على الإطلاق ، بصراحة هناك بالدنيا سعادة وهناك لذة ، اللذة حسية فقط ، لحكمة بالغة بالغة بالغة ما سمح الله للذائد الدنيا أن تمدنا بمتعة مستمرة إلا بمتعة متناقصة ، الآن اشترِ بيتاً أربعمئة متر مطل على أجمل إطلالة ، أول جمعة فقط ثم بيت عادي جداً ، اركب أغلى مركبة ، ما سمح الله للدنيا أن تمدنا بمتعة مستمرة بل بمتعة متناقصة ، وإذا في معصية متعة مع كآبة ، فاللذائد تحتاج إلى أموال ، وإلى صحة ، وإلى وقت ، ولحكمة بالغة حياة الإنسان في الدنيا ، صحة ، و وقت ، و مال .
 أول مراحل حياته لا يوجد مال لكن هناك ضرس طيب يطح الحجار ، هناك صحة طيبة ووقت لكن مال لا يوجد ، اشتغل ، أسس عملاً ، هناك صحة و مال لكن لا يوجد وقت ، دوام كامل ، تقدم بالسن نزل أولاده محله وارتاح هناك وقت ومال ولكن لا يوجد صحة ، أسيد أوريك على شحوم ثلاثية على التهاب مفاصل ، ما هذه الحياة ؟ يكون ما معه ثمن طعام طيب ، صار معه ثمن طعام طيب ، بلا لحم ، لا يستطيع أن يأكل شيئاً ، انظر الإنسان بعد الخمسين يحكي بخبز النخالة ، والسلطات ، والخيار ، والشوربا ، ثم يمشي ، إما أن تمشي أو لا تمشي :

﴿ لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19)﴾

( سورة الانشقاق)

أسعد الناس من عرف الله عز وجل  و آمن به :

 والله الدنيا تمضي كأنها ساعة يا أيها الأخوة ، كل واحد له عمر كيف مضى عمره ؟ البارحة كنت بالابتدائي الآن عمره سبعون سنة ، هذه الدنيا هناك يوم مفقود الماضي ، ويوم مشهود الساعة ، ويوم موعود الموت ، ويوم مورود الجنة والنار ، ويوم ممدود إلى أبد الآبدين ، أخطر يوم اليوم المشهود ، فإذا الإنسان وفق في اليوم المشهود إلى معرفة الله وطاعته ، والله أقول لكم من أعماق أعماقي إن لم تقل وأنت بأي حال مبتلى ، غير مبتلى ، غني ، فقير ، متزوج ، غير متزوج ، دخلك محدود ، غير محدود ، إن عرفت الله إذا ما تقل أنا أسعد الناس يكون بالإيمان خلل .

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا  فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله و إن فتّتوا في حبهم كبدي  باق على حبهم راض بما فـعلوا
***

الإيمان بالله ينسي المصائب :

 والله كلمة إنسان مبتلى يا رب أنا راضٍ عنك ، أنت راضٍ عني ؟ والله لو وزنك بميزان الآخرة أموال الدنيا لا تعدلها ، إذا قلت يا رب أنا راضٍ عنك ، هذا الإيمان يا أيها الأخوة ، الإيمان ينسي المصائب ، بصراحة هناك كلمة سأقولها لكم ، أنت حينما تعرف الله أنت أكبر من أكبر مشكلة ، وحينما لا تعرف الله أنت أصغر من أصغر مشكلة ، كيف ؟ الإنسان له قلب يكبر هذا القلب بمعرفة الله ، يكبر بطاعته ، يكبر ويكبر ويكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم ، المليون ليرة يركلها بقدمه إذا فيها شبهة ، يكبر هذا القلب ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل عظيم ، ويصغر هذا القلب ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير ، أنت حينما تعرف الله أكبر من أكبر مشكلة ، وحينما لا نعرفه نحن أصغر من أصغر مشكلة ، هذا فهم عميق للمصائب ، هذا فهم عميق لحقيقة الحياة الدنيا ، الله عز وجل قدم لنا تفسيراً عميقاً متناسقاً للكون والحياة والإنسان ، وقدم تفسيراً للمصائب :

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾

( سورة الزخرف )

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158)فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159)﴾

( سورة آل عمران )

المؤمن غال على الله عز وجل :

 أيها الأخوة ، هذا الكلام لنا جميعاً أنا متأكد لا يوجد شخص ما عنده مشكلة من دون استثناء وأنا واحد منكم ، ما في إنسان ما عنده مشكلة ، لكن كل إنسان يتوهم أن مشكلته أصعب مشكلة ، وكل مشكلة أصعب من الثانية :

﴿ وَإِن كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

( سورة المؤمنون )

 هنيئاً لمن قال ربي لك الحمد أنا راض عنك هل أنت راض عني ؟ والله هذا بميزان الآخرة يساوي الدنيا وما فيها .

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ رواه الترمذي سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 أيها الأخوة الكرام ، المؤمن غالٍ على الله كثيراً ، والمؤمن حينما يبتليه الله عز وجل يجعله داعية وهو صامت ، يا أخي مبتلى وراض عن الله ، مبتلى وأعماله صالحة ، مبتلى وطليق في ذكر الله ، مبتلى والله أجرى على يده الخير ، إن شاء الله هذا الكتاب إذا صدر سوف يكون له أثر يفوق حدّ الخيال ، نحن لا ننتبه كبار العلماء ، كبار الدعاة ، كبار المصلحين كانوا مبتلين بمصيبة أصابهم الله بها ، فلذلك المصائب محك الرجال .

(( ‏إن الله تعالى يحب كل قلب حزين ))

[ رواه الطبراني والحاكم عن أبي الدرداء رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تصحيح السيوطي : حسن‏ ]

 الحزانى في كنف الله ، النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ ))

[ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وابن حبان عَنْ أَنَسٍ]

حجم كل إنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 تأخرنا عليكم ، هناك قسم ثانٍ ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، بل إن العمل الصالح علة وجودك في الدنيا بعد معرفة الله ، الدليل ، إنسان وافته المنية ماذا يقول ؟

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 100 )

 الآية ليس لعلي أنهي هذا البناء ، أو أخلص هذه البضاعة ، أو أبيع هذه الصفقة ، لا :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 100 )

 لعلي أعمل صالحاً ، على ماذا يندم عندما وافته المنية ؟ على عمل صالح ، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام وقد مشى أمام قبر مع أصحابه :

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))

[ ورد في الأثر ]

 المالك شركة مرسيدس ، شركة ميتسوبيشي ، نسلة ، نيدو ، مثلاً في شركات عالمية عملاقة أحياناً عندها فائض مليار دولار كل سنة فائض نقدي ، شركة نوكيا أربعمئة مليار فائض نقدي ، لعلي أعمل صالحاً ، على ماذا يندم عندما وافته المنية ؟ على عمل صالح لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام وقد مشى أمام قبر مع أصحابه :

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))

العمل الصالح أعظم شيء يفعله الإنسان في الدنيا بعد الإيمان بالله :

 الطريق سالك إلى الله ، القلب ينبض ، الأمل موجود ، الله عز وجل طريق الإيمان لا يحتاج إلا إلى تعرفه ، وأن تطيعه ، وتقيم أمر الله في نفسك ، وفي بيتك ، وفي عملك منتهٍ الأمر ، فلذلك بعد أن تعرف الله حجمك عند الله بحجم عملك ، أقول لكم أيها الأخوة بأي وضع كنت ، الأعمال الجليلة والكبيرة التي أجراها الله على يديك ما لها علاقة بقدراتك لها علاقة بصدقك ، اطلب فقط :

﴿ كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾

( سورة الإسراء )

 شاب مسلم من الهند كان بأمريكا استطاع أن يخترع الهت ميل ، أول سنة جاءه عشرة ملايين مشتركاً ، عرض عليه بيل كيت أن يشتري منه هذا الاختراع عرض عليه خمسين مليون دولار ، فطلب خمسمئة مليون ، وخلال عام دفعوا له ثمنه أربعمئة مليون ، إذا الله أعطى أدهش بأي وضع أنت ، بأي حالة ، بأي مستوى ، إذا أعطى أدهش ، اطلب من الله ، جهاز هاتف غالٍ جداً لكن ما في خط لا يساوي شيء ، بطولتك أن يكون لك خط ساخن مع الله ، تناجيه في الليل ، تطلب منه العطاء ، التوفيق ، الهداية ، أنا أرى العمل الصالح أعظم شيء تفعله في الدنيا بعد الإيمان بالله ، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح .

 

أعظم عمل تفعله في الدنياالعمل الصالح وخدمة الخلق :

 والله مرة كنت في الجزائر وسمعت عن الشيخ ابن باديس ، يا أخي على كل لسان ، تمنيت أن أجد جزائرياً لا يقول ابن باديس ، من هذا ابن باديس ؟ عدت إلى الشام قرأت عنه مات أقل من خمسين سنة عمره ، وزنه أقل من أربعين ، ينام في اليوم ساعتين ، استطاع أن يواجه أوربا بكاملها ، هو بثّ روح النضال في الجزائر كلها ، هو الذي أعطى الجزائر الهوية العربية ، إنجازات عالم على عامل على مجاهد على على ، وعاش أقل من خمسين سنة ، والله أجريت في دمشق درساً عنه شيء لا يصدق ، قلت إن الإنسان له بداية لكن ما له نهاية ، هناك أشخاص عظماء أعمالهم تفوق حدّ الخيال ، فاسألوا الله العمل الصالح وخدمة الخلق .

(( الخلق كلهم عيال الله ، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))

[ رواه أبو يعلى ، عن ابن مسعود]

 مرة ذكرت قصة في الرسالة فذهبت إلى بعض البلاد الإسلامية فقالوا : عد لنا القصة ، القصة مؤثرة جداً ، هما قصتان أول قصة ، أحد أخوانا ، مهندس كبير متفوق في منطقة بالشام اسمها نهر عائشة ، منطقة مخالفات وما فيها مسجد ، وفي محسن أراد أن يبني مسجداً في هذه المنطقة ، فكلف المهندس أحد أخواننا أن يبحث عن أرض ، وجد أرضاً مربعة مناسبة ، ووجد سعرها مناسباً ، وباتجاه القبلة من صاحبها ؟ حاجب وعنده ثمانية أولاد ومعاشه أربعة آلاف ساكن بغرفة ومنافعها ، فقير جداً ورثها قبل شهر ، جاء المحسن الكبير شاهدها فأعجبته عمل شيك بمليونين ، قال : أين بقية المبلغ ؟ قال له : عند التنازل ، قال : ما التنازل ؟ قال : تذهب إلى مديرية الأوقاف ، وتتنازل عن هذه الأرض لتكون مسجداً ، قال : مسجد ، مزق السند ، وقال : والله إني أستحي من الله أن أبيع أرضاً لتغدو مسجداً ، أنا أولى منك أن أهبها إلى الله ، المسجد قائم في القدم أعلى مئذنة بدمشق ، يقول هذا المحسن الآن مريض (عافاه الله ): والله ما صغرت في حياتي أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير الذي لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض التي ورثها قبل شهر ، ودخله لا يكفيه أياماً وبيته بالأجرة ، وثمانية أولاد ، وأربعة آلاف معاشه ، هذا يوم القيامة في قصر في الجنة في أعلى عليين .

 

كل إنسان بإمكانه أن يكون في الدنيا أسعد الناس بعمل صالح :

 العمل الصالح متاح لنا جميعاً ، القصة الثانية الذي رويتها في الرسالة ، هذه القصة منذ خمسين سنة وهي أن جامع الورد في السنجقدار له خطيب رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام ، قال النبي له : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة ، جاره فلان بقّال وهو خطيب ، أخذ على خاطره البشارة لجاره السمان ، كان يتوقع أن تكون البشرى له ، طرق باب جاره ، قال له : لك عندي بشارة من رسول الله ، لن أقولها لك إلا إذا أخبرتني ماذا فعلت مع ربك ؟ لكن الرجل امتنع ، وبعد إلحاح شديد ، وعاهده أن تبقى سراً ، قال له : تزوجت امرأة ، ومضى على زواجي منها خمسة أشهر ، وهي كانت في الشهر التاسع ، فالحمل ليس منه ، وهذه معصية كبيرة ، قال له : بإمكاني أن أسحقها ، بإمكاني أن أفضحها ، بإمكاني أن أطلقها ، والناس معي ، والقانون معي ، والشرع معي ، والدنيا كلها معي ، أهلها معي ، لكنني أردت أن أجعلها تتوب على يدي ، جاء لها بقابلة فولدت ، وبعد أن أذن الفجر حمل الوليد تحت عباءته ، وانتظر حتى بدأ الإمام بصلاة الفرض ، فدخل ووضع الوليد وراء الباب ، وصلى ، فلما انتهت الصلاة بكى الوليد ، فتحلق المصلون حوله ، وهو تأخر حتى تجمع الجميع حول الوليد ، ثم اقترب منهم ، قال : ما القصة ؟ قالوا : تعال انظر ، إنه طفل ، قال : أنا أكفله ، أعطوني إياه ، أخذه عند أهل الحي على أنه لقيط ، ودفعه إلى أمه . قال النبي له : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة .
 والله أيها الأخوة ، الأعمال الصالحة متاحة لنا جميعاً وبإمكانك أن ترقى إلى أعلى عليين ، بإمكانك أن تكون في الدنيا أسعد الناس بعمل صالح .

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :

 أنا أسألكم سؤالاً دقيقاً إذا شخص التحق بقطعة عسكرية ، مجنَّد غرّ ، القطعة جزء من لواء كبير ، أو من فرقة كبيرة ، على رأسها لواء أركان حرب ، هذا الجندي الغر لا يستطيع الدخول على هذا اللواء الكبير بحكم التسلسل العسكري ، بكل أنظمة العالم العسكرية ، هناك سبعة أمامه ، وسبعتان ، عريف أول ، و ثمانية ، وثمانيتان ، ونجمة ، ونجمتان ، وتاج ونجمتان ، لكن هذا المجند الغر الذي التحق منذ التطوع بإمكانه أن يدخل على اللواء من دون إذنٍ ، بحالة واحدة .

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

( سورة الكهف )

 الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق ، ممكن تنقذ هرة ، بغي سقت كلباً يكاد يموت من العطش فغفر الله لها ، في الصحراء ما أحد شاهدها ولا جاءها ثناء بالجريدة ، عملت هذا العمل لوجه الله ، بغي ، فلذلك أيها الأخوة علة وجودنا في الأرض هو العمل الصالح .

 

﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10)﴾

(سورة فاطر)

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، موضوع الهواتف النقالة ، صار الإمام الآن يقول قبل إقامة الصلاة ، يقول استووا واعتدلوا وأطفؤوا هواتفكم فإن إطفاء الهواتف من إقامة الصلاة .
 أرجو الله لكم التوفيق والنجاح في الدنيا .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018