الحسنى وزيادة - الندوة : 2 - العطاء في الإسلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠47برنامج الحسنى وزيادة - قناة رأس الخيمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الحسنى وزيادة - الندوة : 2 - العطاء في الإسلام .


2009-09-02

مقدمة :

الأستاذ وائل :
 كان الإمام أحمد ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ في الفتنة العظيمة ، فتنة خلق القرآن قد مُنع من الكلام والحديث مع الناس ، وجاءه طالب علم من أقصى بلاد المسلمين من أجل أن يأخذ منه العلم ، جاء من بلاد الأندلس ، ومشى آلاف الكيلومترات من أجل أن يحصل على العلم ، وعلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، ولما وجد الإمام أحمد في محبسه ذهب إلى البيت وقال له : أنا جئت هذه الآلاف من الكيلو مترات من أجل العلم ، يقول له : منعت والعسكر سوف يرونك ، فأجابه : سآتيك كل يوم في صورة رجل سائل مسكين ، مقطع الثياب ، أسألك الصدقة ، وأسألك العطاء ، فتعطيني حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاتفق معه على ذلك ، وجعل الرجل يأتيه يومياً مقطع الثياب ، يتكئ على عصا، و يقول له : يا إمام أنا سائل أسألك الصدقة ، فيخرج له الإمام أحمد وكأنه يعطيه شيئاً فيعطيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ، عطاء العلم عطاء ما بعده عطاء ، من أوسع ما يعطى العبد في الدنيا أن يعطى العلم ، وأن ينشر العلم بين الناس .

 

ترحيب حار بالدكتور محمد راتب النابلسي :

 مشاهدينا الكرام اليوم حلقة متميزة جداً عن عطاء العلم سنعرف معاني راقية جداً عن عطاء العلم ، وسيرة متميزة مع واحد من العلماء ، مع الدكتور محمد راتب النابلسي .
 العطاء له صور كثيرة جداً ، منها عطاء بالمال ، وعطاء بالنفس ، ومنها عطاء بالنصيحة ، ومنها صور كثيرة جداً ، لكن أعظم عطاء يعطيه الله عز وجل للإنسان هو عطاء العلم ، والله عندما بدأ مع النبي صلى الله عليه وسلم أولى خطوات الرسالة بدأت بكلمة اقرأ ، واقرأ شيء كبير جداً للعلم ، نرى أن العلم من أعظم وسائل العطاء ، مشاهدينا معنا ومعكم الآن رمز من رموز العطاء في العلم ، تربى في محراب العلم ، وصار رمزاً من رموز العلم في زماننا ، نشأ من أسرة عريقة ممتدة كلها من العلماء ، وأخذ على عاتقه أن يوصل هذا العلم إلى الناس ، فتحرك في كل أنحاء الأرض ، وفي كل وسائل الإعلام ، نشر علماً كثيراً وغزيراً ، معنا ومعكم اليوم الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أهلاً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ وائل جزاكم الله خيراً .
الأستاذ وائل :
 دكتور راتب نتكلم عن نشأة هذه الأسرة العريقة في العلم ، كيف انتقل العلم عبر أجيال الأسرة الكريمة ؟

كلمة عطاء تذكر بقيم سامية جداً :

الدكتور راتب :
 لكن لا بدّ من تعليق على كلمة عطاء ، مرة اطلعت على كتاب يتحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، مؤلف الكتاب قدم هذا الكتاب لرسول الله فقال : " يا من جئت الحياة فأعطيت ولم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله ورعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل ، ونهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، والعدل شريعتك ، والحب فطرتك ، والسمو حرفتك ، ومشكلات الناس عبادتك" .
 الحقيقة أن كلمة عطاء تذكرني بموضوع دقيق جداً ، هو أنه يقع على رأس الهرم البشري زمرتان كبيرتان ؛ الأنبياء والأقوياء ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، فالنبي أعطى ولم يأخذ ، القوي أخذ ولم يعطِ ، النبي ملك القلوب ، والقوي ملك الرقاب ، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه ، النبي عاش للناس ، والقوي عاش الناس له ، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي ، لهذا أحب الناس الأنبياء وخافوا من الأقوياء ، وبطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء حتى يحبهم الناس .

البشر عند الله نموذجان لا ثالث لهما :

1 ـ رجل عرف الله فانضبط بمنهجه وأحسن إلى خلقه فسعد في الدنيا والآخرة :

 هذا الذي نتحدث عنه موضوع خطير جداً ، ذلك أن البشر على اختلاف مللهم ، ونحلهم ، وانتماءاتهم ، وأعراقهم ، وأنسابهم ، وطوائفهم ، هؤلاء جميعاً عند الله نموذجان لا ثالث لهما ، النموذج الأول عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه ، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة ، والنموذج الآخر غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة ، هذا المعنى تؤكده الآية الكريمة :

 

﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

 صدق أنه مخلوق للجنة فاتقى أن يعصي الله ، و بنى حياته على العطاء ، يعطي من وقته كما تفضلت ، من ماله ، من جهده ، من علمه ، يسعده العطاء لا يسعده الأخذ .

 

2 ـ و رجل غفل عن الله فتفلت من منهجه وأساء إلى خلقه فهلك في الدنيا والآخرة :

 والنموذج الآخر لما غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، زهد في الاستقامة ، استغنى عن طاعة الله :

 

 

﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

( سورة الليل )

 إذاً لن تجد نموذجاً ثالثاً ، فإما أن تبني حياتك على العطاء ، أنت من أتباع الأنبياء ، وإما أن تبني حياتك على الأخذ أنت من أتباع الأقوياء ، فلذلك كلمة عطاء تذكر بقيم سامية جداً .

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عطائه لا بحجم أخذه :

 هناك شيء آخر يتحدث عنه العلماء ، الإنسان حينما يعطي يسعد ، هناك من يسعد بالأخذ ، وهناك من يسعد بالعطاء ، الذي يسعد بالعطاء هو الأريحي ، يرتاح للعطاء ، والحقيقة الدقيقة أن حجم الإنسان عند الله بحجم عطائه ، لا بحجم أخذه ، هذه مقدمة متعلقة بما تفضلت به في مطلع هذا اللقاء الطيب .
الأستاذ وائل :
 وإن كان الأخذ في العلم أو الأخذ في المال أو الأخذ في كذا ، يأخذ من مناحي الحياة الشرعية .
الدكتور راتب :
 هذا له وضع خاص ، يأخذ ويعطي ، لا يعطي قبل أن يؤخذ .
الأستاذ وائل :
 وأحياناً يأخذ العلم ويكتمه ، نرى هذا كثيراً .
الدكتور راتب :
 لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، والمؤمن يتبع الأنبياء إذاً يبني حياته على العطاء .
الأستاذ وائل :
 يسأل سائل أليس النبي قوي بالله ، لماذا يتخيل السائل أن النبي كان ضعيفاً لم يكن قوياً ؟

الحكمة من ضعف النبي الكريم في بداية دعوته :

الدكتور راتب :
 أستاذ وائل في البداية كان النبي ضعيفاً ليكون الذي يؤمن به إيمانه خالصاً لله ، لو أنه قوي لأقبل الملايين على الإيمان به طمعاً بما عنده ، وخوفاً من عقابه ، لكن الله أراد للأنبياء في مرحلة من حياتهم أن يكونوا ضعفاء ، سيد الخلق وحبيب الحق يرى ياسر يعذب أمامه يقول : " صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة" .
 فلذلك لأنه ضعيف كان الإيمان به خالصاً ، أما الأقوياء الإيمان بهم واضح خوفاً منهم ، أو طمعاً بما عندهم .
الأستاذ وائل :
 كما قالت الجن عن سليمان : ما لبثنا في العذاب ، هذا كان خوفاً من سليمان .
الدكتور راتب :
 الإنسان يقوى بالله ، وأنا أقول لك حقيقة دقيقة أنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

 لماذا ؟ لأن خيارات العمل الصالح أمام المؤمن القوي كبيرة جداً ، ولأن سرّ وجودنا في الدنيا العمل الصالح ، والدليل الإنسان حينما يموت يقول :

 

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ (99)لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

(سورة المؤمنون)

 لأن علة وجود الإنسان بعد الإيمان بالله العمل الصالح .

 

الإنسان يقوى بالله و خيارات العمل الصالح أمام المؤمن القوي كبيرة جداً :

 الإنسان الغني بماله ، أو القوي بسلطانه ، أو المتفوق بعلمه ، أمامه خيارات لا تعد ولا تحصى في العطاء ، لذلك كان هناك ما يسمى بعبادة الهوية أنت من ؟ أنت قوي العبادة الأولى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، أنت عالم العبادة الأولى قوله تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ (39)﴾

(سورة الأحزاب )

 لأنهم لو خافوا من غير الله لسكتوا عن الحق خوفاً ، ولتكلموا بالباطل تقرباً ، انتهت دعوتهم ، أما القوي والغني ، الغني العبادة الأولى إنفاق المال ، كما أن هناك عبادة عامة تشمل جميع المؤمنين أن يؤمن بالأركان الخمسة ، وأن يصلي ، ويصوم إلى آخره ، هناك عبادة الهوية ، فالغني عبادته الأول إنفاق المال ، والقوي عبادته الأولى إحقاق الحق ، والعالم العبادة الأولى النطق بالحق دون أن تأخذه بالله لومة لائم ، والمرأة العبادة الأولى رعاية الزوج والأولاد ، أن تعبد الله فيما أقامها ، هذه العبادة يغفل عنها معظم المسلمين ، لذلك العطاء من سمات المؤمن ، يعطي كثمن للجنة ، يعطي وقد يأخذ ، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا .
الأستاذ وائل :
 تريد أن تصنف الإنسان نفسه فترى أي عطاء الله فيه أكبر فيبدأ بالإنفاق منه ، هذا ما أردته ، الغني ينظر في ماله ، والعالم ينظر في علمه ، والقوي ينظر في قوته ، ثم يبدأ يخرج من هذا لله عز وجل .
الدكتور راتب :
 أي يستخدم ما ميزه الله به للآخرة ، والدليل :

 

﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا (77)﴾

(سورة القصص)

 هذا فيما يتعلق بالعطاء والأخذ .
الأستاذ وائل :
 هذا معنى جميل ، نعود إلى حضرتك .

 

نشأة الدكتور محمد راتب النابلسي :

الدكتور راتب :
 والله العبد الفقير نشأ في أسرة أولاً حظها من الدين كثير ، كان والدي أحد علماء دمشق ، ونشأت في بيئة صالحة ، والوضع المالي ليس جيداً ، فالطريق الوحيد أمامي هو العلم ، لذلك هناك كلمة يقولها الإمام الغزالي أنه : "ليس في الإمكان أبدع مما كان" ، أي أنت مخير ، مخير فيما كلفت ، أمرك بالصلاة أنت مخير تصلي أو لا تصلي ، أمرك بالصدق أنت مخير تصدق أو لا تصدق لا سمح الله ، ففيما كلفك الله أنت مخير ، لكن من منا خيره الله في كونه ذكراً أو أنثى ؟ أنا مسير بجنسي ، مسير بأمي وأبي ، مسير بمدينتي ، مسير بتاريخ ميلادي ، الزمان ، والمكان ، والأب ، والأم ، والجنس ذكر أم أنثى ، بأي زمن ولدت ، بأي مكان ، هذه أشياء أمي وأبي لم أختارهما ، هذه الأشياء التي سيرك الله بها هي أكمل شيء لك، هذا الذي قاله الإمام الغزالي : " ليس في الإمكان أبدع مما كان "، أي ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني ، فالذي سيرك الله له كمال مطلق لك ، لذلك الخلائق كلها يوم القيامة تعاملها مع الله بكلمة واحدة :

﴿ وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ ﴾

( سورة يونس الآية : 10 )

الأستاذ وائل :
 وكان في البداية الحمد لله رب العالمين .
الدكتور راتب :
 أنا العبد الفقير نشأت بأسرة متواضعة حظها من العلم كثير ، فهذه النشأة اقتضت أن أطلب العلم ، والحقيقة سيدنا علي يقول : " العلم خير من المال ، لأن العلم يحرسك ، وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، يا بني مات خزان المال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة " .
 فلذلك أنا تعلقت بالعلم في بداية حياتي ، وتابعت دراستي الإعدادية والثانوية والجامعية ، ولي قريب يخطب في مسجد ـ ابن عم والدي ـ هذا المسجد خطب فيه سبعين عاماً ، ثم أصابه مرض قبيل وفاته فطلب مني أن أخطب مكانه .
الأستاذ وائل :
 مسجد الجد عبد الغني النابلسي .

 

الخطيب الذي لا يعتني بخطبته لا يعترف بقيمة المنبر :

الدكتور راتب :
 نعم ، بدأت بالخطابة في عام أربعة وسبعين ، وعاهدت الله عز وجل ألا أقول كلمة للناس لا أطبقها في حياتي الخاصة ، وإنني أرى أقوى موقف للداعية هو ألا يرى الناس مسافة بين أقواله وأفعاله ، مرة زرت الشيخ الشعراوي رحمه الله مرتين في القاهرة ، في المرة الثانية رجوته أن يقدم نصيحة للدعاة ، كنت أتوقع أن يتكلم ساعة أو أكثر فإذا بها جملة واحدة قال لي : ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعو .
 شيء آخر : كنت أعتني بالخطبة كثيراً ، أقول : من دعا الناس إلى المسجد لصلاة الجمعة ؟ الله جلّ جلاله قال :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الُجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾

( سورة الجمعة)

 فما دام الله هو الذي دعا الناس إلى هذا المسجد ينبغي أن أعتني بهذه الخطبة ، أنا أذكر أنني لسنوات كثيرة تزيد عن عشرين عاماً أبدأ بها من يوم السبت تحضيراً ، أنا أحترم المستمع ، أحترم الذي اختار هذا المسجد ليستمع خطبتي ، ينبغي ألا تلقي كلاماً على عواهنه، ينبغي ألا تلقي كلاماً ارتجالاً ، ينبغي ألا تتحدث عن خواطر تأتيك أثناء الخطبة ، مرة سألوا رئيساً أمريكياً كم تعد لخطاب عشر دقائق ؟ قال : ثلاثة أيام ، كم تعد لخطاب ساعة ؟ قال ساعة ، قال : كم تعد لخطاب ثلاث ساعات ؟ قال : لا أعد إطلاقاً ، خواطر تأتيني أذكرها ، فحينما تكون الخطبة محددة ، والخطبة هي النافذة الوحيدة إلى السماء ، الإنسان غارق بالمشاهد الإعلامية ، وأخبار الصحف والمجلات ، أخبار التجارة ، والصناعة ، والزراعة ، أخبار العملات ، أخبار الدول ، أسبوع بكامله غارق في أخبار لا تنتهي ، يأتي يوم الجمعة ليستمع إلى كلمة الحق ، فالخطيب الذي لا يعتني بخطبته هو لا يعترف بقيمة هذا المنبر ، هذا المنبر الطرف الآخر يتمنونه .

 

صلاة الجمعة عبادة تعليمية وعلى قدر عظم الداعي يكون الإعداد لخطبتها :

 في العالم الإسلامي هناك عبادة تعليمية ، هذا الدين العظيم فيه عبادة تعليمية ، فالخطيب حينما يلقي خطبة لابدّ من إلقاء حقيقة ، آية ، حديث ، قصة ، حكم شرعي ، موقف الصحابة ، نحن في ديننا هناك عبادة اسمها صلاة الجمعة ، عبادة تعليمية بل إن الله عز وجل حينما قال :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذين آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الُجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ﴾

( سورة الجمعة)

 قال علماء التفسير : ذكر الله الخطبة ، من أولها ، أنا حينما شعرت أن الله عز وجل دعا الناس إلى صلاة الجمعة ، فالداعي هو الله ، وعلى قدر عظم الداعي يكون الإعداد للخطبة .
الأستاذ وائل :
 نقف عند قريبك الذي كان يخطب سبعين عاماً وكان قدراً أن تخطب مكانه ، ما أعددت لذلك من قبل ، لا كنت تتمنى ؟
الدكتور راتب :
 أنا أتمنى أن أكون داعية من صغري ، لكن الذي حصل أنا درست الأدب العربي، وأنا مدرس في الجامعة في الأدب العربي .
الأستاذ وائل :
 و كان ليس في الإمكان أبدع مما كان .

 

الله عز وجل حكيم يسوق عباده بحسب طلباتهم العميقة :

الدكتور راتب :
 لذلك هناك نقطة دقيقة قال : كن لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو ، سيدنا موسى ذهب ليأخذ قبساً من نار لعلهم يصطلون ، فناجاه الله عز وجل :

﴿ إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)﴾

( سورة طه)

 ذهب ليأتي بقبس فإذا المناجاة كانت في هذا الوقت .
الأستاذ وائل :
 كن لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو .
الدكتور راتب :
 كن لي ما لا ترجو أرجى منك لما ترجو .
 هناك شيء آخر : الله عز وجل حكيم يسوق عباده بحسب طلباتهم العميقة ، الإنسان ميسر لما يختار ، اختار الدعوة إلى الله ، الإنسان ييسر إليها ، فلعل الله عز وجل يسر لي هذه الخطابة .
الأستاذ وائل :
 كان في تعليم حضرتك في الابتدائية ، والإعدادية ، والثانوية ، حرصاً وشرفاً باللغة العربية ، فكان هذا منطلق للقرآن والدين .

 

اللغة العربية من أكثر المواد التصاقاً بالدعوة إلى الله :

الدكتور راتب :
 والله أرى أن اللغة العربية علاقتها بالدعوة علاقة متينة جداً ، لأنه لا يوجد دعوة تستمر وتنتشر في العالم باللغة العامية ، فحينما يكون الداعية ضعيفاً باللغة تضعف دعوته ، اللغة وعاء ، يوجد وعاء كريستال وشراب نفيس شيء رائع جداً ، الشراب النفيس مع وعاء سيء يذهب قيمة الشراب ، فالحق قيمة كبيرة جداً ، حينما نستخدم لها لغة دارجة عامية تضعف قيمتها ، لذلك أرى أن اللغة العربية من أكثر المواد التصاقاً بالدعوة إلى الله ، لذلك الله عز وجل يسر لي هذا الفرع في الجامعة .
الأستاذ وائل :
 بدأ حضرتك أولى خطوات الخطابة في مسجد عبد الغني النابلسي .
الدكتور راتب :
 ولا أزال ، وأخطب في الأموي أيضاً .
الأستاذ وائل :
 حضرتك بدأت بعد ذلك في الماجستير ، والدكتوراه من خارج سوريا ، كيف كانت رحلتك للحصول على الدكتوراه ؟

التعليم أعظم عمل على الإطلاق :

الدكتور راتب :
 والله أنا موضوع التربية والتعليم ضمن اهتمامي الكبير ، أنا نشأت نشأة علمية ، لذلك لا أرى عملاً أعظم من التعليم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول :

(( إنما بعثت معلما ))

[ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ]

(( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ))

[أحمد عن أبي هريرة ]

 أنا أقول كلمة : هناك عمل مجزئ لذاته ، و عمل مجزئ لغيره ، فالذي يبني البناء الإسمنتي في الشتاء ، والبرد شديد لا يحتمل ، ويقف على خشبة خطرة جداً ، لماذا يُقبل على هذا العمل ؟ للأجر الكبير الذي يأخذه ، فهو يقبل على هذا العمل لا لذاته بل لغيره ، العمل متعب ، فيه خطورة ، وفيه مشقة ، أما حينما نعين إنساناً مدمناً على المطالعة ، أمين مكتبة ، أصبحت المتعة في عمله ، لذلك هناك أعمال مجزية لذاتها ، أنا أحب العلم فحينما رأيت من درسني بدرجة عالية من الفهم والتأثير ، طمحت أن أكون مدرساً ، فسلكت طريق التدريس ، والتدريس من أرقى المهن ، النبي كان معلماً ، الحقيقة النجار علاقته بالخشب ، والحداد بالحديد ، والمحامي مع الأشخاص المنحرفين ، والطبيب مع المرضى ، أما المعلم مع أطهر نخبة في المجتمع ، تتعامل مع إنسان ، مع طفل صغير ، مع شاب في مقتبل الحياة ، يحتاج إلى مبادئ ، إلى قيم ، إلى نماذج بطولية ، يحتاج إلى شخصية يقتدي يها ، أو ينظر إليها نظرة إكبار ، يحتاج إلى مثل أعلى ، فالذي يذوق طعم التعليم لا يرى شيئاً يقابله إطلاقاً ، أنا عملت ثلاثةً وثلاثين عاماً في التعليم الجامعي والثانوي ، كنت أتمنى ألا أستقيل أبداً لكن طبيعة السن والعمر تقتضي ذلك .
الأستاذ وائل :
 لهذا الكلام الجميل حضرتك الذي ذكرته دكتور كانت رسالة الدكتوراه في تربية الأولاد في الإسلام .

 

الإنسان يسلم بالاستقامة ويسعد بالعطاء ويستمر وجوده بتربية أولاده :

الدكتور راتب :
 أنا في الحقيقة هذا الموضوع أهتم به كثيراً ، أنا أرى أن أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة ، أو الأصح لم يبقَ في أيدي المسلمين من ورقة رابحة الوحيدة إلا أولادهم .
 أقول : لو بلغت أعلى منصب في الأرض ، وجمعت أكبر ثروة فيها ، ونلت أعلى شهادة في الأرض ، ولم يكن ابنه كما تتمنى فأنت أشقى الناس ، هناك ارتباط عضوي بينك وبين أولادك ، لأن الله عز وجل قال :

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

( سورة الطور الآية : 21 )

 أي الذي يعلم أولاده يعد الابن الورقة الرابحة في حياته ، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم :

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

[الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]

 خير من كل شيء ، لأن هذا استمرار له .
 أستاذ وائل الإنسان جُبل على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، سلامة وجوده بطاعة الله ، أنت آلة معقدة جداً لك صانع عظيم هو الله عز وجل ، وهناك تعليمات التشغيل والصيانة ، فأنت انطلاقاً من حرصك على سلامتك كما تنطلق أنت من حرصك على آلة غالية الثمن ، عظيمة النفع ، كثيرة الفائدة ، تتبع تعليمات الصانع بدقة مذهلة ، فالإنسان انطلاقاً من حبه لذاته ، لأنه جُبل على حبّ سلامة وجوده يستقيم على أمر الله ، لكن الرقي عند الله يحتاج إلى عطاء ، استقامة سلبية يقول لك : ما كذبت ، ما اغتبت ، ما أكلت مالاً حراماً ، فالاستقامة طابعها امتناع ، العمل الصالح طابعه عطاء ، أن تعطي من مالك إذا كنت غنياً ، أن تعطي من علمك إذا كنت عالماً ، أن تعطي من جاهك إذا كنت قوياً ، أن تعطي من اهتمامك إذا كنت مهتماً بموضوع معين ، فالحياة أساسها العطاء للمؤمن ، لذلك تسعد بالعطاء ، تسلم بالاستقامة وتسعد بالعطاء، ويستمر وجودك بتربية أولادك ، أنت مجبول على سلامة وجودك ، وعلى كمال وجودك ، وعلى استمرار وجودك .
الأستاذ وائل :
 حضرتك أكملتها بالاستقامة والعطاء وتربية الأولاد .

 

أشقى الناس من لم يكن ابنه كما يتمنى :

الدكتور راتب :
 الاستقامة تحقق سلامة الوجود ، وكمال الوجود بالعطاء ، ترقى عند الله به ، أما استمرار الوجود بتربية أولادك ، لذلك الآن أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون أولادهم ، الأب في واد ، والأولاد في وادٍ آخر ، لذلك قال تعالى :

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾

( سورة طه )

 بحسب السياق اللغوي فتشقيا ، قال علماء التفسير : هذا إيجاز بليغ ، لأن شقاء الزوج شقاء حكمي لزوجته ، أنا أقيس على هذه القاعدة أن شقاء الابن شقاء حكمي لأبيه وأمه، مرة كنت في أمريكا قلت لهم : لو بلغت منصباً ككلينتون ، وثروة كأوناسيس ، وعلماً كأينشتاين ، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس .
الأستاذ وائل :
 مع كمال العلم والثروة .
الدكتور راتب :
 الأخوة المسلمون الذين أرادوا أن يكونوا في العالم الغربي ، حياتهم ناعمة جداً ، مرفهة جداً ، أموال وفيرة ، بيوت فخمة ، طبيعة جميلة ، أما إذا سألتهم عن أولادهم يكادون يموتون ألماً ، لذلك لن تسعد إذا شقي الابن ، الأب يشقى بشقاء ابنه .

 

من خسر ابنه خسر كل شيء :

 هذا الموضوع يهمني كثيراً ، أنا ألقي درساً أسبوعياً في دمشق ، سوف يبث في بعض الفضائيات ، حول تربية الأولاد في الإسلام ، من أهم الموضوعات التي عالجتها في دروسي في المساجد هذه السلسلة ، أذيعت في بعض الإذاعات عشر مرات ، تركت أثراً كبيراً جداً ، تربية الأولاد في الإسلام ، أنا كيف أربي ابني ؟ كيف يكون ابني على شاكلتي ؟ كيف يؤمن بما آمنت ؟ كيف يتمتع بإيمان بقيم كالقيم التي آمنت بها ؟ هذا يحتاج إلى جهد كبير ، لكن الأب أحياناً يهمل أولاده ، فيكتشف فجأة أنه خسر أولاده ، والإنسان الذي يخسر أولاده خسر كل شيء ، خسر استمرار وجوده ، خسر شيئاً أساسياً في حياته ، ابن الإنسان جزء منه، إنسان يمشي في الطريق وجد شباباً ثلاثة يدخنون أحدهم ابنه ، يكاد يغلي كالمرجل لأن ابنه أحدهم ، الثاني ابن أخيه ، أقل بكثير ، الثالث رفيق ابن أخيه لا يتأثر إطلاقاً ، فالابن أنت ترتبط به ارتباطاً عضوياً ، و الأب حينما يسعى لتربية أولاده يحقق السعادة في الدنيا لذاته قبل كل شيء ، هذه سماها الله قرة العين :

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

( سورة الفرقان )

 فأنت حينما تربي أولادك تكون أسعد أب في الأرض ، أنا أعرف آباء كثيرين يسعدون بأولادهم ، وأعرف آباء والله قال لي أحدهم مرة : لو أن ابني مات بحادث سيارة لأقمت احتفالاً من شدة شقاء هذا الابن ، الابن يشقي أو يسعد لا يوجد حل وسط ، فالأب الذي ينتبه لأولاده يكون أباً عاقلاً ، ومؤمناً ، ويسعى لراحتهم النفسية في الدنيا و الآخرة .
الأستاذ وائل :
 من هذا المعنى ذكرنا هذا بالنبي يوم فتح مكة ، عندما أخذ اللواء من سيدنا سعد بن عبادة ، فسأله سيدنا سعد بن عبادة لمن تعطه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لابني ، فكان هذا برداً وسلاماً ، لا نجد إنساناً يسعد بأن يتفوق عليه أحد آخر إلا ابنه ، في هذا المنطلق وضعت حضرتك كتاباً يدرس ودرس سنوات طويلة فوق العشر سنوات للأدبي والعلمي تعلمت منه أجيال في سوريا .

 

من طلب من الله شيئاً فحق على الله أن يعطيه هذا الشيء إن كان صادراً عن إيمان حقيقي :

الدكتور راتب :
 الحمد لله ، والله أنا اخترت مقالات فيها عمق كبير ، وفيها بطولة فذة ، هذه المقالات قدمتها بهذه الكلمة : إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره قلما تنقضه الأيام، إذا كان صادراً حقاً عن إرادة و إيمان .
أنت حينما تطلب من الله شيئاً حق على الله أن يعطيك هذا الشيء ، هكذا أراد الله عز وجل :

﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾

( سورة الإسراء )

 فالبطولة أن تختار الشيء النفيس ، أن تختار الآخرة :

 

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38)﴾

( سورة التوبة)

بطولة الإنسان أن يرسخ المبادئ الأخلاقية والدينية و القيم الحضارية :

 آيات كثيرة جداً :

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ﴾

( سورة السجدة الآية : 18 )

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾

( سورة القلم )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص )

﴿ أًمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية الآية : 21 )

 الحقيقة أردت من هذا الكتاب أن يكون ترسيخاً لمبادئ أخلاقية ودينية ، وترسيخاً لقيم حضارية نحن في أمس الحاجة إليها ، في مرحلة حرجة ، وأنا أقول الكتاب المدرسي أخطر كتاب ، لأن الطلاب ملزمون أن يقرؤوه ، ويدرسوه ، ويفهموه ، ويقدموا فيه امتحاناً ، فإذا كانت أفكاره دقيقة وعميقة وفق المنهج الصحيح نكون قد قدمنا لهذه الأمة رسالة عالية جداً لشبابها .
الأستاذ وائل :
 هل ترى منهج التعليم الآن كما تتمنى دكتور ؟
الدكتور راتب :
 والله أنا أؤمن بحقيقة دقيقة ، أن الأصل في التعليم هو المعلم ، المعلم الجيد يلغي المنهج السيئ والكتاب السيئ .
الأستاذ وائل :
 وإن كان ملزماً بهذا المنهج .

 

المعلم هو الإنسان الأساسي في حياة الأمة :

الدكتور راتب :
 له أساليب يلغي ، والمعلم السيئ لو كان المنهج جيداً ، والكتاب جيداً يبقى الكتاب والمنهج تابعاً للمعلم ، المعلم هو الإنسان الأساسي في حياة الأمة ، أنا أرى ما من فئة في المجتمع أخطر على مستقبل أمة من معلميه ، إنسان تسلم أولادك ، فلذة أكبادك ، تسلم عقيدتهم، أخلاقهم ، عاداتهم ، تقاليدهم ، فكلامه منهج ، تصرفه منهج ، فإذا كان المعلم ضعيف الشخصية ، غير منضبط دينياً ، نحن أسأنا إلى أمة بأكملها ، أنا أرى أن تقدم الأمة يبدأ من اختيار معلمين كبار لأجيالها .

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو]

(( إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

الأستاذ وائل :
 هذا المنهج الراقي والرائع ، سئل عن التعليم في اليابان فقالوا : نعطي المعلم حصانة الوزير ، أو حصانة الدبلوماسي ، ونعطيه راتب وزير ، أن نعطي لأبنائنا حياة بالعلم، هل ترى أن المعلمين يجب أن يختاروا بشكل دقيق ؟

 

التعليم يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل على الإطلاق و بين أن أتفه عمل على الإطلاق :

الدكتور راتب :
 كان عندنا في سوريا وزير تربية من كبار العلماء ، كان أستاذي في الجامعة ، وله كلمة قال : إذا أردت أن أدعو لإنسان أن يكون أسعد الناس أدعو له أن يكون معلماً ، وإذا أردت أن أدعو على إنسان أن يكون أشقى إنسان أدعو عليه أن يكون معلماً ، سألناه كيف؟ قال : المعلم بلا رسالة أشقى مهنة في الأرض ، موضوع معلومات ، وقيم ، ويتقاضى أجراً لا يكفيه أياماً معدودة ، أما إذا كان المعلم صاحب رسالة ، فهو أعظم إنسان في الأرض ، أي هذا التعليم يتذبذب بين أن يكون أقدس عمل على الإطلاق يرقى إلى صنعة الأنبياء ، وبين أن يكون أتفه عمل على الإطلاق لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة ، كيف ؟ حينما تبذل من أجل الطالب الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، من أجل أن ترسخ فيه القيم ، والمبادئ ، والأخلاق ، هذا أرقى عمل يقترب من صنعة الأنبياء ، وحينما تعطيه دروساً خاصة من أجل أن تكسب ماله ، أو أن تبتز ماله ، وأنت لا تعتقد لا بما تقول ، ولا تنضبط بما تقول ، وأنت في واد ، والقيم في واد آخر ، المعلم هو أشقى الناس ، لأن مهنة التعليم أقل المهن دخلاً وأصعبها جهداً ، التعليم يحتاج إلى جهد كبير جداً ، الإنسان الموظف ينام ساعة إذا أراد يقرأ جريدة ، يشرب فنجان قهوة ، المعلم يواجه خمسين طالباً ، يتكلم كلاماً مركزاً ، ودقيقاً ، وإلا تقوم الدنيا عليه .
الأستاذ وائل :
 ما بين رسالة الدكتوراه تحمل تربية الأولاد في الإسلام ، وما بين كتاب يُدرس لسنوات طويلة ، إلى برامج مؤثرة جداً ، حقيقة كل المشاهدين والمستمعين وقفوا عند سلسلة أسماء الله الحسنى التي كانت مئتي حلقة ، الحقيقة استفادت منها الأمة بهذا الشرح الوافي ، والتطبيق الجميل لمعان لم تكن بالأذهان .
الدكتور راتب :
 هل تصدق أنني قدمتها هدية ، قدمتها هدية ، والله الدرس الواحد يكلفني تحضير ست ساعات ، أنا أحترم المستمع إلى درجة لا تنتهي ، أراجع كلمة كلمة ، حديث حديث ، نص نص ، فلذلك هناك توفيق إلهي ، هذه السلسلة أمضيت فيها ثلاث سنوات تحضير ، وبثت على ثلاث سنوات ، مئتا حلقة ، وقدمتها لوجه الله عز وجل لقناة الرسالة ، فأسأل الله عز وجل أن يكافئني في الآخرة .
الأستاذ وائل :
 في هذا الموقف أنا لا أعلم من قبل ، ما قرأت عن حضرتك ، لكن وجدت أن هناك تشابهاً بينك وبين الشيخ الشعراوي ، هل هناك ارتباط ؟

من لم ينتمِ إلى مجموع المسلمين فليس بمؤمن :

الدكتور راتب :
 أنا أحبه كثيراً ، الشيخ الشعراوي أرى أنه حقق إنجازاً كبيراً في الدعوة ، هذا الإنجاز أساسه أنه بسط الدين ، الدين أستاذ وائل كالهواء يجب أن يستنشقه كل إنسان ، الدين لا يحتكر ، لا تحتكره أمة ، ولا صقع ، ولا مصر ، ولا إقليم ، ولا حقبة من الزمن ، ولا فئة، ولا طائفة ، ولا مذهب ، الدين كالهواء للإنسان ، والدين ليس خطاً ، أكبر شيء في الجماعات الإسلامية أن كل جماعة تتوهم أن الدين خط ، هو خطها فإذا خرجت عنه قيد أنملة خرجت من الدين ، لا ، الدين تيار عريض ، فيه اليمين واليسار ، وكل من في هذا التيار على العين والرأس ، كل من في هذا التيار ما دامت العقيدة صحيحة ، والسلوك مستقيماً، اختلاف وجهات نظر ، هذا اختلاف تنوع لا اختلاف تعنت ونقمة ، فلذلك أنا أرى أن الدين ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً ، أما أن تنتمي إلى فقاعات صغيرة هذا ليس من جماعتنا ، من أنت ؟ هذا مسلم وكفى به شرفاً أن يكون مسلماً .

الابتعاد عن الخلافات التي تفتت الأمة :

 هناك ملمح دقيق في القرآن :

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ِ(215)﴾

( سورة الشعراء )

 الآية الثانية :

 

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ للْمُؤْمِنِينَ ِ (88)﴾

( سورة الحجر)

الأستاذ وائل :
 ما الفرق ؟
الدكتور راتب :
 الفرق أنت لكل المؤمنين ، المؤمن الصادق ينتمي لمجموع المؤمنين ، قد ينشأ في جماعة محدودة ، لكن هذه الجماعة لا تمنعه أن ينتمي لمجموع المؤمنين ، لذلك الجماعات الإسلامية حينما تتوهم أن خطها الديني خط رفيع ، وكل من خرج عنه قيد أنملة خرج عن الدين هنا المشكلة صار بأسنا بيننا .
الأستاذ وائل :
 كثير من الشباب يقول بآراء ، أقول له : ما وجهة نظرك فيها ؟ يقول : هكذا تقول الجماعة.
الدكتور راتب :
 والله أيها الداعية بإمكانك أن تدعو إلى الله مئة عام بالمتفق عليه ، من دون أي مشكلة ، أنا في دعوتي لخمسة وثلاثين عاماً ما عالجت قضية خلافية ، لذلك جميع الفئات يقبلون دعوتي ، أنا مع الأصل الواحد الموحد ، الجذع واحد موحد ، فيه أغصان ، أنا مع الجذع .
الأستاذ وائل :
 أنا أرى هذه الخلافات فتت الأمة .
الدكتور راتب :
 طبعاً بأسنا بيننا .
الأستاذ وائل :
 ما الحل ؟

 

التجديد في الدين أن ننزع عنه كل ما علق به مما ليس منه فقط لأنه وحي السماء :

الدكتور راتب :
 نحتاج إلى وعي ، الدعوة إلى الله دعوتان دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها الاتباع ، أما إلى الذات الابتداع ، كيف يقول إلى الناس أنا وحيد في الأرض ؟ يخترع شيئاً ليس من الدين ، بالمناسبة أنا أفهم التجديد في الدين فهماً دقيقاً جداً ، التجديد في الدين أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه فقط ، الدين توقيفي ، الدين وحي السماء ، الدين من عند الكامل كمال مطلق ، الدين لا يبدل ، ولا يعدل ، ولا يطور ، ولا يختصر ، ولا يزاد عليه ، ولا يحذف منه ، الدين توقيفي ، منهج سماوي ، أما الثقافة الأرضية منتج أرضي خاضعة للتبديل ، والتعديل ، والتطوير ، والزيادة ، والحذف ، فالدين توقيفي ، التجديد في الدين أن ننزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه ، عندنا بناء في دمشق قديم جداً من الحجر ، هذا الحجر مع مضي الأيام أصبح أسود ، هو الغبار و الدخان ، كيف جددوه ؟ ضربوه بالرمل فعاد لونه الطبيعي ، هذا هو التجديد في الدين ، نزعنا عن هذا البناء ما علق به من غبار ومن دخان فرجع إلى لونه الطبيعي .
الأستاذ وائل :
 ما الفرق بين تجديد الخطاب الديني ؟
الدكتور راتب :
 الدين لا يجدد ، أما الخطاب يجدد ، قد نستخدم الانترنيت ، وسائل النشر المعروفة الآن القصة ، نستخدم الموضوع العلمي .
الأستاذ وائل :
 كيف نوجه رسالة للدعاة عندما يخرج على المنبر ويتكلم ؟

الدعوة إلى الله خالصة والدعوة إلى الذات معها مكاسب دنيوية :

الدكتور راتب :
 أنا سأتابع ، هناك دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات معها مكاسب دنيوية أساسها الابتداع ، يبتدع لينفرد ، فإذا انفرد عتم على من حوله ، هذه مشكلة ، أما الدعوة الخالصة أساسها الاتباع لا الابتداع ، الدعوة الخالصة أساسها التعاون لا التنافس ، الدعوة إلى الله الخالصة أساسها الاعتراف بالآخر لا إلغاء وجوده ، الدعوة إما أن تكون للذات معها مكاسب دنيوية كثيرة جداً ، هذه فيها ابتداع ، وتنافس ، وإلغاء الآخر ، أما الدعوة الخالصة فيها اتباع ، فيها تعاون ، فيها اعتراف بالآخر .
الأستاذ وائل :
 منهج الدعوة إلى الله خاصة للخطباء كيف ؟

العاقل من عرض الدين عرضاً صحيحاً مؤصلاً دون أن يدخل في أي مشكلة مع الآخر :

الدكتور راتب :
 والله أنا مرة قرأت مجلة تموينية في سوريا ، التموين أبعد موضوع عن الدين هو طعام وشراب ، هذه المجلة تبين أن وزير التموين أمام أحد الخيارين ـ إذا كان هناك باعة سيئون جداً ، يغشون الناس ، أسعار مرتفعة ، بضاعة فاسدة ـ خيار القمع ، أو تدخل إيجابي، القمع يرسل الموظفين ، يغلق المحلات ، يختمها بالشمع الأحمر ، هذا القمع ، أما التدخل الإيجابي أن يفتح مؤسسات استهلاكية ، يبيع فيها أفضل بضاعة ، بأرخص سعر ، بأطيب معاملة ، يسحب إليه كل الناس ، هؤلاء السيئون إن لم يقلدوا يموتوا من الجوع ، أنا هذا منهجي في الدعوة ، بحياتي ما هاجمت اتجاهاً ، أنا لا أنتقد أحداً ، أنا أعرض الإسلام عرضاً متماسكاً مؤصلاً بالأدلة النصية والعقلية ، هذا منهجي ، أنا لا أتحدث عن أحد أتحدث عن الله ورسوله وصحابته فقط ، لأن النبي قال : " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " .
 أنا أكتفي بهذه الحقب الثلاث المتألقة ، المزدهرة ، من الصحابة ، والتابعين ، وتابعي التابعين ، هؤلاء مثلوا هذا الدين تمثيلا حقيقياً ، الكتاب والسنة منهج أساسي لنا ، فمنهجي في الدعوة هذا المنهج الذي اقتبسته من مقالة التموين .
أنا أعرض الدين عرضاً صحيحاً ، مؤصلاً ، واقعياً ، متكاملاً ، دون أن أدخل في أي مشكلة مع الآخر ، أرى أن هذا منهج منهج الدعاة يجمعهم ولا يفرقهم .
الأستاذ وائل :
 لمن يريد أن يكون مقتدياً من عطائك ، خمسة وثلاثون عاماً ما شاء الله كيف تعد للخطبة دكتور ؟

بطولة الداعية أن يحسن اختيار الموضوع وعرضه :

الدكتور راتب :
 والله أنا أولاً أعد بطولة الداعية أن يحسن اختيار الموضوع ، أنا أذكر أن هناك خطيباً من دمشق ـ هكذا سمعت ما سألت عن اسمه ـ بعد سقوط بغداد تحدث في خطبته عن كسر همزة إن وفتحها فقط ، الخطبة حول قضية لغوية صغيرة جداً ، أنا أعتقد أن بطولة الخطيب أن يعالج موضوعاً يمس جميع الناس ، يجب أن تقدم للناس تصوراً إسلامياً لما يجري في الأرض ، مثلاً كاد المسلمون أن يصلوا إلى ثقافة اليأس ، والإحباط ، والطريق المسدود ، فجاء انتصار أخوتنا في غزة كجرعة منعشة ، وقفوا هؤلاء العشرة آلاف أمام أكبر جيش في المنطقة ، استعدنا نشاطنا ، استعدنا ثقتنا بربنا ، استعدنا ثقتنا بهذا الدين العظيم ، استعدنا ثقتنا بتاريخنا ، جاء انهيار النظام المالي في العالم لأن هناك ربا ، وهناك بيع الدين ، كلاهما محرم عندنا ، فاستعدنا أيضاً عظمة نظامنا الإسلامي ، جاء قبل شهر إغلاق النوادي الليلة في روسيا ، معنى هذا أن إسلامنا هو العظيم ، قبل انهيار الاتحاد السوفيتي حرم الخمر، هذه كلها جرعات منعشة لنا .
 أنا أقول الكلام الدقيق لو أن جهة في الأرض قوية قوة بالغة خططت لبناء مجدها على أنقاض الشعوب ، لبناء حريتها على قهر الشعوب ، لبناء كرامتها على إذلال الشعوب ، لبناء ثقافتها على محو ثقافة الشعوب ، اسمع ما سأقول لك ، ما سأقوله أؤمن به بكل خلية في جسمي ، وكل قطرة في دمي ، أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله، من أجل أن نطمئن يقول عالم أمريكي هداه الله إلى الإسلام ، التقى بالجالية الإسلامية في بريطانيا قال : "أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اليوم اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن أشد الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء ، هم أضعف الناس الآن ، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام، بشرط أن يحسنوا فهم دينهم ، ويحسنوا تطبيقه ، وأن يحسنوا عرضه على الطرف الآخر" .

العقل و الدين صنوان :

 ذكرت قبل قليل عن الشعراوي ، قلت لك : هو استطاع أن يبسط الدين ، وأن يطبقه، وأن يعقلنه ، بسطه ، وطبقه ، وعقله ، والآن الدين بحاجة إلى تبسيط ، شخص أسلم عن طريق شيخ من بلد إسلامي ، تركه ستة أشهر بأحكام المياه ، حكم الوضوء بماء كذا ، فلم يتحمل فترك الدين ، التقى مع شيخ كبير ، قال له : الماء الذي تشربه توضأ منه ، انتهى الأمر ، أنا أريد تبسيط الدين ، وأريد تطبيقه ، وأريد عقلنته ، ألا تحارب العقل ، العقل والدين صنوان ، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، و خط العقل الصريح، و خط الفطرة السليمة ، و خط الواقع الموضوعي ، العقل الصريح لا التبريري ، و النقل الصحيح غير الموضوع ، والفطرة السليمة غير المنطمسة ، و الواقع الموضوعي لا المزور، يلتقيان .
الأستاذ وائل :
 هذه القيمة نحتاج لشرح هذا المعنى ، حضرتك لك كتاب مع اللقاء مع الشعراوي .
الدكتور راتب :
 هما لقاءان التقيت به ، هناك لقاء فرغته كان مسجلاً وصنعت منه هذا الكتاب مع تحليل وتنقيح .
الأستاذ وائل :
 هل ترى في هذا الزمان فئة من الناس تعود إلى العلم الذي نتكلم عنه ، إلى العطاء، هل ترى أن هناك خلاصة الجهل في الأمة ؟

الغرب انتهى كحضارة وبقي قوة غاشمة ولم يبقَ على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام :

الدكتور راتب :
 أنا متفائل ، الذي حصل على ساحة المبادئ والقيم ، كان هناك كتل ثلاث ، الغرب والشرق والإسلام ، الشرق تداعى من الداخل وكفى الله المؤمنين القتال ، بقي على ساحة المبادئ والقيم كتلتان كبيرتان الغرب والإسلام ، بشكل موضوعي والموضوعية قيمة أخلاقية علمية معاً ، الغرب قوي جداً ، وغني جداً ، وذكي جداً ، قوي بسلاحه ، وغني بماله ، وذكي بتصرفاته ، يعمل بعقله ، طرح قيمة الحرية ، وقيمة الديمقراطية ، وحقوق الإنسان ، وتكافؤ الفرص ، والعولمة ، واحترام جميع الأديان ، لذلك ظهر ظهوراً كبيراً فنافس الإسلام ، خطف أبصار أهل الأرض حتى أصبح الواحد من سكان الأرض يتمنى البطاقة الخضراء ، وكأنها الجنة ، الذي حصل بعد الحادي عشر من أيلول أن الغرب انتهى كحضارة وبقي قوة غاشمة ، ما فعله في أفغانستان ، ما فعله في العراق ، ما يفعله عملاؤه في فلسطين ، سقط كحضارة وبقي قوة غاشمة ، ولم يبقَ على ساحة المبادئ والقيم إلا الإسلام ، الخلاص بالإسلام ، الإسلام كدين أسهمه في الأوج أما كمسلمين ضعاف ، أرجو الله سبحانه .
الأستاذ وائل :
 كيف تسدد العلم ، كيف نوجه المدرسين والدعاة والطلبة ؟

الله عز وجل لن ينصرنا إلا باتباع منهجه :

الدكتور راتب :
 والله ما تمّ إهماله في ثلاثمئة عام لا يصحح في أعوام ، ثلاثمئة عام نحن نائمون ، أعدوا لنا ولم نعد لهم ، (b52 )تنطلق من أمريكا تقصف أفغانستان وترجع دون أن تزود بالوقود ، هذه الطائرة صنعت عام ألف وتسعمئة وستين صالحة لألفين وستين ، أعدوا لنا ولم نعد لهم ، نحن نائمون وهم يقظون ، نحن نائمون في ضوء الشمس ، والشمس هو وحي السماء ، هم يعملون في الظلام والذي يعمل في الظلام يسبق من ينام في ضوء الشمس .
الأستاذ وائل :
 هو نائم لا يدخل السباق أصلاً ، هناك من يقول بأن الله ينصرنا بدون عدة وعتاد بل ينصرنا بهذا الدين .
الدكتور راتب :
 أحمق وغبي ، الله عز وجل لا ينصرنا إلا باتباع منهجه :

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ ﴾

( سورة محمد الآية : 7 )

 لو دعوناه ، ولو رفعنا أصواتنا بالدعاء ، ولو فعلنا كل شيء شكلي إطاري خارجي ولم نستقم على أمر الله ، الله عز وجل يقول :

 

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 33 )

 مادامت سنتك يا محمد مطبقة فيهم هم في مأمن من عذاب الله ، نحن ديننا إطار ، مساجد ، لقاءات ، ندوات ، مؤتمرات ، كتب ، مؤلفات ، أما السلوك اليومي غير إسلامي .
الأستاذ وائل :
 نأخذ نقطة أخيرة نتكلم منها من ما شاء الله من عطائك العلمي تربية الأولاد في البيوت ، الآن هم الأمل .

 

أولادنا الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا فعلينا الحفاظ عليهم :

الدكتور راتب :
 الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا أولادنا .
الأستاذ وائل :
 كيف نعلم الولد العطاء ؟
الدكتور راتب :
 القدوة ، القدوة هي كل شيء .
الأستاذ وائل :
 هذا يفتقده الكبار .
الدكتور راتب :
 إذا افتقده الكبار الأمر ضعيف صار .
الأستاذ وائل :
 احرص على طعامك لا يأخذه أحد .
الدكتور راتب :

إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً  فشيمة أهل البيت كلهم الرقص
***

الأستاذ وائل :
 ألم تقل لابنها هذا الطعام لا يأكله زميلك ، هذا المال إياك أن يأخذه منك أحد ، إذا جاء ابن عمك ، ابن خالك ، إياك أن يأخذ منه أحد ، إياك أن يفتح دولابك ، هذا دعوى صريحة للبخل فكيف ننشئ أجيالاً .

 

القدوة قبل الدعوة و الإحسان قبل البيان :

الدكتور راتب :
 أنا لا أرى من وسيلة فعالة من تربية الأولاد إلا أن يكون الأب قدوة لهم ، القدوة قبل الدعوة ، الإحسان قبل البيان ، المبادئ لا الأشخاص ، المضامين لا العناوين ، والتربية لا التعرية ، التدرج لا الطفرة ، مخاطبة العقل والقلب معاً ، هذه كلها قواعد عندي ، الإحسان قبل البيان ، افتح قلب المخاطب بإحسانك ليفتح لك عقله لبيانك ، قبل أن تدعو كن قدوة ، القدوة قبل الدعوة ، الإحسان قبل البيان ، الأصول قبل الفروع ، التربية لا التعرية ، المبادئ لا الأشخاص ، المضامين لا العناوين ، هذه مبادئ في الدعوة ، نحن بحاجة إلى دعوة مؤصلة.
الأستاذ وائل :
 كيف نعالج ؟
الدكتور راتب :
 أكبر معاناة أن الأب بحاجة إلى تربية ، هذا الذي وكله الله إلى تربية أولاده يحتاج إلى تربية ، يتابع أفلاماً ساقطة أمام ابنه ، يكذب أمام ابنه .
الأستاذ وائل :
 ما دام الأمل مفقود في الابن ومفقود في الوالد ، وحضرتك قلت قبل قليل أنك متفائل من أين التفاؤل ؟

كل محنة وراءها منحة وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله تعالى :

الدكتور راتب :
 التفاؤل هو أن المسلمين يشبهون مريضاً معه التهاب معدة حاد ، هذا المرض قابل للشفاء ، لذلك يخضعون لحمية شديدة جداً ، الله يعالجنا معالجة شديدة جداً ، نحن في محن كثيرة ، أما أنا إيماني أن كل محنة وراءها منحة ، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله ، أما الطرف الآخر إنسان معه ورم خبيث منتشر في أمعائه ، الآن الأول سأل الطبيب ماذا آكل ؟ قال له : حليب فقط ، وإياك أن تأكل غير الحليب ، واخضع للمراقبة الشديدة ، والثاني قال له: كُلْ ما شئت ، أي أفضل ؟ من خضع لحمية شديدة يعالج بها أم من أطلق له أن يأكل ما يشاء وهو بمرض خبيث مستعص شفاؤه :

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً (44)﴾

(سورة الأنعام )

 لكن الله يرحمنا ، يعالجنا ، والله عندنا مشكلات لا يعلم بها إلا الله ، في العالم الإسلامي شدة من كل الأنواع ، هذه الشدائد من أجل أن تأخذنا إلى الله عز وجل :

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

(سورة السجدة)

الإسلام هو الأساس و هو المقبول وحده :

 ألا ترى معي أن الإسلام بدأ ينتشر بشكل عميق ؟ ألا ترى معي أن أسهم الإسلام متألقة الآن ؟ والله قبل أربعين عاماً الحديث كان عن غير الإسلام ، والإسلام كان مرفوضاً ، الآن الإسلام هو المقبول وحده ، حتى ممن يعتنق مذاهب وضعية يرى الدين هو الأساس ، هو الكبير ، متفائل لأن اليهود كانوا يبدؤون بالحرب ويحسمونها هم ، الآن فقدوا الحسم يبدؤون ولا يحسمون ، تطور خطير ، اليهود كان هدفهم الأمن ، الآن البقاء مطروح في صفوفهم ، الآن المقاومة فكر ينمو ولو قتلوا هذا المقاوم فوراءه مئة مقاوم آخر ، الأمر اختلف، أنا أعتقد كل إنسان يقدر يأخذ ظواهر الأخبار ، لكن الأبطال في السياسة يفهمون البواطن ، بالبواطن يوجد تطور نوعي لصالح المسلمين ، العالم كله يطرق أبواب المسلمين ، هؤلاء الأقوياء الذين يفتخرون بأسلحتهم يقول أحدهم : ماذا نفعل بحاملات الطائرات ؟ وماذا نفعل بالصواريخ العابرة للقارات ؟ وليس على وجه الأرض دولة تجرؤ أن تحاربنا ؟ لكن ماذا نفعل بهذا الإنسان الذي أراد أن يموت ليهز كياننا ؟ لن يتخلى عنا .
الأستاذ وائل :
 الجرائم الموجدة هذه التي لم نسمع عنها من قبل في شباب الأمة وفي كل البلاد العربية ؟
الدكتور راتب :
 كان قبل خمسين عاماً أبيض ناصع ، وأسود قاتم ، ومساحة كبيرة جداً رمادية ، الآن اختفت هذه المساحة الرمادية ، يوجد إما ولي أو إباحي ، الآن كل شيء واضح ، إنسانة حافظة لكتاب الله ، وإنسانة شبه عارية في الطريق ، المساحة الرمادية انتهت .

خاتمة و توديع :

الأستاذ وائل :
 وهذا من باب التفاؤل ، الحقيقة لا يسعني إلا أن أشكرك في نهاية هذا اللقاء ، وربما هذا الكلام يوضح للمشاهدين بعض النقاط التي هي محيرة ، لا أخفي على حضرتك منذ أيام قلائل كنت مع فضيلة الشيخ محمد المصري ، أين الطريق ما بين إيمان يصعد وما بين انحراف موجود ؟ أين الخلاص للأمة ؟ هل هناك خير قادم أم الشر قادم؟ حسن الظن بالله ، أشكر حضرتك دكتور وعطاءك في العلم ، عطاء ما بعده عطاء ، ونشكر لحضرتك هذا اللقاء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018