أحاديث متفرقة - الدرس : 054 - أحاديث عن الرفق . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 054 - أحاديث عن الرفق .


1993-11-28

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 أيها الأخوة الكرام:
مع طائفة من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في موضوع يفتقر إليه معظم المؤمنين إنه الرفق حينما يدخل العنف إلى البيوت أو حينما يكون العنف في العمل فإن أخطاراً كبيرةً تنتظر الناس فلذلك من توجيه النبي عليه الصلاة والسلام أن من صفات المؤمن الرفق، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس والتودد إلى الناس وما هلك رجل عن مشورة وما سعد رجل باستغنائه رأي، وإذا أراد الله أن يهلك عبداً كان أول ما يفسد به منه رأيه، وأن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأن أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة))
 الحقيقة العقل رأس العقل الإيمان بالله، يعني قمة العقل أن تؤمن بالله، فمن غاب عن هذه الحقيقة فهو متهم بالغباء، عقله لم ينفعه إما أنه عطله أو إما أنه أساء استخدامه، رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس، معنى هذا أن الإيمان بالله قبل كل شيء، لذلك هناك ما يسمى بالذكاء الجزئي والذكاء الشمولي، فكل إنسان قد يكون متفوقاً باختصاصه إن في الطب، أو الهندسة، أو التعليم، أو بعض الاختصاصات، فمن تفوق في اختصاصه وأبدع فيه وليس مستقيماً على أمر الله عز وجل فهذا ذكاؤه من نوع الذكاء الجزئي الذي لا ينفعه يوم القيامة، لكن الذكاء الشمولي، أو العقل الشمولي هو العقل الذي يصل إلى الله عز وجل، إذا وصل العقل إلى الله فقد استخدم العقل استخداماً صحيحاً، فقد استخدم العقل لما خلق له، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((رأس العقل بعد الإيمان بالله ))
 والعقل لا يعطل، وقد مر بكم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إنما الطاعة في معروف.
 يعني إنسان يعطل عقله مع إنسان هذا لا يكون إلا مع الله أولاً ومع رسول الله المعصوم ثانياً لأن النبي الكريم عصمه الله بنص القرآن الكريم، ولأن النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نأخذ عنه قال تعالى:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[ سورة الحشر ]
 ممكن استسلم بعد أن آمنت بالله عز وجل إلى الله، وبعد أن آمنت برسالة النبي إلى نبي الله، وما سوى ذلك هم رجال ونحن رجال كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء، لو عطل العقل لانحرف الدين، إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ابن عمر دينكَ دينك إنه لحمك ودمك خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا.
(( رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس ))
 الحقيقة تعلمنا في الجامعة أن الذكاء يبدو في التكيف فالإنسان الذي لا يتكيف يصل إلى أهدافه عن طريق العنف وعن طريق المجابهة هذا ضعيف الحيلة، ضعيف التفكير لا يتمتع بالذكاء اللائق بالإنسان فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول، ولكن بالمناسبة وهذا من معلوماتكم البديهية المداراة شيء والمداهنة شيء آخر، المداهنة أن تطلب الدنيا على حساب الدين، بذل الدين من أجل الدنيا مداهنة لكن المداراة بذل الدنيا من أجل الدين، يعني إنسان حديث عهد بالإيمان قد تبذل له بعض المال، قد تكرمه، قد ترافقه، قد تعطيه بعض الأشياء، قد تعلمه بعض الدروس، أنت تبذل من وقتك، ومن جهدك، ومن مالك من أجل أن تأخذ بيده إلى الله عز وجل فبذل الدنيا من أجل الدين مداراة، أما بذل الدين من أجل الدنيا مداهنة والمداهنة خلق المنافقين، بينما المداراة خلق المؤمنين، والمداراة تحتاج إلى رفق وإذا ابتعد الإنسان عن الرفق سلك أسلوب العنف والعنف لا يأتي إلا بالعنف، في بعض السنوات أكثر من خمسة عشر عاماً قرر كتاب في الشهادة الثانوية كتاب مطالعة ملخص الكتاب كله العنف لا يلد إلا العنف، يعني العنف يلد العنف والعنف الذي ولده العنف يولد عنفاً آخر وهذا نمضي في حلقة مفرغة إلا ما لا نهاية.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
" ((علموا ولا تعنفوا فإن المعلم خير من المعنف ))
 أنا اليوم قلت لأحد أخوانا: سهل أن ترخي الحبل، وسهل جداً أن تقمع، أولادك مثلاً القمع سهل يحتاج إلى يد قاسية تضرب فترتاح وسهل أن تدع الأمر سائباً، فالتسيب وإرخاء الحبل واللين الشديد سهل، بينما القمع والعنف أيضاً سهل، لكن بطولة المؤمن ليس في تسييب الأمور ولا إرخاء الحبل ولا اللين الضعيف ولا في القمع والشدة والعنف، ولكن بينَ بين، لا تكن ليناً فتعصر ولا قاسياً فتكسر مع أولادك، مع أهلك، مع جيرانك، مع أقربائك، مع الباعة كن ليناً الأمور خذها بالهدوء، خذها بالحلم، خذها بالتؤدة، خذها بالتبصر، خذها بتبصر العواقب، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
" ((لا يكون الرفق في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه))"
 لا شيء يهز شخصية الإنسان كأن يسلك أسلوب العنف، أو كأن يغضب غضباً شديداً إلا أن التغاضب مطلوب، قال بعض الفلاسفة أنا أتغاضب ولا أغضب، التغاضب قد يحتاجه الإنسان ليزرع الرهبة في قلوب من حوله.
 سيدنا عمر كان شديداً مرةً قال له سيدنا أبو ذر الغفاري: يا أمير المؤمنين إن الناس قد هابوا شدتك، فبكى عمر وقال: والله يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه ولكن الأمر لا يناسبه إلا كما ترى.
 سياسة المؤمن قد يقول أحدكم الطبع غلب التطبع، أنا أنطلق معكم من هذه المقولة، إنسان منفعل أم فاعل ؟ إذا كان كل تصرفاته ردود فعل وليس له اختيار في تغييرها هذا ليس إنساناً هذا أصبح أقرب إلى الجماد، مثلاً الحيوان تعطيه مؤثر يعطيك استجابة، أما الإنسان قد يتلقى ضرباً من والده، الضرب مؤثر والاستجابة أن يرد عليها بضرب مماثل، لكن الإنسان فيه عقل هذا أبي كان سبباً في وجودي معه الحق وأنا مقصر، فالإنسان ميزه الله بالفكر، الفكر يتوسط بين المؤثر وبين الاستجابة.
((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس))
 والحقيقة الإنسان إما أن تسميه ذكياً وإما أن تسمية طيباً على كلٍ الذكي والطيب يلتقيان، يوجد حقيقة قلتها لكم مرةً، لو أتينا بمدير لمؤسسة، لمعمل، مستشفى، وكان هذا المدير على مستوى عالٍ جداً من الإيمان، لو راقبنا سلوكه لكان مثلاً حليماً، متبصراً، يميل إلى التؤدة، يلقي الكلام موزوناً، يعامل من دونه بالتساوي، يقيم العدل في هذه المؤسسة، ولو جئنا بمدير آخر في أعلى مستويات الإيمان لوجدناه أيضاً منصفاً، وعادلاً، وحليماً، ومتئداً، وحكيماً شيء يحير العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي، يلتقي في النتائج ويختلف عنه في البواعث، المؤمن حينما ينصف من أجل أن يرضي الله عز وجل، إنصافه عبادة، حلمه عبادة، رحمته عبادة، وهذه العبادة جزاؤها جنة عرضها السماوات والأرض، لكن الإنسان غير المؤمن حينما ينصف، وحينما يقف الموقف الأخلاقي هو يبحث عن شهرة، أو عن سمعة، أو عن مصلحة ينالها لذلك قد يأتي أجله وليس له عند الله شيء، يقول أنت فعلت كذا وكذا من أجل ليقال عنك كذا وكذا وقد قيل، هذا معنى ومالهم خلاق، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي العبادي، يلتقي هذا العمل مع ذاك العمل بالنتائج ويختلف عنه في البواعث.
((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس والتودد إلى الناس))
 أنت لا تعرف بابتسامتك، بزيارتك، بعيادتك إلى المريض بتقديمك هدية لإنسان بعيد، ببذل معاونة إلى إنسان محتاج، أنت لا تدري أنك فعلت فعلاً سحرياً في هذا الإنسان، الحقيقة في حديث آخر يدعم هذه الحديث، يقول عليه الصلاة والسلام:
((بعثت لمداراة الناس))
 أما هنا الباء لها معنى دقيق جداً، الباء هنا للاستعانة وحروف الجر كما تعلمون لها معانٍ كثيرة، فالباء للظرفية، والباء للاستعانة والباء للمجاوزة، والباء للسببية فكل معنى من هذه المعاني هناك آيات كثيرة وأحاديث كثيرة تؤكد هذا المعنى، من معاني الباء للاستعانة، أكتب بالقلم، يعني أستعين على الكتابة بالقلم، إذاً حينما قال عليه الصلاة والسلام: ((بعثت لمداراة الناس)) أي أنا أستعين على هدايتهم بمداراتهم، وهذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام
((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس والتودد إلى الناس))
 ما التودد ؟ العلماء قالوا: التودد هو المظهر المادي للحب، الحب شعور يبدو في التودد، فالابتسامة مظهر مادي لشعور الحب في القلب، تقديم الهدية مظهر مادي لشعور الإكبار في القلب، فكل شعور ينطوي عليه القلب يأتي السلوك الظاهر الذي يدعمه ويؤكده يسمى هذا تودداً، لذلك الله عز وجل قال:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[ سورة الروم ]
 فربنا عز وجل عبر عن الحب بنتائجه، أو عبر عن الحب بين الزوجين بمظهره المادي، وجعل بينكم مودة، لو أن هذه الزوجة أصيبت بمرض عضال أفسدها وجعلها لا تصلح كزوجة، ربنا عز وجل قال:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)﴾
[ سورة الروم ]
بين الزوجين المودة والرحمة، إن تحققت المصلحة بينهما فالمودة وإن لم تكن فالرحمة، وهذا من نعم الله عز وجل على الإنسان.
(( وما هلك رجل عن مشورة))
 النبي عليه الصلاة يقول: ما خاب من استشار ولا ندم من استخار الاستخارة لله عز وجل، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، لو استشرت إنساناً خبيراً غير مؤمن لا ينصحك، أما إذا استشرت إنساناً مؤمناً خبيراً ينصحك، من استشار الرجال استعار عقولهم، من صفات المؤمن أنه يستشير، وأنا أنصح لكم أيها الأخوة في أعمالكم جميعاً كل في حرفته ومهنته، إن رأى رجلاً ذا خبرةً عميقة وخلق قويم وتدين صحيح فليجعله مستشاراً له في مهنته قبل أن يعقد هذه الصفقة فليسأله، قبل أن يعطي هذا الإنسان مبلغاً كبيراً ديناً يسأله كل إنسان باختصاصه، بمهنته، بحرفته، طبعاً إذا كان مؤمن ينصحك لا شك، أنا مرة كلفت أحد أخوانا يسأل بسوق من الأسواق عن جدوى حرفة من الحرف، أقسم لي بالله أن هؤلاء الذين استشارهم على الصفين نصحوه بأن هذه الحرفة غير مجدية، ولها مشكلات كثيرة، ولا جدوى منها، ولا تغني صاحبها، فيئس، شعرت أن هؤلاء جميعاً ما نصحوه، أرسلته إلى رجل أعرف فيه الإيمان فأعطاه إجابةً على عكس هؤلاء جميعاً، قال له: حرفة جيدة جداً والبيع شديد، والأسواق ساخنة، وصناعتها سهلة وموادها متوفرة قال لي: عجيب، المؤمن من شأنه أن ينصح، نصوح، ناصح أمين ألم يقل عليه الصلاة والسلام:
عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
[ النسائي ـ أبي داود ـ أحمد ]
 الإنسان إذا نصح إمامه فقد أزاح عن كاهله هذا التكليف الإلهي المؤمن ينصح والإمام عليه أن يستجيب لماذا ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق المعصوم، الذي يوحى إليه، الذي معه القرآن، لحكمة أرادها الله بالغة في موقعة بدر نزل منزلاً هناك أفضل منه فجاء الحباب بن المنذر رضي الله عنه قال يا رسول الله ـ وهو يفيض إخلاصاً، ويفيض غيرةً ـ أهذا الموقع وحي من الله أم المشورة والرأي، قال: بل المشورة والرأي، فقال هذا الصحابي الجليل: يا رسول الله ليس بموقع، ودل النبي على موقع أفضل منه والنبي استجاب، لماذا استجاب ؟ ليقف الموقف الكامل وليكون قدوةً لكل عالم من بعده، ولكل أمير من بعده أن إذا قدمت لك نصيحةٌ، ثمينةً، مخلصةٌ يجب أن تصغي إليها أولاً ويجب أن تستجيب لها ثانياً، إذا أردت رضاء الله عز وجل.
((وما هلك رجل عن مشورة))
 لإنسان المنعزل دائماً يدفع ثمن انعزاله، ويحصد مغبة عمله ويدفع ثمن انعزاله باهظاً وما هلك رجل عن مشورة الآن اسأل الرجال، اسأل المؤمنين، اسأل المخلصين، عشرات الزيجات انتهت إلى طلاق قبل الوقت المناسب بسبب عدم السؤال، التسرع سؤال سريع، الإنسان يجب أن يسأل، كما يقول بعضهم يجب أن تدرس هذه القضية درساً، أن تضع العقبات، الإيجابيات، السلبيات أن تسأل الخبراء حتى تتخذ قراراً صحيحاً، والحقيقة القرار الصحيح بذاته المعلومات الصحيحة.
 فكل إنسان يتخذ قرار بلا معلومات، أو بلا حقائق، أغلب الظن أن قراره ليس صحيحاً وربما اضطر أن يتراجع عنه، ويقول عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف: ((ما سعد رجل باستغنائه برأيه))
 لا يسعد لأنه قد يتوهم، إذا الإنسان عزل نفسه عن المجتمع أو عزل نفسه عن أخوانه، أو عن أنداده، أو عن المؤمنين الصادقين عن العلماء العاملين، يقع في وهم خطير هذا الوهم هو الذي يدفعه إلى سلوك خاطئ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ما سعد رجل باستغنائه برأيه))
 مرة كنا في الجامعة فجيء لنا بأستاذ زائر يعد من أرقى علماء النحو في المغرب العربي، طبعاً دعي ليلقي علينا محاضرات في اللغة في النحو، لاحظت أنا مدرسي القسم كانوا في الصفوف الأولى بعض هؤلاء المدرسين حضر المحاضرة دون أن يكتب شيئاً والعلماء الحقيقيون والأساتذة الفطاحل الذين يعتد بعلمهم أمسكوا ورقةً وقلماً وأخذوا عن هذا المحاضر بعض هذه المعلومات، أنا استفدت من هذا الموقف فعرفت أن العالم الحقيقي هو الذي لا يستنكف عن أن يأخذ عن غيره وإن كان أدنى منه، وأن الجاهل المركب هو الذي يأبى النصيحة ويأبى أن يتعلم عن الآخرين.
 ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يروى عنه يقول: ((يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل))
 ولا أستسيغ أن يقول أحد من العلماء أنا عالم، أراها كلمة كبيرة ليته قال أنا طالب علم، كلمة لطيفة فيها أدب، كلمة تعطي الإنسان قيمة، أنا طالب علم، وقد التقيت بعلماء تزيد أعمارهم عن ثمانين عاماً يقول أنا طالب علم ولا يقول أنا عالم، فالإنسان كلما ازداد علماً ازداد تواضعاً، والإمام الشافعي يقول: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي، والتواضع من صفات العلماء الحقيقيين.
 الإمام مالك إمام دار الهجرة هذه القصة شهيرة جداً، جاءه وفد من المغرب بثلاثين سؤالاً وعرضوا هذه الأسئلة على هذا الإمام الجليل فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً، فلما قيل له والباقي، قال: لا أعلم قالوا: أنت الإمام مالك إمام دار الهجرة أتينا إليك من طرف الدنيا الآخر وقد استغرقت الرحلة أشهراً ثلاثة وتقول لا أعلم، فقال: قولوا لأهل المغرب الإمام مالك لا يعلم، وانتهى الأمر.
 وقد قال علماء الإفتاء من قال: لا فقد أفتى، لا إيجابية، من قال لا أدري فقد أفتى، والإنسان حينما يظن أنه يعلم كل شيء هو بالتأكيد لا يعلم شيئاً أما إذا وضع لنفسه حجماً أنا بهذا الموضوع موفق إن شاء الله، الله عز وجل وفقني بهذا العلم وبذاك العلم، أما أنه يدعي أنه يعلم كل شيء هذا شيء فوق طاقة البشر لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾
[ سورة الإسراء ]
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾
[ سورة البقرة ]
 وقد يروي التاريخ أن عالماً شاباً تفوق على أهل عصره تفوقاً ملحوظاً، واجتمع الناس حوله وتدافعوا على بابه، وكان قد وفقه الله إلى علم عميق فجاء أحد العلماء المشهورين الذين خبا بريقه مع هذا العالم الشاب فجاء ليكيد له، فجلس في مجلسه ولما انتهى الدرس قال يا غلام هذا الذي قلته ما سمعناه من أحد فمن أين جئت به ـ هو يريد أن يزدريه وأن حجمه ـ فقال هذا العالم الشاب: وهل تعلمت كل العلم؟ أحرجه بهذا السؤال، لو قال تعلمت كل العلم خالف الآية الكريمة، قال له: لا، قال ماذا تعلمت من العلم ؟ قال: شطره قال: هذا الذي سمعته مني من الشطر الذي لا تعرفه.
((وما هلك رجل عن مشورة، ما سعد رجل باستغنائه برأيه ))
 وإذا أراد الله أن يهلك عبداً كان أول ما يفسد منه رأيه، يوجد دعاء مشهور، الله اجعل تدميرهم في تدبيرهم، أيام الإنسان يفكر ويفكر فيأتي هلاكه من تخطيطه وتدبيره، لما الإنسان يكون في سخط الله عز وجل مع ذكائه ومع أخذ الحيطة، ومع أخذ الأسباب يدمره الله عز وجل.
 وأن أهل المعروف في الدين هم أهل المعروف في الآخرة، وأن أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة، المنكر ما أنكره العقل والشرع، والمعروف ما أقره العقل والشرع، هذا الحديث أيها الأخوة فيه جوانب كثيرة جداً منها: أن علامة العقل الإيمان بالله وأن علامة العقل مداراة الناس، وأن علامة العقل التودد إليهم، يبدو أن مداراتهم هو الاتجاه السلبي أما التودد إليهم فيها اتجاه إيجابي التودد أن تبذل لهم، أن تعطيهم من وقتك، ومن خبرتك، ومن مالك أما المداراة أن ترعى شعورهم، أن تحتاط فلا تزعجهم وما هلك رجل عن مشورة، وما سعد رجل باستغنائه برأيه))
 من استغنى برأيه شقي ومن استشار الرجال سعد وإذا أراد الله أن يهلك عبداً عزله عن المجتمع فاعتد برأيه فكان هلاكه في تدبيره.
((رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس والتودد إلى الناس وما هلك رجل عن مشورة وما سعد رجل باستغنائه رأي، وإذا أراد الله أن يهلك عبداً كان أول ما يفسد به منه رأيه، وأن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وأن أهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الآخرة))

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ))

[ ابن ماجة ]

  يعني الإنسان أحياناً لو فرضنا معلم، أو أب، قد يخالف ابنه بعض القواعد، قد يرتكب بعض الأغلاط، قد تزل قدمه، فأسهل طريقة لتلافي هذا الخطأ أن يضربه ضرباً مبرحاً، لكن أن يقنعه وأن يحلم عليه، وأن يراقبه مراقبةً دقيقة، وأن يتابعه، وأن يتهدده أحياناً وأن يتوعده أحياناً، وأن يحاسبه حساباً دقيقاً هذا يحتاج لنفس طويل يحتاج إلى حنكة، وحكمة، إلى رغبة في عدم جرح نفسه، أما أسلوب العنف سهل وسريع لكن أثره ضعيف وقد يخلق في الإنسان جرحاً لا ينتهي، أما أسلوب التعليم، الإقناع، المداراة، المتابعة المراقبة، إبداء الملاحظة، التشجيع، الترغيب هذا يحتاج الإنسان إلى خبرة في التربية، والحقيقة الأبوة مسؤولية كبيرة، الابن أحياناً ينساق إلى مكارم الأخلاق بفعل أب حكيم وقد يهوي في مهاوي الرذيلة بفعل أب غير حكيم.
(( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ))
 يحب الهادئ، يحب صاحب الصوت المنخفض، يحب الذي يخطط، يحب الذي يأخذ الأمور بالتؤدة بهدوء، الله عز وجل علمنا قال تعالى:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾
[ سورة النمل ]
 قبل أن تغلي كالمرجل، وقبل أن تنفجر تحقق من هذا الكلام.
 قال لي أحد أخوانا عنده معمل حلويات، كلف عامل يأتيه بقطع فجاء بمئة قطعة، عددتها فوجدتها تسعاً وتسعين ناقصة قطعة، وهذه القصة من ثلاثين سنة، فذهب إلى معطف أحد الموظفين فوجد في جيبه تلك القطعة، أليس هذا دليلاً واضحاً على أن هذا الموظف مد يده ووضع القطعة في جيبه ! قال لي هذا الأخ: كدت أن أنفجر عليه وأن أطرده لأنه سارق، ثم ملكت نفسي وقلت لها يا فلان تحقق أرجئ هذا إلى اليوم التالي فذهب إلى المعمل كي يحاسبهم فقال له: أرسلت لك مائة قطعة اشترى صانعك قطعة أعطيني ثمن تسعة وتسعين.
 انكشفت الحقيقة، أحياناً الإنسان يرتكب حماقة يبقى طوال حياته يذوب ألماً لتسرعه، يعني أيام ترتكب جرائم، أنا أعرف أنه صار مشكلة أخلاقية فأخذ الدم ليحلل هل هذه حامل أو غير حامل والبنت طاهرة وبريئة وعفيفة، صار في خطأ في المخبر وما انتهبه العامل وقال: مبروك حامل، هذا الرجل ذبح ابنته، فالإنسان لا يتسرع يوجد قاعدة ذهبية حينما تغضب إياك أن تتخذ قراراً قل سأتخذ قراراً بعد أسبوع، تجد في اليوم التالي هدأت، في اليوم الثالث تحققت في اليوم الرابع جئت بأدلة إيجابية، في اليوم الخامس الأمر بدا لك على شكل آخر، في اليوم السادس الأمر لا يحتاج إلى طلاق ولا إلى فصم شركة، ولا إلى تدمير أسرة، ولا إلى موقف عنيف حاد هذه الآية الكريمة:
﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27)﴾
[ سورة النمل ]
 إياك أن تتخذ قراراً في حالتين، قبل أن تستحصل على معلومات دقيقة قطعية، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)﴾
[ سورة الحجرات ]
 مرة أحد العلماء الكبار بلغه أن عالماً آخر يغتابه، فأرسل له طبق من أفضل أنواع التمر، أو اشترى تمراً من أفضل أنواع التمر وانتقى له مما اشتراه طبقاً من أفضل مما في هذا التمر وقدمه مع رسالة لطيفة قال: بلغني أنك قد اغتبتني، ولأني غداً سوف آخذ أحسن أعمالك فأنا لابد من أن أقدم لك أحسن ما عندي من تمر خذ هذا التمر مكان أعمالك الصالحة التي سوف آخذها منك غداً.
 الحقيقة الإنسان قبل أن ينهش أعراض المؤمنين، قبل أن يقيمهم قبل أن يطعن بهم، من دون تحقق، من دون تثبت ربنا عز وجل يوم القيامة هو الذي يفصل بين خلقه.
 رجل قال له: أنا أشفق عليك مما يقوله الناس عنك، فقال له هذا الرجل: وهل سمعتني قلت عنهم شيئاً ؟ قال: لا، قال: عليهم فأشفق.
 الإنسان لا ينبغي وأنا أقول كلمة: أنا لا أعصي الله فيمن عصاه في، أنا أطيع الله فيمن عصاه في، إنسان تكلم عنك أنت اسكت.
(( إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ))
 يبدو أن أجر الرفيق بالحديث طبعاً له أجر كبير جداً، عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
 إنسان جاءه غلام وقد كان قد مضى على زواجه ستة أشهر فغلى الدم في عروقه وظن أن امرأته زانية، الأمر عرض على بعض الصحابة، هذا الصحابي الجليل استنبط من قوله تعالى:
﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾
[ سورة لقمان ]
﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾
[ سورة الأحقاف ]
 أما أدنى مدة الحمل ستة أشهر، فكان ابنه، الإنسان أحياناً يسأل لا يتسرع، يسأل العلماء، يسأل من يثق بعلمهم، من يثق بتجاربهم قبل أن يتخذ قراراً خطيراً.
 عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال
 عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ))

[ أحمد ]

  البيت الهادئ من نعم الله الكبرى، بيت الصخب والضجيج وتكسير الأبواب، وتكسير الأواني، والصياح، والغضب والضرب، هذا بيت فيه شياطين، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ لا مَبِيتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يُذْكَرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ فَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ))
[ مسلم ـ ابن ماجة ـ أحمد ]

 فإذا دخل الشيطان إلى البيت صار في عنف، خصومات، أعمال عنيفة.
((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ))
 وإن الرفق لو كان خُلقاً لما رأى الناس خَلقاً أحسن منه، وأن العنف لو كان خَلقاً لما رأى الناس خَلقاً أقبح منه.
 عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهُ سَمِعَهَا تَقُولُ: كُنْتُ عَلَى بَعِيرٍ صَعْبٍ فَجَعَلْتُ أَضْرِبُهُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فَإِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))

[ البخاري ـ مسلم ـ ابي داود ـ ابن ماجة ـ الدارمي ]

 هكذا النبي صلى الله عليه وسلم علمنا، سبحان الله إذا الإنسان هادئ يشيع فيمن حوله الهدوء إذا كان هو صاخباً عنيفاً يربي من حوله على العنف، الأب العنيف أولاده عنيفين جداً، تعلموا منه العنف في تعاملهم مع بعضهم عنيفون جداً، هو يضربهم وهم يضربون بعضهم بعضاً.
قرأت البارحة في الجريدة خبر أن أصغر مجرمين في العالم وقعت هذه الجريمة في بريطانيا طفلان لا تزيد أعمارهما عن أحد عشر عاماً قتلا طفلاً سنه سنتان ونصف بلا سبب إلا لأنهما رأوا في بعض التمثيليات في برامج التلفزيون مثل هذه الجريمة فقتلاه والمجتمع البريطاني ضج بهذه الجريمة، طفل أحد عشر عاماً يقتل طفل صغير جداً بلا سبب وبلا هدف، الطفل يقلد إذا الأب حليم يحلم إذا الأب حكيم يكون حكيماً، فمن نعم الله عز وجل أن يكون البيت فيه الحلم، والأناة، والتواصل.
النبي صلى الله عليه وسلم لم يرضَ العنف على البعير، مرة النبي الكريم دخل بستان أحد الأنصار فرأى جملاً، فلما رأى الجمل النبي حن وذرفت عيناه، فالنبي صلى الله عليه بلغ من الشفافية درجة أنه كان يقول: أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي، ولما ترك النخلة التي كان يخطب عليها حنت إليه فكان يقف على المنبر ويضع يده على النخلة إكراماً لها، فقال من صاحب هذا الناقة ؟ فجيء بصاحبها وكان أنصارياً، قال: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه.
" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: ((أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثًا لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفًا أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ قَالَ فَدَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَفَلا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ)) "
[ مسلم ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ الدارمي ]

 الله عز وجل أعطى بعض الحيوانات ذكاء، الخيل من أعلى الحيوانات ذكاءً، تعرف أن على ظهرها صاحبها، تنبهه للخطر أحياناً.
((عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فَإِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))
 ورد حديث عن سيدنا علي رضي الله عنه يقول: لما نزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح مرض النبي عليه الصلاة والسلام فما لبث أن خرج إلى الناس يوم الخميس وقد شد رأسه بعصابة فرقي المنبر وجلس عليه مصفر الوجه، تدمع عيناه، ثم دعا ببلال فأمره أن ينادي في المدينة أن اجتمعوا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى بلال فاجتمع صغيرهم وكبيرهم وتركوا أبواب بيوتهم مفتحة وأسواقهم على حالها ليسمعوا وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى غص المسجد بأهله والنبي يقول وسعوا، وسعوا لمن وراءكم قال عليه الصلاة والسلام: أنا محمد بن عبد الله لا نبي بعدي أيها الناس: اعلموا أن نفسي قد نعيت إلي وحان فراقي في الدنيا واشتقت إلى لقاء ربي، فوا حزناه على فراق أمتي، اللهم سلِّم سلّم أيها الناس اسمعوا وصيتي واحفظوها، أيها الناس: قد بين الله لكم في محكم تنزيله ما أحل لكم، وما حرم عليكم، وما تأتون، وما تتقون، فأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وآمنوا بمتشابهه، واعملوا بمحكمه، واعتبروا بأمثاله، ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: اللهم بلغت فاشهد، أيها الناس: إياكم وهذه الأهواء الضالة المضلة البعيدة من الله تعالى، ومن الجنة، القريبة من النار، وعليكم بالجماعة والاستقامة فإنها قريبة من الله وقريبة من الجنة، ثم قال: اللهم هل بلغت، أيها الناس: الله الله في دينكم وأمانتكم، اللهَ الله فيما ملكت أيمانكم ـ أي اتقوا الله ـ أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما لا يطيقون فإنهم لحم ودم، وخلق أمثالكم، ألا من ظلمهم فأنا خصمه يوم القيامة، والله حاكمه، اللهَ الله في النساء أوفوا لهن مهورهن، ولا تظلموهن، ألا هل بلغت، أيها الناس: قوا أنفسكم وأهليكم نارا، علموهم وأدبوهم فإنهم عندكم عوام وأمانة.
 وهذه الوصية التي وردت في بعض الكتب والكتاب تنبيه الغافلين تشير إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما يفارق الدنيا أخطر شيء يتهدد أمته من بعده أن ينحرفوا عن منهجه، وأن يدعوا صراطه المستقيم، وأكبر شيء يتهدد أمته من بعده أن يقعوا في ظلم بعضهم بعضا، فإذا أردت لهذا الدين أن يستمر كما بدأ وأن يتنامى فلابد من أن نحافظ على أصوله، لابد أن نرفض أية إضافة فيه ولابد من أن نرفض أي حذف من أصوله، فإذا رفضنا الحذف ورفضنا الإضافة استمر الدين كما بدأ عندئذٍ نقطف ثماره كما قطف أصحاب النبي عليهم رضوان الله عليهم.
أيها الأخوة الكرام:
 لا أحب أن أطيل عليكم إلا أن محور درسنا اليوم هو الرفق، وقد يقول أحدكم ماذا أفعل ؟ طبعي صعب، أنا حاد الطبع، هذا الذي يستسلم لطبعه من دون أن يجهد في ضبط نفسه هذا إنسان بعيد عن أن يكون في المستوى الراقي، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول إنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما العلم بالتعلم، ولهذا الحديث لفتة لطيفة جداً، أنت حينما تتحلم ولست حليماً، أنت حينما تقهر إرادتك وتحلم ولست حليماً دفعت ثمن الحلم الأصيل فإذا فعلت هذا مراراً تجلى الله عليك بالحلم الخلق الأصيل، فالحلم ثمنه التحلم والكرم ثمنه التكرم، فأنت في أول الأمر تصنع الحلم، تصنع الهدوء تصنع الأناة، تصنع الحكمة، إن تصنعتها أكرمك الله بالحلم الأصيل والحكمة الأصيلة، والأناة الأصيلة، فالخلق الأصيل ثمنه خلق متكلف أنت تضبط أعصابك وتكظم غيظك وتحلم، الله جل جلاله يكافئك على حلمك هذا أو على تحلمك هذا بأن يجعلك حليماً، كل إنسان يظن أن هذا الطبع لا يتغير هذا إنسان لا يعرف ما الإنسان أنا أعتقد أن هناك تطوراً جذرياً يصيب كيان الإنسان من قمة رأسه إلا أخمص قدميه إذا عرف الله، وكثيراً ما أسمع ممن حول أخوتنا المؤمنين أن فلان ما كان هكذا.
 أنا أعرف زوج كان عنيفاً إلى درجة أنه لا يرتدع عن ضرب زوجته، لأتفه سبب فبعد أن عرف الله عز وجل كان من أنجح الأزواج، ومن أحكمهم، ومن أشدهم حلماً، لا تستمع إلى مقولات الناس أن الطبع يغلب التطبع وهذه الزوجة لا تتغير هذا كلام ليس له معنى، هذا كلام العوام ليس منضبط، لما الصحابة تعرفوا إلى الله وآمنوا بالله صاروا حلماء، حكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء.
 أدق ما في الدرس أن هذا الخلق العظيم، ويكاد الحكيم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق أن هذا الخلق العظيم الذي هو محط آمال كل الناس ثمنه التحلم، والتحلم تكلف الحلم، والتحلم تصنع الحلم أنت لست حليماً لكنك تكلفت الحلم هذا التكلف هو الذي عليك وعلى الله الباقي، على الله أن يهبك خلقاً أصيلاً أساسه الحلم، فإذا الإنسان في بيته حليم، في عمله حليم هادئ حكيم، يفكر، يخطط، يوجه ينصح، يتابع الأمر، يعاتب فهو حكيم، أما المواجهة والصدام والموقف العنيف هذا لا يأتي إلا بالعنف وأنا لا أبالغ إذا قلت إن عشرات بل مئات الطلاق أساسها موقف عنيد من الزوج مثلاً ردت عليه الزوجة بموقف أعنف، فطلقها، أو موقف عنيف من الزوجة رد عليها الزوج بموقف أعنف فطلقها، أولاد شردوا بلا أب ولا أم لأن الشيطان مناسبته الوحيدة أن يجعلك تغضب فإذا غضبت أصبحت إنساناً آخر أقرب إلى مخلوق ليس إنساناً.
 فهذا الدرس مهمته أن يخيم على بيوتنا، وعلى متاجرنا، وعلى مكاتبنا، وعلى أماكن أعمالنا هذا الخلق الرفيع الذي يتميز به المؤمنون وهو الحلم، وأذكركم:
((عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ فَإِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))
((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَيْهِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْف))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018