أحاديث متفرقة - الدرس : 047 - مقياس توفيق المؤمن في الإسلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 047 - مقياس توفيق المؤمن في الإسلام .


1991-12-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم: في درسنا هذا اليوم أحاديث شريفة ثلاثة، الأول: عن ابن عباس قال: قال رسول الله e:

((شاب سخي حسن الخلق أحب إلى الله تعالى من شيخ بخيل عابد سيئ الخلق))

[ الديلمي]

 الحديث الثاني:

((قليل الفقه خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب بنفسه، وإنما الناس رجلان، مؤمن وجاهل، فلا تؤذِ المؤمن ولا تحاور الجاهل ))

[ الطبراني في الأوسط عن عبد الله بن عمرو]


 والحديث الثالث:

((قليل التوفيق خير من كثير العقل، والعقل في أمر الدنيا مضرة، والعقل في أمر الدين مسرة))

[ الجامع الصغير]

  الحقيقة كل حديث يعد باباً كبيراً من أبواب الدين، الحديث الأول الله يبيّن أنّ سبحانه وتعالى يحب الشاب حسن الخلق، السخي، لأن الله عز وجل كما يقول في حديث قدسي:

((إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه طالما صحبتموه))

[الطبراني في الأوسط عن جابر]

  كل مسلم سفير الإسلام، كل مسلم يمثل هذا الدين، فإذا كان بخيلاً نفر الناس منه، فإذا كان سيئ الخلق ابتعد الناس عنه، قال تعالى:

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 

[ سورة آل عمران: 159]

  إذاً ما الذي يرضي الله عز وجل ؟ أن تكون حسن الخلق، ما الذي يرضي الله عز وجل ؟ أن تكون سخياً، فهذا الشيخ ذو العبادة الكثيرة، صلواته، وأوراده، وأذكاره، ولكنه عصبي المزاج، سيئ الخلق، شحيح اليد، حريص على ما في يديه، هذا عند الله عز وجل في المرتبة الدنيا، بينما الشاب السخي حسن الخلق هذا أحب إلى الله تعالى.
 إذاً أنا يجب أن أبحث عن المقياس الذي يرضي الله عز وجل، لا على المقياس الذي ينتزع إعجاب الناس، صلوات طويلة، وأذكار، ولكنه سيئ الخلق، شحيح اليد،

((شاب سخي حسن الخلق أحب إلى الله تعالى من شيخ بخيل عابد سيئ الخلق))

  المقصود أن نضع يدنا على جوهر الدين، والحقيقة أن الدين واسع جداً، يمكن أن تتناول منه بعض العلوم، يمكن أن تتزيّ بزيّ رجال الدين، يمكن أن تقلد المؤمنين، يمكن أن ترتدي ثيابهم، يمكن أن يكون لك بسملات، وتمتمات، وحركات، وسكنات مشابهة لأهل الحق، ولكن ما لم تضع يديك على جوهر الدين، فلن تستفيد من الدين شيئاً، ولن تقطف منه أي ثمرة.
 الحقيقة ما الذي يدعوك إلى السخاء ؟ إيمانك بالله، ما الذي يدعوك إلى أن تكون حسن الخلق ؟ إيمانك بالله، في الدين منطلق نظري، وتطبيق عملي، في الدين عقيدة وسلوك، لن يصح السلوك إلا إذا صحت العقيدة، لن تستقيم على أمر الله إلا إذا عرفت الله، لن تبذل ما في يديك إلا إذا أيقنت بالعوض، لن تضحي بالغالي والرخيص إلا إذا آمنت بالجنة، إذا آمنت بأن هناك بعد الموت جنة ونارًا، فالموضوع أخطر بكثير من أن يمارس الإنسان بعض الشعائر، يحضر بعض المجالس، يقوم ببعض الصلوات، ما انتهى شيء، هذا الدين يجب أن يتغلغل في كل كيانك إلى أن يصل إلى كل حجيرة من جسمك، الدين عقيدة، الدين عبادة، الدين معاملة، الدين خلق، وكما قلت في الدرس السابق يوم الجمعة: الوقت ثمين، والعمر قصير، والطريق طويل، والناقد بصير، والبحر عميق، والزاد قليل، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، فالإنسان في علم الميكانيك يقول لك: مردود الآلة، يعني المردود الحسن هو أن نأخذ أكبر عمل بأقل طاقة، كيف أن الإنسان يثني على مركبة، يقول لك: تمشي ثلاثمئة وخمسين كيلومترا بملء خزَّان واحد، يعني بأقل كمية وقود أخذ منها أكبر جهد، أو أكبر عمل، أو أطول مسافة.
 كما قلنا في درس سابق: لو فرضنا إنسانًا عنده بيت فيه ما هب ودب، وأمر أن يغادر هذا البيت خلال أربع وعشرين ساعة، وله أن يحمل ما تحمله شاحنة صغيرة، ماذا يختار من هذا البيت ؟ يختار أغلى الأشياء، وأقلها وزناً، هذا الذكاء، لو لم يكن ثمة موت فمضي ثلاثين سنة في شيء تافه لا مانع، لكن ما دام ثمة موت فالعمر إذاً محدود، كيف أستهلك هذا العمر ؟ إما أن أستهلكه استهلاكاً استثمارياً، وإما أن أستهلكه استهلاكاً رخيصاً، إذاً العمر ثمين، فالمفروض أن أعرف ماذا يعنيني من هذا الدين ؟ يعنيني أن تكون عقيدتي صحيحة، كل تصوراتي، كل أفكاري، كل ما أؤمن به، كل مقاييسي، كل قيمي تنطبق على حقيقة الدين، هذا شيء خطير، لأن أي تصور مغلوط، أي انحراف في الفهم لابد من أن يتبعه انحراف في السلوك، هذا كلام واضح كالشمس، انحراف في العقيدة انحراف في السلوك، إيمان بشفاعة ساذجة واهمة يتبعها تقصير في العمل، إيمان بأن الله لا يحاسب يتبعه انحراف في المعاملة، إيمان بأن النبي سيشفع لنا بلا قيد ولا شرط يتبعه خلل في الاستقامة.
 المطلوب أن نتعرف إلى الله عز وجل المعرفة الصحيحة حتى يأتي العمل مطابقاً لهذه المعرفة.
 الآن عندنا سؤال: كيف نعرف الله ؟ دائماً هناك إلحاح من قِبلي على معرفة الله، أصل الدين معرفة الله، الإنسان يمكن أن يحضر ألف درس علم، يمكن أن يسمع كل جمعة خطبة، يمكن أن يقرأ، يا ترى إذا قرأ كتابات إسلامية، استمع إلى محاضرات، حضر مجالس، علم يا ترى هل هذا كافٍ لمعرفة الله عز وجل ؟ لابد من بحث ذاتي، لابد من جلسات مع الله، لابد من خلوات، لابد من تأمل، لابد من تفكر في الكون.
 أنا أتمنى على كل أخ كريم أن يعرف الله، هذه أكبر قضية في حياته، وأن يعرف الله في كل شيء، من عرف الله استقام على أمر الله، ومن عرف الله سعد في الدنيا، ومن عرف الله سعد في الآخرة، ومن عرف الله فاز، ونجح، وأفلح، وتفوق، ونجا، وسلم.
 إذاً لما أتمنى أن أعرف الله بصدق حقيقي فلابد أن أصل إليه، الكون باب، معرفة أمره باب.
 خطر في بالي مرة مثل بسيط، أن هناك هرماً مقسماً إلى أربعة أقسام، القسم العلوي هو القرآن، الذي يليه هو الحديث الشريف، الذي يليه هي السيرة النبوية، الذي يليه سيرة الصحابة، فالقرآن كلام الله، وهو أصل كل أصل، أتى النبي عليه الصلاة والسلام فشرح كلام الله، إذاً النبي بين للناس ما نزل إليه، لكن جاءت سيرته بلسانه أبلغ، وبيّن وبلّغ، ووضح، وحدد، وقيد، وشرح، وفصل ببيانه، الآن سلوكه ترجم بيانه، سلوكه وضح بيانه، أما النبي فواحد، لكن ربنا عز وجل لحكمة بليغة أرادها جعل من أصحابه نماذج متباينة، هناك صحابي غني، وصحابي فقير، صحابي صغير، وصحابي شيخ كبير، صحابي صحيح الجسم، وصحابي مريض، صحابي مكان إقامته بعيدة، كيف تصرف، وصحابي لازم النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا قرأت القرآن، وفهمته، وقرأت السنة، وعرفتها، وقرأت سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو استمعت إليها، ثم تابعت أخبار صحابة رسول الله صار فعندك منطلقات نظرية، ثم نماذج كثيرة جداً تبين دقائق الشخصية الإنسانية، فالمؤدى كما قلت قبل قليل أن

((شاب سخي حسن الخلق أحب إلى الله تعالى من شيخ بخيل عابد سيئ الخلق))

  الحديث الثاني: يقول عليه الصلاة والسلام:

((قليل الفقه خير من كثير العبادة))

 العبادة تحتاج إلى وقت، وإلى جهد، فمهما كثرت فلا ترقى بصاحبها، لأن الذي يرقى بالإنسان هو العلم، أن تفهم آيةً كريمة فهماً دقيقاً، وأن يهتز عقلك - إن صح التعبير - وأن تهتز مشاعرك حينما استوعبت هذه الآية، ووقفت على حقيقتها، هذا خير لك من كثير العبادة، أن تفهم سر الصلاة، ولماذا أمرنا بها، وحكمة الزكاة، ولماذا فرضت علينا، وأن تفهم حقيقة الحج، ولماذا أمرنا الله به، وأن تفهم حكمة الصيام، ولماذا أمرنا به، إذا فهمت الحقيقة، فهمت السر، فهمت القصد، فهمت المؤدى، جاءت العبادة وفق ما أراده الله عز وجل، دائماً وأبداً العبادة لها شكل، ولها مضمون، شكلها أن تقف، وأن تركع، وأن تسجد، لكن مضمونها أن تتصل بالله، فإذا ما فهم الإنسان سر الصلاة لم تأت عبادته موافقة لما أراد الله عز وجل، فلذلك:

((قليل الفقه خير من كثير العبادة))

 الفقه هذا أمر إلهي، لماذا أمرنا به ؟ طبقته، ماذا استفدت منه ؟ هل انتقلت نقلة نوعية حينما طبقت هذا الأمر ؟ بينما أن تمارس الدين ممارسة شكلية، وكأنه طقس من طقوس الديانات الأخرى، أفعال، وأقوال، لا تدري معناها، وبين أن تكون في المستوى الذي أراده الله عز وجل من هذا الأمر،

((قليل الفقه خير من كثير العبادة))

 ومعروف إذا استعمل الإنسان فكره يريح نفسه، تصور باباً تريد أن تفتحه من دون تفكير، تأتي بمطرقة، تبذل جهدًا، تحدث أصواتًا مزعجة، الجيران يستيقظون، ينزلون، ويخاصمونك، بينما إذا كان معك مفتاح لهذا الباب تفتح هذا الباب بأدنى درجة من الجهد، بألطف طريقة، وبأسرع وقت، كل شيء له مفتاح، فلما يفكر الإنسان ترتاح عضلاته، وترتاح أعصابه، أنا أعيش في الحياة، هذه الحياة زائلة، مادام فيها موت إذاً هناك اصطفاء، ماذا ينبغي أن أتعلم ؟ ما يطبع في اليوم الواحد من كتب لا تستطيع أن تقرأه في مئتي عام، إذاً لابد أن أقرأ الكتاب المفيد، إنها عملية اصطفاء لِما تقرأ، اصطفاء لمن تصاحب، اصطفاء لمن تتعلم منه، الاصطفاء مهم جداً، فالفقه ضروري، هذا الذي قال للنبي: عظني، وأوجز، فقال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، فقال هذا الأعرابي: قد كفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فقه الرجل.
 الحقيقة أن هذا الحديث له تتمة مهمة جداً، أن الفقه أفضل من العبادة، أو

((قليل الفقه خير من كثير العبادة))

 لكن إذا كنت تريد مقياساً دقيقاً دقيقاً حاسماً حاسماً يقينياً يقينياً قال عليه الصلاة والسلام:

((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله))

  الآن هذا الموطن الأساسي في الدرس، ما دام هناك معصية، وتقصير، وحقوق معلقة برقبتك، ما دام هناك أمر إلهي ما نفذته، ونهي واقع فيه، وتقصير في عملك، وانحراف عن الطريق، وتقصير في المنهج، يجب أن تعلم علم اليقين أن إيمانك لا يكفي، وأن فقهك ضعيف، وأن هذا الإيمان الذي تدعيه لا ينجيك من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة،

((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله))

 إذا عبدته فأنت فقيه ورب الكعبة، بلا مراء، بلا مجاملة، بلا مبالغة، إذا عبدت الله عز وجل فأنت فقيه، فإذا أحب الإنسان أن يمتحن نفسه فمن الممكن أن يخالف أمر الله عز وجل، وأن يقصر في ما عليه، ويبخل بما في يديه، وتنحرف جواره إلى معصية الله عز وجل، إذا كان عنده استعداد أن يعصي فيجب أن يكون مع نفسه صريحاً جداً، والحقيقة مرة، خاطب نفسك قل: يا فلان لازال بينك وبين الإيمان المنجي مراحل فساح، اجتهد، أنا الذي أعرفه كيف أن العين غالية على الإنسان، سماها الله كريمة،

((إذا أخذت من عبدي كريمتيه ))

[الطبراني في الكبير عن العرباض بلفظ: إذا قبضت من عبدي كريمتيه...]

  فأكرم شيء عليك هذه العين، كيف أنت حريص على سلامتها، وحريص على عملها بشكل صحيح، وأدنى ملاحظة، أدنى ضعف، أدنى شعور معين، أدنى ضغط، مباشرةً إلى الطبيب، فالمفروض من الإنسان أن يحرص على إيمانه، وعلى قلبه، لأن هذا رأس ماله الوحيد، وهذا زاده إلى الله عز وجل، وهذا ما ينفعه بعد الموت.
 البارحة كان عندنا درس خاص، وهذا الدرس فقرة منه فقهية، وكان عن تجهيز الميت، دخل الناس في النزاع، هل نقرأ عليه سورة ياسين، فاضت روحه إلى السماء، نشد لحييه، نغمض عينيه، كيف نغسله ؟ نضعه على الطاولة، مرة عن يمينه، مرة عن شماله، نستر عورته، ندلكه بماء، يقبله الحي، تفصيلات دقيقة، طريقة التكفين، طريقة التجليس، طريقة الصلاة، الحقيقة شعرت أنا وإخواننا الحاضرون أن الدرس صار له هدف آخر، هذا مصير كل حي، هنا البطولة، مثلما قال ابن دينار: لمثل هذه الساعة كان جهدك يا أبا يحيى، فصار أرجحكم عقلاً من يعد لهذه الساعة التي لابد منها لكل صغير وكبير.
 أخ البارحة حدثني عن شخص في ريعان الشباب، حوالي أربعين سنة، بأوج نجاحه التجاري، بأوج تألقه، بأوج شبابه، دخل إلى الحمام، انقلب، ومات بلا مقدمة، بلا مشكلة، بلا عرض، بلا أزمة قلبية إطلاقاً، فالإنسان في أي لحظة يمكن أن يغادر الحياة، فالبطولة أن نهيئ الموقف الذي يرضي الله عز وجل، يجب أن أعرفه، أنا ألح على معرفته، ومعرفته تبدأ بالتفكر في الكون، وتبدأ بفهم كلام الله، وتبدأ بفهم سنة رسول الله، وتبدأ بفهم سيرة رسول الله، وسير الصحابة، هذا كله يوصل إليه.
 ((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله))

 الآن الكثير يحاولون أن يكون لكل مصلحة مقاييس، مع عدادات، يقول لك: مقياس الرطوبة، في مقياس الحموضة بالتربة، مقياس ملوحة، مقياس حرارة، مقياس ضجيج، الآن ديسبل، يقول لك: هذا فيه ستون (ديسبل)، مقياس تلوث، مقياس ضغط، ضغط الإنسان اثنا عشر، تقريباً العلوم تتجه إلى اتخاذ مقاييس مقننة، حتى في مقياس للزلازل (رختر)، مقياس للزلزال، ومقياس للحرارة، ومقياس للضغط والرطوبة، والحموضة، كل شيء له مقياس، أليس نحن بحاجة إلى مقياس لإيماننا ؟ هذا مقياس أروع مقياس، طبعاً النبي له مقاييس كثيرة، مثلاً: العيادة فواق ناقة، زيارة المريض تقدر بفواق ناقة، يعني بحلب ناقة عشر دقائق، قال النبي عليه الصلاة والسلام: برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، ما دام حمل سلة الخضار، ومشى في الطريق فليس متكبرًا، حمل جهازًا يصله في الطريق، ما سمح لأحد أن يحمل له الجهاز، ما دام حمل حاجته بيده فليس متكبراً، ما دام أدى زكاة ماله فليس ببخيل، ما دام أكثر من ذكر الله فليس بمنافق، برئ من النفاق من أكثر من ذكر الله، برئ من الكبر من حمل حاجته بيده، برئ من الشح من أدى زكاة ماله، فهناك مقاييس عند رسول الله، لا تسمى فقيهاً، ولا تعرف الله إذا كنت تعصيه، ((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه))، تضع مقياسًا للجهل، أكثر الناس يظنون الجهل أن الإنسان لا يعرف، لا، هذا الذي لا يعرف لا يعرف، أما الجاهل فإنسان عنده معلومات كثيرة، لكن كلها غلط، يحدثك بحديث، ويقول لك، أنا رأيي هكذا، رأيك ما قيمته أمام قول الله عز وجل خالق الكون ؟ يقول تعالى:

﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾

[ سورة البقرة: 276]

  تقول: أنا رأيي أن تكون النسب معتدلة، لأن الحياة تقوم على تنمية الأموال، من أنت ؟
 يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتم حتى يكون لكم عند
 من أنت، حضرتك ؟ كلمة أنا رأيي، إذا رأيت إنساناً يقول: أنا رأيي كذا، وكان رأيه خلاف الشرع فتأكد مليون بالمئة أن هذا إنسان جاهل، ولو كان يحمل أعلى شهادة، ما دام أدلى برأي مخالف لكلام خالق الكون.
 أنا مرة كنت أصلح مركبتي، فالمصلح أخذ قطعة من المكبح، ورماها، قلت له: لماذا فعلت هذا ؟ قال: هذه ليس لها لزوم، فقلت: شركة عمرها مئة سنة، فيها خمسة آلاف مهندس، وكل سنة تنمّي خبراتها، والموديل حديث، ثم يأتي إنسان ليس بمتعلم يرمي قطعة من المكبح، ويقول: هذه ليس لها لزوم، ما اقتنعت بكلامه، وتتبعت الأمر، كانت مهمة جداً، ولكن تركيبها صعب، من أنت حتى تقول: هذه القطعة ليس لها لزوم، وترمي بها ؟ ما حجمك في العلم ؟ شركة عمرها مئة سنة، وتطور صناعتها بشكل سريع جداً، وهذا الموديل حديث، وتقول: ليس لها لزوم، يوجد استنباط مهم جداً، فلما يقول لك الإنسان: أنا رأي هكذا، خلاف القرآن، أو خلاف السنة، تستطيع أن تدمغه بالجهل، وأنت مطمئن من دون مناقشة،

((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب بنفسه))

 مطيع تسميه فهيمًا، تسميه ذكيًا، تسميه مفلحًا، تسميه متفوقًا، تسميه فقيهًا، تسميه عالمًا، إذا استقام، وإذا قال لك: أنا رأيي هكذا، وكان رأيه خلاف القرآن الكريم فتمسك بختم وتختم عليه بأنه جاهل، وأنت مطمئن، هذا مقياس، كما قال: العيادة فواق ناقة، أعطاك مقياسًا، قال له رجل: إذا كان عندي يتيم أضربه، قال: اضربه، أعطاك مقياسًا، أفأضربه ؟ قال: مما تضرب منه ولدك، تقدر، تضربه مما تضرب منه والدك، ابنك وجدت معه ليرة، ليست له، أين وجدها ؟ قال: وجدتها في المقعد، أخذتها، وهي لرفيقي، قلت له، قال: لا، لم أقل له، تبقى ساكتًا عليه ؟ عمره ست سنوات، يمكن أن تضربه حتى لا يعيدها، فإذا كان عندك يتيم فعل شيئاً تضرب ابنك عليه فاضربه، هذا مقياس دقيق، أنت تنمي مال يتيم، قال تعالى:

 

﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾

 

[النساء: الآية 6]

  ما المعروف ؟ الحاجة أو أجر المثل، أيهما أقلّ، هذا مقياس.
 فالآن مركز ثقل درسنا هنا، الآن أنت معك مقياس دقيق، هل أنت فقيه ؟ مقياس فقهك طاعتك لله عز وجل،

((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب بنفسه ))

 طلع علينا برأي، في اللغة العامية هو (خنفشاري)، طلع برأي، قال: هذا رأيي، هكذا أرى، قل له: من أنت ؟ أنت مشرّع ؟ أنت أحطت بالعلم كله ؟ أين الدليل ؟ دائماً حاسب نفسك بهذه الطريقة، بهذا الموقف، خالفت السنة، إذًا أنت جاهل، خالفت السنة معنى هذا أنك لست بفقيه، قلت: رأيي أصوب، لست فقيهًا.
 هناك شيء أخطر منه، أنت جاهل، ومعنى جاهل أن معك معلومات غلط، فإذًا من الممكن أن نشبه الإنسان بوعاء، الجاهل وعاؤه ملآن، ولكن كله غلط، إذا كان في الخزانة جوارب، ولكن كل واحدة قياس، وكل واحدة لون، ليس فيها جوربان مثل بعضهما، لا تلبس، الخزانة ملآنة، ولكن ملآنة جهلا، ملآنة معلومات غلط، ملآنة علاقات غلط، ملآنة بأوهام، نحن نريد أن نملأ هذا الوعاء بشيء صحيح، القرآن هو الأصل.
 كنت أسير في الطريق، وأخ من إخواننا الكرام الذي يمشي معه له جار يعرفني، الجار استوقفني، قال لي: جاءني خاطب لابنتي، شاب ممتاز، وغني، وحالته المادية جيدة، بيت، ومركبة، ومعمل، قلت: كيف دينه ؟ قال: أستاذ دينه رقيق قليلاً، عبر عن قلة دينه أنه رقيق، هو ليس فيه دين إطلاقاً، لكن قال لي: دينه رقيق، قلت له الله عز وجل قال:

 

﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾

 

[ سورة البقرة: 221]

  بعد هذا آثروا الغنى، وزوجوه، وحدث الطلاق بينهما، وتزوج كل منهما زواجًا ثانيا، بعد هذا خطفت البنت من قِبَل شاب أدنى من مستواها بمئة مرة.
 هذا الإنسان كيف تحرك في الحياة ؟ خلاف القرآن الكريم، البارحة أخ حدثني عن قصة تأثرت بها كثيراً، شاب مهندس في مقتبل حياته خطب فتاة، يبدو أن والدها من أهل اليسار والغنى، فقال له: أنا طالب ابنتك، اسأل عني، سآتي بعد جمعة، قال له: ماذا حدث معكم ؟ قال: أنا سألت عنك، فكنت صاحب دين، وأخلاقك عالية، والنبي الكريم يقول:

((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

  ولا أقول لك: عندك بيت أو ليس عندك بيت، لا أسألك هذا السؤال، لأنني أنا عندما بدأت لم يكن عندي بيت، لا أقول لك: كم المهر الذي تقدر، فتكتب لها مليونًا، وتعذبها، وتسامحك فيه، كل شيء ممكن، ما أقول لك: ماذا سوف تلبسها، أنا سوف ألبسها، ما أقول لك: أين سوف تسكنها، أسكنها في بيت أنت ترضى به، قلت: والله لو وقف أولياء الأمور هذه المواقف المشرفة لما حدثتْ عندنا مشكلة، نسيت التفصيلات، هي ثمانية بنود، ولكن في منتهى الذكاء، ومنتهى الحكمة، ما أقول لك: ما نوع الأثاث الذي أنت ستضعه في البيت، أنا أقبل به، هذا لك ولها.
 إذا كان الإنسان يمشي على قيم في زواجه، عنده منهج في بيعه، عنده منهج في علاقته بأهله، عنده منهج مع أولاده، ومنهج مع جيرانه، والمؤمن شخصية فذة، يمشي على تعليمات الصانع، فترى في أمره سرًّا.
لماذا كان الشرع ؟ الله عز وجل يفرغك له، إذا كنت تريد أن تتحرك من دون شرع فستدخل في متاهات مع الناس، وخصومات، ودعاوى، وبغضاء، وشحناء، وغيبة، ونميمة، ترى كل حياتك مشحونة بالمتاعب، لما تطبِّق الشرع على كل قضية ترتاح، ليس عندك مشكلة، أنت ما اغتبت أحدًا، لا أحد يكرهك، ما كذبت، مكانتك رفيعة، ما نظرت لغير زوجتك، الله يخلق علاقة طيبة بينك وبينها، الابن ربيته تربية صحيحة، لما كبر سرك، ولمّا فلّته وهو صغير ثم كبر ما سرك، صار عبئاً عليك، صار أكبر مصيبة في البيت، إذا كان متفلتا يرفس، لا تتحمله، أنت أهملته في الصغر فما تحملته في الكبر، كل شيء مدروس، لما تتعلم الدين، تتعلم كيف تعامل الزوجة، كيف تعامل الأولاد، كيف تشتري، كيف تبيع، كيف أقضي سهرة، كيف أسر أولادي، تسير على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، كيف أمزح، هناك مزاح يحدث مشكلات في الحياة، وعداوات، وأحقادًا، والنبي كان يمزح، وكان لا يمزح إلا حقاً.
 عالم من العلماء عنده تلميذ يبيع الصابون، قال له: أين الصابون ؟ قال: ما ثمن الكيلو ؟ قال: بخمسة يا سيدي، قال بل ليرة، قال: ما الليرة يا سيدي، والله بخمسة ثمنه، قال: بل بورقة، أليس ملفوفًا بورقة اللوح، داعبه، ما المانع أن يداعب إخوانه، أولاده مزاحاً لا يؤذي أحدًا، المزاح يجعل الجو لطيفًا في البيت، في العمل، كثير من أنواع من المزاح النبي عليه الصلاة والسلام أمر بها، وكان يفعلها، تضفي المودة، واشتباك النفوس، فأنت بمزاحك تمشي على السنة، بغضبك تمشي على السنة، كان e يغضب إذا انتهكت حرمات الله، زوجته على الشرفة تنشر الغسيل، لا حول ولا قوة إلا بالله، فقط لا حول ولا قوة إلا بالله، هنا يجب أن تغضب غضباً شديداً، الشرع غالٍ عليك، أما في الأمور الدينية فمتساهل، أما إذا لم يكن الطبخ جاهزًا تقيم الدنيا، هذا سلوك عكس السلوك الإيماني.
 هذا الحديث:

((قليل الفقه خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه، وإنما الناس رجلان))

  هناك آلاف التقسيمات، يقول لك: أبناء الريف، وأبناء المدن، والأذكياء، والأغبياء، والمنتجون، والمستهلكون، والطبقة البيروقراطية، والطبقة الأرستقراطية، والطبقة الكادحة، آلاف التقسيمات، وهي في الحقيقة قسمان،

((وإنما الناس رجلان، مؤمن وجاهل))

 مؤمن تحبه، لأنه غني متواضع، وسخي، تحبه فقيرًا عفيفًا تجملا، تحبه من أصحاب الدخل المحدود حكيمًا في مصروفه، كما هو دخله، تحبه من أصحاب الدخل غير المحدود، يحب أن يخدم الناس، تحبه مثقفًا ثقافة عالية، يسخر علمه في تعريف الناس بالله، تحبه غير متعلم مستسلم، يتلقى كل شيء بالقبول، هذا الجاهل لا يستنكف أن يتعلم، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((وإنما الناس رجلان، مؤمن وجاهل))

 الإيمان يجعل الفقر جميلا، والغنى جميلا، الإيمان يجعل المرض مقبولا، هذا مرض من عند الله عز وجل، هو ساقه إلي لحكمة يريدها، أنا مستسلم لقضاء الله عز وجل، أتداوى، وأصبر، هذا الذي قال النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((عَجِبْتُ لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، لَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، وَكَانَ خَيْرًا، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، وَكَانَ خَيْرًا))

[ مسلم، أحمد، الدارمي ]

  هذا الذي أتمناه على كل أخ كريم، القضية أخطر بكثير من حضور مجلس علم، أخطر بكثير من أن يأتي إلى الجامع، ويعود إلى البيت، هو في بيته بمخالفاته، وأجهزته، وذهابه ومجيئه، الأمر أخطر من ذلك، الذي يريد أن يستفيد من حياته، الذي يريد إذا جاء ملك الموت يشعر أن نفسه من الناجين، من الفائزين، من الفالحين، من المتفوقين يتقيد بشرع الله، الآن في أيام شبابه، في أيام صحته، في أيام حياته، قبل موته يستعد، والاستعداد لهذه الساعة منوع، تارةً بتلاوة القرآن، تارة بالتفكر في الأكوان، تارة بحضور مجالس العلم، تارة بضبط الجوارح، تارةً بإتقان العمل، تارةً بنصح المسلمين، هذه كلها أبواب إلى الله عز وجل.

 

((قليل الفقه خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب بنفسه، وإنما الناس رجلان، مؤمن وجاهل، فلا تؤذ المؤمن، ولا تحاور الجاهل))

 الحدث الثالث والأخير، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((قليل التوفيق خير من كثير العقل، والعقل في أمر الدنيا مضرة، والعقل في أمر الدين مسرة))

[فيض القدير وقال: رواه ابن عساكر في تاريخه عن أبي الدرداء]

  هو ذكي، وخبراته واسعة، ومخطط لكل أمر، ومهيئ نفسه، لكن ليس فيه استقامة، إذاً ليس هناك توفيق، تراه يدفع الثمن باهظاً، الله عز وجل يخلق له مشكلة يضيع له كل تعبه بها، من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وكان أقرب مما اتقى، أما إذا كان في استقامة كان في توفيق، اسمحوا لي بهذا الكلام أن أقوله لكم، أنتم جميعاً لكم أعمال، شيء في الزراعة، شيء في الصناعة، شيء في الوظيفة، أنا كل خبرتي بهذا الموضوع ألخصها بكلمتين: استقيموا ولن تحصوا، كتاجر استقيم، كن صادقاً، لا ترد على كلام السوق كله: إذا ما كذبنا لا نربح، هذه آية أم حديث ؟ هذه لا آية ولا حديث، هذا كلام الجهال والفساق، في بالسوق مقولات كلها غلط، كلها أساسها المصلحة، وضيق الأفق، وحب الذات، من أخذ أمي فهو عمي، ما هذا الكلام، ليس له معنى، لبّسته إياها، ما هذه البيعة ؟ إذا باع بيعة فيها غش، وفيها عيب، ما ذكره يعدُّ نفسه بالسوق ذكيا.
 أنا لي قريب يعمل في تصليح السيارات قال: لي جار جاءه شخص غشيم، معه سيارة جديدة، يظهر أنه غشيم، ومن دول النفط، وغني، أوهمه، وقال له: إن هذه السيارة تحتاج إلى عمل يومين أو ثلاثة، وإياك أن تمشي بها فوراً، يتفاقم الأمر، قال له: أصلحها، قال: نعم، تكلف عشرة آلاف، والقصة قديمة منذ عشر سنوات، قال: أصلحها، وهي في الحقيقة تحتاج إصلاح عشر دقائق، أصلحها المصلح، وأخبر أهله أن هيئوا أنفسكم، أخذهم إلى منطقة بلودان أول يوم، ثاني يوم أخذهم إلى نبع الفيجة، ثالث يوم على طريق المطار، هذا جاره شاهده، ما هذا العمل ؟ ربع ساعة تقول له ثلاثة أيام، وعشرة آلاف ؟! عاتبه، قال له: هكذا العمل، ثالث يوم دخلت في عين ابنه نثرة في المخرطة، حيث يعمل ابنه، أخذه إلى لبنان كلفته العملية ستة عشر ألف ليرة لبناني، لما كان اللبناني بمئة وستين، يعني اثنين وعشرين ألف ليرة، لأنه لا يعرف الله عز وجل، لو عرفه لما تجاوز حدوده هذه القصة قيسوا عليها كل قصة.
إذا كنت تعرف الله لم تتجاوز حدك، تخاف لو كان المشتري طفلاً صغيراً لا تستطيع ان تغشه، الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن.
 ذكرت لكم مرة قصة شهيرة هن شخص زارني في البيت، والله قصة لا تصدق، وهو راكب مع صديق في سيارة المطار، قال: في نصف الطريق انحرف انحرافاً مفاجئاً ما فهمت السبب، بعد هذا رأى كلبًا واقفًا على طرف الطريق، هذا الكلب أصابه بردٌ في الشتاء، وطرف الطريق دافئ في الشتاء، والزفت في الشتاء أدفئ من التراب، والكلب واقف على طرف الطريق حجز ثلاثين سنتيمترا، فأحب هذا السائق أن يتسلى فقط، يريد أن يقطع أيدي الكلب، فعبّر عن مهارة فائقة، هو ما دهسه، فقط قطع يدي الكلب، قال لي: أنا ما تحملت هذا المنظر، مضى أسبوع، السائق أو هذا الذي كان يسوق السيارة في نفس المكان إحدى العجلات أصابها عطب، فرفع المركبة، وفك البراغي، سحب العجلة، فسقطت السيارة فوق الدولاب، ويداه تحت الدولاب، فقطعتا من الرسغ بقدرة قادرة، حتى وصل إلى المستشفى، اسودت يداه، السبت الساعة الثانية فعل ذلك في الكلب، السبت الثاني الساعة الثانية كانت يداه الاثنتان مقطوعين من الرسغ، هذه قصة واقعية ذكرها لي أخ أعرفه، وهو صادق عندي، وكان راكبًا في السيارة، الله عز وجل كبير، إذا عرفته فتأدب مع عباده، مع مخلوقاته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فَمَلَأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا ؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ))

[البخاري ومسلم]

  والدليل، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((عُذِّبَتْ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ، قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا، وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِهَا، فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ))

[ متفق عليه ]

  العلم ينوّرك، العلم حارس لك، العلم طريق واضح، أنا لا أعتقد إنساناً يمشي على منهج الله عز وجل إلا ويعيش حياة سليمة، قال تعالى:

 

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

 

[ سورة المائدة: 16]

  في بيته سليم، في عمله، مع إخوانه، مع جيرانه، يمشي على الشرع، هذا الحديث: ((وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب بنفسه، وإنما الناس رجلان، مؤمن وجاهل، فلا تؤذ المؤمن، ولا تحاور الجاهل)).
 والحديث الثالث:

((قليل التوفيق خير من كثير العقل ))

 ينشرون الدعايات، ويدفعون مئات الألوف على الدقيقة الواحدة، هذه دعاية ممتازة، وديكور فخم رويا نصيب بداخل العلب، أما التوفيق فغير هذا، التوفيق أن تستقيم على أمر الله عز وجل، لا تحتاج إلى كل هذه الضجة، ولا هذا الاهتمام، ما دمت في طاعة لله فأنت توفيق، إذا أردت التوفيق فادفع ثمنه، ثمنه الاستقامة على أمر الله، وكل إنسان يعرف بالفطرة الاستقامة، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، هناك إنسان يغش في الحليب أمام الزبون، توقف، هات ماء يا بني، زان له نصف كيلو حليبًا، ووضع نصف الآخر ماء، هل سمعتم عنها في الأرض يغش الحليب في الغرفة الداخلية، الغش خلاف المنطق، أنت تعرف بالفطرة الحق من الباطل، تعرف ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يمكن وما لا يمكن، وتعرف بالفطرة ما يرضي الله،

 

((والعقل في أمر الدنيا مضرة والعقل في أمر الدين مسرة))

  هذا آخر شيء في الدرس، أنت لما تسلط عقلك على أمور دنياك تتفوق، تركز وضعك، ترى الموت مصيبة، أصعب شيء الموت، أما لما تسلط عقلك على أمور آخرتك ترقى عند الله، وصار الموت عرس المؤمن، الموت بداية السعادة، فالإنسان إذا كان ذكيًّا لا يسخر ذكاءه فقط للدنيا، لما سخر ذكاءه للدنيا ترقى دنياه، أما إذا رقيت دنياه وآخرته خربة فعنده ساعة ندم شديدة جداً.
 سئل أحد العلماء: لماذا نخاف الموت ؟ قال له: القضية سهلة، لأنكم عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، والإنسان يكره بفطرته أن ينتقل من العمار إلى الخراب، إذا كان الإنسان ساكنًا في بيت ستمئة متر، في أرقى أحياء دمشق، فيه كل شيء، انقله إلى بيت خمسين مترًا في أحياء دمشق الفقيرة، شيء صعب جداً، النقلة السلبية صعبة، قال تعالى:

﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾

[ سورة الإسراء: 21]

((قليل التوفيق خير من كثير العقل والعقل ))

 شيء من التوفيق أحسن من حركة واسعة جداً من جهد كبير، ومن ذكاء متقد، ومن خطط محكمة، ومن تمهيدات، طالما ليس هناك استقامة، ولا التزام فربنا يؤدب الإنسان، ويتلف له ماله بطريقة أو بأخرى، يؤخره إلى الوراء مئات الخطوات، يقول لك: رجعت إلى الوراء سنتين، تجارة، وبيع، وشراء، وحسابات، وموظفون، وسفر، ليس هناك ربح، يلهمه صفقة خاسرة، يرجع بها إلى الوراء سنتين يأتي إنسان مستقيم ينمو نمواً بطيئاً ومطمئنًا، فهذا الكلام أسوقه لكل أصحاب الأعمال بأي مجال، بوظيفة، بتجارة، بزراعة، بصناعة، بأي وظيفة أنت استقم وانظر.
((قليل التوفيق خير من كثير العقل))

 لأن العقل التدبير، التدبير والإحكام والجهد والوجود الصارخ في السوق، وبث العملاء، وتعيين الوكلاء، والسفر، والاستيراد، والبيع هذه الحركة الضخمة من دون استقامة لا ينتج عنها شيء، قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

  بحث آخر، نتكلم عن المؤمنين، المؤمن له بحث آخر، نحن درسنا اليوم:

 

((شاب سخي حسن الخلق أحب إلى الله تعالى من شيخ بخيل عابد سيئ الخلق))

 مقياس ربنا الأخلاق الفاضلة والسخاء.
 والحديث الثاني:

((قليل الفقه خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أعجب برأيه، وإنما الناس رجلان، مؤمن وجاهل، فلا تؤذِ المؤمن، ولا تحاور الجاهل))

 والحديث الثالث

((قليل التوفيق خير من كثير العقل، والعقل في أمر الدنيا مضرة، والعقل في أمر الدين مسرة ))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018