أحاديث متفرقة - الدرس : 022 - قل آمنت بالله ثم استقم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 022 - قل آمنت بالله ثم استقم.


1990-10-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم: في كتاب رياض الصالحين عقد الإمام النووي رحمه الله تعالى في الباب الثامن باب الاستقامة، عقد فصلاً ضمنه بعض الأحاديث في مقدمة هذه الأحاديث، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

[ مسلم، أحمد ]

  نصيحة جامعة مانعة، حقيقة أساسية، الإسلام كله ضغطه النبي صلى الله عليه وسلم في كلمتين، الإسلام كله:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

 الإسلام عقيدة وسلوك، إن صحت العقيدة صح السلوك، وإنْ فسدت فسد السلوك، وإن اختلت اختل السلوك، أي عقيدة مغلوطة تعتقدها لا بد - ودققوا في كلمة لابد - لابد من أن تظهر على سلوكك انحرافاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

  السؤال: ما السر الذي جعل الإسلام ينتشر في الآفاق، وراية المسلمين رفرفت في أقاصي الصين، وفي تخوم أوربة إلى فينا، إلى مشارف باريس، إلى شمال إفريقيا، ما هذا السبب، لماذا انتشر الإسلام، لماذا أصبح رعاة الغنم قادةً للأمم، رعاة الغنم أصبحوا قادة للأمم ؟ لأنهم فهموا الإسلام كلمتين لا كلمة واحدة، فهموا الإسلام إيمانًا واستقامة،

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

 لذلك لا أستطيع أن أرى شيئاً أدعى إلى انتشار الإسلام وتركيز دعائمه وترسيخ مفاهيمه وتعزيز قيمه وتمكينه في النفوس كأن نرى مثلاً أعلى، دعنا من أن تقول: قال زيد، أو قال عبيد، موقف صادق أفضل من ألف محاضرة في الصدق، موقف فيه ورع أفضل من ألف محاضرة في الورع، ما الذي جعل الأجداد الأسلاف رحمهم الله تعالى يتفوقون ؟ لأنهم طبقوا هذا الحديث، الإسلام قول وعمل، عقيدة وسلوك، إيمان واستقامة.
 يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

  هل آمنت بالله الإيمان الذي أراده الله ؟ نحن دائماً عندنا - كما قلت لكم من قبل - مثل دقيق، ميزان، إذا شبهنا الشهوات التي أودعها الله في الإنسان بوزن خمسة كيلو وضعت في كفة، الآن القناعات، الإيمان، التصورات، اليقينيات، الثوابت التي تمتلكها لن تقف في وجه هذه الشهوات إلا إذا كانت بوزنها وزيادة، أما اعتقاد بسيط، إدراك ضبابي، سماع كلمة من دون تحقق، هذا لا يستطيع أن يقف في وجه الشهوات، إذاً أنت بحاجة إلى قناعات، فالطبيب مثلاً لماذا ترونه يبالغ في تنظيف الخضراوات ؟ لأنه من الصباح وحتى المساء يرى مرضى، هذا معه زحار، هذا معه كوليرا، كل هذه الأمراض بسبب التلوث، أو بسبب العدوى، أو بسبب الفاكهة غير المغسولة، أو الخضراوات غير المغسولة، تشكلت عند هذا الطبيب قناعات ثابتة حملته على أن يبالغ في تنظيف الخضار والفواكه، الإنسان لا يتحرك إلا إذا كانت عنده قناعات كافية، أعطيك مقياساً دقيقاً، إذا تحركت فالقناعة كافية، فإذا قلت: أنا اقتنعت، ولم تتحرك فالقناعة غير كافية، وإذا تطببت عند طبيب، ووصف لك وصفة وأنت أعطيته أجرته، وبالغت في الثناء عليه، وأشدت بعلمه، وأثنيت على حكمته، وامتدحت شهادته، وبينت عمق علمه، لمجرد أنك لم تشتر هذه الوصفة فأنت مكذب لعلمه، كل هذا الكلام فارغ، فعدم شرائك الوصفة أقوى دليل على عدم إيمانك بعلم هذا الطبيب، أما لو أردت أن تثني عليه، وأن تملأ الوقت ثناءً عليه، فهذا كلام فارغ، لذلك نحن مشكلتنا مشكلة عمل.
 النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

   الحقيقة الحديث خطير وموجز، لكنني أردت أن أجسد هذا الحديث بقصة لفقيهٍ جليل اسمه على كل فم، هو علم من أعلام الفقه، الفقهاء كلهم عالة عليه، إنه الإمام أبو حنيفة النعمان، الآن ترون معي من خلال قصته أن أبا حنيفة النعمان ما رفعه الله عز وجل لأنه كان ذكياً، ولأنه كان حافظاً، ولأنه كان مستنبطاً، بل لأنه كان ورعاً، ولأنه كان مطبقاً لما يعلم، ولأنه كان قدوةً، ولأنه كان مثلاً.
 أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى من أعلام الفقهاء، فلو وقفنا وقفةً قصيرة عند الإطار الخارجي له كان هذا الفقيه الكبير حسن الوجه، وسيم الطلعة، عذب المنطق، حلو الحديث، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير التي تنبو عنه العيون، وهو إلى ذلك لباس أنيق الثياب.
 من قال لك: إن المسلم مظهره غير مقبول، زاهد ؟ من قال لك هذا الكلام ؟ أنت على ثغرة من ثغر الإسلام، فلا يؤتين من قبلك، أنت سفير هذا الدين، كيف يرتدي السفير ثيابه إذا كان مدعوًّا إلى حفل في أعلى درجة ؟ لأنه يمثل أمةً، يمثل دولة، يمثل شعباً، والمسلم سفير دينه، قال عليه الصلاة والسلام:

((أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ))

  إياك أن تسمح للعدو أن يهاجم الإسلام من خلالك، إياك أن تكذب، إياك أن تخون العهد، إياك أن تهمل عملك، إياك أن تخلف وعدك، إياك أن تبدو بمظهر غير مقبول، فكان هذا الفقيه العظيم ذا لباس أنيق، بهي الطلعة، كثير التعطر، إذا طلع على الناس عرفوه من طيبه قبل أن يروه، كان مطبقاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ قَيْسِ بْنِ بِشْرٍ التَّغْلِبِيِّ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي وَكَانَ جَلِيسًا لِأَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:

((فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَأَصْلِحُوا لِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فِي النَّاسِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامٍ قَالَ حَتَّى تَكُونُوا كَالشَّامَةِ فِي النَّاسِ))

[ أبو داود، احمد ]

  وكان عليه الصلاة والسلام يعرف بريح المسك.
 هذا الإمام العظيم أول من فتق أكمام الفقه، واستخرج أروع ما فيها من طيوب، دعاه المنصور ذات مرة إلى زيارته، المنصور من أقوى خلفاء بني العباس، وكان من أكثرهم شحًّا، لم يكن كريماً، وربما كانت هذه الصفة مدحاً لا ذماً، ضن بأموال الأمة عن أن ينفقها هكذا وهكذا، فلما صار عنده بالغ في إعظامه وإكرامه والترحيب به، وأدنى مجلسه منه، وجعل يسائله عن كثير من شؤون الدين والدنيا، فلما أراد الانصراف دفع إليه بكيس فيه ثلاثون ألف درهم، على ما كان معروفاً من إمساك المنصور، مع أنه كان ممسكاً، كلمة ممسك لطيفة، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين، إنني غريب في بغداد، وليس لهذا المال موضع عندي، وإني لأخشى عليه السرقة، فاحفظه لي عندك في بيت المال، حتى إذا احتجته طلبته منك.
 كلام منطقي لطيف، ما عندي مكان، وأخشى أن يسرق، فدعه عندك، أحيانا يطيع الإنسان الله عز وجل بلطف، وإنسان يطيع الله عز وجل بموقف عنيف، موقف فيه فظاظة، أبو حنيفة النعمان كان حكيماً، فهذا المال ما قبِله، ولكن ما رده بعنف، ولا بفظاظة، أخاف عليه السرقة فاحفظه لي عندك في بيت المال، حتى إذا احتجته طلبته منك، فأجابه المنصور على رغبته، غير أن الحياة لم تطل بعدئذ بأبي حنيفة، فلما وافاه الأجل وجد في بيته ودائع للناس تزيد على أضعاف هذا المبلغ، فلما سمع المنصور بذلك قال: يرحم الله أبا حنيفة فقد خدعنا، وأبى أن يأخذ منا شيئاً.
 هذه القصة لها معنى، أنت إذا تعففت عن مال، أو أردت أن تقيم الحق، أو أردت أن تأمر بالمعروف، أو أردت أن تنهى عن المنكر، هل ينبغي أن تكون قاسياً ؟ هل ينبغي أن تكون فظاً ؟ هل ينبغي أن تكون معنفاً ؟ لا، المسلم رقيق لطيف، ظله خفيف فلا داعي، هذا المال لا أقبله، هذا مال حرام، لست حكيماً، يمكن أن ترفض هذا المال من دون أن تكون عنيفاً، ومن دون أن تكون قاسياً، ومن دون أن تكون فظاً.
 قال إنسان لأحد الخلفاء: إنني سأعظك بغلظة إنسان فقال له هذا الخليفة: ولمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، فقال له:

 

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

 

[ سورة طه: الآية 44]

  هل هناك رجل أقسى من فرعون ؟ وهو الذي قال:

 

﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

 

[ سورة النازعات: الآية 24]

  ومع ذلك:

 

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾

 

[ سورة طه: الآية 44]

  دع العنف، دع القسوة، كن لطيفاً، كن خفيف الظل، كن ذكياً في رفضك، فهذا موقف ينمّ على ذكاء عال، قال: يرحم الله أبا حنيفة، فقد خدعنا، وأبى أن يأخذ منا شيئاً، لماذا فعل هذا أبو حنيفة ؟ لأنه كان يوقن أنه ما أكل امرؤ أزكى ولا أعز من لقمة ينالها من كسب يده.
 لذلك أبو حنيفة النعمان الفقيه الأول الذي يعد كل الفقهاء عالة عليه، أبو حنيفة النعمان الذي فتق أكمام الفقه، والذي ترك لنا تراثاً بالفقه لا يعلم قيمته إلا الله، كان مع ذلك كان له عمل، كان تاجراً، لذلك خصص شطراً من وقته للتجارة، فقد جعل يتجر بالخز وأثوابه، وكانت تجارته ذاهبةً آيبةً بين مدن العراق، وكان له متجر معروف يقصده الناس، فيجدون فيه الصدق في المعاملة، والأمانة في الأخذ والعطاء، ولا ريب أنهم كانوا يجدون فيه الذوق الرفيع أيضاً، فإذا كنت مؤمناً فلا تعتقد أنه يجب أن يكون ذوقك متخلفاً، ومظهرك غير مقبول، ودكانك فوضوية، أنا زاهد، من قال لك ذلك ؟ كن منظماً، ترى غير المؤمن منظمًا، المؤمن يضع في جيبه، أيدها أيد، اتركها لسيدك، ليس هذا هو الإيمان، الإيمان هو انضباط، انضباط في الحسابات، تنظيم في المحل، نظافة في المظهر.
 فكان أبو حنيفة النعمان، رضي الله عنه - هذه دعائية - يجد الناس في محله الذوق الرفيع أيضاً، وكانت تجارته تدر عليه خيراً وفيراً، فكان يأخذ المال من حله، ويضعه في محله، اسمع هذه الكلمة ما ألطفها، هذا جناس ناقص، فكان يأخذ المال من حله، ويضعه في محله، تسعة أشطار المعصية في كسب المال وإنفاقها، المال تسعة أقسام، تسعة أشطار، تسعة أعشار المعصية من كسب المال، وإنفاق المال، لذلك أبو حنيفة النعمان كان يأخذ المال من حله، ويضعه في محله.
 عرف أنه كلما حال عليه الحول أحصى أرباحه من تجارته، واستبقى منها ما يكفيه لنفقته، والباقي يشتري حوائج القراء، والمحدثين، والفقهاء، وطلاب العلم، وأقواتهم، وكسوتهم، هذا تاريخ أبي حنيفة النعمان، يستبقي من أرباحه حاجته، مصروفه السنوي، والباقي حسب قناعته أن هذا الذي يطلب العلم هذا سوف يدعو إلى الله، فإذا وفرنا له حاجته فقد فعلنا شيئاً عظيماً.
 فإذا دفع أمواله لهؤلاء طلاب العلم، للقراء، للمحدثين، للفقهاء، لطلبة العلم، كان يقول: هذه أرباح بضائعكم، أجراها الله لكم على يدي، انظر إلى التواضع، هذا قول أبي حنيفة النعمان، فإذا أردت أن تعطي مالاً أينبغي أن تجرح هذا الإنسان ؟ خذ هذه من زكاة مالي، أهكذا المسلم ؟ لي فضل عليك، أذهبت فضلك كله، إذا أعطى طلاب العلم، قراء القرآن، المحدثين، الفقهاء، ما كان يعطي سيدنا أبو حنيفة ما عليه من زكاة فقط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((في المال حق سوى الزكاة))، من أين استنبط النبي هذا القول ؟ هذا حكم في قوله تعالى:

 

﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ﴾

 

[ سورة البقرة: الآية 177]

  معنى إنفاق المال الأول غير إنفاق الثاني، إذاً في المال حق سوى الزكاة، وكان يقول لهم أيضاً: والله ما أعطيتكم من مالي شيئاً، وإنما هو فضل الله علي فيكم، فما في رزق الله حول لأحد غير الله، هذه قاعدة أساسية، الإنسان يرزقه الله لا بذكائه، ولا بخبرته، ولا بسعيه، ولا بعلمه، ولكن بتوفيق الله، لذلك هذه الآية الكريمة التي أجمع علماء التفسير على أنها من الآيات الجامعة المانعة:

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

[ سورة هود: الآية 88]

  أي لن يتحقق عمل على وجه الأرض إلا بتوفيق الله، فمن ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى.
 جاءه يوماً رجل قال له: يا أبا حنيفة، إنني بحاجة إلى ثوب خز، قال له أبا حنيفة: ما لونه ؟ قال: كذا وكذا، قال: اصبر حتى يقع لي فآخذه لك، فما إن دارت الجمعة حتى وقع له الثوب المطلوب، فمر به صاحبه، فقال له أبو حنيفة: قد وقعت لي حاجتك، وأخرج إليه الثوب، فأعجبه، وقال: كم أدفع لغلامك ثمنه ؟ قال: درهماً، قال الرجل باستغراب: درهماً واحداً ! قال: نعم، قال: ما كنت أظن أنك تهزأ بي يا أبا حنيفة، قال: والله ما هزئت بك، وإنما اشتريت هذا الثوب وآخر معه بعشرين ديناراً ذهبياً ودرهمًا من فضة، وقد بعت أحد الثوبين بعشرين ديناراً ذهباً، وبقي علي هذا بدرهم واحد، وما كنت لأربح على جليس.
إذا كان من كرامة المؤمن أن تراعيه، أنا لا أريدك ألا تربح عليه، فإذا زارك أخوك في القرابة، في أخوة بالله اربح، ولا تستغل أنه جاءك إلى هذا المكان، ومنحك ثقته المطلقة، ولم يسأل عن السعر، ولم يدقق، ولم يحقق، ولم يفتش، فأنت حينما شعرت أن هذا الإنسان لن يحاسبك رفعت له السعر حتى بعته هذه البضاعة بأغلى من ثمنها، ليس هذا من المروءة أبداً، هذا الذي جاء مستسلماً، واثقاً، مانحاً إياك ثقته، ينبغي ألا ترفع عليه السعر، وهذه نقطة مهمة جداً.
 الحقيقة عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَسِيدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ))

[ أبو داود ]

  أحيانا يأتيك إنسان ليشتري حاجة، وهو خبير، كل شيء تقوله له لا يقبله، يقول لك: أعطني هذه القطعة من هذه الماركة، مهما تكلمت فكلامك غير مقبول عنده، هذا الشخص خبير، أحياناً يأتيك شخص جاهل بالبضاعة، يقول لك: أنا لا أعرف، رجاءً انصحني، يأتي البائع المسلم الذي أذن الظهر فأسرع إلى الجامع هذه فرصة، عنده شيء كاسد، وشيء رائج، الكاسد ينصح به، هذا اللون، هذه القطعة، هذه الماركة، هل تظن أن هذه قضية سهلة عند الله عز وجل ؟ ماذا فعلنا يا أخي ؟ بعنا واشترينا، الله قال:

 

﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾

 هل تدري أن هذا الذي قال لك: أنا لا أعرف، فانصحني.

 

 

(( كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ))

  واللهِ الدين بالمعاملة، الدين بالمحاككة قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرجل: هل جاورته ؟ قال: لا، هل سافرت معه ؟ قال: لا، هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه.
 ذات يوم جاءته امرأة عجوز تطلب ثوب خز، هذا أبو حنيفة النعمان، الذين يقولون عنه: لو أراد أن يقنعك أن هذا التراب ذهب لأقنعك بهذا، معه حجة قوية، جاءته امرأة عجوز تطلب ثوب خزّ، فأخرج لها الثوب المطلوب، فقالت له: إنني امرأة عجوز، ولا علم لي بالأثمان، وإنها الأمانة يا أبا حنيفة، فبعني الثوب بما قام عليك برأسماله، وأضف إليه ربحاً قليلاً، فإنني ضعيفة، فقال لها: إني اشتريت ثوبين اثنين في صفقة واحدة، ثم إني بعت أحدهما برأس المال إلا أربعة دراهم، فخذيه بها، ولا أريد منك ربحاً.
 كنا مرة في الحج قبل عامين أو ثلاثة، سمعت أن امرأة في المدينة دخلت على بائع أقمشة واشترت قطعة، قالت له: راعنا، قال له: تكرمين، قالت له: لأجل رسول الله راعنا، لف القطعة بورق جيد، وقدمها لها هدية لما رجته برسول الله، وهو عند رسول الله.
 عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((غَفَرَ اللَّهُ لِرَجُلٍ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ سَهْلًا إِذَا بَاعَ سَهْلًا إِذَا اشْتَرَى سَهْلًا إِذَا اقْتَضَى ))

[ البخاري، ابن ماجه، الترمذي ]

  التاجر رحيم، أحيانا امرأة ضعيفة عاجزة، أحيانا شخص يقول لك: أريد بربع ليرة شاي، هناك شخص لا يتحمل، ويعدّها إهانة له، فيقول: ما عندنا، قصة قديمة منذ عشرين سنة، قال عامل لبائع: أعطني بفرنك جبنة، أعطاه قطعة، قال له: ضع لي من هذه.
 هناك إنسان يكون جبار الخواطر، الحقيقة يمكن أن يكون بيعك وشراؤك طريقًا إلى الله، رحمتك، لطفك، تواضعك، حسن تخلصك، عدم قسوتك.
 رأى ذات يوم ثياباً رثةً على أحد جلسائه، فلما انصرف الناس، ما قال له أمام الناس، هناك نصيحة، وهناك فضيحة، النصيحة دائماً بينك وبين فلان، والفضيحة على ملأ، أنا أنصحه، لا، هذه ليست نصيحة، هذه فضيحة، هذا تشهير، إذا كنت صادقاً في نصيحتك فينبغي أن تنصحه على انفراد.
 فلما انصرف الناس قال له: ارفع هذا المصلى، وخذ ما تحته، فرفع الرجل المصلى، فإذا تحته ألف درهم، قال له أبو حنيفة النعمان: خذها، وأصلح بها شأنك، البس، فقال الرجل: إنني موسر، أنا غني، وقد أنعم الله علي، ولا حاجة لي، فقال له أبو حنيفة النعمان: إذا كان الله قد أنعم عليك فأين آثار نعمته ؟ أما بلغك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))

  دائماً يشكو، والواقع ليس كذلك، لكن الشكوى صارت طبع هذا الإنسان، يقول: من تمارض مرض، من ادعى المرض ادعاء، المرض كفر بنعمة الصحة، جزاء هذا الكفر أنه يمرض فعلاً، إذا كان الواحد صحيح الجسم فلا يتمارض، إذا كان الله عز وجل ميسرًا له التجارة قفلا يقل: السوق مسمومة، لا بيع ولا شراء، هذه السَّنة خسرت خمسمئة ألف، هل علمت ما قصد كلامه ؟ نقص ربحه خمسمئة ألف، فاعتبرها خسارة، وهي نقص من ربحه فقط، الحمد لله، لك بيت، وعندك زوجة، وأولاد، آكل، شارب، نائم، مطمئن، آمن، ما عليك طلب، ما عليك دين، عندك قوت يومك، هناك شخص يقول: الحمد لله، الله تفضل علي، الله أنعم علينا بالصحة والإيمان، وراحة البال، هذه نعم كبرى، لما ربنا يراك واقعيًا شاكرًا للنعم عارفا للجميل يزيدك، باستمرار تعمل وتربح، وتأكل وتشرب، وتذهب إلى النزهات، وأمورك منتظمة، قال e:

((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده))

  فالإنسان لا يكن كثير الشكوى، ويعاب أن تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، وهذا الذي شكا حاله إلى غني ذهب ثلثا دينه، الله هو الرزاق، الله هو المعطي، الله هو المتفضل.
 بلغ من جود أبي حنيفة وبره بالناس أنه إذا أنفق على عياله نفقةً تصدق بمثلها على غيرهم من المحتاجين،

((ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))

 كلما أنفق نفقةً على عياله أنفق مثلها على المحتاجين، أما عامة الناس فهذه الأكلة لا أستطيع أن آكلها، أعطوها لفلانة، الشيء الذي عافته نفسه ينفقه، والله سمعت عن أسرة كان عندها وليمة بالمستوى الرفيع، وعندهم خادمة في البيت، ألزمتها سيدة المنزل أن تأكل من طعام قديم، وأشهى أنواع الطعام أمامها، الله عز وجل كبير.
 يقولون قصة رمزية، ولكنها بليغة جداً، أن رجلاً وزوجته كانا في البيت، طرق الباب سائل، فكان يأكل هذا الرجل مع امرأته دجاجاً، فقالت له: سائل في الباب، فهمت أن تعطيه شيئاً من الطعام، فنهرها، وقال: اطرديه، ثم ساءت العلاقة بين هذين الزوجين، وانتهت بطلاق الزوجة، جاء رجل آخر فتزوج هذه المرأة، وبعد سنين طرق الباب، وكانا يأكلان دجاجاً، فلما ذهبت لتفتح الباب عادت مضطربة، قال: مالك ؟ قالت: سائل في الباب، قال: ومن هو ؟ اضطربت، قال: من هو ؟ قالت: إنه زوجي الأول، فقال لها: أتعلمين من أنا ؟ أنا السائل الأول.
 الله عز وجل قادر أن يقلب العملية قلباً، كان عندك صانع، صرت عنده صانعًا، أحيانا أخ يأكل أموال إخوته كلهم ظلماً، يأخذ البناية والأرض، و إخوته قصّر، اعملوا لي وكالة، عملوا له وكالة، تدور الأيام فيصبح هذا المغتصب صانعاً عند إخوته.
 امرأة قالت لضرتها: ولد في بطني، وعلى يدي ولد، وعلى الأرض ولد، وأنت عقيم، دارت الأيام، وزرق الله هذه العقيم خمسة أولاد ذكور، وهؤلاء الأولاد الثلاثة ماتوا جميعاً، دع في ذهنك أن الله عز وجل يقلب الوضع رأساً على عقب، أقول لكم هذه الكلمة: الله عز وجل يغفر ذنوبا كثيرة جداً، لكنه يبدو أن ذنبين خطيرين يأخذ صاحبهما أخذ عزيز مقتدر، إنهما الظلم والكبر، فإذا كان عندك إنسان ضعيف في محلك التجاري فإياك أن تستعلي عليه، إياك أن تستضعفه، إياك أن تستهين به، إياك أن تظلمه، لأن الله كبير، والقصص في هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى، بل إن القصص هي العبر، والسعيد من اتعظ بغيره، والحقيقة أن الإنسان إذا نجح في حياته، إن كانت العلمية أو التجارية، أو أي نجاح، مع هذا النجاح خطر كبير، هو الكبر، مع هذا النجاح خطر كبير، هو الظلم.
 أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه قطع عهداً على نفسه ألا يحلف بالله في أثناء كلامه إلا تصدق بدرهم فضة، اليمين صادقة صحيحة، ولكن كثرة الحلف بالله عز وجل شيء منهي عنه، قال تعالى:

 

﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾

 

[ سورة المائدة: الآية 89]

 أخذ على نفسه هذا العهد.
 لاحظ نفسك، عندك مخالفات، تقع فيها كثيراً ؟ عيّن لكل مخالفة صدقة، كلما وقعت في هذه المخالفة ادفع هذه الصدقة، إلى أن تقلع عنها، إذا كان الله عز وجل غاليًا عليك، وأمره غالٍ عليك إذا وقعتَ في مخالفة مستمرة، ونفسك متساهلة عوّد نفسك كل مخالفة صدقة بحسب دخلك، إذا اغتبت إنساناً ادفع صدقة، ضاعت عليك صلاة ادفع صدقة، هكذا علمنا أبو حنيفة رضي الله عنه، أنه قطع على نفسه عهداً ألا يحلف بالله في أثناء كلامه إلا تصدق بدرهم فضة، ثم تدرج في الأمر فجعل على نفسه عهداً إن حلف بالله ليتصدقن بدينار من ذهب، لكن دققوا، أبو حنيفة بأيمانه كان صادقاً، فكيف إذا حلف الإنسان يميناً كاذبةً ليبيع سلعةً، الآن جاء من الجامع، بالله، وبرسوله، ليست رابحة، بعناك هذه دون رأسمالها، أين صلاتك ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ مَمْحَقَةٌ لِلْكَسْبِ وَقَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ الْبَرَكَةَ)).

[ البخاري، مسلم، النسائي، أبو داود، أحمد ]

  كان حفص بن عبد الرحمن شريكاً لأبي حنيفة في بعض تجاراته، فكان أبو حنيفة يجهز له أمتعة الخز، ويبعث بها معه إلى بعض مدن العراق، فجهز له ذات مرة متاعاً كثيرة، وأعلمه أن في ثوب كذا وكذا عيوباً، وقال له: إن هممت ببيعها فبين للمشتري ما فيها من عيب، فباع حفص المتاع كله، ونسي أن يعلم المشترين بما في الأثواب من عيوب.
 قال لي تاجر أقمشة: جاءت بيعة إلى بلد بعيد، ما كان عندي من فضل زبالة البضاعة كلها وضعتها في هذا الطرد، وأرسلتها، قال لي: تخلصنا منها، من هذا العمل الله عز وجل جعلنا وراء الأمم، لأنه ليس هناك استقامة، لأن شريكه لم يذكر للشاري هذه العيوب.
 فباع حفص المتاع كله، ونسي أن يعلم المشترين بما في الأثواب من عيوب، ولقد أجهد نفسه في تذكر الرجال الذين باعهم الثياب المعيبة، فلم يفلح، نسي، فلما علم أبو حنيفة، ولم يتمكن من معرفة الذين وقع عليهم الغبن لم يستقر قراره، ولم تطب نفسه حتى تصدق بأثمان المتاع كلها.
هذا الحل، وقعت في مشكلة، بعت بيعة غلط، ما عرفت صاحبها، ادفع ثمنها صدقة تسجل له عند الله صدقةً، فقبل أن يعرف رجلٌ الله عز وجل كانت عليه دفعة، ذهب إلى صاحبها فوجد المحل مغلقا، ما الحل ؟ ادفع هذا المبلغ صدقة لله عز وجل تسجل عند الله صدقة له هذا الحل.
 عبد الله بن المبارك يقول لسفيان الثوري: يا أبا عبد الله ما أبعد أبا حنيفة عن الغيبة، فإني ما سمعته يذكر عدواً له بسوء قط، فقال له سفيان: إن أبا حنيفة أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها.
 لذلك سمعت أن رجلاً من أهل العلم، وكان صالحاً ومخلصاً، وعاملاً قيل له: إن الناس يتحدثون عنك، فإنني أشفق عليك، فقال له: هل سمعتني قلت عنهم شيئاً ؟ قال: لا، عليهم فأشفق.
 إن أبا حنيفة أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها، هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))

[ مسلم، الترمذي، أحمد ]

  كان أبو حنيفة ودودًا ووفيًا، فإذا مر به الرجل من الناس قعد في مجلسه عن غير قصد، ولا مجالسة، فإذا قام سأل عنه، فإن كان به فاقة وصله، وإن كان به مرض عاده، وإن كانت له حاجة قضاها حتى يجره إلى مواصلته جراً.
 اسمعوا، هذا الإنسان الذي التقى مع أبي حنيفة، إن كان فقيراً وصله، وإن كان مريضاً عاده، وإن كان له حاجة قضاها له، إلى أن تعلق هذا الإنسان بأبي حنيفة، من السهل أن يتعلق بك الإنسان لكلامك، وصف كلامك، على المنطق الرائع، على الطلاقة، هذه شكليات، يتعلق الناس بك على إحسانك، على خدمتك لهم، على تواضعك، إذا أردت أن تأخذ بيد الله عز وجل فإياك أن تظن أن كلامك وحده يأخذ بيدهم، أو أن منطقك وحده، أو أن ذكاءك وحده، هذا كله لك، هم ماذا أصابهم منك ؟ إذا أصابهم شيء من إحسانك يحبونك.
 يا داود ذكر عبادي بإنعامي إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها.
 وفوق كل ذلك كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى صوام نهار، قوام ليل، خديناً للقرآن، مستغفراً بالأسحار.
 اسمعوا هذه النقطة الدقيقة جداً، من أسباب توغله في العبادة واندفاعه فيها أنه أقبل ذات يوم على جماعة من الناس فسمعهم يقولون: إن هذا الرجل الذي ترونه لا ينام الليل، فما إن لامست كلماتهم هذه مسمعه حتى قال: إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله، والله لا يتحدث الناس عني منذ الساعة بما لا أفعل.
 أحياناً تكون لك مكانة عند الناس، فلان ورع جداً، فلان قوام ليله، إذا لم تكن كذلك فالإنسان يشعر بتمزق واختلال، فهو يبدو أنه مرّ على جماعة قالوا: هذا الذي لا ينام الليل، هذا القوام، هذا العابد، وهو ليس كذلك، شعر بحرج كبير، قال: يا نفس إني عند الناس على خلاف ما أنا عليه عند الله، لهذا قال الله عز وجل.

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)﴾

 

[ سورة الصف ]

  ولن أتوسد فراشاً بعد اليوم حتى ألقى الله، إلا أنا لي ملاحظة، أنه ما نام إطلاقاً، هذا كلام غير واقعي، الله عز وجل لما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بقيام الليل قال تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾

 

 

[ سورة المزمل ]

  هذا للنبي عليه الصلاة والسلام، الإنسان له جسم، له حاجة للنوم، هذه مبالغة، يقوم الليل، أما أن يقوم كل الليل فغير معقول.
 النقطة الثانية: لما سيدنا عمر جاءه من أذربيجان، وكره هذا الرسول أن يطرق باب عمر ليلاً، توجه إلى المسجد، المسجد في الليل ليس فيه مصباح، هكذا يبدو، فداس على قدم رجل، فإذا هو سيدنا عمر، كان يصلي، قال: يرحمك الله من أنت ؟ الدنيا ليل، قال: أنا عمر، قال: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل ؟ قال: إن نمت الليل كله أضعت نفسي أمام ربي، وإن نمت نهاري أضعت رعيتي.
 إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وله عمل في النهار لا يقبله في الليل، كان إذا أرخى الظلام سدوله على الكون، وأسلمت الجنوب على المضاجع، الناس نيام، إذا آوت الأطيار إلى أوكارها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وأغلقت الملوك أبوابها، ماذا يفعل أبو حنيفة ؟ قام فلبس أحسن ثيابه، وسرح لحيته، وتطيب، وتزين، ثم يقف في محرابه، ويقطع بعض الليل قانتاً أو منحنياً بصلبه على أجزاء القرآن، أو رافعاً يديه بالضراعة، فلربما قرأ القرآن، ربما قام الليل، لقد روي أنه قام الليل كله، وهو يردد قوله تعالى عز وجل:

 

 

﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾

 

[ سورة القمر: الآية 46]

  الذي يخاف في حياته الدنيا يطمئنه الله، إذا خفت الله في دنياك طمأنك الله في أخراك، فإذا لم تخفه في الدنيا أخافك في الآخرة.
  كان من أدعيته رضي الله عنه: يا من يجزي بمثقال ذرة خير خيراً، و يا من يجزي بمثقال ذرة شر شراً، أجر عبدك النعمان من النار، و باعد بينه و بين ما يقربه منها، و أدخله في واسع رحمتك يا أرحم الراحمين.
 أبو حنيفة النعمان هذا الاسم الكبير كان عابداً، كان ورعاً، كان مستقيماً، كان محسناً، و هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله رجل: قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

  هذه القصة كلها، ولها تتمة إن شاء الله تعالى نأخذها في الدرس القادم، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ:

((قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ))

  أعيد و أكرر إن كل فهم صحيح ينعكس سلوكاً صحيحاً، كل خطأ في الفهم أو خطأ في العقيدة أو خطأ في التصور أو اعتقاد فاسد لابد من أن يبنى عليه سلوك فاسد، وانحراف واضح، و الحقيقة هذه القصص أعلق عليها آمالاً كثيرة، لماذا ؟ لأنني أعرض عليكم حقائق الإسلام مطبقة، القصة حقيقة مع  البرهان عليها، أعرض عليكم نماذج إنسانية حية وقعت فعلاً، نحن لا يرفعنا عند الله لا حضورنا لهذه المجالس فقط، و لا قراءتنا، و لا ازدياد ثقافتنا، و لكن يرفعنا عند الله عز وجل أن نكون في مستوى ما نكون، و أن نكون عاملين بما نعلم، من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018