الدرس : 13 - سورة التوبة - تفسير الآيات 13 - 15 ، التوبة الخالصة هي سببٌ لنصر المسلمين. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 13 - سورة التوبة - تفسير الآيات 13 - 15 ، التوبة الخالصة هي سببٌ لنصر المسلمين.


2010-06-18

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

نقض العهود يستوجب التأديب :

 أيها الأخوة الكرام... مع الدرس الثالث عشر من دروس سورة التوبة، ومع الآية الثالثة عشرة وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 أيها الأخوة، يبين الله في هذه الآية أن هؤلاء القوم الذين نقضوا عهودهم مع المؤمنين مرات ومرات، نقضت قريش عهدها مع رسول الله فأخرجته، ونقض اليهود عهدهم مع رسول الله فائتمروا على قتله، وكل الأطراف الأخرى غير المؤمنة من شأنها نقض العهود والمواثيق، لذلك قال تعالى لهؤلاء: أنتم قدمتم لهم كل سبل السلام، قدمتم لهم عهداً، لكنهم نقضوا هذه العهود، نقض هذه العهود يستوجب التأديب، المؤمن قوي، والمؤمن له أظافر، والمؤمن ينبغي أن يُرهب جانبه، لكن نحن في وضع استثنائي عشنا في عصر أُعلنت فيه حرب عالمية على المسلمين، وكل أطراف الدنيا تهاجم الإسلام، هذا الهجوم المستمر، وهذا الاتهام المستمر، بالتخلف، والعنف، والإرهاب، أورث المسلمين الشعور بالنقص، فصدقوا هذه التهم، لكن الله عز وجل يقول: نقضوا عهودهم معكم، هؤلاء لا عهد لهم، هؤلاء نقضوا مواثيقهم، هؤلاء لا يرعون في مؤمن:

 

﴿ إِلّاً وَلَا ذِمَّةً ﴾

 

[ سورة التوبة الآية: 10]

 لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

 نحن تصورنا أن المؤمن دائماً ضعيف، دائماً يعبر عن السلام، والمحبة، والوئام، وأنه لا يتدخل بشأن الآخرين، هذه الثقافة جاءتنا من شدة الهجوم الذي انهال على المسلمين، لكن الحقيقة أن المؤمن قوي، والمؤمن عزيز، والمؤمن يكفيه عزاً أن الله معه، كأن الله لا يحبنا أن نستخذي، أن نتطامن، أن نخضع، ورد في بعض الآثار:

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 دائماً الإسلام سلم، الإسلام محبة، كلام طيب، لكن دائماً سلم ومحبة، والطرف الآخر يتفنن في حربنا، وفي قهرنا، وفي قتل شبابنا، وفي احتلال أرضنا، وفي نهب ثرواتنا، والإسلام محبة وسلام وأنس؟ لا، لابد من قوة نظهرها، لا بد من عزة نعتز بها، كأن الله عز وجل يثير بنا العزة فيقول:

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ ﴾

العصر الآن عصر الانحياز إلى الباطل :

 الأقوياء اليوم يضربون، يحتلون، يقبضون على المقاتلين، يحاكمونهم، هم أحرار فيما يفعلون، إذا وقع في أسرنا جندي واحد تقوم الدنيا ولا تقعد، ولنا عند أعدائنا أكثر من أحد عشر ألف أسير، ولا أحد يتكلم، قبضنا على أسير واحد الدنيا كلها قامت، نحن في عصر الانحياز إلى الباطل، هؤلاء الذين يؤسرون لا أحد يسأل عنهم، أما أسير واحد من العدو يُدمر لبنان من أجله؟ تُدمر البنية التحتية من أجله؟
 فلذلك ليس هناك منطق، الذي يحاول أن يصنع مفاعلاً سلمياً تقوم عليه الدنيا ولا تقعد، ويحاصر، وتجري عليه حرب اقتصادية، أما الذي قصف سفناً تحمل مؤناً لشعب محاصر، لا أحد يتكلم، ولا أحد ينتقد، ولا أحد يندد، هذه مشكلة، لذلك قال تعالى:

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 119]

 كأن المسلم ليس له حق، جاءنا رئيس أمريكي ليزور المنطقة، برنامجه دمشق، تل أبيب، رام الله، زيارة أسرة الأسير الإسرائيلي، ولنا عندهم أحد عشر ألفاً وثمانمئة أسير، و لم يخطر في باله أن يزور أسرة واحدة من أسر المسلمين.
 لذلك أقول هذا كثيراً كي تنزعون من أذهانكم أنهم يحبونكم،

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

المؤمن لا يخشى إلا الله لأنه قوي :

 لذلك:

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

 طبعاً سياق الآيات عن كفار قريش، وعن يهود المدينة،

﴿ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

 هم البادئون والبادئ أظلم،

﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 المؤمن لا يخشى إلا الله لأنه قوي، لا يخشى قوة دون قوة الله، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ بل يقرأ قوله تعالى فيطمئن:

 

﴿ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

 

[ سورة البقرة]

 إذاً أي توجه إلى الخضوع بداعي أننا لا نملك أسلحة الطرف الآخر هذا ضعف إيمان.

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

[ سورة آل عمران]

 ومرة ثانية، وثالثة، ورابعة: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟.

 

بطولة الإنسان أن يقدم لله أسباب النصر كي ينتصر :

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

 أي يا عبادي! أنا معكم، كأن الله سبحانه وتعالى في التاريخ المعاصر أعطانا جرعة منعشة، كيف أن أخوتنا في غزة هم عشرة آلاف وقفوا لاثنين وعشرين يوماً أمام أقوى جيش في المنطقة، دون أن يستطيع هذا الجيش تحقيق أي هدف، هذه جرعة منعشة، كأن الله يقول لنا: أنا موجود يا عبادي، ووعدي هو هو، وعدي لكم بالنصر هو هو، فالبطولة أن تقدموا لله أسباب النصر، والآية الكريمة:

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً ﴾

 

[ سورة النور الآية: 55]

 زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين، هذه الآيات ينبغي أن ترفع معنوياتنا.

 

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم]

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

[ سورة الغافر الآية: 51 ]

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾

[ سورة الصافات]

 ومرة ثانية: زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين.

 

المؤمن ما لم يكن مستقيماً على أمر الله فلن يثق بنفسه أبداً :

 لذلك:

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

 الآن الحساب حساب مادي، يقول لك: عندهم أسلحة متطورة، عندهم سلاح طيران متفوق، عندهم قنابل جرثومية، وقنابل عنقودية، وقنابل ذكية، وقنابل حارقة، وقنابل خارقة، وعندهم إستراتجية في الحرب متفوقة جداً، هذا كلام لا يقاس بعالم الإيمان، لأن الله مع المؤمنين، معهم بالنصر والتأييد، وإذا كان الله معنا فمن علينا؟ وإذا كان علينا فمن معنا؟.
 لكن أيها الأخوة، لا تجد الناس يعبؤون كثيراً بهذه المعاني، لأن المؤمن ما لم يكن مستقيماً على أمر الله لن يستطيع أن يعتمد على هذه الآيات، لا يثق بنفسه أبداً، إذا كنت مستقيماً على أمر الله، مصطلحاً مع الله، وتقرأ هذه الآيات، تتوكل حقاً على الله، تثق حقاً بنصر الله، تتفاءل لا تتشاءم، لكن ضعف الإيمان يسبب عدم الإمكان أن تعتمد على هذه الوعود من الله لعدم ثقتك بنفسك.

 

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

 طبعاً الآيات موجهة لأصحاب رسول الله، لكن القرآن حمّال أوجه، القرآن لكل المؤمنين، لكل أهل الإيمان إلى نهاية الدوران.

 

 

شروط النصر :

 أخواننا الكرام، بشكل أو بآخر النصر له قانون، أحد شروط هذا القانون أن تكون مؤمناً لقوله تعالى:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 أن تكون مؤمناً كما يريد الله عز وجل، أي إيمان ينصره الله عز وجل؟ الإيمان الذي ينقلب إلى سلوك، إلى طاعة، إلى التزام، إلى أن تكون وقافاً عند حدود الله، إلى أن تأتمر بما أمر الله، إلى أن تنتهي عما عنه نهى وزجر، هذا الإيمان الذي ينقلك إلى الحركة، إلى الالتزام، إلى أن تكف عما نهاك الله عنه، إلى أن تفعل ما أمرك الله به، هذا الإيمان أحد أكبر أسباب النصر، لكن المشكلة أن كل مسلم على وجه الأرض يدّعي أنه مؤمن وهو ليس كذلك، بدليل أنه لا يستقيم على أمر الله، كلمة إيمان بالأصل إنسان عرف الله، فإذا عرفه أطاعه، ومن أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، وأن تحبه ثم لا تطيعه، ومن لوازم الإيمان الطاعة.
 أما الآن مليار وخمسمئة مليون مسلم يحتلون أبرز منطقة في العالم، مليئة بالثروات، ومع ذلك الشعوب الإسلامية هم أضعف شعوب الأرض وأفقرها، بسبب ضعف إيمانهم، وضعف ثقتهم بدينهم، وضعف ثقتهم بوعود ربهم، بسبب ضعف استقامتهم، هذا الواقع.

 

الإنسان إذا قدم أسباب النصر انتصر و لو كان عدوه قوياً :

 لذلك أنت إذا قدمت لله أسباب النصر انتصرت ولو كان عدوك قوياً، لأن الله أقوى منه، الله عز وجل فوق كل الخلق، فوق كل قوي، وأقوى الأقوياء بيده، والآية الدقيقة:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[سورة هود]

 أي كل القوى المخيفة في الأرض بيد الله، وأنت علاقتك ليست مع هذه القوى، علاقتك مع من يملكها، إنه الله، فإذا اصطلحت معه أبعدها عنك، وإذا قصرت في طاعته سمح لأحدها أن تقترب منك، هذه القصة كلها.
 فلذلك أيها الأخوة، الله عز وجل يدفعنا إلى أن نؤمن به الإيمان الذي يحمل على طاعته، فإذا آمنا الإيمان الذي يحمل على طاعته عندئذٍ نعتمد على هذه الوعود من الله،

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾

 قريش بدأت في معارك أُحد، وبدر، والخندق، واليهود بدؤوا حينما نقضوا عهودهم مع رسول الله،

﴿ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾

من كان مع الله كان الله معه :

 أحياناً تقيم موازنة بين قوتك وقوة الأعداء، و الأعداء أقوياء جداً، والآن العالم الغربي يملك طائرات، يملك صواريخ عابرة للقارات، يملك أسلحة جرثومية، يملك أسلحة كيماوية، يملك قنابل خارقة حارقة، يملك قنابل عنقودية، قنابل تمشي على أشعة الليزر، يملك طيران، هذا كله نراه، نسمع به، ولكن الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟.
 قد يسأل إنسان هذا السؤال: ثلاثون دولة من حلف الناتو بأفغانستان، و84% من أرض أفغانستان بيد المقاومين، هذه الدول الثلاثون أين هي؟ كيف أن هؤلاء يملكون بندقية فقط و بيدهم 84% من مساحة أفغانستان، وفي العراق الشيء نفسه، المقاومة قوية جداً، معنى ذلك إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟.
 الآن هناك موظف كبير بالبنتاغون، قال: ماذا نفعل بحاملات الطائرات والصواريخ العابرة للقارات ماذا نفعل بهذه؟ لأنه ما من دولة على وجه الأرض تجرؤ أن تحاربنا، ولكن ماذا نفعل بهذا الإنسان الذي جاء ليموت فيهز كياننا؟ هذا ليس له حل؟ صار هناك رد على هذه القوى بالمقاومة، وترون أن هذه المقاومة ولاسيما الإسلامية تركت أثراً كبيراً جداً في العالم، فكأن الله سبحانه وتعالى بهذه الآية لا يريدنا أن نكون ضعافاً، ولا أن نرهب الأقوياء، ولا أن نخشاهم، ولا أن نبتعد عن التفكير في محاربتهم،

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ ﴾

الجرعات المنعشة التي قدمها الله عز وجل للمؤمنين في هذه الأيام :

 والعدو الصهيوني أنا أشبهه بالعصا الغليظة للغرب، مهمة هذا الكيان أنه عصا غليظة، أي بلد في الشرق الأوسط قال: لا للغرب، هذه العصا تسحقه، أليس كذلك؟ لكن هذه العصا والفضل لله كُسرت مرتين، مرة في عام 2006 في جنوب لبنان، مرة في عام 2008 في غزة، كُسرت، ولا تزال مكسورة، شيء خلاف الخطط، خلاف المتوقع، وكأن الله أعطانا درساً بهذين النصرين أنني موجود، والأمر بيدي، والوعود التي وعد الله بها هي هي، والإله هو هو:

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 عفواً، أصغر دولة في العالم تعد ثلاثة ملايين، لأن معها أقوى دولة في العالم، هذه ترهب ملايين المسلمين أليس كذلك؟ مع أنها أقوى دولة في العالم، لأن أكبر دولة في العالم تدعمها دعماً بلا حدود، هذه الدولة الصغيرة تواجه وتتحدى أكبر دول المنطقة، إذاً العبر بمن معك، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟.

 

﴿ أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ ﴾

 وكأن الله يعتب علينا

 

﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 سيدنا خالد واجه بآسيا ثلاثمئة ألف مقاتل، وكان جيشه ثلاثين ألفاً، فطلب من الصديق النجدة، طلب منه خمسين ألف مقاتل، بعد حين أرسل له المدد، المفاجأة أنه واحد هو القعقاع بن عمرو، فلما وصل القعقاع بن عمرو إلى سيدنا خالد قال له: أين المدد؟قال له: أنا، قال له: أنت؟! و كان مع القعقاع كتاباً من سيدنا الصديق، في هذا الكتاب: يا خالد! والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يُهزم، وانتصروا، ثلاثون ألفاً مع القعقاع واجهوا ثلاثمئة ألف.

 

عدم انتصار الإنسان على عدوه إلا بطاعته لله و بمعصية عدوه لله :

 القضية بالإيمان إذا كان الله معك فأنت تملك كل شيء، فكل بطولتك أن يكون الله معك، ويكون الله معك بالطاعة، يكون الله معك بطاعتك لله، ولا تنتصر على العدو الأقوى منك إلا بطاعتك لله وبمعصية عدوك لله، فإذا عصيت الله استويت معه بالمعصية فانتصر عليك بقوته، هذا كلام نهائي، والله عز وجل يقول:

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة التوبة]

 لا تخشونهم، هذه الآيات يحتاجها المسلمون في مواجهة أعدائهم، تحتاجها الأمة العربية في مواجهة العدو الصهيوني، والله هناك قصص من البطولات التي جرت في حرب غزة تكاد لا تصدق، ألقى الله الهيبة في قلوب المقاتلين، عشرة آلاف مقاتل! شباب معهم بندقيات فقط واجهوا جيشاً يعد رابع جيش بالعالم، يعد أول جيش بالمنطقة، يعد أول جيش في تنوع الأسلحة واجهوا هذا الجيش لاثنين وعشرين يوماً، ولم يحقق هذا الجيش أي هدف من أهدافه، أين الله؟ هذا الله عز وجل، الله موجود، وأنا أعدّ هذا النصر جرعة منعشة لنا، يجب أن تثق بالله، إله يقول لك أنا معك، وإذا كنت معك فمن عليك؟

 

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

 كم هدف؟

 

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾

 عندنا جيش يُهزم في ساحة المعركة وعندنا جيش فضلاً عن هزيمته في ساحة المعركة يُهزم نفسياً،

﴿ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

بنود قانون النصر :

1ـ الإيمان بالله :

 لكن اسمحوا أيها الأخوة، أبين لكم أن للنصر قانوناً، أو بنود قانون النصر أن تكون مؤمناً الإيمان الذي يريده الله عز وجل، ما الإيمان الذي يريده الله عز وجل؟ هو أن تكون مؤمناً مطبقاً، أن يترجم إيمانك إلى التزام، إلى طاعة، إلى أن تأخذ ما لك، وأن تدع ما ليس لك، أن تطيع الله في سراءك وضراءك، في خلوتك وجلوتك، إلى أن تسعى بنشر هذا الدين، فإذا كان الله معك فمن عليك؟ أو إيمان يترجم إلى استقامة، أما هناك إيمان لا يترجم إلى استقامة فلا يقدم ولا يؤخر.
 بصراحة المسلمون يعدون الآن مليار وخمسمئة مليون، هؤلاء المؤمنون يعدون ربع سكان الأرض، وعندهم ثروات طائلة، ويقيمون على أرض تعد أرقى أرض في العالم، ومع ذلك ليست كلمتهم هي العليا، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، السبب: عدم الطاعة،

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾

2 ـ إعداد العدة المتاحة :

 الآن هذا الشرط الأول، وهو الإيمان الذي يحمل على طاعة الواحد الديان، الشرط الثاني: أن نعد لأعدائنا ما نستطيع.

 

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 

[ سورة الأنفال الآية: 60]

 الله عز وجل ما طالبنا أن نعد القوة المكافئة، طالبنا أن نعد القوة المتاحة،

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 والله يرمم الباقي، إله كلام خالق السماوات والأرض، أكبر مشكلة نعاني منها أن عدونا قوي، مدعوم من دول الغرب، يتربص بنا، ويحاول أن يشتت جمعنا، وأن يفرق وحدتنا، وأن يأخذ أرضنا، وأن ينهب ثرواتنا، هذا العدو علاجه الوحيد أن نؤمن بالله أولاً إيماناً يحمل على طاعته، وأن نقاومه، وكما ترون أنباء المقاومة إن في العراق، أو في فلسطين، أو في أفغانستان، قدمت صوراً رائعة جداً، وكأن عقيدة الحرب تغيرت بعد نتائج هذه المقاومة، ما قيمة الجيوش الكبيرة؟.
 مرة قلت لكم: موظف كبير بالبنتاغون يقول: ماذا نفعل بحاملات الطائرات وليس هناك دولة على وجه الأرض تجرؤ أن تحاربنا؟ لكن ماذا نفعل بهذا الإنسان الذي جاء ليقاتلنا؟ جاء ليموت من أجل أن يهز كياننا، لذلك المقاومة طريق لحل الجيش القوي، قال تعالى:

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ ﴾

 أي تنتصرون على عدوكم انتصاراً مادياً، وانتصاراً معنوياً،

﴿ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

المؤمن مع كل من آمن بالله في الأرض :

 بربكم أخبار انتصار أخوتنا في حرب غزة ألم يثلج صدور المسلمين جميعاً؟ انتصار أخوتنا في جنوب لبنان ألم يثلج صدور أخوتنا جميعاً؟ هذا شيء طبيعي جداً، بل إن الله سبحانه وتعالى أثبت للصحابة الكرام فرحهم بانتصار الروم، مع أن هناك أشياء خلافية بيننا وبينهم، قال تعالى:

﴿ الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الروم]

 الصحابة الكرام فرحوا بانتصار الروم مع أنهم أهل كتاب لما بيننا وبينهم من قواسم مشتركة، بشكل عام المؤمن مع كل من آمن بالله في الأر ض، يتعاطف معه، لكنه ليس مع الملحد، مع الكافر، مع الفاسق،

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ ﴾

 أي الله عز وجل قادر أن يعذبهم، عنده عذاب، عنده صواعق، عنده براكين، عنده زلازل، عنده موت معين، عنده وباء معين، لكن الله أراد أن يكسبنا أجر القتال،

 

﴿ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾

 

[ سورة محمد الآية: 4]

 هذا الذي يريده الله عز وجل،

﴿ قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

تتالي النكبات على أمتنا في هذا العصر أورثت نكبات مؤلمة جداً :

 أنتم تلاحظون لو أن هناك عملاً إسلامياً عسكرياً حقق نجاحاً كبيراً، تجد المسلمين في العالم يفرحون، ينتشون،

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

 هذا فرح كبير، أنت لك أهداف خاصة، لك بيت، لك مركبة، لك أولاد، لك دخل، لكن أنت إنسان تعيش في مجموع، وهذا المجموع إذا ارتقى تسعد بهذا الرقي، وإذا لم ترتقِ تتألم.
 عفواً تتالي النكبات على أمتنا في هذا العصر أورثت نكبات مؤلمة جداً، أنا أسميها ثقافة اليأس، أو ثقافة الإحباط، أو ثقافة الطريق المسدود، لكن لما رأينا ومضات من النصر؛ انتصار أخوتنا في جنوب لبنان، في غزة، المقاومة في أفغانستان، في العراق، هذه الومضات أعطتنا راحة نفسية، هذه الراحة تبين أن المؤمن يفرح فرحاً كبيراً بنصر الله

﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

[ سورة التوبة]

 لأنه خلقنا، وهو إلهنا، ويعلم من خلق، المؤمن يسعده النصر، وتؤلمه الهزيمة، لذلك عندما تتتالى الهزائم تنشأ حالة يأس أو حالة إحباط عند الأمة، وهذه حالة خطيرة جداً.

 

هزيمة المسلمين من الداخل أخطر شيء في حياتهم :

 لذلك أنا أقول دائماً: أخطر شيء أن يهزم المسلمون من الداخل، من داخل نفوسهم، أما أي هزيمة طارئة من الخارج قد تنتهي بانتصار مبين، أما الهزيمة من الداخل خطيرة جداً، هذه تصيب الأمة بالإحباط

﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 ودائماً وأبداً الله جلّ جلاله يريدنا أن نتفاءل، فإذا تبت إلى الله توبة نصوحة الله سبحانه وتعالى ينسيك الماضي كله.

(( إذا رجع العبد على الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))

[ورد في الأثر]

 هناك وعود إلهية بالقرآن الكريم لكل مؤمن، والذي أتمنى إيضاحه لكم أن هذا الدين دين أفراد ودين جماعات في الوقت نفسه، الأمة إذا طبقته انتصرت على عدوها ولو كان قوياً، لكن لو أن الأمة لم تطبق هذا الدين، إذاً لم تنتصر، أنت كفرد ماذا تعمل؟ أنت أيها الفرد المسلم لو طبقت أحكام هذا الدين وحدك لانتصرت، ولقطفت كل ثماره لوحدك.
 إذاً هناك نصر جماعي إذا طُبق هذا الدين من قبل جماعة الأمة، أو نصر فردي ينالك وحدك إذا اصطلحت مع الله، فأنت حاول أن يكون هذا الدين لكل الأمة، فإن لم تستطع فلا أقل من أن تكون أنت مؤمناً صادقاً حتى تنتظر من الله العطاء.

 

التوبة علم وحال وعمل :

﴿ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ﴾

 معنى ذلك أن الهزيمة مؤلمة جداً، ينشأ منها غيظ في القلب، والنصر يعطي القلب شفاءً،

﴿ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾

﴿ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ﴾

 تعود على الإنسان، أي إنسان شاء التوبة، وقدم أسبابها، العلم، والندم، والإقلاع، أو التوبة علم، وحال، وعمل، إذا قرأت عن هذا الدين العظيم، إذا طلبت العلم، عرفت أين ذنبك، وأين خطؤك، فالعلم طريق التوبة، والندم الحال النفسي الذي يرافق العلم، والإقلاع هو النتيجة، أن تقلع عن هذا الذنب إقلاعاً كلياً، فالتوبة علم، وحال، وعمل،

﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾

 تعلم، تندم، تقلع،

﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 أيها الأخوة، عجيب الأمر كلما قرأنا بعض الآيات جاء باب الخلاص، وهو التوبة، لاحظت في هذه السورة أن كل مجموعة آيات تحوم حول موضوع ينتهي هذا الموضوع بفتح باب التوبة مهما تكن، هناك شرك، هناك كفر ـ لا سمح الله ـ هناك نفاق،

﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليقبل توبتنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لدعائنا.
 فلذلك

﴿ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾

 علمه بتوبتك الصادقة، وحكمته بقبول هذه التوبة هو سبيل خلاصنا.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018