الدرس : 24 - سورة النساء - تفسير الآيتان 44-45، الأسباب والمسبب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 24 - سورة النساء - تفسير الآيتان 44-45، الأسباب والمسبب


2002-08-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الشيء المرئي دليله معه أما الشيء المسموع فيحتاج إلى دليل وإلى بحث :

 أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سورة النساء، ومع الآية الرابعة والأربعين، وهي قوله تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ* وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ﴾

 أيها الأخوة الكرام،

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 كلكم يعلم أن فعل رأى فعل قلبي أحياناً وقد يكون بصرياً، إن قلت: رأيت الشمس ساطعةً، فهذه رأى البصرية وساطعة تعرب حال، أما إن قلت: رأيت العلم نافعاً، فهذه الرؤية قلبية، إذاً نافعاً مفعول به ثان، فرأيت تستخدم مرة بصرية، ومرة قلبية.
 الله عز وجل يعجب، وفي مطلع الآية استفهام تقريري، يعجب بطريق الاستفهام التقريري،

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾

 الشيء المرئي كما تعلمون أيها الأخوة دليله معه، ليس مع العين، فأنت حينما ترى إنساناً يرتدي ثوباً أبيض لا يمكن أن تقول له: ما دليلك على أنك ترتدي ثوباً أبيضَ، الرؤية دليلها معها، بينما الخبر يحتاج إلى أن يكون المخبر صادقاً، أنت بالخبر تحتاج إلى بحث.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[ سورة الحجرات: 5]

المنهج بالإسلام إن كنت ناقلاً فالصحة وإن كنت مدعياً فالدليل :

 الأخبار تحتاج إلى مصداقية، لذلك كما تعلمون هناك يقين حسي أداته الحواس الخمس، وهناك يقين عقلي أداته العقل، وهناك يقين إخباري أداته الخبر الصادق، فالله سبحانه وتعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام، يخاطبه بأسلوب الاستفهام التقريري، يستفهم، وقد وقع الشيء، وهناك استفهام إنكاري، واستفهام تعجبي، واستفهام تهكمي، الاستفهام يخرج عن حقيقته إلى عشرات المقاصد، هذا استفهام تقريري، وقد يعني التعجب، كيف؟ كيف هؤلاء أوتوا نصيباً من الكتاب هم أهل كتاب، هو على معرفة بالله عز وجل، هم على نوع من أنواع الاتصال به، هم جاءتهم رسالة، جاءهم وحي، ومع ذلك هل يعقل أن يفعلوا ما يفعلون؟ هل يعقل أن يفعلوا مع رسالة النبي عليه الصلاة والسلام بأن يكذبوه، إذاً:

﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾


 أخواننا الكرام، كما قلت قبل قليل: الشيء المرئي دليله معه، بينما الشيء المسموع يحتاج إلى دليل، والمنهج بالإسلام إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل، إن أردت أن تدعي شيئاً فينبغي أن تأتي بالدليل، أما إن كنت ناقلاً فينبغي أن تكون صادقاً، إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مدعياً فالدليل، الحقيقة أنا حينما أرى إنساناً بهيئة غريبة، ومعي صديق أقول له: أرأيت إلى فلان، كيف يرتدي هذه الثياب، هنا رأيت على حقيقتها جاءت، أما حينما أخبره عن شيء لم يره، وأقول: أرأيت، فثمة معنى آخر، والله عز وجل يقول:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى*عَبْداً إِذَا صَلَّى ﴾

[ سورة العلق: 9-10]

 النبي عاصر، والتقى بعبد قوي متعجرف ينهى الناس عن الصلاة ، فالله سبحانه وتعالى يقول له:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾

 هنا رأيت استخدمت على حقيقتها،

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾

 أيعقل أن ينهى إنسان عبداً عن أن يعقد صلة مع الله عز وجل؟! استفهام تقريري بمعنى التعجب، لكن حينما يقول الله عز وجل:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾

[ سورة الفيل: 1 ]

 حينما أتوا كان النبي قد ولد لتوه، إذاً هنا رأى ليس معناها رأى على حقيقتها.

 

كلما ارتقى إيمانك تعلم أن مصداقية القرآن أصدق من أي شيء آخر :

 أيها الأخوة، حينما يخبرك الله عن شيء فينبغي أن تأخذه، وكأنك تراه بعينيك، بل إن إخبار الله لك أصدق من عينيك، كلما ارتقى إيمانك تعلم أن مصداقية هذا الكتاب أصدق من أي شيء آخر، هذا هو الإيمان، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب: 36 ]

 إذا حرم الله عليك شيئاً فينبغي أن توقن لو أن الإنس والجن اجتمعوا ليفكروا في محاسن هذا الشيء لا يجدون له محاسن إطلاقاً، إن الله حرمه، إذاً ينبغي أن تأخذ إخبار الله لك وكأنك تراه بعينك، وأصدق أنواع التلقي رؤية العين، ليس الخبر كالعيان، أصدق تلقٍ تتلقاه أن ترى الشيء بأم عينيك، لذلك هناك علم اليقين، وهناك عين اليقين، وهناك حق اليقين، أنت ترى جدار، ووراءه دخان، تقول: لا دخان بلا نار، استنباط عقلي قطعي يقيني، هذا علم اليقين، أما حينما تقترب من وراء الجدار فترى النار بأم عينيك، فأنت في عين اليقين، فإذا اقتربت من النار، وأحسست بوهجها فهذا حق اليقين، فالرؤية أعلى درجات التلقي، فإذا وردك عن الله خبر ينبغي أن تعلم علم اليقين أنه أصدق من عينيك، قد تخون العين، وقد تريك خلاف الواقع، لكن الله سبحانه وتعالى إذا أخبرك فخبره كأنك ترى الشيء رؤيةً حقيقية.

 

حينما يرفض الإنسان الحق يحتقر نفسه :

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ ﴾

 هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب هم أهل كتاب، جاءهم نبي كريم، وتبعه نبي كريم آخر، وجاء كتاب من السماء، وتبعه كتاب من السماء، ومع ذلك لا يتعظون، ومع ذلك لم يُقبِلوا على هذا الدين، الأولى أن أول إنسان ينبغي أن يسارع إلى قبول هذا الدين من لهم صلة بالدين، من لهم صلة بالله، من كان معهم كتاب يوحى إليهم، فالشيء العجيب الذي هو مدار هذه الآية أن هؤلاء الذين هم أقرب إلى الإسلام من المشركين، أقرب إلى الإسلام من عبدة الإسلام، هؤلاء بالذات كانوا أشد المعارضين لهذا الدين، فلذلك حينما يرفض الإنسان الحق يحتقر نفسه، أنت قد ترفض أشياء كثيرة، وبرفضك إياها تحتقرها، لكنك إذا رفضت الحق إنما تحتقر نفسك.

﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾

[ سورة البقرة: 130 ]

 إذاً:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى* عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾

 على حقيقتها، أما:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾

 معنى ذلك هذا إخبار من الله، وينبغي أن تأخذه كأنك تراه بعينيك.
 أيها الأخوة، لكل قوم نبي، كما قال الله عز وجل:

﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

[ سورة الرعد: 7 ]

 لكل قوم نبي، لأن لكل قوم خصوصيات، أمراض، مشكلات، حيثيات، نقاط ضعف، كل قوم لهم خصائص، فكان لكل قوم نبي يعالج هذه الخصائص، وتلك الثغرات، وهذه الأمراض، لكن بعلم الله جل جلاله أن هذه الأرض سوف تغدو قرية واحدة، ثم تغدو بيتاً واحداً، ثم تغدو غرفة واحدة، يمكن أن تقتني جهازاً صغيراً، مذياعاً وتستمع إلى أخبار الأرض في القارات الخمس، ماذا يجري في كل مكان، لأن الله يعلم أن هذا التواصل الذي سيكون سوف يعمم الأدواء ـ جمع داء ـ على كل الشعوب، وسوف يعمم الأمراض على كل الشعوب، لذلك كانت رسالة النبي عليه الصلاة والسلام خاتمة الرسائل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء، وسوف تبلغ دعوته ما بلغ الليل والنهار.

 

الحكمة من أن النبي هو خاتم الأنبياء وأنه لكل الأمم :

 والله ذهبت إلى أقصى مكان في الأرض، إلى أستراليا، وأقصى مكان في استراليا سدني، وجدت إذاعات إسلامية، ودروس العلم في هذه البلدة الطيبة هناك، يستمعون إليها صباحاً ومساءً، والقرآن يتلى في الإذاعات، والمحاضرات تلقى، وكأنني في الشام، ذهبت إلى أقصى مكان في الغرب الأمر نفسه، مؤتمرات، وإذاعات، ونشرات، ومجلات، وأشرطة، ومحاضرات، تنبأ النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر سوف يبلغ ما بلغ الليل والنهار، إذاً لأن الله سبحانه وتعالى علم أن سيكون هناك تواصل إذاً لا بد من نبي واحد لكل هؤلاء الشعوب.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 107 ]

﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ ﴾

[ سورة التكوير: 27 ]

 أيها الأخوة، حكمة أن النبي هو خاتم الأنبياء، وأن النبي لكل الأمم ما كان في علم الله من أن هذه الأرض سوف تغدو من قرية إلى بيت إلى غرفة واحدة، والأبلغ من ذلك أن ما يجري من أقصى الغرب نتأثر به في أدنى الشرق، وأي حدث يقع في مكان له تداعيات في كل مكان، وهذا الشيء تعلمونه، وترونه، وتسمعونه، قد يقع شيء في أقصى الدنيا نتأثر هنا بكل مناح الحياة.
 يا أيها الأخوة الكرام، هذا الذي أردت أن أمهد به لشمول رسالة النبي، ولاتساع رقعتها، ولأنه خاتم الأنبياء والمرسلين، الحقيقة أن الإنسان يؤمن بالله بفطرته، ويؤمن بالله بعقله، ولكن الإيمان فطري، أنت حينما تأتي إلى الدنيا تجد كل شيء مسيراً بنظام عجيب.

 

الحليب في النجدين من آيات الله الدالة على عظمته :

 

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[ سورة البلد: 8-10 ]

 هذا الطفل الصغير الذي يأتي من علمه كيف يلتقم ثدي أمه؟ هل يستطيع أكبر أب في العالم، لو أنه يرأس أعلى جامعة في التربية أن يستطيع أن يعلم هذا الذي ولد لتوه كيف يلتقم ثدي أمه؟ وكيف يجعل شفتيه حول حلمة الثدي؟ وكيف يحكم الإغلاق؟ وكيف يسحب الهواء؟ تفضل وعَلِّم طفلاً وُلِد لتوه، معنى ذلك:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾

 النجدان هدية الله لهذا الطفل الصغير، الحليب في النجدين يتبدل في أثناء الرضعة الواحدة، في البداية 60% ماء، في نهاية الرضعة 40% ماء، يتبدل كل يوم بحسب نمو الطفل، وهؤلاء الأطفال الذين يرضعون رضاعةً صناعية يصابون بآفات قلبية، ويصابون بضعف الذكاء، ذلك أن حليب البقر فيه خمسة أضعاف من الحموض الأمينية التي لا تحتملها أجهزة الطفل، بينما حليب أمه مصمم من قبل خالقه ليتحمله الطفل بكل أجهزته، لذلك أجري إحصاء في بعض البلاد أن نسب الذكاء في العالم متفاوتة، طبعاً الفحوص موحدة فكانت جزر الباسيفيك تحتل المرتبة الأولى في ذكاء أبنائها، لسبب بسيط هو أنهم لا يعرفون الرضاعة الصناعية إطلاقاً، وقد تنتبهوا إلى أن القرآن الكريم قال:

﴿ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى ﴾

[ سورة الطلاق: 6]

﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ ﴾

 ما ذكر الرضاعة الصناعية، ما ذكرها بالقرآن (وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى)، لا بد أن يكون الحليبُ من أم مرضع، الطفل يأتي إلى الدنيا كل شيء ميسر، له أم تحرص عليه، له أب يحدب عليه،

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

 الهواء يجدد بشكل مستمر، الماء، الطعام، الشراب، الثروات الباطنية، هذه الأرض فيها كل شيء، أيقبل إنسان أن هذا الشيء كله حدث بلا خالق؟!

 

الرسالات السماوية فحواها مراد الله لنا :

 مثل بسيط، لو أنك في الصحراء تمشي لا سمح الله ولا قدر، ونفذ زادك، وضللت الطريق، ونفذ شرابك، وأصبح الموت محققاً، أخذتك سنة من النوم من شدة البكاء والخوف والقلق، واستيقظت فرأيت مائدة فيها ما لذ وطاب، فيها من أنواع الطعام في الصحراء، فيها من كل ألوان الشراب، ألا تسأل من جاء بهذه المائدة، فالإنسان يؤمن بالله بفطرته، كل شيء في الكون يدل على الله عز وجل، لكن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل كي يعلمنا مراده، ماذا ينبغي أن نفعل، فطرتك وعقلك ينبآنك أن لهذا الكون إلهاً عظيماً، أن لهذا الكون قوة وراءه، الوحي ينبئك أن هذه القوة العظيمة هي الله، وأن هذه القوة العظيمة خلقتك بسعادة إلى أبد الآبدين، وأن هذه القوة العظيمة صممت الدنيا على أنها دار عمل، ولأن هذه القوة العظيمة تتصف بالصفات الفضلى، ولها أسماء حسنى، إذاً كأن الله سبحانه وتعالى أرسل رسله وأنبياءه ليعطينا مراده، أما إيماننا به فهو إيمان فطري.
 ثمة حوار مع سيدنا علي رائع، قيل للإمام علي كرم الله وجهه: أعرفت ربك بمحمدٍ، أم عرفت محمداً بربك؟ يقول: لو عرفت محمداً بربي لما احتجت إلى رسول، ولكن عرفت ربي بربي، وجاء محمد ليبلغني مراد ربي، الرب موجود، لكن ماذا يريد منك؟ الرسالات السماوية فحواها مراد الله لنا، أي يا عبادي توبوا إليّ، يا عبادي استقيموا على أمري، يا عبادي كونوا صادقين، يا عبادي كونوا أمناء، يا عبادي افعلوا أعمالاً صالحة، تؤهلكم لجنة عرضها السماوات والأرض.
 أيها الأخوة الكرام، المشكلة الآن أن معظم الناس يعيشون غايات قريبة، همه شراء بيت، همه الزواج، همه دخل، هذه همومهم، ولكن نخبة البشر تعيش غايات بعيدة، الإنسان يأتيه الموت قبل أن يتزوج، ويأتيه الموت قبل أن يحقق أهدافه، إذاً هذا الهدف غير صحيح، لأنه يُحقَق أو لا يُحقَق، لكن ما هو الهدف الذي يجمع الناس جميعاً بكل فئاتهم؟ إنه الموت، إنه الدار الآخرة، من هم أعقل الناس؟ من هم أذكى الناس؟ من هم أنجح الناس؟ من هم أشدهم فلاحاً؟ هو الذي عرف الهدف الأخير، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:

((الْكَيّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمنّى عَلَى اللَّهِ))

[ أخرجه الأحوذي عن عبد الله بن عبد الرحمن ]

أهداف الناس جميعاً أهداف دنيوية بينما المؤمن هدفه الآخرة :

 يا أخواننا الكرام، الناس على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأديانهم، وأجناسهم، وأعراقهم، وأنسابهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، في القرآن لا يزيدون عن فئتين، لا يزيدون عن نموذجين لا ثالث لهما، النموذج الأول هو النموذج الذي صدق أنه مخلوق للجنة، هنا المشكلة، أهداف الناس جميعاً أهداف دنيوية، بينما المؤمن هدفه الآخرة.

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 19 ]

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة الأعراف: 128 ]

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً ﴾

[ سورة القصص: 83 ]

 هؤلاء أيها الأخوة، صدقوا بالحسنى، هم مخلوقون للجنة، والدنيا دار عمل، دار دفع الثمن، دار أداء السبب، هكذا، لأنهم أيقنوا أنهم مخلوقون للجنة حرصوا على طاعة الله، اتقوا أن يعصوا الله، ولأن الجنة مراتبها بالأعمال الصالحة، فبنوا حياتهم على العطاء.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6 ]

 هذا أول نموذج، هو بالترتيب معكوس، صدق بالحسنى فاتقى أن يعصي الله فأعطى.

 

الناس لا يزيدون عن نموذجين لا ثالث لهما :

 النموذج الأول هذا الذي أعطى من وقته، أعطى من علمه، أعطى من خبرته، أعطى من كل ما يملك، الرد الإلهي:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 7]

 سوف نيسر له سلوك طريق الجنة، وسيصل إلى الجنة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 8-9]

 كذب بالجنة، قال لك: هي الدنيا، هي جنة الإنسان، إن كان غنياً فهو في جنة، وإن كان فقيراً فهو في جهنم، الدنيا كل همهم، مبلغ علمهم، منتهى آمالهم، لأنه كفر بالحسنى، وصدق بالدنيا استغنى عن طاعة الله، هو لا يحتاج إلى طاعة الله لأنه كفر بالجنة، وكفر بيوم الجزاء، وكفر بالآخرة،

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

 لأنه كفر بالحسنى استغنى عن طاعة الله، فبنى حياته على الأخذ، والاحتيال والنهب والسرقة والغش، وما إلى ذلك، قال:

﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

[ سورة الليل: 10]

 لا تتحقق له لا الدنيا ولا الآخرة، خسر الدنيا والآخرة، لذلك أيها الأخوة، طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، والجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 36]

 لم ينجح في مسعاه.

 

أذكى إنسان هو من يسعى لهدف يقيني متحقق بعيدويهيئ نفسه لبلوغه بنجاح :

 أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن بالغايات البعيدة، أي بالآخرة، بالموت، ألا ترون أن الموت يجمع كل الناس، يجمع أغنياءهم وفقراءهم، وأقوياءهم وضعفاءهم، وملوكهم ودهماءهم، وأصحاءهم ومرضاهم، وأذكياءهم وأغبياءهم، الحقيقة يوجد في الدنيا سباق أنا أسميه سباق الحمقى، لو تصورنا طريقاً عريضاً هو مجال السباق، وعندنا ألف سيارة، هذه السيارات على اختلاف قوتها، وضعفها، وكبرها، وصغرها، وميزاتها، وسنة صنعها، وحجمها، السيارة الأولى آخر الطريق في هاوية، أول سيارة في السباق وقعت في الهاوية، الثانية وقعت في الهاوية، الثالثة في الهاوية، إلى أن وقعت كل هذه المركبات في الهاوية، ما قيمة هذا السباق؟
 يقاتل الناس، وينهب أموالهم، يكذب عليهم، يحتال عليهم، يخيفهم أحياناً، أو يسلك طريق الاحتيال معهم ليجمع ثروة طائلة، فيشتري بيتاً رائعاً، ثم يأتيه ملك الموت ليضعه تحت التراب، وقد ترك كل الدنيا، هذا الذي يحصل، يجمع دنياه لبنةً لبنة، قشةً فوق قشة، ليأتي ملك الموت ويأخذها منه في ثانية واحدة، ولا خاتمه، ولا مفتاح مركبته، ولا خصوصياته، كل إنسان له خصوصيات في بيته، كل يفتح ويستهلك، فلذلك أيها الأخوة أنت حينما تسعى لهدف حقيقي يقيني بعيد تكون ذكياً وفالحاً، حينما تسعى لهدف يقيني متحقق بعيد، وتهيئ نفسك لبلوغه بنجاح، فأنت أذكى الناس قاطبةً، إن أكيسكم أكثركم للموت ذكراً، وأحزنكم أشدكم استعداداً له، ألا إن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ ﴾

 كيف؟

﴿ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾

آيات قرآنية تبين أن الإنسان مخير بين الهدى والضلالة :

 دقق الآن، في آية أخرى:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى ﴾

[ سورة البقرة: 16 ]

 دفعوا الهدى ثمناً وفقدوه وأخذوا الضلالة، بالبيع والشراء الثمن يذهب منك، ماذا يبقى معك المبيع؟ دفعت ثمن السيارة، الثمن أُخِذ منك فبقيت السيارة، الآن اشترى الضلالة بالهدى، ما الذي أخذه؟ الضلالة، ما الذي فقده؟ الهدى، أي هدى؟ الهدى الفطري، حينما تهتدي النفس إلى ربها بفطرتها، هذا الهدى أخذ منهم، وبقيت ضلالتهم، لكن الإنسان حر، اختار أن يكون ضالاً فلا مشكلة، الإنسان مخير، يقول الله عز وجل:

﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ﴾

[ سورة فصلت: 40 ]

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[ سورة الإنسان: 3 ]

 هذا مشكلته أكبر،

﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾

 ضال مضل، كافر يدعو إلى الكفر، ملحد يدعو إلى الإلحاد، فاسق يدعو إلى الفسق، الله عز وجل يعجب، ويقول:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ﴾

 ويشترونها بالهدى، وفوق ذلك يريدون أن يحملوا الناس عليها،

﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾

الإنسان في الدنيا يعيش مع الأسباب أما في الجنة فيعيش مع المسبب :

 يا أيها الأخوة الكرام، في الحياة حقيقة واحدة هي الله، وكل سلوك، وأي عمل، وأي كلام، وأي حركة تقرب إلى الله هي الحق، وأي سلوك، وأي كلام، وأي عمل يبعدك عن الله هو باطل، لأن الله سبحانه وتعالى هو الهدف.
يا أخوتنا الكرام، أنت مع من تعيش في الدنيا؟ مع الأسباب التي خلقها الله لك، تعيش مع زوجة هي مصممة أن تكون رفيقة حياتك، تعيش مع الطعام والشراب، هذا من خلق الله عز وجل، من أودع الطعوم في هذه الأطعمة الآية الكريمة:

﴿ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ﴾

[ سورة الرعد: 4 ]

 من أودع لهذه الأطعمة طعمها المحبوب، هذه التفاحة شكلها جميل، قوامها يتناسب مع أسنانك، ليست في قوام الفولاذ، طيبة، رائحتها عطرة، طعمها طيب، مذاقها حلو، مفيدة، فيها معادن، فيها حديد، فيها بروتينات، فيها فيتامينات، من أودع هذه الخصائص في هذه التفاحة، إذاً الله عز وجل أعطانا كل شيء. فلذلك أيها الأخوة:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾

 هذا الذي يبحث عن هدفه الأخروي يسعى في الدنيا إلى أن يكون منضبطاً وفق منهج الله عز وجل، أنت في الدنيا تعيش مع الأسباب، طفل جميل جداً يملأ البيت بهجة، الزوجة ترتاح لها، إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإن غبت عنها حفظتك بمالك ونفسها، وإن أقسمت عليها أبرتك، هذا الماء الذي تشربه لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، لو كان بطعم الورد لأخرجك من جلدك، لو كان بأي طعم لما احتمل، فجعله الله نعمة عظيمةً لنا.
 إذاً أنت تعيش مع الأسباب، لكنك في الجنة تعيش مع المسبب، مع الخالق، وشتان بين خالق ومخلوق، ورد في بعض الآثار والأحاديث أن المؤمن يوم القيامة ينظر إلى وجه الله الكريم فيغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة، أنت في الدنيا تعيش مع الأسباب، وكلما ارتقت حياتك تأتي بالأشياء بأمر، بهاتف، بكبسة زر، لكن في الآخرة أي شيء تشتهيه تراه أمامك.

 

الجنة هي العطاء الحقيقي والدنيا أحقر من أن تكون عطاء الله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة الزمر: 34 ]

﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ ﴾

[ سورة الزخرف: 71 ]

 يمكن أن تأكل في الدنيا تفاحتين فتشعر بثقل، لك أن تأكل في الجنة مليار تفاحة ولا تشعر بثقل، نمط الجنة نمط آخر، تعيش في الجنة مع مسبب الأسباب، أما في الدنيا تعيش مع الأسباب.
 يا أيها الأخوة الكرام، هذه نقطة دقيقة جداً فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، في الدنيا متاعب، في الدنيا أمراض، في الدنيا تقدم في السن، في الدنيا عجز أحياناً، في الدنيا فقد بصر، في الدنيا أمراض وبيلة، في الدنيا زوجة سيئة تخرج من جلدك منها، واحد سأل شيخاً: يا سيدي، إذا سمح الله لنا بدخول الجنة ما حكم زوجاتنا؟ قال: هي معكم، قال: أعوذ بالله، أنا أردت الموت لأخلص منها، هذه طرفة، أنت في الجنة تعيش مع المسبب، مع مانح الجمال، مع مانح القوة، مع مانح اللطف، لذلك الجنة هي العطاء الحقيقي، والدنيا أحقر من أن تكون عطاء الله عز وجل، لو أن الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء.

 

أسماء الله تعالى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل محقق جزئياً :

 قال تعالى:

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[ سورة آل عمران: 196-197 ]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة إبراهيم: 42 ]

 أيها الأخوة الكرام، أعيد هذا كثيراً طمأنةً لكم، أسماء الله الحسنى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل، لأن الدنيا دار عمل، قد تجد إنساناً في أعلى درجة من الكفر، ويهدد العالم كله مثلاً، وليس ملتزماً بشيء، يسفك الدماء، ويقتل الأبرياء، ويستغل، وغير ذلك.. لكن الآخرة دار جزاء، فأسماء الله تعالى كلها محققة في الدنيا إلا اسم العدل محقق جزئياً، الله يعاقب بعض المسيئين ردعاً لبعض المسيئين، ويكافئ بعض المحسنين تشجيعاً لبقية المسلمين، ولكن تسوية الحسابات، ولكن الحساب الختامي، ولكن الرصيد يؤدى يوم القيامة، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185 ]

 هذه دار عمل، لو كنت فقيراً، لو كنت لا سمح الله مريضاً، لو كنت في الدرجة السفلى من المجتمع، وكنت مطيعاً لله:

﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾

[ سورة الواقعة: 1-3]

 هذه الحقيقة.

 

ورود النار للمؤمنين ليروا تحقيق اسم العدل :

 لذلك أيها الأخوة، ورد في بعض الآيات يقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ﴾

[ سورة مريم: 71 ]

 النار،

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾

 أي ما من واحد منكم إلا وسيرد النار، كيف؟ قال العلماء: ورود النار غير دخولها، ورود النار لا يتأثر واردوها بوهجها، ولكن ليروا العدل الإلهي في الذين كانوا في الدنيا يتصدرون، ويقصفون، ويذلون الشعوب، وينتهكون الأعراض، ويلبسون التهم للبريئين لا بد من ذلك أيها الأخوة الكرام، يراهم المؤمن في النار كي يتحقق من اسم العدل، وشيء آخر يرى مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً كي تتضاعف سعادته في الجنة، لذلك:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾

 ورود النار للمؤمنين ليروا تحقيق اسم العدل.

﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾

[ سورة الصافات: 51 ]

 فاسق، فاجر، مستعل، متغطرس، يسخر من العلم والعلماء، والدين أفيون الشعوب، ولا يعبأ به، غارق في الزنى والخمر،

﴿إِنِّي كَانَ لِي قرين﴾

﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾

[ سورة الصافات: 55 ]

 ورود النار يوم القيامة كي يتحقق للمؤمن اسم العدل، وكي تتضاعف سعادته حينما يرى مكانه في النار لو لم يكن مؤمناً.

 

العدو الخطير للمسلم من يدَّعي الإسلام :

 أيها الأخوة الكرام،

﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ﴾

 الله عز وجل بين لنا فقال:

﴿ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 119 ]

 إن الأحداث أثبتت أنهم لا يحبوننا، فالذين أحبوهم بسذاجة دفعوا ثمناً باهظاًُ ضاعت أموالهم كلها وأُذِلوا:

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾

 فينبغي أن تصدق الله عز وجل، يقول الله عز وجل :

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾

[ سورة فاطر: 6 ]

 كل كافر يعاديكم، الكافر يعاديكم ولو كان في المظهر لطيفاً ناعماً، فإنه ينطوي على حقد، والدليل حينما يُستَفز ينقلب إلى وحش، الإنسان الذكي أحياناً يلبس جلد الجمل وهو ذئب، الذي يراه من بعيد يظنه حملاً وديعاً، فإذا استفزه انقلب إلى ذئب مفترس، ألم تروا ما الذي يحصل في العالم الآن؟ هذه الدولة العظمى التي تزعم الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وكل شيء للإنسان، والإنسان هو الأول، بعد أن استُفِزت ماذا فعلت؟ فعلت ما لا يفعله المجرمون، فلذلك:

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾

 أيها الأخوة الكرام، ليس العدو الخطير للمسلم هو الكافر، العدو الخطير للمسلم من يدَّعي الإسلام، العدو الظاهر تتقيه، تجادله، أما العدو الخطير هو الذي من جلدتك، الغرب أيقن أنه لا سبيل إلى مواجهة المسلمين، لا بد أن يصطنعوا اتجاهات مزيفة، يصفونها بأن هذا هو الإسلام، هذا اسمه تفجير من الداخل، ينبغي أن نكون صاحين، ما كل اتجاه إسلامي في إعلامه هو إسلاميٌ في حقيقته، الله عز وجل يقول:

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾

قد يكون العدو من بني جلدتك  قد يكون العدو منافقاً كبيراً.
يعطيك من طرف اللسان حلاوة  ويروغ منك كما يروغ الثعلب
* * *

 إذاً أنت حينما يقول الله عز وجل لك: هذا عدو لك فاحذره، ينبغي أن تصدق الله عز وجل، ولو رأيت من كلامه لطفاً ونعومةً:

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً﴾

 ولياً؛ أن يتولى أموركم، ونصيراً؛ ينصركم على أعدائكم، وفي هذه الأيام الصعبة ما من شيء أحب إلى المؤمنين من أن يتنصروا، لكن النصر له ثمن وهو في مقدورنا؛ أن نؤمن بالله عز وجل، وأن نعد لأعدائنا ما نستطيع، الإعداد المتاح ليس المكافئ.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018