أحاديث متفرقة - الدرس : 003 - لعلك ترزق به ... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 003 - لعلك ترزق به ...


1988-08-28

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، و زدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الحديث الأول : لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ.....

 أيها الإخوة المؤمنون؛ مع الحديث النبوي الشريف :

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ))

[رواه الترمذي بإسناد صحيح على شرط مسلم]

 معنى يحترف أي يكتسب و يتسبب لرزقه ، الاحتراف اتخاذ الحرفة وسيلة لكسب الرزق.
 والحقيقة في اللغة كلمة " المهنة " خدمة الزوجة حصرا.
 إلا أن الناس يستعملون كلمة " المهنة : بمعنى الحرفة خطأ.
 النبي عليه الصلاة و السلام كان في مهنة أهله ، أي كان في خدمة أهله.
 فالمهنة خدمة الأهل ، وأما أن يتخذ الإنسان عملا يكتسب منه رزقه فهذه حرفة.
 فالنبي عليه الصلاة و السلام كان على عهده أخوان ، هذه " كان " ليست ناقصة ، ولكنها تامة ، بمعنى وُجد كأن تقول : كان الله ولم يكن معه شيء ، فكان إذا جاءت بمعنى وُجد فهي فعل ماض تام ، تفيد حدوث عمل في زمن معين ، إلا أن كان التي تربط تركيب الاسمية لزمن معين هذه كان الناقصة أما هذه تامة.

(( كَانَ أَخَوَانِ))

 أي وُجد أخوان على عهد النبي صلى الله عليه و سلم

(( فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْآخَرُ يَحْتَرِفُ))

 يبدو أنهما أخوان و شريكان و شريكان في عمل ، فكان الأول يمضي وقته في دكانه، أو في مكان حرفته ، والثاني يعاونه ولكن يكثر في أن يأتي النبي عليه الصلاة و السلام ، هذا الذي يكثر من المجيء عند النبي عليه الصلاة و السلام ليطلب العلم ، فكأن الأول شكا إلى النبي عليه الصلاة و السلام أنّ جهد الثاني أو جهد أخيه لا يكافؤه ، لا يساويه ولا يوازيه ، فالنبي عليه الصلاة و السلام ما زاد على أن قال للأول الذي يمضي كل وقته في دكانه ، والذي هو متألِّم من أخيه الذي يأتي النبيَّ عليه الصلاة و السلام لطلب العلم ، النبي عليه الصلاة و السلام ما زاد على أن قال :

(( لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ))

 هذا الحديث فيه دقة بالغة ، لأن الذي يطلب العلم ، إنما يطلبه لغيره ، يتعلم ليعلِّم ، فنفعه يعم الأمة ، لذلك النبي بارك عمل الثاني في أنه يأتي النبيَّ عليه الصلاة والسلام ليطلب العلم ، وطمأن الأول أن الله عز وجل سوف يؤجرك لتساهلك مع أخيك ، و كأنك شريكه في الأجر ، وكأن لك حصة مما يتعلم ، لأنك تبذل جهدا أكبر من جهده ، وهو يبذل جهدا ليتعلم ويعلِّم ، فلعلك تُرزق به ، إذًا هذا الحديث من أشهر الأحاديث التي يبارك فيها النبيُّ عليه الصلاة و السلام لطلبة العلم.
الفرق بين العبادة وبين العلم
 العبادة إنما تكون لذات الإنسان ، لكن العلم إنما يكون لجميع الخلق ، فالذي يطلب العلم من أجل أن يعلِّم ، والذي يعبد من أجل أن يسعد ، والله سبحانه وتعالى ما خلقنا في الدنيا لكي نقعد ولا نعمل ، العمل جزء من الدين .
 من خلال هذا الحديث الشريف يتضح لكم أن طالب العلم تضع له الملائكة أجنحتها رضى بما يصنع ، وأن الذي له شريك ويطلب العلم فالشريك الأول له نصيب كبير جدا من أجر شريكه لأنه يتعلم ليعلِّم

 

الحديث الثاني : خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ.....

 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول ، عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))

[رواه البخاري]

 لو فرضنا أخوين في دكان ، واحد منهما ملتزم بحضور مجالس العلم ، فإذا غادر الشريك الأول، الأخ الأول الدكان قبل المغرب بساعة ليصل إلى مجلس العلم ، الثاني الذي يبقى في الحانوت لا ينبغي أن يتألّم ، لا ينبغي أن يضجر ، يجب أن يعلم علم اليقين أنه مأجور بتساهله مع شريكه ، إذا كان طالب علم ، أما لو دخل شريكه ليصلي نفلا في المسجد فإنه لا يؤجر ، لأن هذا الوقت وقت العمل ، لو ذهب ليصلي الفريضة هذه لا شك فيها ، و لكن لو ذهب الشريك ليصلي وقت الضحى ثماني ركعات في المسجد تقربا إلى الله عز وجل هذا ليس عملا صالحا ، لأنه لم يبذل جهدا مكافئا لجهد شريكه في المحل ، إنه يتعبّد الآن ، العبادة شيء والعلم شيء آخر، قال :

(( لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ))

 هذا الحديث يجب أن يوضع بين يدي كل مؤمن ليعلم أن طلب العلم لا شيء يعدله ، ولا شيء يفوقه ، ولا شيء يسمو عليه ، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معا فعليك بالعلم ، والحقيقة أن أيَّة مشكلة تنشأ في حياتك سبب ها الجهل ، كم أسرة انهارت ، كم من امرأة طُلقت ، كم من زوج لقي جزاء عمله بسبب جهله ، لو أنه طلب العلم لما وقع في شر عمله ، لو أنه عرف حدود الله لما دفع الثمن غاليا ، لو أنه طبق الشرع الذي يجهله لما وقعت هذه المشكلة ، لو أنه عرف كيف ينبغي له أن يقرض وكيف ينبغي أن يستقرض ، وكيف ينبغي له أن يبيع ، و كيف ينبغي له أن يحترف ، من خلال مجالس العلم لما وقع في هذه الورطة الكبيرة ، لذلك ما من مشكلة ، وما من ورطة ، ومن مأساة إلا وراءها جهل مطبق ، أو إلا وراءها معصية لله عز وجل ، وما من معصية إلا وراءها جهل مطبق ، فلذلك طلب العلم فريضة ، و الذي يؤكده أن طلب العلم فرض عين ، أي على كل مسلم تقول لي : أنا اختصاصي محاماة ، طلب العلم عليك فريضة ، أنا نختص بالطب ، أنا مهندس ، أنا تاجر ، أنا صاحب مهنة ، أنا صاحب مصلحة ، طلب العلم فرض على كل مسلم ، هو نفسه هذا الطلب يرفع من شأن المسلم لأن الله سبحانه وتعالى ما اتخذ وليا جاهلا ، ولو اتخذه لعلمه ، ما اتخذ وليا جاهلا .

 

فائدة .

 يفيد هذا الحديث أيضا أنه من انقطع لطلب العلم والتفقه في أحكام الدين لحفظ شريعة لله عز وجل فإن الله سبحانه و تعالى يهيئ له من يقوم بشؤونه و يكفيه حاجاته ، سبحان الله طلب العلم مطلب ثمين ، ربنا عز وجل يكافئ طالب العلم بأنه ييسِّر له أعماله في الدنيا ، من طلب العلم تكفل الله برزقه ، بمعنى أنه يعمل عملا قليلا ويكسب قوت يوه من دون حرج ، ومن دون ضيق ، ومن دون مشكلة ، لأن الله سبحانه وتعالى أول مكافأة له هذا الكلام لكم أيها الإخوة الأكارم ، أول مكافأة تكافؤون بها من قِبل الله عز وجل أنهم لما كنتم تطلبون العلم لوجه الله عز وجل فالله سبحانه و تعالى حق عليه أن ييسر لكم أموركم ، في أعمالكم ، الحديث القدسي :

(( ابن آدم خلقت لك السموات و الأرض و لم أعي بخلقهن ، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين ، ليعليك فريضة ، ولك علي رزق ، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك ، وعزتي و جلالي إن لم ترض بما قسمته لك فلأسلِّطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البرية ، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك و لا أبالي ، وكنت عندي مذموما " أنت تريد و أنا أريد ، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد ، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ، ثم لا يكون إلا ما أريد ))

[ ورد بالأثر ]

 هذا الكلام كلام النبي عليه الصلاة و السلام ، ولا ينطق عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى .
 أنا أستمع إلى قصص كثيرة ، أن إنسانا آثر الدنيا على الآخرة فخسر الدنيا و الآخرة ، واللهِ وفق هذا الحديث آلاف القصص ، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معا ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معا.
 فمن خلال هذا الحديث الشريف الأول :

(( لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ ))

 يتضح لكم قيمة طلب العلم ، هذا الوقت لله ، الإنسان حينما يؤدي زكاة ماله يجب أن يعلم علم اليقين أنه يجب عليه أن يؤدي زكاة وقته ، زكاة الوقت أن تقتطع من وقتك الثمين وقتا تتعرف فيه إلى الله عز وجل ، إلى كتابه ، إلى سنة نبيه ، إلى أحكام دينه ، إلى سيرة أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله ، هذا الوقت حينما تبذله رخيصا الله سبحانه وتعالى يبارك لك في وقتك .
 كان بودّي أن تعلموا أنه يمكن أن يُستهلك وقتُك استهلاكا رخيصا لا حدود له ، قطعة في ماكينة عندك ، تستهلك لك عشر ساعات ، أو عشرين ساعة ، أو أياما عديدة ، من دون طائل ، فلذلك : احفظ الله يحفظك ، ابذل وقتك في سبيل معرفة الله يبارك لك الله في وقتك .

 

الحديث الثالث : اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ.....

 عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ

(( اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ))

[رواه أبوداود والترمذي وغيرهما بأسانيدَ صحيحة]

 الدعاء مخ العبادة ، العبادة هي الدعاء ، الدعاء اتصال بالله عز وجل ، على وجه الحاجة خرجت من البيت ، يا ترى في هذه الساعات الثماني التي سوف أقضيها خارج البيت ، هناك مفاجآت ، هناك مشكلات لا يعلمها إلا الله ، إذا خرجت من بيتك متكلا على الله عز وجل ، وقد دعوته أن يحفك من أن تضل أو تضل ، أحيانا الإنسان يخرج من بيته ذهب إلى متجره ، يسمع قصة غير صحيحة عن صحابي فيصدِّقها ، فيسيء الظن بهذا الصحابي ، يسمع تفسير آية غير صحيح ، و يسمع فكرة تتناقض مع الدين ، ليس عنده إمكانية فيصدقها أحيانا ، تفوت عليه وقع في الضلال ، فهذا حينما يسيء الظن بالله عز وجل ، وحينما يعتقد بالله عز وجل ما لا ينبغي أن يعتقده ، حينما ينحرف في اعتقاده ، فهذا قد ضل ضلالا بعيدا ، فالإنسان يجب أن يستعيذ بالله من أن يَضِل أو أن يُضِل ، أي يوجِّه الناس توجيها غلطا ، يوجهه نحو الدنيا ، يوجهه نحو معصية ، نحو مخالفة ، نحو شبهة ، فقد أضلهم ، وكل من فعل هذه الشبهة في عنقه.

 

الحديث الرابع : مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً.....

 عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ جَاءَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ الصُّوفُ فَرَأَى سُوءَ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَبْطَئُوا عَنْهُ حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ قَالَ ثُمَّ إِنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ رَسُولُ اذللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

(( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ))

[رواه مسلم]

 هذه مشكلة ، الإنسان إذا سُئل ، استُفتي ، يبدو أنه رجل ديِّن فسأله بعضُ جيرانه في السوق ، بعض أصدقائه في المدرسة ، بعض إخوانه في عمل ، في دائرة ، سألوه في قضية متعلقة بالزواج ، متعلقة بالطلاق ، متعلقة بكسب المال ، هل هي حلال ، وهل تجوز ، وراح أفتى فتوى غير صحيحة ، فتوى مرتجلة ، ليست مستندة إلى علم ، و لا إلى نص شرعي ، ولا إلى رأي عالم جليل ، إنما هي من بنات أفكاره ، قد ضل ضلالا كبيرا ، هو الآن أضلَّ ، فالإنسان بين أن يُضل ، وبين أن يُضِل ، وكلاهما خطر ، إذا ضل فقد ضل ، أما إذا أضل فقد تحمل إثمَ كل من أضله ، قال تعالى :

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

[سورة النساء الآية : 85]

 يتحمل المسؤولية ، كل توجيه لو أنك أفتيت بأن هذه الطريقة لكسب المال حلال ، كل من فعلها في صحيفتك ، لو أنك أفتيت أن هذه الطريقة في معاملة الناس صحيحة ، كل من قلّدك فيها فهو في صحيفتك ، لذلك الإنسان هذا دعاء يجب أن يدعوه كل إنسان ، والإنسان يخرج من بيته يا ترى يلتقي بإنسان يغيِّر له عقيدته ، يعطي قصة غير صحيحة ، يعطيه فكرة ما أنزل الله بها من سلطان ، يثير في قلبه شبهة ، يثير في قلبه مشكلة ، "اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ " الضلال قضية اعتقاديه ، "أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ " أي تزل قدمي فأرتكب معصية ، دخل إلى محل فيه اختلاط فقعد ، وجد الجلوس ممتعا ، زلت قدمه ، سمع قصة ماجنة من صديق ، استمع لها باهتمام ، زلت قدمه ، يبيع بيعة فيها عيب خطير ، قال : اسكت ، ألبسه إياها ، أنت أولى الناس بثمنها ، عندك أولاد ، والوقت صعب ، هذا كلام الشيطان ، عندك أولاد والوقت صعب ، اخلص منها ، أخفى العيب فزلّ ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ " إما أن أَزِلّ من تلقاء ذاتي ، أو أُدفع إلى أن أَزلّ ، واحد أخي فيها عيب ، حطها برقبتي ، ما معنى رقبتك ، ومن أنت حتى تضعها في رقبتك ، فالإنسان يقع في ظن ، يسحبوه إلى غداء ، لا يجوز أن أقعد في هذا المحل ، أخي لا يكن دينك سميكا كثيرا ، حلها برنة ، فحلها برنة فزلّ ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ " الإنسان أحيانا يظلم زبونه ، ويكون الزبون ماله حلال فيقول له : رجاء انصحني ، فيعطيه شيئا يغشه فيه ، صار فيه ظلم ، أخذت منه مبلغا لا يساوي هذه الحاجة ، صار هناك ظلم ، أحيانا يظلم الواحد صانعا عنده ، أحيانا يظلم زوجته ، أحيانا يظلم جاره ، أحيانا يكون جارُه أضعف منه فيظلمه ، أحيانا يظلم شريكه ، يكون المحل باسمه وشريكه ليس له شيء ، فيضايقه و يظلمه ، يعطيه أقل من حقه ، والظلم ظلمات يوم القيامة ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ " لا أظلِم و لا أُظلَم ، " أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ " هنا الجهل السفاهة ، الجهل بمعناه الأول ضد العلم ، والجهل بالمعنى الثاني السفه ، قال الشاعر :
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
 ومن هنا سُمّيت الفترة التي سبقت بعثة النبي عليه الصلاة و السلام بأنها الجاهلية ، كان فيها شرب الخمر ، و كان فيها الربا ، و كان فيها عبادة الأصنام ، هذا كله جهل ، فيها عصبية ، فيها حروب طاحنة لأسباب تافهة ، فيها إزهاق أرواح ، فيها اغتصاب نساء ، فيها غصب أموال فيها عبودية ، كلها طافحة بالمخازي :
ألا لا يجهلن أحدٌ علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
 والله هذا دعاء جميل جدا : اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ " أحيانا الإنسان يظلم ، مصحِّح من دون ما يهتم بالجمع الإحدى عشر نقلها واحدا ، كان الطالب والده متوفى قدم بكالوريا ينتظر يدخل الجامعة فرسب ، هذا رسب ظلما ، هذا المصحِّح لم ينتبه للجمع ، مستعجل و تضايق ، فصار فيه ظلم ، وقع في الظلم أحيانا تنهار أسرة برسوب طالب ، أسرة بكاملها ، فكل إنسان مسؤول ، أحيانا طبيب يسأل ينسى أن يسأل المريض سؤالا عن الحساسية يعطيه إبرة بنسلين فيحدث معه صدمة ، يأخذونه على المستشفى فيدفعون عنه عشرة آلاف ليرة ، اسأله هل معه حساسية ، ظلمه ، أحيانا محامي يظلم من دون أن يشعر ، تكون القضية تُحل صلحا ، لا أخذ لك حكما لمصلحتك ، يتركه ثماني سنوات في القضاء ، والله ما مشي الحال ، قل له من الأول ، فأحيانا يكون الظلم ، المهن الراقية يكون فيها الظلم أحيانا ، فالظلم أن تعتدي على حق الآخرين ، أن تعتدي على أموالهم ، أن تعتدي على أعراضهم ، أن تأخذ ما ليس لك بحق أن تأخذه .

 

الخلاصة :

 هذان الحديثان أتمنى عليكم أن تحفظوهما ، وأن تدعو بهما ، فالأول فيه حثٌّ على طلب العلم ، والثاني فيه دعوة إلى أن تستعين بالله سبحانه و تعالى كلما واجهت مشكلة ، أو كلما خرجت من بيتك .

سيدنا أبو بكر الصديق بعض من مواقفه.

 والآن إلى بعض مواقف سيدنا الصديق رضي الله عنه ، تحدثنا في الدرس الماضي أن هذا الصحابي الجليل سيدنا الصديق واجه بعد وفاة رسول الله مشكلتين ؛ فالمشكلة الأولى أنه في البلاد البعيدة من المدينة كلن أكثر المسلمين حديثي عهد بالإسلام ، و كان الدين مرتبطا في وجدانه ارتباطا كاملا بسيدنا رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فلما مات النبي عليه الصلاة و السلام و قوام فيهم من رؤسائهم من استغل حداثة الإسلام و دعا إلى الارتداد عنه ، والحق أنها لم تكن أول الأمر ردة كاملة عن الدين ، إنما كانت امتناعا عن دفع الزكاة ، أول ظاهرة مرضية ، أول ظاهرة امتناع في حكم سيدنا أبي بكر أن بعض الناس من أسلموا حديثا امتنعوا عن دفع الزكاة ، لكن أبا بكر رضي الله عنه بنظره الثاقب ومحاكمته الدقيقة رأى أن هذه ردة ، رآها ردة عن الدين ، ورآها عجما لعود الإسلام ، جس نبض ، بعد أن مات الرسولُ ، فإذا أبدى الإسلام ، فكان هناك اتجاهان ؛ الأول يرى ألاّ يُقاتَل هؤلاء ما داموا لم يقترفوا سوى امتناعهم عن الزكاة ، و على رأس هذا الفريق سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، القضية صغيرة يجب أن لا تحمل خليفة المسلمين على أن يقاتلهم من أجلها ، هذا رأي سيدنا عمر ، ورأي آخر يرى أن الزكاة ركن من الدين ليس من حق الخليفة أن يدع الناس يهدمونه ، ويرى أن الامتناع عن أدائها ليس سوى البداية ، وليس سوى حركة استطلاع يتوالى بعدها القضاءُ على الإسلام ، وحمل لواء هذه الدعوة أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه ، فصار عندنا اتجاهان ؛ الحقيقة لو سئل الناس : من الذي سيكون أكثر صرامة و شدة ، ومن الذي سيكون أكثر لينا و مهادنة ؟ لما ترددوا في أن يشيروا إلى عمر بن الخطاب مناديا بالقمع الصارم ، وإلى أبي بكر داعيا إلى الأناة و الحلم ، و لكن الذي حدث عكس ذلك ، الإنسان الوديع اللطيف الهادئ الصامت الرقيق الذي يؤثر أن يبقى في الظل من دون ضجيج ، أغلب الظن أن هذا الرجل الهادئ سيختار موقف اللين ، موقف المهادنة ، وموقف الموادعة ، موقف المسايرة ، موقف التساهل ، وأن سيدنا عمر سيأخذ موقفا شديدا ، والذي حصل هو العكس ، والحقيقة لقد باكر سيدنا الصديق الأزمة بإرادة مشحونة مشحوذة مصممة على أن يضرب في غير تردد ، موضِّحا اقتناعه بهذه الكلمات ، كان موقفه.

(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ فَقَالَ عُمَرُ فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ))

[رواه البخاري]

 أما عمر فيقف من الأزمة موقفا مغايرا ، ويوجه إلى الخليفة هذا السؤال : " كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ " ويجيب أبو بكر ألم يقل الرسول : إلا بحقها ، ألا إن الزكاة من حقها ، سيدنا أبو بكر يكشف في موقف هذا عن يقين المؤمن ، وعن بصيرته النافذة ، وعن يقينه بالله وبرسوله الذي يرتفع إلى مستوى الإذعان المطلق لما ألقياه من أمر و منهج ، وهو بهذا يحمل كل مسئوليته عن الدين ، فلا يسمح أن يتغير على عهده شيء من شرع الله و سنة رسوله ، وكل فريضة توفي النبي عليه الصلاة و السلام وهي قائمة ، و لا بد من أن تضل قائمة مهما تكن التضحيات .
 سيدنا عمر قال : فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ " ، يبدو أنه تأمل وجد في النهاية أن رأي سيدنا الصديق هو الأصوب و هو الأجل و هو الأحكم وهو الأعقل وهو الأقوى ، لذلك قال : فَوَ اللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ اللَّهَ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ .
 سيدنا ابن مسعود يقول : لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما كدنا نهلك فيه لولا أن منَّ الله علينا بأبي بكر " القضية لها أبعادها ، فلو تساهل لانتهى الإسلام .
 عندنا موقف آخر ؛ هذا الموقف أن النبي عليه الصلاة و السلام قبيل وفاته أعدّ جيشا تحت إمرة أسامة بن زيد ، سينا أسامة بن زيد لا يزيد عمره عن سبعة عشر عاما ، وكان في هذا الجيش أصحاب رسول الله الأجلاء ، بما فيهم سيدنا عمر ، و سيدنا عثمان و سيدنا علي ، وكان قائدهم أسامة بن زيد ، حِبُّ رسول الله ، الحقيقة هنا سؤال ؛ وكان الجيش يوم مات النبي عليه الصلاة و السلام معسكرا على بُعد أميال ثلاثة من المدينة ، يتهيّأ للسير ، وأرجأت وفاة النبي عليه الصلاة والسلام زحفه ، و اختلف الناسُ بعد هذا في أمره ، فرأى فريق من المسلمين وعلى رأسهم عمر بن الخطاب أن بعْث جيش أسامة إلى الشام مخاطرة رهيبة ، في الوقت الذي أصبحت فيه المدينة نفسها عاصمة الإسلام مهددة بغزو المرتدين ، معقول نرسل جيشا من المدينة إلى الشام للفتح ، وكون المدينة حركة ارتداد خطيرة جدا ، ربما قضت على الإسلام كله ، هذا كان موقف سيدنا عمر بالعقل ، الإنسان قبل أن يفتح بلادا أخرى يضمن سلامة بلاده الداخلية ، ورأى سيدنا عمر ضرورة عودة الجيش إلى المدينة ليكون في مواجهة الأحداث الجديدة الزاحفة ، وكان أسامة نفسه قائد الجيش من أصحاب هذا الرأي ، القائد نفسه كان رأيُه أن يتجه هذا الجيش لحماية المدينة ، لكن أبا بكر رضي الله عنه رأيه غريب حسب المنطق ، يستمد منطقه من إيمانه وكل قضية عنده تتسع للاجتهاد إلا قضية أبرم الله فيها حكما ، إذا القضية اللهُ سبحانه وتعالى أبرم فيها حكما هذه قضية مقطوع فيها ، أو أصدر النبي عليه الصلاة و السلام فيها أمرا ، لقد أمر النبي عليه الصلاة و السلام قبيل وفاته أن يُنفذ بعثُ أسامة ، فليكن ما أمر النبيُّ به ، مهما تكن مستحدثات الظروف ، ومهما تكن الأخطار التي تهدِّد المدينة ، وهكذا كان جواب أبي بكر للناس ، ماذا قال ؟ قال هذا الصحابي الجليل : أنفِذوا بعْث أسامة ، فواللهِ لو خطفتني الذئابُ لأنفذتُه كما أمر النبي عليه الصلاة و السلام ، وما كنتُ لأردّ قضاءً قضاه النبي عليه الصلاة و السلام " موقف إيماني ، في المنطق لا بد أن لا يخرج ، منطق الأحداث ، و بمنطق الواقع يجب أن يبقى الجيش في المدينة ، لكن في منطق الإيمان هذا الجيش جيّشه رسول الله ، وهذا القائد عيّنه رسول الله ، وعاد بعض المسلمين و على رأسهم عمر بن الخطاب يطلبون من أبي بكر أن يجعل على رأس الجيش قائدا غير أسامة ، هذا صغير جدا ، طيب ننفذ هذا الجيش ، لكن غير القائد ، الذي كان فتى صغير السن محدود الخبرة ، و لا سيما وفي هذا الجيش شيوخ الصحابة وأجلاؤهم ، وهذه المسالة أيضا إذا بُحثت في المنطق المجرّد يبدو ذلك الرأي سديدا ، لكن أبا بكر في هذا شأنه في كل أمر يستمد منطقه من إيمانه ، فالذي ولّى أسامة هو رسول الله صلى الله عليه و سلم ، ولقد رضيه الله الصحابة ورسول الله حي ، أفيخلع أبو بكر رجلا ولاّه النبيُّ عليه الصلاة و السلام ، مستحيل ، ولم يكد عمر يعرض الرأي ليُقترح على أبي بكر حتى ثار هذا الرجل الحليم ، والحليم قلّما يثور ، و لكن إذا ثار شيء مخيف ، ثار ثورة ما ثار مثلها قبلاً ولا بعدًا ، ولندع شاهد عيان يصف لنا المشهد فيقول : لما قال سيدنا عمر هذا الجيش لا نرسله ، وإذا كان بسرعة إرساله فقائد آخر ، وثب أبو بكر من مكانه ، وأخذ بلحية عمر و هزّها هزًّا شديدا ، وقال : ويحك يا ابن الخطاب ، ثكلتك أمُّك أجبار في الجاهلية خوّار في الإسلام ، أيولِّيه رسول الله و تأمرني أن أعزله ، هكذا ، ما هذه الشخصية ؟ هذا الوديع اللطيف البكَّاء الحليم الهادئ الذي يؤثر أن يبقى في الظل هكذا يفعل ، ثم قام يتبعه عمر ، قام سيدنا الصديق يتبعه عمر إلى حيث كان الجيش معسكرا فدعاهم للتحرك على بركة الله ، و سار معهم وودّعهم ، و مشى الخليفة على قدميه إلى جوار أسامة الذي كان ممتطيا ظهر فرسه ، أسماة الشاب الذي لا يزيد عن سبعة عشر عاما يركب فرسه ، و سيدنا الصديق الشيخ الوقور خليفة المسلمين يمشي على رجليه ، سيدنا أسامة كله أدب ، واستحيا أسامةُ فهمّ بالنزول داعيا خليفة رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى الركوب ، فثبّته أبو بكر بيده في مكانه ، وهو يقول : واللهِ لا نزلتَ ولا ركبتُ ، وماذا عليّ أن أغبِّر قدمي في سبيل الله ساعة ، وأراد أن يبقى راكبا ليرفع له شأنه أمام أفراد الجيش ، كل أمر عنده سهل ، و كل جلل يهون إلا أمرا يدعوه إلى الخروج قيد أنملة عن طاعة الله و رسوله .
 بعد ذلك لم تكد القبائل المرتدّة تشهد جيش أسامة متوجها نحو الشام إلا خافت ، وقالت : واللهِ لو كانت المدينة تئن تحت وطأة الضعف والخلاف كما سمعنا ما كان بوسعها أن تبعث هذا الجيش في هذه الأيام لتقاتل الروم ، فالذي حدث أن خروج هذا الجيش إلى الشام و الفتن مستعرة في المدينة ، والارتداد على أوجه أوحى لكل المرتدين أن الموقف متين جدا ، قالوا : واللهِ لو كانت المدينة تئن تحت وطأة الضعف والخلاف كما سمعنا ما كان بوسعها أن تبعث هذا الجيش في هذه الأيام لتقاتل الروم "
 نعيد عليكم مرة ثانية قول ابن مسعود رضي الله عنه : لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم مقاما كدنا نهلك فيه لولا أن منَّ الله علينا بأبي بكر " وهذه القصة لها مغزى ، أحيانا بمنطق التجارة إذا كان لم تعمل كذا ما رفعت السعر إذا كان البيع إلى أجل لا تربح ، هذا منطق التجارة ، إذا كان هذا المبلغ ديّنته لفلان وأرجعه لي بعد سنة ذهبت نصف قيمته ، لا يناسبي ، هناك منطق تجاري ، هناك منطق مادي ، هناك منطق بيع و شراء ، هذه القضية ، و هناك منطق الإيمان ، منطق الإيمان يقول لك :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

[سورة البقرة الآية : 245]

 منطق التجارة أن هذه المائة ألف إذا ديناهم نأخذها بعد سنة ستين ألفا ، بالقوة الشرائية ، هكذا العادة كل الدول تضخم نقدي ، هذا المبلغ بقدر القدرة الشرائية ، فإقراض الناس عمل أحمق أخي ليس معي ، أو ترجعها بشكل معين ، بقيمة ثابتة ، وهذا فيه إرهاق للإنسان ، بمنطق الإيمان إقراض الناس عمل عظيم ، يكافئ الله عليه ، بالمنطق التجاري الإقراض عمل غير حكيم .
 التعليق الذي أتمنى أن يكون واضحا أمامكم أن في حياتنا كلها منطقين ؛ منطق مادي و منطق الإيمان ، أخذنا مثلا القرض ، في منطق التجارة و منطق قيم الأموال الإقراض حمق ، بمنطق الإيمان أنت إذا أقرضت هذا الإنسان رضي الله عنك ، وكأنك أقرضتَ اللهَ عز وجل ، المؤمن لا تحركه المقاييس التي هي سائدة في المجتمع ، تحركه قيم أخرى ، قيم نابعة من كتاب الله ، فلما ربنا عز وجل يقول لك :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾

[سورة البقرة الآية : 245]

 أنت بهذا تتمنى أن تقرض الناس مبلغا من المال ، أما المنطق التجاري ، والمنطق المادي هذا العلم غير مجدي ، لما الطالب يكون جالسا في بيته يدرس ، ويحين وقت مجلس علم ، بمنطق الوقت هذا استهلاك للوقت ، لو قعد في البيت و ألغى الدرس لقرأ بحثا ، وقرأ فصلا ، لكنه في منطق الدراسة لا بد أن يلغي حضور مجالس العلم ، أما منطق الإيمان لعله إذا حضر هذا المجلس و تعلم حكما أو آية أو حديثا ، لعل الله ينفعه به طوال حياته ، واللهُ سبحانه و تعالى يفقهه ، فأنت دائما في كل حركة ، في الزواج ، الإنسان أحيانا يختار امرأة غنية ، وهناك امرأة غنية و لكنها مؤمنة ، في منطق المادة هذه الغنية قد تأخذ مالها و قد تسكن في بيتها ، وقد تستفيد من حسبها و نسبها ، أما هذه المؤمنة بالمنطق المادي قد لا تنفعه ، ولكن الله سبحانه و تعالى قد يبارك لك في كل حياتك إذا اقترنت بهذه المؤمنة ، الإنسان السعيد دائما يسلك مسلك أصحاب رسول الله ، يسلك مسلك المؤمنين ، يتبع سبيل المؤمنين ، أما هناك منطق آخر ، انظر إلى سيدنا الصدِّيق ، كم هو الأمر واضحا ، لا بد أن لا يرسل الجيش ، لا بد أن يغيِّر قائد الجيش ، لا بد أن لا يحارب المرتدين ، هذا منطق العصر ، هو أخذ منطقا آخر ، أخذ منطق الإيمان ، في البيع و الشراء ، يمكن أنك أنت تقدر تطلب سعرا غاليا جدا ، والبضاعة لا توجد منها إلا عندك ، هذا منطق التجارة ، أنا حافظت على البضاعة ، هناك منطق آخر ، أنهم مسلمون مؤمنون بعها بسعر أقل ، خفِّف على الناس أعباء الحياة ، هذا منطق آخر النية العالية ، لا تعرف ربما يبعث الله لك رزقا مبحبحا ، بهذه النية العالية .
 قال لي واحد : عندي محصول فاكهة معينة أسعاره متدنية جدا ، لو أردت أن أجمعه و أدفع اليد العاملة وأشتري له صناديق سأخسر ، أخسر حوالي عشرة آلاف ، أما إذا تركته تأكله العصافير لا أخسر ، ولكن غلب عليه منطق الإيمان أن هذه الفاكهة إنما خلقها الله لتكون طعاما للناس ، فدفع عشرة آلاف ليرة خسارة ، بين يد عاملة وقطف و تسليط ، قال لي : واللهِ اللهُ بعث لي من جهة ثانية ما كانت في الحسبان مبلغ عشرين ألف ليرة ، فأنت دائما أمام منطقين ؛ منطق الإيمان و منطق المادة ، هناك منطق مادة يحكم زواجك ، و يحكم طلاقك ، زوجة صار معها مرض عضال ، ما هذه البلوى ؟ يخلص منها ، و يطلقها ، ليس لنا مصلحة فيها ، هذا منطق المادة ، لكن منطق الإيمان ، منطق الوفاء ترعاها حتى آخر لحظة ، فأنت دائما ضع نفسك كمؤمن بين أن تكون مؤمنا تعمل وفق القيم النابعة من كتاب الله ، و بين أن تكون إنسانا ماديا تعمل وفق القيم النابعة من التعامل اليومي مع الناس، وتأكّد أن الخير و التوفيق و النجاح و العاقبة مع الذين يسلكون منطق الإيمان ، في كل حركاتهم و سكناتهم ، يمكن أن تبيع بيعا رخيصا ، ليس فيه رفع سعر ، الله عز وجل يبارك لك في صحتك وفي أهلك و في أولادك ، حسب الحسابات إذا بعنا ، وعندي عشرة آلاف قطعة ، إذا رفعناها بليرتين معناها بعشرين ألف ليرة ، رفعناها بثلاثة ثلاثون ألفا ، رفعناها بخمسة حصرناها ، لا يوجد عندنا غيرها ، ربحنا مائة ألف ، هذا منطق المال ، أما إذا كان خففت على المسلمين ، وكان سعرك معتدلا ، لعل الله عز وجل يطرح لك في هذا المال البركة ، ويجعلك سعيدا في حياتك ، والمال عندئذ لا يقدم و لا يؤخِّر .
 أنا أتمنى عليكم وقد سمعتم بآذانكم موقف هذا الصحابي الجليل كيف أنه يؤثر منطق الإيمان على المنطق الآخر ، إذا آثرتم هذا المنطق سعدتم في الدنيا و الآخرة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018