موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 26 - الإحسان وأنواعه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 26 - الإحسان وأنواعه


2008-02-26

مقدمة :

الأستاذ أحمد :
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، أهلاً وسهلاً بكم أيها الأخوة والأخوات في حلقة جديدة من حلقات: "الموسوعة الإسلامية" التي نسير بها مع فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق، أهلاً ومرحباً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ عدنان جزاك الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
 سيدي الكريم روى سيدنا عمر بن الخطاب أن رجلاً دخل إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو جالس بين أصحابه، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام؟ ثم قال: أخبرني عن الإيمان؟ ثم سأله عن الإحسان، وختمها وقال: أخبرني عن الساعة وأماراتها؟ وكان النبي عليه الصلاة والسلام يجيب عن كل هذه الأسئلة، فيقول هذا الرجل في نهاية كل جواب صدقت، وكان هذا الرجل سيدنا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم.
 الذي أريد أن أسأل عنه الآن أن السؤال الأول كان يتعلق بالإسلام وكلنا مسلمون، والسؤال الثاني يتعلق بالإيمان، وهو فيه خاصية أضيق وأقل، فليس كل مسلم مؤمناً حقاً، ثم سأل بعد ذلك عن الإحسان، وكأني فهمت أن الإحسان هو أدق وأعمق من الإيمان ومن الإسلام، فهل فهمي هذا صحيح؟

 

للإحسان مستويات وأعلى مستوياته أن تعبد الله كأنك تراه :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 بادئ ذي بدء المصطلحات لها مستويات، فأحياناً الشكر مستواه الأول أن أعرف أن هذه النعمة من الله، المستوى الثاني: أن يمتلئ قلبي شكراً لله عز وجل، شعور، الأول معرفة و الثاني شعور، المستوى الأرقى أن أبادر هذه النعم بخدمة الخلق:

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾

[ سورة سبأ الآية : 13 ]

 أكثر الفضائل لها مستويات، والإحسان له مستويات، أعلى مستوياته أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، سماه بعض علماء القلوب: حال المراقبة، وأفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان، هذا معنى للإحسان، لكن المعنى الشائع والواسع والذي يغطي أكبر شريحة من المسلمين أن الإنسان لماذا هو في الدنيا؟ لو سافرت إلى بلد غربي وقلت أين أذهب؟ سؤال عجيب، نسأله نحن : لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات، وإن جئت تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات، أي لا تصح حركتك في مكان ما إلا إذا عرفت سرّ وجودك، وغاية وجودك، أنا حينما أعلم أنني في الدنيا من أجل أن أؤمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، موجوداً وواحداً وكاملاً، خلقني لجنة عرضها السماوات والأرض، وجاء بي إلى الدنيا لأدفع ثمن الجنة، وهو العمل الصالح، العمل الصالح هو الإحسان بأوسع مفهوماته، وهو ثمن الجنة، والدليل الإنسان حينما يأتيه ملك الموت ماذا يقول؟ كما في القرآن الكريم:

 

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون الآيات : 99-100]

 لا يندم الإنسان حين مغادرة الدنيا إلا على العمل الذي هو علة وجوده في الدنيا، أليس كذلك؟ إذاً العمل الصالح هو بعد أن تؤمن بالله الإيمان الصحيح، والدقيق، والعميق، والذي يحملك على طاعة الله، العمل الصالح هو أن تتقرب إلى الله بعمل يكون زادك إلى الآخرة.
الأستاذ أحمد :
 إذاً علة وجود الإنسان في الدنيا بعد أن يدرك ويؤمن أن يعمل صالحاً.

 

الإحسان علة وجود الإنسان في الدنيا ليكون ثمناً للآخرة :

الدكتور راتب :
 لذلك المؤمن يبني حياته على العطاء لا على الأخذ، الشارد عن الله، الغافل، يظن أنه كلما أخذ من الناس يكون أذكى، بينما المؤمن يرى أنه كلما أعطاهم يكون أذكى، لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، بينما الأقوياء أخذوا كل شيء ولم يعطوا شيئاً، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء يمدحون في غيبتهم ، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، فلذلك الإحسان علة وجود الإنسان في الدنيا ليكون ثمناً للآخرة، ولكن لن يكون الإحسان إلا بعد الإيمان، إذاً تؤمن فتحسن فتسعد.
الأستاذ أحمد :
 هذا لمن هو مدرك، أو راشد، أو كبير، لكنا أساتذتنا حينما كنا صغاراً وشرحوا لنا قول النبي عليه الصلاة والسلام عندما سئل عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ضربوا لذلك قصة معبرة فيها شيء من الرمزية، من أن أستاذاً طلب من طلابه أن يذبح كل منهم عصفوراً في مكان لا يراه فيه أحد، وأتى في اليوم التالي جميع الطلاب، وقد ذبحوا ما طلب منهم الأستاذ إلا طالباً واحداً كان جوابه لأستاذه: أنني كلما ذهبت لمكان ظننت أن هذا المكان لا يراني فيه أحد رأيت أن الله يراني، فهل الإحسان فطرة في الإنسان إن قلنا أن هذه القصة صحيحة؟

الإحسان أعلى مرتبة تنقلك إلى الشعور الدائم أنك مع الله :

الدكتور راتب :
 لا هو إدراك، أنت حينما تدرك أن جهة ما تراقبك دون أن تشعر تنضبط أشد الانضباط، تنتبه لكلماتك على الهاتف، في الطريق تنتبه لحركتك، أما حينما تعلم علم اليقين أن خالق السماوات والأرض لا تخفى عليه منك خافية:

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ ﴾

[ سورة غافر الآية : 19 ]

 طبيب يعالج امرأة، ومن حقه أن يرى موضع المرض من جسمها، لو نقل نظره إلى عضو آخر لا تشكو منه شيئاً، أية جهة في الأرض تستطيع أن تكشف هذه المخالفة؟ إلا الله:

 

﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾

[ سورة غافر الآية : 19 ]

 إذاً الإنسان في الدنيا تحت بصر الله، الإنسان إذا تحرك فالله يراه، إذا تكلم فالله يسمعه، إذا أضمر شيئاً فالله يعلم، يعلم ما تضمر، ويرى حركتك، ويرى عملك، إذاً الإنسان تحت المراقبة، لمجرد أن تشعر أنك مراقب تستقيم على أمر الله، سأضرب مثلاً: تركب مركبة الإشارة حمراء، والشرطي واقف، وهناك شرطي آخر مع دراجة نارية، وهناك نقيب في السيارة، وأنت مواطن عادي لا يمكن أن تتجاوز الإشارة، علمك أنك مراقب، وعلمك أن واضع القانون تطولك قدرته، وعلمك أن واضع القانون تطولك رؤيته وعلمه تلتزم، لذلك إذا قلنا إحساناً، أنت حينما تعلم أن الله يراقبك مستحيل أن تعصيه، أما حينما تغفل من أن الله معك، أو تتوهم أن الله في السماء وليس في الأرض، يمكن أن تكون المعصية، إذاً الإحسان أعلى مرتبة تنقلك إلى الشعور الدائم أنك مع الله، وأن الله معك، وهو يراقبك كأنك تراه وهو يراك.
الأستاذ أحمد :
 هذه المرتبة مرتبة عظيمة ومرتبة مطلوبة، لكن الله عز وجل عندما يقول:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾

[ سورة النحل الآية : 90 ]

 فهو فيه أمر، هل يستطيع كل الناس من كان إسلامه جديد عهد، ومن راقب نفسه سنوات طويلة ـ وهو فيه أمر ـ هل هو مرتبة واحدة أم للإحسان أنواع؟

 

الإحسان أنواع :

 

الدكتور راتب :
 أولاً العدل قسري، والإحسان طوعي، والمشكلات أحياناً لا تحل بالعدل بل بالإحسان، لذلك الإنسان مأمور بالإحسان كما هو مأمور بالعدل،

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ﴾

  لكن الإحسان واسع جداً، الحقيقة أحد أنواع الإحسان أن تأتمر بما أمر الله، أمرك أن تكون صادقاً، أن تدلي بشهادتك، أن تقول الحق، أن تنتهي وأن تأتمر من الإحسان، الآن حينما تتقرب إلى الله لخدمة عباده هذا من الإحسان، أي انصياع لأمر، وتجنب نهي، ثم مبادرة لعمل صالح، لعلك تصلح إنساناً، تعين إنساناً، تخدم إنساناً، تنقذ مخلوقاً، تسقي كلباً، تطعم هرة، أية خدمة إلى أي مخلوق هو الإحسان، لذلك قال تعالى:

 

﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة الآية : 245 ]

 أي عمل صالح تقوم به هو بمثابة قرض لله عز وجل، والله يكافئك عنه، إذاً الإحسان يبدأ من أن تأتمر بما أمر، يثني من أن تنتهي عما عنه نهى، يثلث في أن تتقرب إلى الله بخدمة خلقه، أي بعيداً عن الأمر النصي والنهي النصي أطعمت هرة، سقيت كلباً، أنقذت جريحاً، تعاهدت أرملة، أطعمت جائعاً، كسوت عارياً، أنصفت مظلوماً، نفست كرباً عن مسلم، شفعت في زواج، أقرضت مالاً، أعنت إنساناً، نصحت مسلماً، علمت العلم، هذا كله إحسان، أبواب الإحسان لا تعد ولا تحصى، بل إن الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق.

 

الإحسان وسيلة التقرب إلى الله عز وجل :

 بل إن الإحسان هو الوسيلة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ﴾

[ سورة المائدة الآية : 35]

 أي الوسيلة كي تتقرب إليه، مرة قلت: مجند غر أقل رتبة في الجيش، التحق لتوه بالخدمة الإلزامية، هناك فرقة على رأسها أعلى رتبة هي لواء، هذا الجندي الغر لا يستطيع أن يقابل هذا اللواء، غير مسموح له أن يقابل اللواء في كل أنحاء العالم، لأن قبله عشرات الرتب، هناك حالة واحدة يستطيع أن يدخل عليه من دون استئذان، إن رأى ابن هذا اللواء يسبح فكاد يغرق فألقى بنفسه وأنقذه، فيقابله من دون إذن، هذه الرتبة العالية ترحب به، تقول له كلمات معسولة، ويرحب به، ويجلسه إلى جانبه، ويأتيه بالضيافة، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

[ سورة الكهف الآية : 110 ]

 أنت حينما ترى أن كل هذه المخلوقات مخلوقات الله عز وجل، وأن أحبّ الناس إلى الله أنفعهم لمخلوقاته، يكون الإحسان ديدنك ومنهجك في الحياة.
الأستاذ أحمد :
 عندما كتب الله عز وجل الإحسان كما ورد: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته، إذاً الإحسان ليس خاصاً بالتعامل مع البشر.

 

الإحسان ليس خاصاً بالتعامل مع البشر :

الدكتور راتب :
 مع كل المخلوقات من دون استثناء، لو قتلت عقرباً ينبغي أن تقتله بضربة واحدة،
 رأى النبي إنساناً يذبح شاة أمام أختها فغضب، قال له: هلا حجبتها عن أختها ؟ أتريد أن تميتها مرتين؟ إن الله كتب الإحسان على كل شيء.
الأستاذ أحمد :
 وهذه المرأة البغي التي دخلت الجنة في كلب سقته.
الدكتور راتب :
 العلماء علقوا على هذا الحديث بأن الإخلاص كان ملابساً لهذه السقية، لأنها في الصحراء لا ترجو ثواباً، ولا عقاباً، ولا أحد يراها، إنما لرحمة في قلبها سقت هذا الكلب فغفر الله لها.
الأستاذ أحمد :
 فهل من مثال تطبيقي عملي لرسول الله صلى الله عليه و سلم، كيف كان إحسانه مع أصحابه؟ مع أهل بيته؟ حبذا لو تحدثنا بشيء.

مثال تطبيقي عن إحسان النبي مع أصحابه و أهل بيته :

الدكتور راتب :
 النبي عليه الصلاة والسلام كان في خدمة أصحابه، دخل عليه أعرابي، قال : أيكم محمد؟ كان في خدمة أصحابه، كان أصحابه الكرام يفتدونه بأرواحهم، لأنه عدّ نفسه واحداً منهم، لأنه يعنيه ما يعني أصحابه، لذلك سيدنا ربيعة خدمه، قال النبي عليه الصلاة والسلام: سلني حاجتك يا ربيعة؟ لو أن هناك إنسان على وجه الأرض يستحق أن تخدمه بلا مقابل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك رأى خدمة ربيعة ديناً عليه، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يحسن مع هرة، يصغي لها الإناء، كان يكنس داره، يرفو ثوبه، يحلب شاته، كان في مهنة أهله، كان يقول:

(( أكرموا النساء ، والله ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم))

[ورد في الأثر]

 كان النبي عليه الصلاة والسلام الإنسان المحسن الأول في كل شيء، دخل على بستان فرأى جملاً ذرفت عيناه، فاقترب منها ومسح ذفريه وقال:

(( من صاحب هذا الجمل؟ قال فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله، قال له النبي الكريم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه))

[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]

 كان شفافاً، حتى حينما خطب على المنبر حنّ إليه الجذع كان يضع يده على الجذع تكريماً له، إذاً كان محسناً في كل مستويات الإحسان.
الأستاذ أحمد :
 لخصتم لنا الإحسان فقلتم إنه العمل الصالح، و كلنا يعلم أن الأعمال بالنيات، فالإحسان إيجابي دائماً.

 

قيمة الإحسان في نيته :

الدكتور راتب :
 قيمة الإحسان في نيته، بل إنما تفيد القصر والحصر، أي يقيّم الإحسان دائماً بنيته:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

 هناك إنسان أحب امرأة حباً جماً، اسمها أم قيس، فاشترطت عليه كي توافق على الزواج منه أن يهاجر إلى المدينة فهاجر، سماه الناس مهاجر أم قيس، أضرب مثلاً: إنسان غني كبير، صاحب أراض كثيرة، جاء من همس في أذنه أنك إذا تبرعت بأرض لبناء مسجد اضطرت البلدية أن تنظم أرضك، وأن تجعلها مقاسم، وإذا جعلت مقاسم تضاعف ثمنها، فقدم أرضاً لتكون مسجداً، هل له أجر بهذا المسجد؟ إطلاقاً، هو أراد مضاعفة أسعار أرضه، فلذلك:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى))

 لكن هذه النية لا يمكن أن تكون مفتعلة، هي كسعر العملة محصلة اقتصاد الأمة، الآن النية محصلة إيمان المؤمن، واستقامته، وجهاده، وعمله الطيب، ومتابعته، وأداء عباداته، محصلة كل نشاطاته تكون في نيته.
الأستاذ أحمد :
 العمل هو ملخص عن الإحسان، هل العمل يتوقف على الدنيا أم يستمر إلى ما بعد الدنيا؟

 

العمل الصالح يُقيّم في قوة التأثر وعمقه ونوعه واتساع رقعته :

الدكتور راتب :
 أولاً: العمل أنواع، هناك عمل رقعته واسعة جداً، الإسلام انتشر في الآفاق، لذلك أكبر دعوة شملت معظم بلاد الأرض الإسلام، لذلك رقعة هذا العمل كبيرة جداً، أحياناً امتداد أثره، أي من ألف وأربعمئة عام والدين مستمر ويتوسع، هذا مؤشر على امتداد الأمد، واتساع الرقعة، وعمق التأثير، حينما تكون الدعوة متغلغلة في أعماق الإنسان، في فكره، في طباعه، في علاقاته، في بيته، في عمله، في تجارته، في أعماق أعماق قلبه، هذه دعوة بليغة جداً، إذاً العمل الصالح الذي أنجزها عمل عظيم، فالعمل الصالح يُقيّم في قوة التأثر، وعمق التأثير، ونوع التأثير، وامتداد أمد التأثير، واتساع رقعة التأثير.
الأستاذ أحمد :
 هل هذا هو المقياس؟
الدكتور راتب :
 هذه مقاييس، لذلك هذا الذي قرأ تاريخ البشرية، واختار منها الآلاف، ثم قرأ تاريخ الآلاف، واختار منها مئة، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس المئة من حيث قوة التأثير، ونوع التأثير، وامتداد أمد التأثير، واتساع رقعة التأثير.
الأستاذ أحمد :
 لكي يكون الإحسان إحساناً لا بدّ أن يكون متعلقاً بالعمل ذو النية الصالحة، إذاً لابد أن يكون الإحسان خالصاً لوجه الله عز وجل، هل يشترط أن يكون أيضاً صواباً؟

العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً وصواباً :

الدكتور راتب :
 قبل ذلك، العمل الصالح لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، لذلك لو أن العمل وراؤه نية صالحة، أما شكله على خلاف السنة، أي لو أقمنا حفلاً غنائياً ساهراً، يرصد ريع هذا الحفل للأيتام، النية صالحة أما الشكل غير صالح. فنحن نرى أن الله عز وجل حينما قال في الدعاء القرآني:

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

[ سورة النمل الآية : 14 ]

 الله عز وجل لا يرضى عن العمل إلا إذا كان خالصاً، بمعنى ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. إذاً شروط قبول العمل أن يكون صواباً، وأن يوافق السنة.

 

حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

 لكن تجاوزنا شيئاً، الأعمال الصالحة منها ما ينتهي عند الموت، ومنها ما يستمر بعد الموت:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ، إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 أو أي عمل يستمر بعد موت صاحبه، أنشأت مستشفى، أنشأت ميتماً، أنشأت معهداً شرعياً، ألفت كتاباً، أنجبت ولداً صالحاً، هذه الأعمال الصالحة قال الله عز وجل عنها:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الطور الآية : 21 ]

 إذاً: العمل الصالح بطولة صاحبه أن يكون مستمراً، هناك عمل ينتهي بعد ساعة، أطعمت جائعاً، أكل وشبع، وبعد أربع ساعات جاع ثانية، لكن هناك أعمال مديدة، أنت قد تطعم فقيراً، لكن قد تهيئ له عملاً يقتات منه، ويرفع رأسه، ويشعر أنه لا يأخذ صدقة، يأخذ أجراً، أن تطعم الفقير مرة واحدة أو أن تطعمه بشكل مستمر؟ أن تهيئ له عملاً، إذاً العمل الصالح يتفاوت، لكن حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد :
 من هذا نفهم أن الإحسان يزيل من القلوب الغل والحسد، ويدفع إلى مرضاة الله عز وجل، امتثالاً لقول الله عز وجل:

﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت الآية : 34]

 اللهم انفع بنا مجتمعاتنا، وأهلينا، ونسألك يا كريم أن تجعلنا من أهل الإحسان، وأهل الإيمان، وأهل الإسلام، وجزى الله أستاذنا فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي خير الجزاء على ما أفاد به.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018