موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 24 - التوبة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 24 - التوبة


2008-02-24

 والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل وصحبه أجمعين .

تقديم وترحيب :

الأستاذ أحمد :
 أيها الإخوة المشاهدون ، نرحب بكم في حلقة جديدة من حلقات موسوعة الأخلاق الإسلامية مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة ، وأصول الدين ، فأهلاً وسهلاً بكم فضيلة أستاذنا الدكتور .
الدكتور راتب :
 أهلا بكم أستاذ أحمد ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
 أكرمكم الله .
 سيدي الكريم ، نتمنى لو نتحدث اليوم وإياكم عن خُلقٍ من الأخلاق جديد ، ألا وهو خلق التوبة ، والتوبة تستوقفنا بها آيات عدة ، أتمنى أن أسألك عن الرابط بينها ، ألا وهي قوله تعالى :

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة النور الآية : 31 )

 ويقول في آية أخرى :

 

﴿ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾

( سورة ق )

 ويقول تعالى في آية ثالثة :

 

﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾

( وسورة ص )

 ففي الآية الأولى استعمل تعالى :

﴿ وَتُوبُوا ﴾

 وفي الثانية تحدث عن الإنابة ، وفي الثالثة تحدث عن الأوّاب ، فما الرابط بين التوبة والإنابة والأوبة ؟
الدكتور راتب :

 

مقدمة :

1 – الإنسان مركَّب من عقل وشهوة :

 بادئ ذي بدء ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ أحمد ، رُكِّب الإنسان من عقل وشهوة ، ورُكِّب الملك من عقل بلا شهوة ، ورُكِّب الحيوان من شهوة بلا عقل ، و رُكِّب الإنسان من كليهما ، ففيه نفخة من روح الله ، وفيه قبضة من تراب الأرض ، فيه ميولٌ عليا ، وفيه حاجات دنيا ، ركب الإنسان من عقل وشهوة ، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة ، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان .
 الإنسان كائن مزدوج الاهتمامات ، له حاجات نحو معرفة الحقيقة ، ومعرفة الله وطاعته ، والتقرب منه ، وفيه غرائز وشهوات ، فمنهج الله ينسق بين حاجاته ، وبين قيمه ومطالب الدنيا ، ومطالب الآخرة ، بين حاجات الجسد وحاجات النفس .
 إن الإنسان أحياناً تزلّ قدمه ، وتضعف نفسه أمام شهوة ، ويضعف أمام ضغط ، ويضعف أمام إغراء ، فتزل قدمه ، ويقع في خطأ ، ما الحل ؟
 الإنسان يأكل ويشرب ، وقد يأكل أكلة لا تفيده فيمرض ، ما الحل ؟ المعالجة .

2 – طبيعة الإنسان تقتضي الخطأ :

 إن طبيعة الإنسان تقتضي الخطأ .

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

 لأن فيه شهوة أودعها فيه ، وسمح له أن يتحرك من خلالها 180 درجة ، وأن الشرع جاء بمساحة محدودة ، له أن يتحرك فيها ، فحينما تزل قدمه ينتقل من المنطقة المباحة إلى المنطقة المحرمة فيقع في الذنب ، إنْ في كسب المال ، أو في العلاقة بالنساء ، فلذلك لا بد من نظام يرمم الخطأ .

 

3 – الخطأ خروجٌ عن منهج الله :

 الخطأ هو الخروج عن منهج الله ، الخطأ التحرك بخلاف منهج الله ، بل إن هناك معنىً دقيقا جداً ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 المعنى المخالف : أنه لو اتبع هواه وفق هدى الله فلا شيء عليه ، فالإنسان ركِّب من عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، العقل له حاجات ، والنفس لها حاجات ، والجسم له حاجات ، أحياناً تتناقض حاجات الجسم مع حاجات النفس فيكون الذنب ، الذنب يأتي من حركة أساسها الاختيار بدافع من شهوة ، بعيداً عن منهج الله ، هذا هو الذنب ، لو أن كل شيء في حركة الشهوة كان مباحا لَما كانت ذنوب إطلاقاً .
 أما في موضوع المرأة فهناك منطقة مباحة ومنطقة محرمة ، وفي كسب المال منطقة مباحة بالكسب المشروع ، ومنطقة محرمة بالكسب المحرَّم ، فما دام هناك شهوات ، فهي قوى دافعة ، وفي الإنسان حرية اختيار ، وله منهج ، فحينما أتجاهل المنهج ، أو أتحرك بلا منهج أقع في المعصية ، المعصية يكشفها الإنسان ذاتياً ، والتوافق بين الفطرة والمنهج توافق حتمي .
 إنّ أيَّ إنسان خرج عن منهج الله عن علم أو عن غير علم يشعر بالكآبة ، يشعر بالذنب ، سَمِّ هذا الشيء شعورا بالنقص ، أو شعورا بالذنب ، أو خطيئة ، أو معصية ، أو كآبة ، كلها أسماء لمسمى واحد ، إنسان تحرك في الحياة بدافع من شهوته بعيداً عن منهج الله ، فوقع في الخطأ .
الأستاذ أحمد :
 هذا يجعلني أسألك عن التوبة ، وعن قيمتها ، و ثمرتها .
الدكتور راتب :

 

التوبة :

1 – الحلُّ الوحيد للذنب التوبةُ منه :

 إن رحمة الله متمثلة في أن هذا العبد حينما يضطرب ، حينما يتحرك بخلاف منهج الله ، حينما يندفع بشهوته ، ولا يراعي حدود الله ، يقع في الذنب ، هل يعقل أن خالق السماوات والأرض ، الإله العظيم ، الرب الرحيم ، ليس عنده حل لهذه المشكلة ؟ الحل الرائع هو التوبة .
 لذلك التوبة كأنها صمام أمان ، لئلا يكون الانفجار ، والآن في بعض أوعية الضبط منطقة بلاستيكية ضعيفة ، لو زاد الضغط كثيراً لئلا ينفجر الوعاء هذه النقطة الضعيفة تسيح ، وينطلق البخار .
 التوبة صمام أمان ، التوبة حبل نجاة ، حبل نعتصم به ، التوبة قارب نجاة ، فإذا كنا في بحر من الذنوب كانت التوبة قاربَ النجاة ، وإذا كنا غرقنا فالتوبة حبل نعتصم به ، وإذا كنا على وشك الانفجار فالتوبة صمام أمان ، لذلك جعل الله التوبة طريقاً لترميم الخطأ ، لذلك قال الله عز وجل :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

2 – الله يريد التوبة على العبد ويحبُّها منه :

 بالعكس أقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

 أبلغ من الإرادة ، أنت تريد شيئًا بحاجة إليه ، لكن أحياناً تحب هذا الشيء ، فبادئ ذي بدء :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

 الآية الثانية :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

 ولكن أحياناً :

(( تابوا فتاب الله عليهم ))

[أخرجه البزار عن أبي هريرة ]

3 – توبةُ الله على العبد قبولُه بَعْدَ الذنب :

 جاءت توبتهم قبل توبة الله عز وجل ، ما معنى التوبة من الله إذا جاءت بعد توبة العبد ؟ أي أنه قبل التوبة ،

(( تابوا فتاب الله عليهم ))

 إذا جاءت توبة الله بعد توبة العبد فمعناها أنه قبل هذه التوبة .
 لذلك ، إذا قال العبد : يا رب وهو راكع ، قال الله له : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو ساجد ، قال الله له : لبيك يا عبدي ، فإذا قال : يا رب وهو عاصٍ ، قال الله : لبيك ، ثم لبيك ، ثم لبيك .

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

4 – مهما عظُم الذنب فإن التوبة تمحوه :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الزمر )

 لو أن الذنوب ملأت السماء والأرض ، ثم جاء العبد ربه تائباً غفر الله له ما كان منه .
 لذلك ما مِن موقف أروع من وصف النبي عليه الصلاة والسلام لفرح الله عز وجل بتوبة عبده ، فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ ، فَأَيِسَ مِنْهَا ، فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا ، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[ مسلم ]

 فذكر لنا في الحديث أعرابياً كان يركب ناقة ليجتاز بها الصحراء ، أصابه التعب ، نزل ليستريح ، استراح قليلاً ، فأفاق فلم يجد الناقة ، أيقن أنه هالك لا محالة ، جلس يبكي ، ثم يبكي ، ثم يبكي حتى أدركه النعاس ، فنام قليلاً ، فاستيقظ فرأى الناقة ، اختل توازنه ، قال :

(( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّكَ ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

 نطق بالكفر دون أن يشعر ، من شدة فرحه ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته ))

 بل إن بعض الأحاديث تقول :

(( لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة بسند فيه ضعف ]

 وإذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض : أن هنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .
 وإذا تاب العبد توبة نصوحًا أنسى الله حافظيه ، والملائكة ، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه .
 لذلك الله عز وجل يريد أن يتوب علينا ، ويحب أن نتوب إليه ، يحبنا إذا تبنا إليه .
الأستاذ أحمد :
 ذكرتم الآن فضيلة أستاذنا التوبة النصوح ، وجعلتم للتوبة ميزة ، أو خاصية أن فيها توبة نصوحا ، ما شروط التوبة النصوح ؟
الدكتور راتب :

 

أركان التوبة :

 الحقيقة أن التوبة لها أركان ، أركانها ثلاثة ، علم ، وحال ، وعمل .
 لا بد مِن مثلٍ لكل ركن :

1 – العلمُ :

 ضغط الدم المرتفع ، هذا اسمه القاتل الصامت ، لأن أعراضه غير موجودة ، وقلّما يكون للضغط المرتفع أعراض ، لكنه فجأة يصيب الإنسان بالعمى أحياناً ، أو بخثرة في الدماغ ، أو بالشلل ، فتكون هي القاضية ، أقول : متى نعالج الضغط المرتفع ؟ بحالة واحدة ، حينما نعلم أن ضغطنا مرتفع .
 إذاً : ما لم تطلب العلم ، حتى تعرف ما الحلال ، وما الحرام ، ما ينبغي وما لا ينبغي .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا ـ من سَخَط الله ـ يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك ]

 القتَّات ؛ النمام لا يدخل الجنة ، فما لم نطلب العلم ، ما لم نتعرف إلى الحلال والحرام ، إلى الخير والشر ، إلى ما ينبغي وما لا ينبغي ، ما لم نطلب العلم فلن نعرف أخطاءنا .
 فلذلك طلب العلم شرط لأن يبدأ الإنسان بمشروع التوبة ، وأنا أقول دائماً : إذا طلب الإنسانُ العلم تأتيه القناعات ، كأن شهوته خمسة كيلو ، في كفة ، حضر خطبة ، عشرة غرامات ، خطبة ثانية ، سمع درسا ، قرأ كتابا ، سمع شريطا ، كلما ازدادت قناعاته بدأت الكفة الأولى كفة الإيمان تزيد ، فإذا بلغت قناعاته خمسة كيلوات دخل في الصراع ، أفعل لا أفعل ، فإذا أصبحت قناعاته أكبر بكثير من شهواته استقام على أمر الله .
 فلابد من طلب العلم حتى أكشف الخطأ ، وما لم أطلب العلم فلن أقتنع .
 مثلاً : أحيانا يكون الكسب غير مشروع ، أو علاقة ربوية ، أو علاقة آثمة ، أو لقاء آثم ، أو فرح غير إسلامي ، وهناك أعمال كثيرة تقطعنا عن الله عز وجل ، عن شعور وعن غير شعور .
الأستاذ أحمد :
 لذلك سيدنا عمر نهى من لم يتفقه في أمر السوق أن يبيع فيه .
الدكتور راتب :
 لأنه يأكل الربا شاء أم أبى ، إذاً : مِن أركان التوبة طلب العلم ، و أحد العلماء الاجتماعيين له كلام رائع جداً في علاقة الإنسان بالمحيط ، كإنسان دخل إلى بستان ، رأى أفعى ، هنا قانون : إدراك ، انفعال ، سلوك ، رأى أفعى أدرك أنها خطيرة ، ولدغتُها قاتلة ، لا بد من أن يضطرب ، علامة صحة إدراكه اضطرابه ، وعلامة صحة اضطرابه حركته ، فإما أن يقتلها ، وإما أن يهرب منها ، هذا قانون قطعي .

 

2 – الندم :

 علاقتي في الحياة مع ما حولي ، فقد يقع الإنسان بذنب ، إذا أدرك أنه وقع في ذنب فلا بد من أن يندم ، فإن لم يندم فإدراكه للذنب غير صحيح ، إنسان مالُه حرام ، ثم بقي عاديًا !!! فإدراكه غير صحيح .
 لو قلت لرجلٍ : على كتفك عقرب ، ثم بقي هادئاً ، متوازناً ، مبتسماً ، التفت نحوك ، وقال لك : جزاك الله خيراً على هذه النصيحة الثمينة ، وأرجو الله أن يمكِّنني أن أرد لك الجميل ، هل فهِمَ ما قلت له ؟ قطعاً لا ، لو فهم ما قلت له لخرج من جلده ، وخلع ثوبه ، ونفضه .
 إذاً : إن لم يكن هناك ندم فليس هناك إدراك للذنب ، لذلك ذنب المنافق كأنه ذبابة ، وذنب المؤمن كأنه جبل جاثم على ظهره .
 إذا صح إدراكه للذنب ، وعرف مع من أخطأ ، أخطأ مع خالق السماوات والأرض ، ولا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر على من اجترأت ، إذا أدرك أنه أخطأ ، وهذا الخطأ سيسبب له متاعب كثيرة في الدنيا والآخرة ، أخطأ مع العظيم ، لذلك الله عز وجل وصف أهل الدنيا الذي لم يقوَ إيمانهم ، يوم القيامة :

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة الحاقة )

 التركيز على العظيم ، آمن بالله إيماناً محدوداً ، لم يحمله إيمانه على الطاعة ، لكن لم يؤمن بالله العظيم :

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾

 فهذا المؤمن حينما يدرك حقيقة الذنب الذي وقع فيه ، إذاً يضطرب ، يتألم ، يبكي ، قال تعالى :

 

﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾

( سورة القيامة )

 إذاً : صحة الانفعال والندم دليل أن الإدراك للذنب ، وأن العلم به كان صحيحاً .
 بالمناسبة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( النَّدَمُ تَوْبَةٌ ))

[أخرجه ابن ماجه وأحمد ]

 قال شارحو الحديث : الندم لا بد له من علم هو سببُه ، ومن عملٍ عَقِبه ، جاء بعده ، كأن النبي أشار إلى أركان التوبة بشكل موجز .

 

3 – الإقلاع والإصلاح والعمل الصالح وعدم العودة :

 هذا الندم ، هذا الألم النفسي إلى ماذا يفضي ؟ يفضي إلى ثلاثة مواقف ، موقف متعلق بالماضي ، موقف متعلق بالحاضر ، موقف متعلق بالمستقبل ، أما الموقف المتعلق بالماضي فهو الإصلاح ، تكلم بكلمة ، يستسمح مِن الذي قالها فيه ، له دخل حرام يوقف هذا الدخل ، ويجعل ما مضى صدقة ، فأيُّ ذنب وقع في الماضي فلا بد من إصلاحه ، إذا كان متعلقاً بحقوق العباد ، إذاً : الإصلاح ، تابوا وآمنوا ، وعملوا الصالحات :

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة الأعراف )

 بعد التوبة ، والعمل الصالح ، وإصلاح الخطأ الذي ارتكب :

﴿ إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 هذه واحدة ، هذا موقف متعلق بالماضي ، الإصلاح ، أما الموقف المتعلق بالحاضر فهو الإقلاع الفوري عن الذنب ، أما الموقف المتعلق بالمستقبل أن يعقد العزيمة على ألا يعود إلى هذا الذنب ، هذه أركان التوبة .
الأستاذ أحمد :
 أركان التوبة ، علم ، وحال ، وعمل ، والعمل .
الدكتور راتب :
 والحال لا يصح إلا إذا صح الإدراك ، والعمل لا يصح إلا إذا صح الحال ، والعمل متفرع بين الماضي والحاضر والمستقبل ، في الماضي تصلح الخطأ ، وفي الحاضر تقلع عن الذنب ، وفي المستقبل تعزم على ألا تعود إليه .
الأستاذ أحمد :
 أستاذنا الكريم ، أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل من بني إسرائيل أنه قتل 99 نفساً ، ثم أراد التوبة ، وقصد رجلاً عالماً ، فسأله فقال له : وكيف يتوب الله عليك ؟ أو بما معناه ، فأكمل به المئة وقتله ، ثم عاد فندم ، وسأل آخر وقال : ومن أغلق باب التوبة أمامك ؟ باب التوبة مفتوح ، إلا أنه طلب من هذا الرجل أن يترك القوم والناس الذين معه ، وأن يغادر إلى قوم يعبدون الله عز وجل ، الشاهد ، أو محط حديثنا ، مسألة تكرار التوبة ، بعض الناس يخجل من الله عز وجل ، فيقول : أنا أذنبت فتبت ، ثم أذنبت فتبت ، حتى بتُّ أخجل من الله عز وجل ، فهل كلامه هذا منطقي ؟ أم نحضه على التوبة ولو تكررت ؟
الدكتور راتب :

 

تَكرارُ التوبة بتكرار الذنب :

 الحقيقة : ورد في بعض الآثار القدسية ، فعَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى :

(( يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي ، يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[الترمذي ]

وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ

 بل الله عز وجل يقول :

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة الأعراف الآية : 156 )

 أليس الإنسان شيئاً ، أليست ذنوبه التي بلغت الفضاء الكوني شيئًا ؟ كل شيء دون الله عز وجل :

﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

 لذلك :

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾

( سورة الزمر الآية : 53 )

 لا يقنط من رحمة الله إلا الكافر ، فلذلك باب التوبة مفتوح .

 

أثر البيئة صلاحًا وفسادًا في التوبة :

 ولكن الثاني الذي سُئل أرشد التائب إلى أن يغادر البلد الذي هو فيه ، هذا هو الفقيه ، ما دمت في بيئة فيها معاصي ، وآثام لن تتوب ، لا بد من أن تكون في بيئة صالحة ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

( سورة الكهف )

 إذاً : لا بد من أن تحاط بجو إيماني ، لا بد من أن تكون مع المؤمنين ، لا بد من أن تكون مع الصادقين ، هذا أحد شروط التوبة ، لذلك العالم الآخر كان فقيهاً حينما أنبأه أن الله يقبل توبته ، ولكن بشرط أن يغادر هذا المكان إلى مكان يعبد الله فيه .
الأستاذ أحمد :
 قوله تعالى :

 

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

( سورة النور الآية : 31 )

 تستوقفنا كلمة :

﴿ جَمِيعاً ﴾

 لماذا قال الله عز وجل :

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

الدكتور راتب :

 

استنباط من آيات قرآنية  :

1 – وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً

 بارك الله بك لهذا السؤال ، لا بد من مثل :
 أنت معك جهاز هاتف ، ولك خمسون صديقًا ، ليس مع أحدهم هذا الجهاز ، ما قيمة جهازك ؟ لا قيمة له إطلاقاً ، أما لو أن الخمسين معهم أجهزة كجهازك صار لجهازك قيمة .
 حينما أعيش في مجتمع مؤمن ، فيه صدق ، وأمانة ، ما فيه غش ، ولا كذب ، عندئذٍ ألمس بيدي نتائج منهج الله عز وجل ، حينما أعيش في مجتمع النساءُ فيه محتشمات ، ألمس منهج الله في احتشام المرأة ، أما حينما أعيش في مجتمع متفلت ، وأنا تائب مستقيم ، أجاهد نفسي ، لعلي أنجو ، ولكن لن أضع يدي على ثمار هذا المنهج العظيم .
 تصور مجتمع فيه صدق ، فيه أمانة ، فيه عفة ، هذا المجتمع في راحة كبيرة جداً ، فيه شعور بالنجاح ، وشعور بالود بينك وبين مَن حولك ، إذاً : كأن الله عز وجل يريد أن ينبئنا أنكم إذا أردتم أن تقطفوا ثمار هذا المنهج ، وأن تسعدوا به فلتكن توبتكم جميعاً .
 هناك صف مدرسي ، كل الطلاب فيه مجتهدون ، هناك تفوق ، وتنافس ، أما إذا كان معظم الطلاب كسالى جداً فهذا المجتهد تضعف همته ، أما إذا كان هناك تفوق فالمجتهدون يتفوقون ويحرصون على التفوق .

2 – الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً

 ملمح دقيق آخر ، قال تعالى :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

( سورة الملك الآية : 2 )

 كأن النجاح بديهي ، لكن الاختبار لترتيب الناجحين فقط ، أما الامتحان الذي أراده الله ليس فهو لفرز الناجحين عن الراسبين :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

 فكلمة :

﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

 إذا تبنا أفرادا فلعل الله يقبلنا ، لكن لن نقطف ثمارها إلا إذا تبنا جميعاً .

 

3 – تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا

 وفي بعض الآيات ملمح دقيق :

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

( سورة التوبة الآية : 118 )

 هذه آية عجيبة ، تابوا ، فتاب الله عليهم ، تابوا إلى الله فقبِل الله توبتهم ، لكن الآية :

﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾

 ساقَ لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة ، لذلك :

 

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 لذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فِي السَّلَاسِلِ ))

[أخرجه البخاري ]

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

 فباب التوبة مفتوح ، والموضوع كبير جداً ، لكن هو بكلمة مختصرة :
 أب عنده أولاد عدة ، معظمهم منضبط ، إلا ولد واحد منحرف ، وشارد ، وعاق ، قلب الأب عند هذا العاق ، فإذا رجع العاق إلى أبيه كانت فرحته لا توصف ، لذلك ورد في بعض الآثار : " لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم ، لتقطعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إلي ، هذه إرادتي في المعرضين فكيف بالمقبلين ؟ إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب " .
 الله عز وجل يريد أن يتوب علينا ، ويحبنا إذا تبنا إليه .
الأستاذ أحمد :

 

خاتمة وتوديع :

 أستاذ الكريم نشكر لكم عرضكم موضوعَ التوبة عرضاً لطيفاً ، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا من التوابين ، وأن يجعلنا من المتطهرين ، وأن لا يستبدل بنا قوماً آخرين ، فإننا نحبه ، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من أحبابك وأوليائك وعبادك الصالحين ، وإلى حلقة أخرى من موسوعة الأخلاق الإسلامية مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، نستودعكم الله .

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018