موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 22 - الرابط بين الأخلاق وبين التوحيد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 22 - الرابط بين الأخلاق وبين التوحيد


2008-02-22

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أعزائي المشاهدين يسرنا أن نلتقي بكم في حلقة جديدة من: "موسوعة الأخلاق الإسلامية"، لنكون بضيافة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، فأهلاً وسهلاً بكم دكتور.
الدكتور راتب:
 بكم أستاذ أحمد جزاكم الله خيراً.
الأستاذ أحمد:
 أكرمك الله، أستاذي الكريم ونحن نخوض عُباب بحر الأخلاق الإسلامية استوقفتني آيات من ذكر الله الحكيم، يقول فيها الله عز وجل:

﴿ ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم ]

 فبعد أن يرد الله عن رسوله صلى الله عليه وسلم الدعوات التي أكيلت عليه واتهمها، أنه عراف، وساحر، ومجنون، أتى ليثبت رسول الله صلى الله عليه وسلم على

﴿ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

 فرسول الله متجه اتجاه إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد والبلاد، لإقامة رسالة التوحيد، ويثبت الله عز وجل لنبيه أنه

﴿ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

 فما الرابط بين الأخلاق وبين التوحيد، وكلنا يعلم أن التوحيد هو أصل باب العقائد؟.

 

التوحيد كلمة الإسلام الأولى :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ أحمد، بادئ ذي بدء: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد كلمة الإسلام الأولى، وهو في حقيقته ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى أن الله وحده، هو المعطي، وهو المانع، هو الرافع، وهو الخافض، هو المعز، وهو المذل، هو الرازق، كل أحوال الإنسان منوطة بأفعال الله عز وجل، فحينما تتوحد الوجهة إلى الله عز وجل يكون العبد قد اقترب من التوحيد، سأوضح هذه الحقيقة بمثل: لو أنك أردت أن تسافر، وتحتاج إلى تأشيرة، ودخلت إلى دائرة الهجرة والجوازات، وقيل لك: إن الموافقة على هذا الجواز، وبهذا المكان بالذات من صلاحية المدير العام وحده، وفي هذا البناء آلاف الموظفين، فهل يمكن أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ إطلاقاً، وإلا التصرف أحمق.
 فحينما توقن يقيناً أن صلاحية الموافقة على السفر إلى هذا البلد منوطة بيد المدير العام وحده، إذاً لا تتضعضع أمام غيره، ولا تبذل ماء وجهك أمام غيره، بل تتجه مباشرة إلى من بيده الأمر، هذا مثل للتوضيح.

علاقة الإنسان مع الله فقط :

 أنت حينما توقن أن أمرك بيد الله، أن حياتك بيد الله، أن إنهاء الحياة بيد الله، أن الرزق بيد الله، أن الذين هم فوقك بيد الله، أن أعداءك بيد الله، أن من هم دونك بيد الله، أن أقرب الناس إليك بيد الله، حينما ترى أن الله سبحانه وتعالى:

﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 54 ]

﴿ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف ]

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

[ سورة الزخرف الآية: 84 ]

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ﴾

[ سورة فاطر الآية: 2 ]

 حينما توقن أن كل شؤون حياتك، وكل من حولك، وكل من فوقك، وكل من دونك، بيد الله عز وجل، إذاً أنت علاقتك مع الله، اعمل لوجه واحد تكفك الوجوه كلها.

(( من جعل الهموم هماً واحداً كفاه الله هم دنياه ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عمر ]

 علاقتك مع واحد إن أرضيته أرضى عنك الجميع، وإن أسخطه أسخط عنك الجميع، إن أقبلت عليه أنت في قمة السعادة، وقد تقول من أعماق نفسك: يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟

 

الإيمان الإبليسي إيمان لا يقدم و لا يؤخر :

 الحقيقة أستاذ أحمد، من السهولة بمكان أن تؤمن بالله خالقاً، هذا الإيمان آمن به إبليس.

﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾

[ سورة ص ]

 أن تقول إبليس قال:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص الآية: 82 ]

﴿ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة الأعراف ]

 أما أن ترى أن يد الله تعمل وحدها، وأنه لا إله إلا الله، لا رافع، ولا خافض، ولا معز، ولا مذل، ولا معطي، ولا مانع، ولا رازق إلا الله، إذاً كل أمرك متعلق به.

 

علاقة التوحيد بالأخلاق :

 تفضلت وسألت ما علاقة التوحيد بالأخلاق؟ أنت حينما ترى أن أمرك بيد الله لا تنافق لأحد، ولا تكذب، ولا تتضعضع أمام قوي، ولا أمام غني، أحد الأنبياء الكرام قال:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ﴾

[ سورة هود الآية: 55 ]

 متحدياً.

﴿ ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة هود ]

 إنسان أمام وحوش كاسرة، لكن هذه الوحوش مربوطة بأزمة قوية، بيد جهة عليمة، رحيمة، عادلة، فأنت علاقتك ليست مع الوحوش، بل مع من بيده أزمتها، فإن رضي الله عنك حجزها عنك، وإن أراد أن يؤدبك أطلق بعضها، فالبطولة أن ترى الفعال الحقيقي، البطولة أن ترى من بيده الأمر.
 لذلك أن تؤمن بالله خالقاً شيء، وأن تؤمن بالله واحداً، ومتصرفاً، وأن لا إله إلا الله، ولا شيء يقع في الكون إلا بأمره، لذلك أقول: كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 إذاً هذه المقولة على إيجازها يمكن أن تلقي ضوءاً على كل ما يجري في العالم.

 

المؤمن يرى أن أفعال الله كلها حكمة ورحمة وعدل :

 المؤمن متوازن، المؤمن يرى أن أفعال الله حكمة كلها، رحمة كلها، عدل كلها، مصلحة كلها، خير كلها، التوحيد مريح، والدليل أن معظم الأمراض النفسية تتأتى من الشرك، قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 أنت من خوف الفقر في فقر، من خوف المرض في مرض، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنا لا أصدق أن يصاب مؤمن بمرض نفسي، كيف يمرض؟ من بيده الأمر؟ ربنا، يسمعه، يناجيه، يدعوه، يرجوه، يبتهل إليه، هو معنا أينما كنا.
 مثلاً: هل من مصيبة على وجه الأرض عبر التاريخ أكبر من أن إنساناً يجد نفسه فجأة في بطن حوت، إنسان ضعيف، ماذا يفعل؟ سيدنا يونس دخل إلى بطن الحوت، فالتقمه الحوت، وكان في ثلاث ظلمات، ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت.

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء ]

 وانتهت القصة، الآن جاء التعقيب الذي قلبها إلى قانون قال:

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 هذه الآية إلى أبد الآبدين، هذه الآية لكل المؤمنين، في كل زمان، في كل مكان.

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

[ سورة طه ]

 أنت حينما ترى أنك بمعية الله تشعر بأنس دائم.

 

معية الله معيتان ؛ عامة و خاصة :

 ولكن لا بدّ من وقفة، معية الله معيتان، الله مع كل إنسان، يؤكد هذا قوله تعالى:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

[ سورة الحديد ]

 معكم بعلمه، أما إذا قال الله عز وجل: إن الله مع المؤمنين، مع الصادقين، هذه معية خاصة، أي معهم بالتوفيق، معهم بالتأييد، معهم بالحفظ، معهم بالنصر، المشكلة الأولى في العالم الإسلامية ضعف التوحيد، الإيمان بالله متوافر، بل إن إبليس بمعنى أو بآخر مؤمن، لأنه قال ربي:

﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

 أقرّ بالله، بالربوبية.
 ولكن حينما ترى أن الأمر كله بيد الله، فأنت موحد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، بل قالوا: نهاية العلم التوحيد، ونهاية العمل التقوى، فمن وحّد الله واتقاه حقق الهدف من وجوده، بل إن فحوى دعوة الأنبياء من دون استثناء توحيد وعبادة.

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء ]

 حينما تؤمن أن الإله واحد، وأنه لا بدّ من أن تنصاع له، فقد حققت الهدف الأكبر من وجودك في الدنيا.
الأستاذ أحمد:
 قول الله عز وجل:

﴿ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة الجمعة ]

 تعليم الآيات ثم التزكية، حبذا أستاذنا الكريم لو نعرف أقسام التوحيد وتفصيلاته.

 

أقسام التوحيد :

الدكتور راتب:
 الحقيقة أقسام التوحيد أن ترى أولاً أن المتصرف في الكون واحد، هذا توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية ترى أن أمرك كله بيد الله، لذلك التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، الإنسان أحياناً يتجه إلى الله، وإلى غير الله، هذا نوع من الشرك، أحياناً يعتقد أن الله فعال، وأن في الأرض أقوياء يفعلون، هذا نوع من الشرك، حينما تعتقد اعتقاداً جازماً أن الفعال هو الله، وتوحد الوجهة إلى الله، وتوحد الإخلاص لله، بين اعتقاد، وبين وجهة، وبين إخلاص هنا أقسام التوحيد، أو أنواع التوحيد، توحيد عقيدة، توحيد وجهة، توحيد إخلاص، فأنا حينما أوحد الله عز وجل أتجه إليه، ولا أتجه لغيره.
 النبي عليه الصلاة والسلام سأل أحد أصحابه وهو معاذ وكان رديفه على الدابة:

(( قال: يا معاذ ! هل تدري ما حقُّ الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، ـ سأله ثانية وثالثة بأسلوب المربي الحكيم ـ قال معاذ: فإن حقَّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، فسأله ثانية: قال: هل تدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ ـ سأله ثانية وثالثة ثم أعطاه الجواب الرائع ـ قال: ألا يعذِّبهم ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]

نعمة الأمن مختصة بالمؤمن وهي من ثمار التوحيد :

 لذلك هناك ما يسمى بالخلاص والسلامة، وهناك ما يسمى بالأمن، الفرق بينهما كبير، الإنسان قد لا يصاب بمكروه فهو في سلامة، لكنه مضطرب نفسياً، أما ألا يتوقع المكروه هذا أرقى من السلامة، هذه نعمة الأمن، قال تعالى:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام ]

 لم يقل الله عز وجل أولئك الأمن لهم، لو أن الآية كذلك لكان الأمن لهم ولغيرهم، أما

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 فيها القصر، والحصر، الأمن لهم وحدهم، لذلك لا يمكن أن ينعم إنسان بالأمن إلا إذا كان مؤمناً، بنص هذه الآية، لكن الذي خرج عن منهج الله، وكان قوياً وكان غنياً، ينعم بالرفاه، ينعم بالقوة، ولكن لا ينعم بالأمن.
 والدليل أن الإنسان حينما يشرك يقذف الله في قلبه الخوف.

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 151 ]

 من لوازم الشرك الرعب والخوف، ولو كان المرء قوياً، ولو كانت دولة قوية، من لوازم الشرك الرعب، من لوازم الإيمان الأمن، لذلك قال تعالى يمتن على عباده المؤمنين:

﴿ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴾

[ سورة قريش ]

 وحينما يغضب على أمة:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة النحل ]

 نعمة الأمن مختصة بالمؤمن، هذه من ثمار التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
الأستاذ أحمد:
 في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي بنى فيه الإسلام على خمسة أعمدة ومحاور، جعل الشهادة محوراً، وبقية العبادات محاور أخرى، لكن الذي يلفت النظر إلى ما أريد قوله أن الصلاة إقامتها تحتاج إلى مثابرة، وإلى مصابرة، وقال الله عز وجل:

﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾

[ سورة البقرة ]

 هذه الصلاة، أما الصوم فهو أيضاً فيه مجاهدة، أداء الزكاة فيه مكاسرة للنفس ومغالبة للهوى، والحج سفر وقطعة من العذاب، فما بال الشهادة والتوحيد قرنت مع هذه العبادات وهي كلمة تقال لكنها هي الحد الفاصل؟.

 

العبادات لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحّ التوحيد :

الدكتور راتب:
 لأن هذه العبادات لا تصح، ولا تقبل إلا إذا صحّ التوحيد، أنت حينما تدخل في الصلاة تقول: الله أكبر، أكبر من كل شيء، أكبر من كل قوي، أكبر من كل متجبر، أكبر من الدنيا، أكبر من شهوات الدنيا، لولا التوحيد لما انعقدت الصلاة.
 في الصيام يمتنع الإنسان عن سائر المفطرات، وعن كل معصية وإثم، لولا التوحيد لما امتنع، العبادات الشعائرية لا تصح إلا بالتوحيد، لماذا؟ لأن الإنسان حينما يؤمن بالله خالقاً، ومربياً، ومسيراً، وحينما يؤمن بالله موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وحينما يؤمن بالله، بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، الآن توحدت عقيدته، وتوحدت وجهته، وتوحدت نيته، كما شرحت قبل قليل أنواع التوحيد، فإذا صحّ توحيده صحت صلاته، وصيامه، وحجه، وزكاته، بل إن كل خلل في عقيدة الإنسان أو في سلوكه دليل على ضعف التوحيد، حينما يخاف الإنسان من جهة قوية يكون هذا الخوف بسبب ضعف التوحيد.
 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام وهو في غار ثور قال أبو بكر:

(( نظرتُ إِلى أقدام المشركين ونحن في الغار على رؤوسنا. فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

 أي إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟
الأستاذ أحمد:
 من تعريجك أستاذنا الكريم على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام كلنا يرى ويعلم أن القرآن الكريم منهاج كامل وهداية، وأن معلمنا الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي نستقي منه الترجمة الحرفية لتوجيهات القرآن الكريم، حبذا لو نسمع منكم شيئاً عن اصطباغ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعاني التوحيد، وهذا الخلق العظيم.

 

اصطباغ حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمعاني التوحيد :

الدكتور راتب:
 في طريق الهجرة أهدر دمه، ووضع مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وهو مع الصديق في الصحراء، احتمال القبض عليه، أو قتله كبير جداً، تبعه سراقة، القصة طويلة، لكن بالنهاية قال له: يا سراقة ! كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟ ـ أي إن صحّ أن للخط البياني للدعوة نهاية دنيا في أثناء الهجرة، كان الخط البياني للدعوة المحمدية في النهاية الدنيا ـ كأنه يقول: أنا سأصل سالماً، وسأؤسس دولة، وسأحارب أكبر دولتين في العالم، وسأنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوز كسرى، ولك يا سراقة سوار كسرى، لأنه يرى الله وحده، ولا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد.
 وهذا الإيمان يمنح المؤمن الطمأنينة والثقة، أحياناً نهزم من الداخل، والهزيمة من الداخل خطيرة جداً، أعظم هزيمة أن تتضعضع ثقتك بالله، أن تشعر بالكآبة، بالإحباط، أن المسلمين قد انتهوا، لا، أحياناً يسوق الله لعباده امتحاناً صعباً جداً يقوي الطرف الآخر، يقويه، يقويه، يقويه، إلى أن يتوهم ضعيف الإيمان أنه فعال لما يريد، لذلك يقول متى نصر الله؟ بل يقول أين الله؟ امتحان صعب جداً، والمسلمون الآن يمرون فيه، حتى يقول ضعيف الإيمان أين الله؟ ثم يظهر آياته، فتختل موازين القوى، حتى يقول عدو الإسلام: لا إله إلا الله.

التوحيد يعطي الإنسان قوة و ثقة :

 ألم يقل فرعون وهو يغرق:

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

[ سورة يونس الآية: 90 ]

 كان الامتحان امتحاناً صعباً جداً.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 179 ]

 لذلك في معركة الخندق مرّ الصحابة الكرام في امتحان صعب جداً.

﴿ إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾

[ سورة الأحزاب ]

 أحياناً معامل الإسمنت كل طبخة يصنع منها مكعبات، هذا المكعب يوضع في جهاز بسيط جداً، يمسك المكعب من أعلاه، وأسفله مرتبط بميزان، توضع الأثقال تباعاً في أي وزن انكسر هذا المكعب، هذه قوة تماسك هذه الطبخة.
 وكل مؤمن ينكسر بضغط معين، أو بإغراء معين، فكلما قوي توحيده أصبح ممتنعاً عن أن ينهار، التوحيد يعطي الإنسان قوة.

 

الصلح مع الله و الطاعة له ثمن النصر و الثبات :

 سيدنا يونس

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ ﴾

 النبي الكريم في الغار:

 

(( فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

 

 

سيدنا موسى:

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 أي احتمال النجاة صفر، فرعون بجيشه، بحقده، بقوته، بجبروته، بأتباعه، بجنوده، وراء شرذمة قليلة معها سيدنا موسى، والبحر أمامها،

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[ سورة الشعراء ]

 لذلك التوحيد يهب الإنسان قوة كبيرة جداً، يروي التاريخ أن سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه كان يواجه في آسيا خصومه، وكانوا ثلاثمئة ألف، ومعه ثلاثون ألفاً، فطلب المدد من سيدنا الصديق، فأرسل له رجلاً واحداً، هو القعقاع بن عمر، فقال له: أين المدد؟ قال: أنا، قال: أنت؟! قال: أنا، ومعه كتاب، فتح الكتاب يقول فيه الصديق: يا خالد ! والذي بعث محمداً بالحق إن جيشاً فيه القعقاع لا يهزم.
 فالإنسان بالتوحيد يغدو الواحد بألف، بمليون، ومن دون توحيد يغدو المليون بأف، لذلك حينما نبتعد عن التوحيد، ونؤله القوى الكبيرة، ونسترضيها على حساب ديننا، وننبطح أمامها تضعف هذه الأمة.
 لذلك التوحيد قوة، الله موجود، والأمر بيده، وهو الذي ينصر، فعلينا أن ندفع ثمن النصر، الصلح معه والطاعة له.

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد الآية: 11 ]

 وما من شيء يحتاجه المسلمون اليوم أكثر من التوحيد.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد:
 بإذن الله تعالى، اللهم إنا نسألك أن تثبت أقدامنا، وأن تنصرنا على القوم الكافرين، وأن تجعلنا أن يكون نصر الإسلام والمسلمين على أيدينا، وأن نكون موحدين لك حقّ التوحيد.
 في ختام هذه الحلقة لا يسعنا إلا أن نشكر فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، في كليات الشريعة وأصول الدين، فشكراً جزيلاً لكم.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018