موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 21 - خلق الشجاعة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 21 - خلق الشجاعة


2008-02-21

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين؛ محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه وسار على نهجه إلى يوم الدين.
 أيها الأخوة الأحباب! أيها الأعزاء المشاهدون! نرحب بكم في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم: "موسوعة الأخلاق الإسلامية" مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الأستاذ الكريم.
الدكتور راتب:
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الأستاذ أحمد:
 أستاذي الله عز وجل يقول في محكم تنزيله:

 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية: 216 ]

 ويوجه نبيه صلى الله عليه وسلم في آية أخرى فيقول له:

 

﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ﴾

 

[ سورة الأنفال الآية: 65 ]

 فهل هذا التحريض هو الشجاعة، نريد اليوم أن نتحدث وإياكم عن خلق الشجاعة فما هي طريقة استنبات وخلق مفهوم الشجاعة في نفوس الناس ؟.

 

سلوك الإنسان انعكاس لتصوراته :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ أحمد، لا يمكن أن نفصل بين أخلاق الإنسان وبين معتقداته، هناك علاقة متينة وشيجة بينهما، لأن سلوك الإنسان انعكاس لتصوراته، فالذي يؤمن بالآخرة يؤمن أنه مخلوق للآخرة، له سلوك، والذي يؤمن أنه مخلوق للدنيا فقط له سلوك، والدليل الله عز وجل يقول:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل ]

 هناك ترتيب معين بين هذه الكلمات، هو صدق أنه مخلوق للجنة، الحسنى هي الجنة:

 

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

 

[ سورة يونس الآية: 26 ]

 لأنه صدق أنه مخلوق للحسنى اتقى أن يعصي الله، فاستقامة المؤمن أساسها أنها بعض ثمن الجنة، إذاً يستقيم حرصاً منه على بلوغ الجنة،

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 أعطى بنى حياته على العطاء، لمجرد أن المؤمن نقل اهتماماته إلى الدار الآخرة، لأن هذه الحياة الدنيا أولاً قصيرة، وتنتهي بالموت، ولا يليق بعطاء الله عز وجل أن يكون منقطعاً بالموت، لو كنت أغنى الأغنياء، وأقوى الأقوياء، وانغمس الإنسان في كل شهوات الدنيا، ثم جاء الموت أنهى كل شيء، لأن الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ينهي وسامة الوسيم، ودمامة الدميم، ينهي صحة الصحيح، ومرض المريض، فالموت ينهي كل شيء، لا يليق بكرم الله وعطائه أن يكون محدوداً في الدنيا، فالمؤمن انطلق من أن الله سبحانه وتعالى خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض.

 

أفضل عمل يقوم به الإنسان أن يبذل حياته في سبيل الله :

 لذلك يحضنا دائماً ويقول:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾

[ سورة الضحى ]

 فلأن المؤمن آمن أنه مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض فيها:

(( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

﴿ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، مطلق العطاء، يعطي ماله، يعطي وقته، يعطي علمه، يعطي جاهه، يعطي حياته، لأنه آمن أنه مخلوق للجنة، فأعلى عمل يقوم به أن يبذل حياته في سبيل الله، وهذا المعنى لا يمكن أن يستوعبه الآن الطرف الآخر، هم عاشوا للدنيا، هذا النموذج

﴿ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

أي إنسان آمن بالدنيا يستغني عن طاعة الله لأن طاعة الله قيود له :

 هناك نموذج آخر:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل ]

 أي كذب أنه مخلوق للجنة، آمن بالدنيا، الدنيا هي كل شيء، هي منتهى آماله ومحط رحاله، لذلك أي إنسان آمن بالدنيا يستغني عن طاعة الله، لأن طاعة الله قيود له، وبنى مجده على الأخذ لا على العطاء، فلذلك

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ﴾

  كذب أنه مخلوق للجنة، وصدق أنه مخلوق للدنيا فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ.

 

أي عقيدة يعتقدها الإنسان تنعكس على سلوكه انعكاساً واضحاً :

 لذلك يمكن أن نجمع قمم البشر في زمرتين، أقوياء وأنبياء، الأنبياء لأنهم صدقوا بالحسنى أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء لأنهم كذبوا بالحسنى أخذوا ولم يعطوا، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي.
 أنا لا أستطيع أبداً أن أفصل سلوك الإنسان عن معتقده، فأي عقيدة تعتقدها لابدّ من أن تنعكس على سلوكك انعكاساً واضحاً، الإنسان أحياناً حينما يتوهم أن هناك شفاعة للنبي بالمفهوم الساذج لا يطيع الله عز وجل، أما يتجاهل قول النبي الكريم لابنته فاطمة:

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 لا يمكن أن نفرق بين سلوك الإنسان وبين معتقده، سلوك الإنسان انعكاس دقيق جداً لما يعتقد، فالمؤمن إذا اعتقد أنه مخلوق للجنة، طبعاً يكون شجاعاً، بل إن الجود بالنفس أقصى غاية الجود.

 

الشجاعة تنشأ من إيمان الإنسان اليقيني أنه مخلوق للجنة :

 الشجاعة تنشأ من إيمانك اليقيني الحتمي أنك مخلوق للجنة، وأن هذه الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك عادل.
 أما أن يكون التسابق في الدنيا تسابقاً أحمقاً، تصور مكاناً للتسابق، طريق طويل جداً ينتهي بحفرة سحيقة ما لها من قرار، فأول سيارة سقطت، والثانية سقطت، أي يجمع المال إلى أن يبلغ المليارات، يأتي الموت فينهي هذا المال، يبلغ أعلى منصب تأتي جلطة دماغية تجعله في سبات فينتهي هذا المنصب، ينجب أولاداً كثيرين يفتخر بهم يأتي الموت فيلغي هذه المتعة.
 فلذلك الإنسان لن يكون شجاعاً إلا إذا آمن بالله، واليوم الآخر، وما من ركنين من أركان الإيمان تلازما كالإيمان بالله واليوم الآخر.

قيمة الإنسان لا فيما يأخذ بل فيما يعطي :

 لذلك حينما تؤمن باليوم الآخر إن لم تنعكس مقاييسك مئة و ثمانين درجة فالإيمان باليوم الآخر فيه خلل، أنت حينما تؤمن بالآخرة تبني حياتك على العطاء، تسعد بالعطاء، تسعد ببذل الجهد، وحينما تؤمن بالدنيا فقط تبني حياتك على الأخذ، هناك تناقض بينهما، هناك إنسان يسعده العطاء، بل إن الإنسان قيمته لا فيما يأخذ بل فيما يعطي، لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم.
 إذاً مستحيل وألف ألف مستحيل أن تفهم خلقاً من دون أصل عقدي له، الشجاع مؤمن بالآخرة، بينما الجبان مؤمن بالدنيا.
 لهذا حينما تكون المعارك بين المؤمنين وبين غير المؤمنين نجد عند المؤمنين بطولات مذهلة، سببها الإيمان بالآخرة، بينما غير المؤمنين يحتمون بالدروع، يحتمون بالتقنية الحديثة، لكنهم ينهارون حينما يقاربون الموت.
 إذاً ملخص هذا الكلام: لا يمكن أن نفصل بين خلق ما وبين الأصل العقدي له، أنت حينما تؤمن بالآخرة تكون إنساناً آخر، وحينما تؤمن بالدنيا تستغني عن طاعة الله، وتبني حياتك على الأخذ، فلذلك بقدر طاعتنا لله نكون شجعاناً، وبقدر بعدنا عن الله نكون جبناء.
الأستاذ أحمد:
 أستاذي، الله عز وجل عندما يقول:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

 هذا هو مصداق قولك عندما تقول: إن الشجاعة لابدّ لها من الإيمان

﴿ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

الله عز وجل عنده من العطاء ما يفوق الدنيا وما فيها :

الدكتور راتب:
 الله عز وجل يقول:

﴿ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾

[ سورة إبراهيم الآية: 27 ]

 حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

 

[ سورة آل عمران ]

 نحن في الدنيا لو أن إنساناً في خصومة مع إنسان آخر على مبالغ فلكية مئات الملايين، ثم اكتشف فجأة أن هناك اجتهاد لمحكمة النقد، وهذا الاجتهاد لصالحه، فحينما يقرأ هذا الاجتهاد الذي لصالحه يختل توازنه من الفرح، يكاد يرقص، لماذا ؟ هي خمس كلمات بالتعبير الدارج حبر على ورق، لماذا أدخل هذا الحبر على الورق كل هذه السعادة إليه؟ لأن هذا كلام ملزم.
 الآن أنت عندما تقرأ القرآن الكريم يقول الله عز وجل:

 

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

[ سورة النحل الآية: 97 ]

 هذا كلام يملأ النفس طمأنينة، أما حينما يقول الله عز وجل:

 

﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾

[ سورة آل عمران ]

﴿ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف ]

 الله عز وجل أخبرك أن عندي من العطاء ما يفوق الدنيا وما فيها، فلذلك لن تجد شجاعاً حقيقة إلا إذا كان مؤمناً بالله، وباليوم الآخر، وهذه قوة الإنسان المقاوم، وضعف الإنسان المقاوم أنه مؤمن بالدنيا فقط، فلذلك يخاف عليها من هنا يظهر جبنه أحياناً.
الأستاذ أحمد:
 رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفه سيدنا أنس بن مالك فقال: كان أحسن الناس، وأشجع الناس، وأجود الناس، هل من مثال على شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتب السيرة ؟.

 

النبي الكريم جمع الكمال البشري كله لذلك هو سيد البشر :

الدكتور راتب:
 كنا إذا حمي الوطيس نلوذ برسول الله، كان أشجع أصحابه، مرة سمعوا خبراً أو حركة مريبة فانطلقوا من بيوتهم ليتفحصوا الخبر فإذا بالنبي قد سبقهم، ورجع وقال:

(( لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا ))

[ البخاري عن أنس ]

 بشكل عام كل إنسان له أخلاق معينة، لكن يتميز بخلق لكن النبي عليه الصلاة والسلام جمع كل الكمالات، الشجاعة، مع الكرم، مع الحكمة، مع الحلم، مع الرحمة، مع الصبر، لذلك النبي الكريم جمع الكمال البشري كله، لذلك هو سيد البشر، وقمة البشر، وقد أقسم الله بعمره الثمين، كان أشجع أصحابه.
 بالمناسبة أستاذ أحمد، إن لم تكن متفوقاً في كل الصفات لن تستطيع أن تخضع من حولك، لو فرضنا طبيب مستشفى، معلوماته محدودة، وعنده طبيب على مستوى علمي عال جداً، لن يستطيع هذا الطبيب ذو المعلومات المحدودة أن يهيمن على هذا العالم الكبير.
 ما لم يكن النبي عليه الصلاة والسلام قمة البشر في كل شيء، لن يكون في هذا المقام العلي.

 

الله تعالى متكفل أن يضع الإنسان في ظرف معين فيكشف حقيقته :

 إذاً قضية الشجاعة قضية مقطوع بها، لن تجد إنساناً بعيداً عن الله، مؤمناً بالدنيا، كافراً بالآخرة شجاعاً، لكن يدّعي الشجاعة.
 مثلاً المتنبي قال:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي  وأسمعت كلماتي من به صمــم
أنام ملء جفوني عن شواردها  ويسهر الخلق جراها ويخــتصم
الخيل و الليل والبيداء تعرفني  والسيف والرمح والقرطاس والقلم
***

 كلام هذا؟ و عندما واجه عدواً ولى هارباً، فقال له غلامه: ألست القائل: الخيل والليل ؟ قال له: قتلتني قتلك الله.
 الإنسان يتكلم كثيراً، أما العبرة بأن يأتي سلوكه مطابقاً لكلامه، فأنا سهل جداً أن أدّعي الشجاعة، أن أدّعي الكرم، لذلك أنا حينما أُقيّم الناس من أقوالهم أكون مخطئاً خطأً فادحاً، الإنسان لا يقيّم إلا من أفعاله، بل إن الله سبحانه وتعالى تكفل أن يحجم كل إنسان، تكلم ما شئت، تحدث عن شجاعتك، تحدث عن كرمك، الله عز وجل متكفل أن يضع الإنسان في ظرف معين، فيكشف حقيقته.

 

الإنسان حينما يكون على منهج الله الصحيح تأتي أقواله في مستوى أفعاله :

 لذلك أنا أخشى ما أخشاه أن يتباهى الإنسان بشيء، وليست الحقيقة بمستوى هذا الشيء، فالله عز وجل لابد من أن يكشفه، قال تعالى:

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 179 ]

 لذلك الإنسان حينما يكون على منهج الله الصحيح تأتي أقواله في مستوى أفعاله.
الأستاذ أحمد:
 من أمثلة شجاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً أنه عندما تحتد المعركة يقف على بغلته وينادي في أحد المعارك ويقول:

 

أنا النبي لا كذب  أنا ابن عبد المطلب
***

 وكأنه يشير إلى الكفار من أراد منكم النزال فليأت إليّ فأنا محمد.
الدكتور راتب:
 والذي قال: أين محمد لا نجوت إن نجا؟ فأبى النبي إلا أن يبارزه بنفسه فأمسك رمحه ووكزه وكزة فولى هارباً، ولى هارباً يصيح، فلما قيل له ماذا حصل ؟ قال: والله لو بصق علي لقتلني.
 أساساً لا يمكن أن يكون القائل إلا في أعلى مستوى ممن حوله، فصحابته قمم وهو على قمة القمم.
الأستاذ أحمد:
 عن أنواع الشجاعة وأمثلتها ما هي؟.

 

 

أنواع الشجاعة :

الدكتور راتب:
 والله أنا أعتب على بعض الناس حينما لا يفهم الشجاعة إلا في الحرب، هناك مئات المواقف في حياتنا اليومية تقتضي الشجاعة، الاعتراف بالخطأ شجاعة.
 بالمناسبة أستاذ أحمد، هناك فضيلة اسمها الرجوع إلى الحق، هذه الفضيلة لا يمكن أن تظهر من رسول الله، إنه معصوم، ولا يخطئ، لكن شاءت حكمة الله أن يظهرها عليه، فحجب عنه الموقع المناسب في بدر، حجبه عنه وحياً، واجتهاداً، وإلهاماً، لم يأته الوحي بالموقع المناسب، ولم يلهمه، ولم يجتهد، وكان الموقع غير مناسب، جاءه صحابي يذوب من الأدب، يكاد يقطر أدباً، قال: يا رسول الله ! هذا الموقع وحي أوحاه الله إليك؟ أي إذا كان كذلك لا أتكلم ولا كلمة، قال له: لا، بل هو الرأي والمشورة، قال: والله يا رسول الله ليس بموقع.
 نحن أحياناً لا يقبل شيخ عادي من تلميذه أن يراجعه أبداً، يسحقه، فالنبي عليه الصلاة والسلام بكل بساطة، وبكل طيب نفس، قال له: جزاك الله خيراً، وأمر أصحابه أن يتحولوا.
 مثلاً أن تعترف بالخطأ شجاعة، وأن تعتذر شجاعة، أحياناً الإنسان ببيته هو السيد، هو الذي لا يخطئ كما يوهم من حوله، يرتكب خطأ كبيراً، لا يعترف أبداً، أنا أقول: أنت حينما تقول لزوجتك: لقد أخطأت فسامحيني فأنت بطل، فالاعتذار شجاعة، الاعتراف بالخطأ شجاعة، أن تنطق بالحق أمام إنسان جائر شجاعة، النفاق سهل جداً، أما أن تقف موقفاً صحيحاً فهذه هي الشجاعة بعينها.
 لذلك الحسن البصري أدى مرة واجب العلماء في التبيين، فالحجاج غضب وقال لمن حوله: يا جبناء والله لأروينكم من دمه، وأمر بقتله، بكل بساطة، فجيء به ليقتل، والسياف واقف، والنطع قد مدّ، لما دخل الحسن البصري على مجلس الحجاج حرك شفتيه لم يفهم أحد ماذا قال، فإذا بالحجاج، هذا الإنسان الغاضب، الحاقد، يستقبله، ويقول: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يقربه، ويقربه حتى أجلسه على سريره، وسأله، واستفتاه، وضيفه، وعطره، وشيعه إلى باب مركز حكمه، السياف صعق، السياف جيء به ليقطع رأسه، الحاجب صعق، تبعه الحاجب، قال: يا أبا سعيد ! لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت بربك؟ قال له: قلت لربي لما رأيت السياف واقفاً وعلمت مصيري: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته علي برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
 المؤمن حينما يعتقد أن إنهاء حياة الإنسان بيد الواحد الديان، ولا يمكن أن تعطى هذه الصلاحية لغير الله تعالى، ولا يمكن أن تعطى هذه الصلاحية لإنسان، هذا ثمن الشجاعة أما حينما أرى أن مصيري بيد فلان، هو يميتني أو يحييني، هو يمنعني أو يعطيني، إذاً لا بد من النفاق، والانبطاح، والاستخذاء، والخضوع، والذل، لذلك:

((من دخل على غنى فتضعضع له ذهب ثلثا دينه))

[ شعب الإيمان عن ابن مسعود ]

ارتباط الشجاعة بالإيمان بالله و اليوم الآخر :

 أستاذ أحمد، لا يمكن أن تفهم مكارم الأخلاق إلا في ضوء العقيدة، من دون عقيدة كما ترى، نفاق مستشرٍ، خضوع، استخذاء، تذلل، أما حينما أرى أن الله بيده كل شيء، وأن حياتي بيده، ورزقي بيده، ولن يستطيع أحد أن ينهي حياتي، هذا ثمن الشجاعة.
 لذلك عندما وقف سعيد بن الزبير أمام الحجاج قال له: سأقتلك، فقال له: والله لو علمت أن حياتي بيدك لعبدتك، ولكن حياتي بيد الله، قال له: سأقتلك، قال: إذاً تفسد علي دنياي، وأفسد عليك آخرتك.
 أحياناً تجد الواحد كألف، وتجد الألف كأف، الشجاعة مرتبطة بالإيمان بالله واليوم الآخر.
 لذلك البطولات التي تظهر من المؤمنين، والتي يصعق لها الأقوياء من هذا القبيل.
 مرة إنسان دخل إلى فلسطين المحتلة بعهد موشي ديان، وعمل عملاً فدائياً كبيراً، فلما دخل وزير الدفاع إلى الكنيست قامت الدنيا ولم تقعد، يلومونه، فقال ببرود: ماذا أفعل بإنسان جاء ليموت؟ أنا أقصى ما أملكه من تهديد أن ألوح له بالقتل، هو أراد أن يموت مختاراً.
 هذا الذي لا يخشى على شيء أن يفقده يعلم علم اليقين أن بعد الحياة دار الآخرة فيها:

(( ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 هذا يكون شجاعاً، إذاً لا يمكن أن نفصل الشجاعة عن العقيدة.
الأستاذ أحمد:
 مصطلحات نسمعها وتتكرر على مسامعنا، الشجاعة، التهور، الجبن، ما الفرق بين المفردات الثلاثة ؟.

 

الشجاعة والتهور والجبن :

الدكتور راتب:
 أستاذ أحمد، دائماً الفضيلة وسط بين طرفين، الجبن مذموم، والتهور مذموم، ليس المخاطر محموداً ولو سلم، أنا حينما ألقي بنفسي بثمن بخس، أو بلا ثمن، وأتهور أنا لست شجاعاً، أنا أقول دائماً كما أن الأمة الإسلامية والعربية في أمس الحاجة إلى من يموت في سبيل الله، هي في أمس الحاجة أيضاً ألف مرة إلى شاب يعيش في سبيل الله، أنا أكبر الذي يموت في سبيل الله، بل أصغر أمامه، لكنني في أشد الحاجة إلى شاب يعيش في سبيل الله، يسهم في بناء أمته، هذا الشاب الذي دغدغ مشاعرنا حينما استشهد لساعة أو ساعتين، أو يوم أو يومين، لكننا فقدناه، فقدنا طاقة، فقدنا شاباً، أما أنا الآن أتمنى أن يعيش الشباب في سبيل الله، نحن بحاجة إلى هذا، وإلى هذا، ولكن من أجل بناء أمتنا نحن بحاجة إلى شاب يعيش في سبيل الله يتفوق باختصاصه، يضع اختصاصه في خدمة أمته.
الأستاذ أحمد:
 وذاك المضحي بنفسه والاستشهادي أليس أيضاً يضحي لبناء أمته ؟.
الدكتور راتب:
 طبعاً، لكن كل واحد له دور، نحن الأدوار تختلف، على كلٍّ كما تفضلت نحن بحاجة إلى شابين شاب يموت في سبيل الله، وشاب يعيش في سبيل الله.

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد:
 نسأل الله عز وجل أن يجعلنا خلفاء في الأرض فنعمر الأرض بالخير، والأمان، والإيمان بإذن الله عز وجل.
 في ختام هذه الحلقة نشكركم فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على ما أفدتمونا به من شرح لمفهوم الشجاعة، وأصله.
 وإلى أن نلقاكم أخواننا المشاهدين، وأخوتنا المشاهدات في حلقة أخرى من برنامجكم موسوعة الأخلاق الإسلامية، نستودعكم الله.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018