موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 20 - خلق الأدب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 20 - خلق الأدب


2008-02-20

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المجاهدين الصادق الوعد الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، سلام الله عليكم أيها الأخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات، نرحب بكم في حلقة جديدة من حلقات:" موسوعة الأخلاق الإسلامية" لنأخذ في هذه الحلقة خلقاً من الأخلاق جديد، نتناوله، نعرضه، نشرحه، ندلل عليه، مع فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية، في كليات الشريعة وأصول الدين، فأهلاً وسهلاً بكم أستاذنا الكريم:
الدكتور راتب:
 بكم أستاذ أحمد جزاكم الله خيراً.
الأستاذ أحمد:
 أتمنى أستاذي أن نتحدث اليوم وإياكم عن خلق يسمى الأدب، هل الأدب هو الخلق؟ وهل الخلق هو الأدب؟ إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:

(( اللهم حسن خلقي وخلقي ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

تعريف الأدب :

الدكتور راتب:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أستاذ أحمد، بادئ ذي بدء: الإنسان كائن متحرك، لماذا هو متحرك؟ لأن الله أودع فيه الشهوات، الشهوات دوافع، دافع إلى الطعام والشراب، دافع إلى الجنس، دافع إلى العلو في الأرض، هذه الشهوات تحركه، فهو كائن متحرك، لكن ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة نظيفة تسري خلالها.
 بشكل عام الأدب هو أن توقع حركتك ونشاطك في الأرض وفق منهج الله، فتلتزم فيما أمر، وتنتهي عما عنه نهى وزجر، أي أقواله، وأفعاله، وتصرفاته، ومواقفه تنم عن كمال عظيم في الإنسان، فالأدب عنوان لمجموعة لا تعد ولا تحصى من الفضائل جمعت في كلمة الأدب، لذلك:

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

[ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود ]

 والحقيقة أن الأدب هو الذي يشد الناس إليك، مرة طالبان في بريطانيا من سوريا لهم صديق بريطاني، يتحادثان باللغة العربية، فكلما دنا منهم تكلموا بالإنكليزية، هذا الموقف لفت نظره، سألهم مرة لماذا تفعلون هكذا؟ قال: لأن نبينا علمنا أننا إذا كنا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فنحن إن تكلمنا العربية أمامك نتناجى دونك، فلعل هذا يزعجك فهذا الموقف المؤدب من صديقين مسلمين لإنسان بريطاني كان سبب إسلامه.

 

الأدب خلق عظيم من كسب الإنسان :

 الأدب خلق رفيع، بل إن أخلاقاً عديدة تجتمع في كلمة الأدب، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام آتاه الله علماً، وآتاه حكمة، وآتاه ذاكرة.

﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴾

[ سورة الأعلى ]

 آتاه جمالاً، آتاه طلاقة لسان، آتاه بياناً، أي صفات النبي كلها في أعلى مستوى، ومع ذلك الذي يلفت النظر أن الله ما مدحه بها إطلاقاً، تماماً لو أنك أعطيت ابنك مركبة، لا يعقل أن تقيم حفلاً تكريمياً لابنك، وقد أعطيته هذه المركبة.
 هذه عطاءات من الله، تعد من وسائل الدعوة إليه، آتاه منظراً جميلاً، جمالاً، شكلاً رائعاً، آتاه بياناً، فصاحة، حكمة، علماً، فهماً، ذاكرة، ولكن الله مدحه بخلقه العظيم، فقال:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القلم ]

 هذا الخلق العظيم من كسب الإنسان، تصور صحابياً سُئل: "أيكما أكبر أنت أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله".
 امرأة تشكو زوجها، أهملها إهمالاً كلياً، جاءت سيدنا عمر تقول له: يا أمير المؤمنين، إن زوجي صوام قوام، في الليل قائم يصلي، وفي النهار صائم، فظن سيدنا عمر لعله منشغل بقضية أخرى، قال لها: بارك الله لك بزوجك، فقال له أحد الصحابة: يا أمير المؤمنين إنها تشكو زوجها"، انظر إلى هذه الشكوى الأديبة.
 امرأة أخرى جاءت النبي عليه الصلاة والسلام مبتذلة الهيئة، رقت لها السيدة عائشة، سألتها فإذا زوجها عثمان بن مظعون، صوام قوام، فأخبرت النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي أرشده إلى إعطاء لكل ذي حق حقه، في اليوم التالي جاءت متعطرة، نضرة بحال آخر، فلما سألتها السيدة عائشة عن الذي طرأ عليها، قالت بأدب جم: أصابنا ما أصاب الناس.

 

الحياء شيء أساسي في الدين وهو الأدب :

 أستاذ أحمد، أنا حينما أدرك جمال الأدب، مثلاً:

﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 43 ]

 آية قرآنية، يقرأها الطفل يفهم منها شيئاً بمستوى إدراكه، لا يفكر بشيء آخر، وضع يده على يدها،

﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾

﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾

[ سورة الأعراف الآية: 189 ]

 هناك من يقول: لا حياء في الدين، والله أنا أرى أن الدين كله حياء، الحياء شيء أساسي في الدين وهو الأدب.
 مرة عالم رأى طالب علم أمامه يتطاول عليه، قال له: يا بني نحن إلى قليل من أدبك أحوج منا إلى كثير من علمك.
 أحياناً الإنسان يصمت بدافع أدبه أمام أستاذه.
الأستاذ أحمد:
 لذلك قيل: "المرء بفضيلته لا بفصيلته، وبكماله لا بجماله، وبآدابه لا بثيابه"، لماذا فضل الناس الأدب على العلم؟ بل قالوا لكل طالب علم أراد أن يتعلم: "الأدب قبل العلم".

 

تفضيل الناس الأدب على العلم :

الدكتور راتب:
 العلم قد تأخذه من شريط، ومن قرص، ومن كتاب، لكن الأدب لا يكون إلا من الرجال، أنت حينما تصاحب الصالحين تأخذ من أدبهم أضعاف ما تأخذ من علمهم، لأن الأدب يقربك من الله عز وجل، ومن الناس معاً، فالمؤدب محبوب عند الله وعند الناس، أحياناً هناك كلمة نابية، نظرة مستعلية، غطرسة، استعلاء، سخرية، استهزاء، مثلاً: هناك مدرسون كثيرون إذا جاء السؤال سخيفاً صبّ على الطالب وابل سخريته، هذا الطالب الذي سأل سؤالاً مستفهماً منعه من السؤال، لن يعيد هذه التجربة، أما حينما تصغي إلى السائل، وتهتم بسؤاله ولو كان بالنسبة إليك سخيفاً لكن الطالب يسأل، فمن الأدب أن تحترم السائل.
 أنا أذكر قصة تروى كثيراً، لكن لها شاهد معاصر، قاض يجلس على قوس المحكمة، جاءته امرأة في أثناء وصولها إليه كان هناك درجة، صدر منها صوت مزعج جداً، مؤلم جداً، احتقن وجهها بالدم، لأنها رأت أنها سقطت من عين القاضي، فقالت لأختها: لعله سمعنا، فلما وصلت إليه قال: ما اسمك يا أختي؟ قالت له اسمها، قال: لم أسمع أنا سمعي ضعيف، فلما رفعت صوتها، قال: لم أسمع أيضاً، فقالت لأختها: معنى هذا لم يسمعنا، ما هذا الأدب!.
 هناك مواقف رائعة جداً، من معلم، من قاض، من مدير عام، من وزير، من صديق، فالمؤمن كلما اتصف بالكمال اتصف بالأدب، كلما كان شديد الصلة بالله كان متأدباً مع الآخرين، والذي يجلب الناس إليك أدبك قبل علمك.
الأستاذ أحمد:
 أستاذي قيل لا ميراث كالأدب، وكأنه هو الذي يأتي بالمال، وبكل الخير، فهل يكتسب الأدب اكتساباً أم يتعلم إن كان من الأب، أو من الأستاذ، هل هو مجموعة عادات يمكن تعلمها؟.

من كان شديد الصلة بالله اكتسب الكمال الحقيقي :

الدكتور راتب:
 سؤال لطيف جداً، مكارم الأخلاق إما أن تكون بسبب ذكاء حاد اجتماعي ـ الذكاء أنواع، ذكاء تحصيلي، إنسان قد يتابع دراسته إلى أعلى شهادة، وهو الأول على الجامعة، لكن في تصرفاته غير أديب إطلاقاً، هذا اسمه ذكاء تحصيلي، وهناك ذكاء فطري، و ذكاء اجتماعي ـ أنا أتصور أن الأدب من الذكاء الاجتماعي، فمن تمتع بقدرات عالية بذكائه الاجتماعي كان أديباً، لكن هذا الأدب يبتغي منه السمعة والدنيا، وأن يكون عالياً عند الناس، ومحبوباً لكي ينتزع بهذا الأدب إعجابهم.
 لكني أعتقد ثانية كشأني في بعض الحلقات أنه حينما تكون شديد الصلة بالله تكتسب الكمال الحقيقي، الضابط في التفريق بين الكمال الحقيقي والكمال الناتج عن الذكاء هو حينما تمس مصالحك، فحينما تُمَس مصالحك، أو تمس كرامتك، أو تُتحدى، أو تُستفز، فكل هذا الكمال الصنعي يزول، تماماً الكمال الصنعي كالمكياج على وجه امرأة دميمة يحسن وجهها، لكن الأدب الحقيقي الذي أساسه اتصال بالله هو الجمال الطبيعي، ولا شيء يعلو عليه.

الأدب هو الكمال في السّرّ والعلانية :

 لذلك المؤدب مؤدب في السر والعلانية، أحياناً أحاديث داخلية محدودة فيها كلمات بذيئة جداً، أما أمام الناس له كلام منضبط، الأدب هو الكمال في السر والعلانية، في الرضا والغضب، في الغنى والفقر، قبل المحنة وبعدها، وفي أثنائها، فمن كان أدبه أصيلاً أساسه اتصال بالله عز وجل، فهذا الأدب لا يتأثر بالظروف، لا بالظروف المعطاءة، ولا بالضيقة، بينما المؤدب كمكياج خارجي عندما تمس مصلحته، أو حينما يُستفز، يكون وقحاً بأشد أنواع الوقاحة.
الأستاذ أحمد:
 قال أحدهم: "الأدب صورة في العقل فصور عقلك كيف شئت"، رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( أدبني ربي فأحسن تأديبي ))

[ابن السمعاني في أدب الإملاء عن ابن مسعود ]

 تأديب الله للرسول صلى الله عليه وسلم هل هي خاصة له لنبوته ورسالته، أم منحة من الله لا يمكن أن تحل على أي من الناس؟.

 

الآيات المتعلقة بالنبي للمؤمن منها نصيب بقدر طاعته وإنابته :

الدكتور راتب:
 أنا أعتقد أن كل الآيات المتعلقة بالنبي عليه الصلاة والسلام للمؤمن منها نصيب بقدر طاعته، وإنابته، وإخلاصه، مثلاً:

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح ]

 رفع الذكر من خصوصيات النبي، وكل مؤمن بقدر إخلاصه يرفع الله له ذكره، فالأدب من صفات النبي، لكن أي مسلم اتصل بالله، واقتفى أثر النبي هو مؤدب، فالأدب درجات، أعلاها علم النبي.
 لكن للتقريب: هناك تعليمات مفصلة للنبي عليه الصلاة والسلام هي في مجموعها الأدب النبوي، أي إذا كنت تمشي في طريق سلّم على من هو جالس، إذا دخلت إلى مجلس اجلس حيث ينتهي بك المجلس، إذا ألقي عليك السلام عليك أن ترد السلام، هناك توجيهات كثيرة جداً، إذا كان الابن مع أبيه ينبغي ألا يمشي أمامه، وينبغي ألا يسبقه بالقول، وينبغي أن يحترمه، هناك توجيهات كثيرة طبعاً لا تتسع لها حلقة، توجيهات اجتماعية كثيرة جداً.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 11 ]

 إنسان أصيب بمصيبة، ينبغي ألا تشمت به، ينبغي أن تترفق بحاله، الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيّر ابتلي به، فهناك توجيهات كثيرة جداً للآباء، والأبناء، والزوجات، والأزواج، والمتعاملين، ولمن يجلس في الطريق، الأمر بغض البصر، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
 كان إذا دخل بيته لفّ ثوبه، كان إذا دخل بيته يبش بأهله، يقول: " أكرموا النساء فوالله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم".
 لا أستطيع بعجالة أن أسوق لك كل الآداب التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام لكل الفئات والأعمار.

(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ مع النَّبيِّينَ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 الجار المؤمن الذي يأمن جاره بوائقه مع النبيين، هناك أدب الجوار، أدب الحرفة، أدب الطريق، أدب البيت، أدب في العلاقات الزوجية، أدب مع الأبناء، أدب الأبناء مع الآباء.

 

الإدراك العام والكمال العام يدعوان الإنسان إلى أن يكون أديباً :

 نحن في إسلامنا كم كبير جداً من التوجيهات النبوية في الآداب، هذه توجيهات مكتوبة، بإمكانك أن تأخذ بها فتكون أديباً، أضيف إليها أنك باتصالك بالله المحكم، والصادق، والمخلص، تشتق كمالاً يجعلك تتصرف بهذه الآداب التي جاءت بها الأحاديث الشريفة بشكل عفوي، أنت معك توجيهات، ومعك إدراك عام، الإدراك العام والكمال العام يدعوك إلى أن تكون أديباً.
 مثلاً إنسان جالس مع أناس كبار، ليس من الأدب أن يمد رجله، ذوقه العام يمنعه أن يمد رجله، الآن لو إنسان درس السيرة، وقرأ من شمائل النبي أنه ما رئي ماداً رجليه قط، فصار الأدب إما أنه يؤخذ من الذوق العام، من كمال النفس، من اتصالها بالله، وإما أن يؤخذ من تعليمات مكتوبة، لكن المحصلة واحدة، سواء أنفذت التعليمات المكتوبة التي تعلمتها من حديث النبي الكريم، أو أملاها عليك ذوقك واتصالك بالله فالمؤدى واحد.
الأستاذ أحمد:
 ما ذكرتموه أستاذنا الكريم من أنواع للآداب إنما هي آداب بين الإنسان وبين بقية الناس من الخلق، لكن لا بد أن هناك أنواع للآداب إن كانت مع الله أو مع غيره، ما هي أنواع الآداب؟.

أنواع الآداب :

1 ـ الأدب مع الله عز وجل :

الدكتور راتب:
 الحقيقة الآداب الأولى مع الله عز وجل، الأدب مع الله أن تصون عملك من التقصير، أو المبالغة، أو الشرك، أحياناً المتنطع لا ظهراً أبقى، ولا أرضاً قطع، أحياناً هناك مبالغة في الطاعات إلى درجة تؤذي الآخرين، كان عليه الصلاة والسلام إذا صلى بالناس أخف الناس صلاة، هناك من يصلي ويطيل، فيؤذي من خلفه.
 إذاً العمل مع الله أن يكون وفق منهج رسول الله من دون زيادة، أو تقصير، هذه صيانة العمل مع الله هو من الأدب مع الله عز وجل.
 من الأدب مع الله أيضاً: أن يصون القلب من أن يلتفت إلى غير الله.

﴿ مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 4 ]

 حينما يمتلئ القلب حباً لله، وحينما يطلع الله عليه فلا يرى في قلبه إلا محبته، أما إذا رأى فيه شركاء، وحظوظ من الدنيا، وميول، وغرائز، وشهوات، وتوق إلى المعاصي، هذا الإنسان ليس متأدباً مع الله، أن يصون عمله من أن يكون فيه تقصير، أو فيه مبالغة، وأن يصون قلبه من غير الله عز وجل، هذا من الأدب مع الله عز وجل، ثم أن يصون إرادته أن تميل لغير الله، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، هذا هو الأدب مع الله.

 

2 ـ الأدب مع رسول الله :

 أما الأدب مع رسول الله: فألا تقدم بين يديه تشريعاً غير تشريعه، هناك من يقول: هذا الحديث لا يصلح لهذا الوقت، هو النبي بكل الأمكنة والأزمنة هو:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم ]

 فلمجرد أن ترد بعض توجيهاته، أو أن تقترح عليه اقتراحات نابعة من مصلحة، فأنت لم تكن متأدباً مع رسول الله.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

[ سورة الحجرات الآية: 1]

الأستاذ أحمد:
 لذلك وجدنا البعض يتطاول على أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام، وإذا ما قلنا له هذا الحديث ثبتت صحته في كتب الصحاح يقول: صحيح عندهم، ضعيف عندي، ضعفه لأنه قدم عقله على النقل الذي ورد إليه.
الدكتور راتب:

يقولون هذا عندنا غير جائز  فمن أنتم حتى يكون لكم عندُ
***

 هذا من سوء الأدب مع رسول الله، وقمة البشر في الكمال، هو مشرع، وشرعه ليس من بيئته، ولا من اجتهاده، ولا من معطياته، ولا من ثقافته، الشرع الذي جاء به النبي الكريم وحي يوحى:

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

 فمن سوء الأدب مع رسول الله أن تقلل من قيمة توجيهاته العامة، والاجتماعية، أو أن تردها، أو أن تقترح عليه شيئاً آخر ، هذا هو الأدب مع الرسول.

 

3 ـ الأدب مع المؤمنين :

 أما الأدب مع المؤمنين فأن تحبهم، وألا تسخر منهم، وألا تستعلي عليهم، وألا تشمت بهم، وألا تتمنى أن يصيبهم شيء لا يرضي الله عز وجل، هذا أدب مع المؤمنين.

4 ـ الأدب مع الخلق :

 أما الأدب مع الخلق أن تعطي كل ذي حقٍّ حقه، رأى النبي رجلاً يذبح شاة أمام أختها فغضب، فقال: هلا حجبتها عن أختها، أتريد أن تميتها مرتين؟.
 فهناك أدب مع الله، ومع رسوله، ومع المؤمنين، لا يغتب بعضكم بعضاً، المؤمن لا يغتاب أخاه، ولا يسخر منه، ولا يسفهه، ولا يتمنى أن يصيبه شر، كلها أحاديث كثيرة جداً لو قرأناها وتتبعناها لعرفنا مجمل آداب المؤمن مع أخوانه، الآن مع الخلق جميعاً.

5 ـ الأدب مع المخلوقات الأخرى :

 الآن مع الحيوانات.

(( فَإِذا قَتلتُم فأحسِنُوا القِتلة، وَإِذا ذَبحتُم فأحْسِنُوا الذَّبحَ، وليُحدَّ أحدُكم شَفرَته، ولْيُرِحْ ذبيحَته ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن شداد بن أوس ]

 إذاً هناك أدب مع الله، مع رسوله، مع المؤمنين، مع الخلق من بني البشر، مع المخلوقات الأخرى.

 

6 ـ الأدب مع الأم و الأب :

 هناك أدب مع الأم والأب.

﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾

[ سورة لقمان الآية: 15 ]

 لو تتبعنا القرآن والسنة لكنا أمام كمّ كبير جداً من الآداب مع كل الأطراف، وفي كل المستويات.
الأستاذ أحمد:
 بعض الآداب أستاذنا الكريم مثلاً آداب الطعام، أو آداب النوم، الإنسان ربما يكون نائماً وحده ومع ذلك يلتزم بسنن وآداب النوم، هذه الأبواب وهذه الفصول تندرج تحت أي نوع من أنواع الآداب؟.

 

خلق الأدب يدور مع الإنسان في كل أحواله :

الدكتور راتب:
 أستاذ أحمد، تصور مثلثاً، فيه أربعة خطوط عرضية، المثلث الأعلى العقيدة، والشبه المنحرف الثاني هو العبادات، والشبه المنحرف الثالث هو المعاملات، والشبه المنحرف الرابع الآداب، كما تفضلت آداب الإنسان في طعامه، آدابه في اغتساله، آدابه مع زوجته، آدابه مع أولاده، آدابه في هندامه، آدابه مع العالم، آدابه في المسجد، آدابه في العمل، آدابه مع زبائنه، هذا الموضوع خلق الأدب يدور مع الإنسان في كل أحواله، مثلاً خلق العفو منحصر مع من أساء إليك، أما خلق الأدب يشمل كل المراحل، وكل المناحي، وكل الأوقات، وكل الأزمان، وكل الأمصار، خلق واسع جداً أن تقف الموقف الكامل قولاً، وفعلاً، وموقفاً من الطرف الآخر.
الأستاذ أحمد:
 حُكي أن رجلاً تكلم أمام المأمون فأعجب المأمون بكلامه فقال له: ابن من أنت؟ فقال: ابن الأدب يا أمير المؤمنين، فقال: نعم النسب انتسبت إليه، أهذا يدل على أن الأدب مصدر لكثير من الأخلاق الجميلة، الآن رسول صلى الله عليه وسلم أمرنا ألا نرفع صوتنا فوق صوته عندما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بقربه، هل هذا باب من أبواب الأدب أيضاً مع رسول الله؟.

الأدب مع رسول الله مستمر في كل العصور :

الدكتور راتب:
 والله هذا الأدب الذي اختص به الصحابة الكرام لأنهم عاصروه، أنا أراه ينسحب على كل العصور، لا ترفع صوتك فوق رسول الله، لا تدلي برأي وتذيعه بين الناس وهو يخالف السنة، هذا من سوء الأدب، لا ترى أن لك رأياً يفوق رأي رسول الله، إذا أمر النبي بشيء ينبغي أن تكون متبعاً له.

﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾

[ سورة الأحزاب الآية: 36 ]

 مستحيل، إذاً الأدب مع رسول الله مستمر، لذلك:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33 ]

 الآية واضحة، لكن بعد موته ما معنى الآية؟ أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة في حياتهم، في بيوتهم، في أعمالهم، في كسب أموالهم، في إنفاق أموالهم، في أفراحهم، في أتراحهم، هم في مأمن من عذاب الله، إذاً ما يصيب الأمة الآن بسبب عدم اتباع منهج رسول الله

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

 نحن في بحبوحة طاعة رسول الله، في بحبوحة أخرى:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال الآية: 33 ]

 فإذا استغفرنا فنحن في مأمن آخر من الله عز وجل.

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد:
 ونفهم من كلامكم أن التقوى لله عز وجل تنبت الخشية والرقابة منه، وأن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ينبت السير على منهجه، اللهم اجعلنا من هؤلاء وهؤلاء، وإلى أن نلتقي بكم أخواني وأخواتي المشاهدين والمشاهدات في حلقة أخرى من حلقات موسوعة الأخلاق الإسلامية، نتقدم بالشكر الجزيل إلى فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، فجزاكم الله عنا خيراً.
 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018