موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 17 - خلق التوكل على الله - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 17 - خلق التوكل على الله


2008-02-17

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق ، وعلى آله أصحابه أجمعين ، أما بعد أيها الأخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات ، يسرنا أن نلتقي بكم في حلقة جديدة من حلقات : "موسوعة الأخلاق الإسلامية" ، بضيافة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، فأهلاً وسهلاً بكم دكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ أحمد جزاكم الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
 سيدي الكريم نتمنى لو نعرج اليوم على خلق جديد ألا وهو خلق التوكل على الله عز وجل ، وإن أول ما يستوقفنا في حديثنا اليوم قول الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

( سورة الطلاق )

 قوله تعالى :

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 فيها إشارة إلى معية عظيمة من الله عز وجل ، فهل للتوكل هذه القيمة الثمينة ؟ حبذا لو عرفت لنا التوكل ، وشرحت لنا عنه.

 

تعريف التوكل :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ أحمد ، بادئ ذي بدء : من تعريفات التوكل أنه : صدق القلب بالاعتماد على الله في جلب المنافع ، ودفع المكاره ، حسن الظن بالله ، الثقة بما عند الله ، واليأس مما في أيدي الناس ، هذه بعض تعريفات التوكل .
 ولكن ما من خلق من أخلاق المؤمن أسيء فهمه من معظم المسلمين كما أسيء فهم التوكل ، لأن التوكل محله القلب ، والأخذ بالأسباب من صفات الجوارح ، فإذا أصبح التوكل منوطاً بالجوارح ، والتواكل أصبح محله القلب ، فقد وقعنا في خطر كبير .

من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :

 لذلك حينما قال الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾

 بمعنى :

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾

( سورة النساء الآية : 81 )

 أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى ﴾

( سورة طه )

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

( سورة الشعراء )

 سيدنا يونس وهو في بطن الحوت ، والأمل بمنظور الناس في النجاة معدوم .

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، الله عز وجل القوي ، الغني ، الحكيم ، العليم ، يستجيب لك .

 

من أخذ بمنهج الله عز وجل فهو في رعايته و تأييده :

 لكن في قوله تعالى كما تفضلت

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 هذه الآية يمكن أن تكون في سياقها متعلقة بالطلاق ، بمعنى أنه من يتقِ الله في تطليق امرأته ، فيطلقها طلاقاً سنياً لا بدعياً

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 في إرجاعها ، أما لو نزعنا هذه الآية من سياقها أصبحت قانوناً ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في كسب ماله يجعل الله له مخرجاً من تلف ماله

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في تربية أولاده يجعل الله له مخرجاً من عقوقهم ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في اختيار زوجته يجعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجي ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 فيوحده يجعل الله له مخرجاً من الشرك الجلي أو الخفي ، يمكن أن تكتب حول هذه الآية مجلدات ، أي ما دمت تأخذ بمنهج الله فأنت في رعاية الله ، وفي مظلة الله ، وفي حفظ الله ، وفي تأييد الله .

 

الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء وفق نظام السببية كي تنتظم الحياة :

 لكن لا بد من التنويه إلى أن الله سبحانه وتعالى خلق الكون وفق نظام السببية ، جعل لكل شيء سبباً ، وأودع فينا عقلاً أساسه نظام السببية ، فعقلنا لا يفهم شيئاً إلا بالسبب .
 أنت لا تصدق أنك إذا أغلقت أبواب البيت ، وأطفأت الكهرباء ، وسافرت ، وليس أحد معه مفتاحاً إلا أنت ، رجعت إلى البيت فإذا فيه ضوء متألق ، لا يمكن أن تقبل إلا أن أحداً دخل إلى البيت .
 الإنسان في أصل تفكيره لا يقبل شيئاً من دون سبب ، والكون في أصل تنظيمه لكل شيء سبب ، لكن أحياناً يتوهم الإنسان أن السبب وحده خالق النتيجة ، السبب يترافق مع النتيجة ، أو يأتي قبل النتيجة ، ولكن خالق النتيجة هو الله ، لماذا النظام ؟ لماذا السببية ؟ كي تنتظم الحياة ، هناك قوانين ، هناك علاقة ثابتة ، حينما تنتظم الحياة وفق مبدأ السببية تصبح الحياة مقبولة ومعقولة .

من أخذ بالأسباب واعتمد عليها وقع في الشرك ومن لم يأخذ بها وقع في المعصية :

 لكن هؤلاء الذين توهموا أن الأسباب تخلق النتائج استغنوا عن الله ، هؤلاء يؤدبون إما بإلغاء الأسباب تأتي النتيجة بلا سبب ، مثالها : سيدنا عيسى خلق من دون أب، أو تعطل الأسباب ، شاب وشابة في ريعان الشباب لا ينجبان ، الأسباب موجودة والنتائج مفقودة ، أو الأسباب غير موجودة والنتائج موجودة ، هذا من أجل لفت النظر إلى أن الله هو الفعال ، لذلك من أخذ بالأسباب واعتمد عليها وقع في الشرك ، وهذا شأن العالم الغربي ، ومن لم يأخذ بها وقع في المعصية وهذا شأن الأمم التي لم تتعمق في دينها .
الأستاذ أحمد :
 ذكرت كلمة دكتور ، لمثلين واضحين صريحين ، بل صارخين لتعطيل الله عز وجل للأسباب ، أولهما إلقاء سيدنا إبراهيم في النار وكلنا يعلم أن النار تحرق ، وملموس هذا الأمر ، لكنها في يومها من قول الله عز وجل :

﴿ بَرْداً وَسَلَاماً ﴾

( سورة الأنبياء الآية : 69 )

 لم تحرق سيدنا إبراهيم ، والمثال الثاني أيضاً السكين التي لم تذبح بيد سيدنا إبراهيم ، وأيضاً هنا عطل الله عز وجل الأسباب .

 

على الإنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء :

الدكتور راتب :
 سيدنا إبراهيم حينما قال الله عز وجل :

﴿ يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 لو أن الآية كوني برداً لمات من شدة البرد ، قال

﴿ وَسَلَاماً ﴾

 ولو أن الله عز وجل قال : يا نار كوني برداً وسلاماً لتعطلت النار إلى يوم القيامة ،

﴿ عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾

 خصصها لهذه السورة .
 فحقيقة التوكل أستاذ أحمد ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، هذه بطولة ، سهل جداً أن تأخذ بالأسباب ، وأن تعتمد عليها ، وأن تؤلهها ، وسهل جداً بسذاجة وجهل ألا تأخذ بها ، وأن تتوكل على الله .
الأستاذ أحمد :
 كالذين استكبروا عن عبادة الله عز وجل وقالوا : أصل الكون أن المادة تخلق نفسها ، أي استكبروا عن عبادة الله .

 

أحد أكبر أسباب تخلف المسلمين أنهم فهموا التوكل فهماً غير صحيح :

الدكتور راتب :
 إذاً لا بد من أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، مثلاً : لو أن طريقاً ضيقاً عن يمينه وادٍ سحيق ، وعن يساره وادٍ سحيق ، إن أخذت بالأسباب ، واعتمدت عليها ، وألهتها ، واستغنيت عن الله عز وجل ، وقعت في وادي الشرك ، هذا شرك، وإن لم تأخذ بها إطلاقاً ، وتوكلت على الله بخلاف منهجه ، وقعت في وادي المعصية.
 لذلك أحد أكبر أسباب تخلف المسلمين أنهم فهموا التوكل فهماً غير صحيح ، جعلوا محله الجوارح ، بينما التوكل محله القلب ، إذاً أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء وأن نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 هناك حديث :

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))

[أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]

 أي أن استسلم للمصيبة ، أن أقول : أنا لا أستطيع ، هذا قدري ، انتهينا ، لن تقوم لنا قائمة ، هذا الموقف الانهزامي ، الاستسلام ، التطامن ، اليأس ، القنوط ، هذا موقف غير إيماني ،

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ))

 أن تستسلم ، أن تضعف ، أن تهون في نظر الناس .

(( ولكن عليكَ بالكَيْس ))

[أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]

 الكيس ؛ أن تسعى ، أن تأخذ بالأسباب ، أن تخطط ، أن تفكر ، أن تعد إعداداً علمياً ، لذلك يفهم الناس المؤمن إنساناً ساذجاً ، متواكلاً ، المؤمن عليه أن يأخذ بالأسباب أكثر ممن شرد عن الله ، ثم يتوكل على الله ، هذا هو الأدب مع الله .

 

التوحيد لا يلغي المسؤولية :

 لذلك :

(( إِن الله يَلُومُ على العَجْز ، ولكن عليكَ بالكَيْس ، فإِذا غَلَبَك أَمر ، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل ))

[أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ]

 حسبي الله ونعم الوكيل لا تقال إلا حينما آخذ بكل الأسباب ولا تحقق النتائج ، عندئذٍ أستسلم وأقول : حسبي الله ونعم الوكيل ، مثلاً : لو أن طالباً لم يدرس إطلاقاً فرسب فقال : حسبي الله ونعم الوكيل ، هذه مشيئة الله ، هذا كذب ودجل ، أما حينما يدرس الدراسة القصوى ، ويحول مرض بينه وبين أداء الامتحان ، هذا الموقف يقال فيه : حسبي الله ونعم الوكيل .
 أما نحن نفعل الخطأ بأيدينا ، ونسبب مشكلات بأيدينا ، فإذا جاءت النتائج المؤلمة نقول : حسبنا الله ونعم الوكيل ، هذا فهم ساذج ، وفهم سقيم ، بل فهم شيطاني ، والذي أخر المسلمون أنهم فهموا القضاء والقدر فهماً معكوساً ، الله عز وجل نبهنا فقال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ ﴾

( سورة النور الآية : 11 )

 ليس حديث الإفك شراً ، هناك حكمة بالغة ، يا ترى الذي روج هذا الحديث هل بإمكانه أن يحتج بالتوحيد ؟ تقول : أنا لم أفعل شيئاً ، هذه مشيئة الله ، قال :

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

( سورة النور )

 معنى ذلك أن التوحيد لا يلغي المسؤولية ، المشكلة ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، كما يأخذ بها الشارد ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، لكن ما الذي يحصل ؟
 لو أن طبيباً متفوقاً في جهاز الهضم يقع تحت تأثير وهم أنه لن يصاب بأمراض جهاز الهضم ، لأن هذه الأمراض اختصاصه ، وهو أدرى الناس بما ينبغي أن يفعل ، حينما تعتد بشيء وتنسى الخالق ، حينما تعتد بالسبب وتنسى أن الله خالق النتيجة ، أحياناً يؤدب هذا الإنسان بأن يصاب بمرض في جهازه الهضمي .
 مرة طبيب في بلاد بعيدة كان يؤكد أن الجري وحده يصون القلب ، كلامه صحيح ، وكلامه علمي ، وكلامه واقعي ، وكان يجري في اليوم عشرين كيلو متراً ، وألف كتباً ، وأقام ندوات ، وكان مثلاً أعلى في الجري ، مات وهو يجري في سن مبكرة جداً ، لا لأن الجري خطأ ، أبداً ، الجري صواب ، لكنه ألّه الجري .
 أي إنسان يؤله السبب يؤدب ، يجب أن تأخذ بالسبب و تتوكل على الله .

 

عظمة سيرة النبي أنها منهج لكل إنسان :

 أستاذ أحمد ، التطرف سهل ، أي أن تكون قاسياً جداً في معاملة ابنك قضية سهلة جداً ، وأن ترخي له الحبل قضية سهلة أيضاً ، لكن البطولة أن يحتار هو يحبك بقدر ما يخافك رغباً ورهباً ، فلذلك الأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم التوكل على الله وكأنها ليست بشيء .
 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يوم هاجر هل على وجه الأرض إنسان أحق بالنصر من رسول الله ؟ سيد الأنبياء والمرسلين ، ماذا فعل ؟ أولاً انسل خفية من مكة وتوجه نحو الساحل ، لأن المطاردة نحو الشرق ، وقبع في غار ثور ثلاثة أيام ، سيدنا علي كان مكانه في السرير ، الآن هيأ من يمحو الآثار ، هيأ من يأتيه بالأخبار ، هيأ من يأتيه بالزاد ، واختار دليلاً رجح فيه الخبرة على الولاء ، ما ترك ثغرة إلا وسدها ، ما ترك احتمالاً إلا وهيأ له جواباً ، ومع ذلك ـ هنا الدقة ـ أخذ بكل الأسباب تعبداً ، ومع ذلك اقتضت حكمة الله أن يصلوا إليه ، وصلوا إلى غار ثور ، لو كان النبي الكريم قد اعتمد على الأسباب لانهار في هذا الموقف ، لكنه اعتمد على الله ، أخذ بالأسباب تعبداً ، لكن اعتماده على الله ، فلما قال الصديق :

(( لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه . فقال : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

 عظمة سيرة النبي أنها منهج .
الأستاذ أحمد :
 وكان من الممكن أن ينتقل من مكة إلى المدينة مهاجراً كما أعرج به بالبراق .

 

أكبر سبب لتخلف المسلمين أنهم تركوا الأخذ بالأسباب وتواكلوا ولم يتوكلوا :

الدكتور راتب :
 أما سيدنا عمر هاجر نهاراً جهاراً ، هذا موقف شخصي ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام هاجر كما هاجر عمر لعدّ اقتحام الأخطار واجباً ، ولو عدّ أخذ الحيطة حراماً لهلكت أمته من بعده ، هو مشرع ، أما سيدنا عمر ممثل نفسه ، سيدنا عمر لا شيء أمام شجاعة النبي عليه الصلاة والسلام .
 إذاً نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ونتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج ، قال : من أنتم ؟ قال : نحن المتوكلون قال : كذبتم ، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله .
 سيدنا عمر رأى رجلاً أعرابياً معه جمل أجرب ، قال : يا أخا العرب ! ماذا تفعل بهذا الجمل الأجرب ؟ قال : أدعو الله أن يشفيه ، قال : يا أخي ! هلا جعلت مع الدعاء قطراناً .
 المسلمون حينما تركوا الأخذ بالأسباب أصبحوا في مؤخرة الأمم ، وأنا أضع يدي على جرحهم ، لعل أكبر سبب لتخلفهم أنهم تركوا الأخذ بالأسباب ، وتواكلوا ولم يتوكلوا ، وظنوا أن الله عز وجل يعطيهم وينصرهم من دون أخذ بالأسباب ، مع أن الله عز وجل يقول :

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية : 60 )

الأستاذ أحمد :
 صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الواحد منهم يقول : إني لأثق بما عند الله عز وجل أكثر من ثقتي مما في يدي ، مثل هذه المعاني لا أقول انمحت ، بل أقول ضعفت، قلت في زمننا ، بات المتوكلون قلة وهم ممن رحم ربي ، كيف يمكن أن نثمر وأن نكرس هذا المفهوم حتى نصل بمجموع الأمة الإسلامية إلى هذه الدرجة من اليقين ؟.

المسلمون اليوم ينتظرون معجزة من الله لانتصارهم وهذا وهم كبير إن لم يأخذوا بالأسباب :

الدكتور راتب :
 الأمة الآن أو بعضها ، أو معظمها ، تنتظر معجزة من الله ، وهذا وهم كبير ، الذين انتصروا في التاريخ الإسلامي لم ينتصروا وفق معجزات ، انتصروا وفق الأخذ بالأسباب ، صلاح الدين الأيوبي حينما انتصر على الفرنجة أخذ بالأسباب ، هيأ جيلاً مؤمناً ملتزماً ، أزال كل المنكرات ، وفق منهج الله ، ووفق سنن الله انتصر .
 فنحن ما لم نفهم التوكل هذا الفهم الصحيح الدقيق : " يا رسول الله أعقلها أم أتوكل ؟ قال : اعقل وتوكل" .
 والمسلمون حينما بلغوا أطراف الدنيا ، وحينما تألقت حضارتهم ، أخذوا بالأسباب، ونحن نعتمد على معجزة متوهمة تأتي فتنهي مشكلاتنا ، وهذا غير صحيح إطلاقاً.
الأستاذ أحمد :
 قول الله عز وجل أستاذي الكريم :

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾

 يجعلني أسألك سؤالاً بعض الناس يقولون لآخر قصدوه بخدمة : أعتمد على الله ثم عليك ، وتأتي تبعاً ، فهل في التوكل يجوز هذا الأمر أن أقول : توكلت على الله ثم عليك ، مع أن الله يقول

﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾

 كأن المسألة لا تقبل أبداً شريكاً ولا نداً ؟.

 

على الإنسان أن يعلم أن الله وحده هو الفعال وأن أمره هو النافذ :

الدكتور راتب :
 هي قضية نفسية ، أنت حينما تعتقد أن الله وحده هو الفعال ، وأن أمره هو النافذ، وأنه إذا أراد شيئاً أن يقول كن فيكون ، وأنه :

(( ما شاءَ اللهُ كانَ ، وما لم يشأْ لم يكن ))

[أخرجه أبو داود عن بعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم ]

 ثم تنطلق إلى الأخذ بالأسباب ، فتتجه إلى زيد من الناس ، تجعله سبباً ، لا تجعله فعالاً ، فإن أنت اعتقدت أنه سبب ، وأن الفعال هو الله ، وأن الله لو أراد أن يحقق هذا الهدف لألهمه أن يساعدني ، فإن اعتذر لحكمة بالغة أرادها الله ، أنت مع الله ، في إنجاز الهدف أو عدم إنجازه ، هذا شيء طبيعي ، ومشروع ، وكما كلفنا أن نأخذ بالأسباب ، أما حينما تذهب وتعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الإنسان الأمر بيده ، يوافق أو لا يوافق ، هذا هو الشرك ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي ـ أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ، لكن شهوة خفية ، وأعمال لغير الله ـ ))

[ أخرجه البزار عن عبد الرحمن بن غنم ]

 والشرك أخفى من دبيب النملة السمراء ، على الصخرة الصماء ، في الليلة الظلماء ، وأدناه أن تبغض على عدل ، وأن تحب على جور .
 أي إنسان نصحك بأدب ، هذا الذي نُصح أخذته العزة بالإثم ، أشرك نفسه مع الله، أبى أن ينتصح ، أو أن تحب إنساناً ظالماً ، لك منه منفعة ، أن تحب على جور ، أو أن تبغض على عدل ، هذا شرك ، الحالة الأولى أشركت نفسك مع الله ، وفي الثانية أشركت هذا الإنسان مع الله عز وجل ، لذلك :

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

( سورة يوسف )

الشرك الخفي :

 الخطر الآن لا تجد في العالم الإسلامي من يقول : هناك إله آخر ، إطلاقاً ، أما الخطورة في الشرك الخفي ، أنت حينما تعامل إنساناً كإله أنت لا تقول : هو إله ، إطلاقاً ، تقول: إنسان صديقي ، لك صديق قوي ، وأنت في أعماق أعماقك تعتقد أن سعادتك بيده وشقاءك بيده ، إن وافق أعطاك الدنيا ، وإن رفض حرمك الدنيا ، أنت حينما تعقد الآمال عليه وتنسى الله عز وجل ، تكون قد أشركت .
 لذلك في حنين ما الذي جعل أصحاب النبي وهم قمم البشر ، وفيهم سيد البشر لا ينتصرون ؟ لسبب عقائدي ، في أحد هناك سبب سلوكي ، في أحد عصوا ، فلما عصوا ، لو أنهم انتصروا لسقطت طاعة رسول الله ، أما في حنين لم يعصوا لكنهم اعتقدوا وهماً أنهم لن يغلبوا من قلة .

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

النبي الكريم في الهجرة أعطى أروع درس في التوكل :

 موضوع التوكل من أدق الموضوعات ، أنا أرجع سبب تخلف المسلمين أحياناً إلى فهم خاطئ للتوكل ، التوكل أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء ، التوكل سعي .
 النبي الكريم في الهجرة أعطى أروع درس في التوكل ، أخذ بالأسباب كلها واعتمد على الله بدليل لما وصلوا إليه قال :

(( يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

الأستاذ أحمد :
 لذلك قال الله عز وجل :

﴿ وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ ﴾

( سورة الذاريات )

 وهذا يذكرنا بسيدنا عمر بن الخطاب الذي ضرب بعصاه أحد الناس ممن يتواكلون وقال له : قم فإن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة .
الدكتور راتب :
 قبل أن نختم رجاء ، رأى النبي الكريم شاباً يعبد الله وقت العمل ، سأله من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد :
 نختم هذه الحلقة بهذا المثال الطيب من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم العطرة ، على أمل أن نلتقي معكم بخلق آخر من أخلاق موسوعة الأخلاق الإسلامية ، شاكرين فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن والسنة .

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018