أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 082 أ - اسم الله المالك 1 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 082 أ - اسم الله المالك 1


2008-05-10

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(المالك):

أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "المالك"، اسم الله " المالك".

ورود اسم المالك في القرآن الكريم و السنة النبوية:

اسم الله " المالك" ورد في القرآن الكريم مضافاً، وإن كانت الإضافة تحمل معنى الإطلاق في الملكية، ولكنه ورد أيضاً في السنة النبوية مطلقاً، فمن القرآن الكريم قوله تعالى:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

كل شيء يُملكه هو مالكه، أما المُلك مطلق هذا الاسم في مقابل الملكوت، فالملك يراد به عالم الشهادة غالباً، أو الحياة الدنيا بصفة عامة، والملكوت يراد به في الأعمّ الأغلب عالم الغيب أو عالم الآخرة، والله عز وجل مالك المُلك والملكوت، يعني مالك عالم الدنيا وعالم الآخرة، مالك عالم الشهادة، وعالم الغيب، هو رب العالمين الذي يملك عالم الغيب وعالم الشهادة بما فيهما، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 158 )

مُلك الدنيا والآخرة، مُلك عالم الغيب، وعالم الشهادة، فالمالك هو المنفرد لملكية الملك والملكوت، المُلك في الدنيا، والملكوت في الآخرة، المُلك عالم الشهادة، والملكوت عالم الغيب.

 

الحق سبحانه وتعالى مالك لعالم الغيب والشهادة وما فيهما:

الله سبحانه وتعالى أفرد نفسه بملكيته لعالم الملك، وأفرد نفسه بملكيته لعالم الغيب أو عالم الملكوت، قال تعالى:

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

( سورة الفاتحة )

مالك الدنيا، ومالك الآخرة، مالك عالم الشهادة، ومالك عالم الغيب.
الآن إذا كان الحق سبحانه وتعالى مالكاً لعالم الغيب والشهادة وما فيهما كما بينت الأدلة السابقة، فهو المالك إذاً على سبيل الإطلاق، أزلاً وأبداً.
وقد ثبت ذلك عند مسلم عن أبي هريرة حين ورد اسم " المالك" في الحديث الصحيح مطلقاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ أَخْنَعَ اسم عند الله ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

يعني إن أذلّ اسم، وأوضع اسم عند الله:

(( رجلٌ تَسَمَّى مَلِك الأمْلاك، لا مالك إِلا الله ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

"المالك" هو الله عز وجل، مالك عالم الغيب، وعالم الشهادة، مالك الملك والملكوت.

 

المالك في اللغة:

أيها الأخوة، "المالك" في اللغة اسم فاعل، الفعل ملك، يملك، فهو مالك، والله عز وجل مالك الأشياء كلها، مالكها ومصرفها، نحن في عالمنا، في عالم الإنسان قد تملك بيتاً، ولا تنتفع منه.
في بعض البلاد نظام إيجار ظالم، فالمستأجر هو المالك، أما الذي له ملك الرقبة لا ينتفع به، فقد تملك بيتاً ولا تنتفع به، وقد تنتفع ببيت ولا تملكه، وقد تنتفع بالبيت وتملكه لكن مصيره ليس إليك، صدر قرار تنظيم، قرار استملاك، ذهب البيت.
لكن ملكية الله جلّ جلاله ملكية مطلقة، مالك الملك، مالك كل شيء خلقاً، وتصرفاً، ومصيراً.
أحياناً دولة تصنع طائرة هي صنعتها، لكنها إذا باعتها إلى دولة أخرى الآن لا تملك التصرف بها، الدولة التي اشترت هذه الطائرة هي التي تملكها، فقد تطلقها لتقصف وتدمر، والدولة الصانعة مبدئياً لا علاقة لها بهذا القصف، صنعتها وباعتها، لكن الله سبحانه وتعالى مالك كل شيء:

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

( سورة الأنعام )

ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب والشهادة و للدنيا والآخرة ملكية مطلقة:

ملكية الله جلّ جلاله لعالم الغيب وعالم الشهادة للدنيا والآخرة ملكية مطلقة، إذاً مالك الأشياء كلها ومصرفها على إرادته، لا يمتنع عليه منها شيء، آلاف الأشياء قد نملكها ملكاً ظاهراً ولا نملك التصرف فيها، لأن مالك الشيء في كلام العرب هو المتصرف والقادر عليه.
وقد قرأ نافع وحمزة ملك يوم الدين، بغير ألف، وقد قرأ عاصم الكسائي

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

بألف وكلا القراءتين صحيحة، وقد رويت القراءتان عن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض الأئمة في الركعة الأولى يقول

﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ﴾

في الركعة الثانية يقول ملك يوم الدين.
والله عز وجل مالك المُلك، ملكه عن أصالة واستحقاق، لأنه الخالق ( أي معمل صنع هذه الآلة، مبدئياً هي ملكه لأنه صنعها )، لأنه الخالق الحي القيوم الوارث، علة استحقاق الملك أمران، الأول: صناعة الشيء و إنشاؤه واختراعه، فالعاقل يعلم عقلاً أن المخترع له براءة الاختراع، والمؤلف له حق الطبع والنشر.

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]

والله ما من تشريع حضاري، ما من تشريع يقلب الأرض القاحلة جنة كهذا التشريع.

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]

أرض جرداء حفر فيها بئر واستخرج ماءً، وشجّرها، وزرعها، وسورها، لو طبقنا هذا التشريع النبوي بشكل واسع لانقلبت بلادنا جنات خضراء، في بعض البلاد يعطون قرض المشروع الأخضر، يعطون قرضاً للكل، إنسان اختار أرضاً جرداء، وسورها، واستخرج منها الماء، وشجّرها، وجعلها جنة خضراء.

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]

فإذا كان لملوك الدنيا لا يمكن لأحدهم أن يؤسس ملكه بجهده منفرداً، فلابدّ له من ظهير، أو معين، سواء في أهله وقرابته، أو في حزبه، أو في جماعته، أو قبيلته، أو عشيرته، فالله سبحانه وتعالى هو المنفرد في الملكية حقيقة.

 

الله عزّ وَجَل لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ:

الله عز وجل لم يساعده أحد في إنشاء الخلق، ولا عاونه على استقرار الملك، أو يمسك معه السماء أن تقع على الأرض، قال سبحانه وتعالى:

﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأعراف )

وقال أيضاً:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

( سورة الكهف )

يعني نظريات فيها توهم لتاريخ البشرية لمئات آلاف السنين، يقول لك: الإنسان الحجري يستخدم الأحجار، الإنسان المتوحش، مع أن الله سبحانه وتعالى بدأ الخلق بنبي كريم، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر ))

[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد عن عبد الله بن عباس ]

بدأ البشرية بنبي كريم، وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين، أما في الموسوعات العلمية عندنا إنسان متوحش، إنسان حجري، يستخدم الأحجار كأدوات هذا من تخيلاتهم مثلاً: لو أن إنساناً اشترى محلاً تجارياً في الثلاثينات، اشتراه بمبلغ معين، جالس يتكلم مع أصدقائه بعد خمسين عاماً، قال: اشتريت هذا المحل بالمبلغ الفلاني، فله ابن ولد بالستينات، يقول له: لا بابا، المبلغ ليس كذلك، يقول له: هل كنت معي أنت ؟ اشتريت هذا المحل قبل أن تولد بعشرين عاماً، هل كنت معي ؟.

 

الله عز وجل بدأ البشرية بنبي كريم وأنهاها بسيد الأنبياء والمرسلين:

فكرة لطيفة، إلهنا وربنا بيّن لنا في الكتاب، في وحي السماء، أن البشر بدأهم بآدم، ونحن في جميع الموسوعات العلمية نؤكد لطلابنا هذا، وعندئذٍ يتمزقون بين كلام مدرس التربية الإسلامية، وبين كلام مدرس العلوم الطبيعية، الطفل أحياناً يتمزق حينما يرى تفسيرات متناقضة.
الحقيقة هناك سؤال دقيق جداً، مع أن نظرية دارون تحت الأقدام الآن، لا عند علماء المسلمين، لا والله، عند علماء الغرب، عند العلماء الذين آمنوا بهذه النظرية هم نقضوها نقضاً كلياً، وهناك أدلة قاطعة، أن هذه النظرية انتهت، لا عندنا كمسلمين، عندنا منتهية، انتهت عند علماء الغرب، لأن دارون قال: إن لم تثبت العلوم نظريتي فهي باطلة، دارون صاحب النظرية تنبأ ببطلانها، لأنه كان يتصور أن الفأرة تأتي من خرق بالية، وأن الدود يأتي من تفسخ اللحم، وأن الضفدع يأتي من الوحل، شيء مضحك، لو رجعتم لكتاب أصل الأنواع لدارون لا تملك إلا أن تضحك، شيء سخيف جداً.

تمسك الناس بنظرية دارون مع إثبات بطلانها:

لكن هناك نقطة دقيقة: ما دام المخلوقات تطورت، التطور يقتضي وجود مخلوق مرحلي، من سمكة، إلى زاحفة، إلى ديناصور، إلى، إلى، فنظرية دارون تقتضي أن هناك مخلوقاً مرحلياً، بعد اكتشاف المستحاثات، التي كُشفت قبل 530 مليون عام وجد أن معظم المخلوقات والحيوانات عن طريق الأحافير هي نفسها اليوم، العلم لم يثبت وجود مخلوق مرحلي، أن تخلق الضفدع من الوحل شيء مضحك، وأن يُخلق الدود من اللحم المتفسخ شيء مضحك، وأن تخلق الفأرة من الخرق البالية شيء مضحك، وأن لا توجد في تاريخ البشرية عن طريق المستحاثات مخلوقات مرحلية هذا يبطل هذه النظرية، هي نظرية باطلة، تحت الأقدام، بالدليل القطعي الذي ليس فيه كلمة واحدة من علماء المسلمين، من علماء الغرب الذين آمنوا بهذه النظرية.
السؤال: لماذا يتمسك الناس بهذه النظرية ؟ في العالم كله الآن، في المناهج والجامعات، في الموسوعات العلمية كلها، هناك سبب، لابدّ من التوضيح:
إنسانان أرادا شراء سيارة، أحدهما اشترى والثاني لم يشترِ، سرت إشاعة في البلد، أن هناك قانون يخفض الرسوم إلى النصف، الذي اشترى يكذب هذه الإشاعة من دون دليل، لأن تكذيبها يريحه، لأنه اشترى، والذي لم يشترِ يصدق هذه الإشاعة من دون دليل لأن التصديق يريحه.
فهناك حالات كثيرة جداً الإنسان يصدق أو يكذب من دون دليل، لأن التصديق ليس له علاقة بالواقع، له علاقة براحته النفسية.

منطق العالم اليوم أن يبني مجده على أنقاض الشعوب:

لذلك لا يوجد نظرية تريح الطغاة كنظرية دارون، ما في إله، ولا في حساب، ولا في عذاب، أيها الطاغية ابنِ مجدك على أنقاض الشعوب، دمر، اقتل، ما في شيء لا في آخرة، ولا في جنة، ولا في نار، ولا في إله يحاسب، والقوي يأكل الضعيف، والغني يأكل الفقير، وانتهى الأمر، هذا منطق العالم اليوم، منطق العالم أن تضربه حتى لا ينطق كما ترون مليون قتيل بالعراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، والعالم كله مرتاح لأنه لا أحد يؤمن أن هناك إله سيحاسب.

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر )

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم )

إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم:

ادعاء العالم اليوم بجامعاته، ومؤسساته، وموسوعاته العلمية أن الإنسان تطور من كائن وحيد الخلية، إلى إنسان معقد هذا الإيمان يريح المتفلتين، الآن مثلاً:
حتى الإنسان الذي يبيع المواد المغشوشة، ويحقق أرباحاً طائلة يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، حضر درساً فالمتكلم بهذا الدرس قال:

(( شفاعتي لأهل الكبائر مِنّ أمَّتي ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ]

الحديث صحيح لكن له تفسير دقيق جداً، هو أخذه على ظاهره مريح جداً الحديث.

(( لَوْلا أنَّكم تُذْنِبُون لذَهَبَ الله بِكُم، وخلق خَلْقا يُذْنِبُون ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي أيوب ]

هناك نصوص مريحة جداً، تجد الجاهل يتمسك بها، يتمسك بها ويؤذي الناس فكل إنسان دون أن يشعر يحتاج إلى غطاء إيديولوجي، أوسع غطاء إيديولوجي للجريمة الإلحاد، ما في إله.
لذلك إيمان العالم اليوم بنظرية دارون مع أنها باطلة، ومع أنها ركلت بالأقدام، وعلى أنها تحت الأقدام، ليس إيماناً حقيقياً لكنه إيمان يريحهم، هذا تفسير لماذا يتمسك العالم اليوم بهذه النظرية.
لكنني مرة قلت لطلابي: يا بني أنا مؤخراً آمنت بهذه النظرية، لكنها معكوسة كان إنساناً فأصبح قرداً، ما معنى قرد ؟ همه بطنه، ما معنى خنزير ؟ همه فرجه، فالإنسان اليوم مُسخ إلى قرد وخنزير، همه بطنه، وهمه فرجه، هذا الإنسان ليس فيه قيم.
كنت أقول من باب الطرفة: الحياة من دون قيم لا تعاش، الآن الحياة من دون مكيف لا تعاش، لأنه ما عاد في قيم إطلاقاً، الذي يجري في العالم شريعة الغاب، القوي يأكل الضعيف، لا في حق، ولا في منطق، ولا في قيمة، ولا في شيء، هناك سيناريو متقن أو غير متقن، هناك صفقة كبيرة أو غير كبيرة.

 

علة الخلق وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء:

أيها الأخوة، الآية تقول:

﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾

و النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))

[ البخاري عن عمران بن الحصين]

كان تامة باللغة، نحن كان فعل ماض ناقص، معنى فعل ماض ناقص تربط التركيب إلى زمن معين، نافية معنى الحدث، الجو ممطر، هذا مسند ومسند إليه، مبتدأ وخبر، تقول: كان الجو ممطراً، فكان لم تعطِ معنى الحدث، أعطت معنى الزمن فقط، إذاً هي فعل ماض ناقص، لكن تأتي كان أحياناً تامة، فعل ماض تام، كان الله بمعنى وجد الله ولم يكن معه شيء.

(( اتق الله حيث كنت ))

[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي ذر ]

نعرب كنت فعل ماض تام مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، هنا:

(( كانَ اللَّهُ ولم يكن شيءٌ قَبْلَهُ ))

[ البخاري عن عمران بن الحصين]

(( وكان عَرْشُهُ على الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السماوات والأرضَ، وَكَتبَ فِي الذِّكرِ كُلَّ شيء ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عمران بن الحصين ]

العلة الثانية لأن الله ملك كل شيء في عالم الشهادة والغيب، دوام الحياة علة أخرى لاستحقاق الملك، لأن الموت يوجب انتقال الملكية من جهة إلى جهة، الله عز وجل حيّ باق على الدوام، الوارث الباقي بعد فناء خلقه، فعلة الخلق، وعلة دوام الحياة علتان كبيرتان توجبان أن الله مالك كل شيء، أزلاً وأبداً، دنيا وآخرة، شهادة وغيباً.

 

من كان مع مالك الملك كان في أمن و بحبوحة:

ومعلوم أيها الأخوة، أن كل من على الأرض ميت، كما قال تعالى:

﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

وقوله أيضاً:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾

( سورة العنكبوت )

ولما كانت الحياة وصفاً لذات الله عز وجل فالله عز وجل يقول:

﴿ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾

( سورة غافر )

فإذا كنت أنت مع مالك المُلك، مع مالك الدنيا والآخرة، كنت في أمنٍ وبحبوحة، إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك، والآية التي قرأناها في دروس سابقة:

﴿ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران )

التوحيد يمنح الإنسان العزة و الشجاعة و الراحة النفسية:

أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن أن الله مالك المُلك، مالك الدنيا والآخرة، مالك عالم الغيب وعالم الشهادة، مصيرك إليه، وأمرك إليه، بيده رزقك، بيده حياتك، بيده التوفيق، بيده النصر، بيده النجاح، بيده التفوق، بيده السعادة، بيده الرضا، بيده كل شيء، هذا هو التوحيد، وهذه الكلمة أرددها كثيراً: ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

أحد أكبر أسباب العذاب النفسي أن تتوهم أن مع الله إلهاً آخر، التوحيد يعطيك الراحة النفسية، التوحيد يعطيك الشجاعة، التوحيد يعطيك عزة النفس، التوحيد يبعدك عن أن تستجدي مديح الناس، التوحيد يجعلك متماسكاً، التوحيد يجعلك عزيزاً.

اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

أفعال الله عز وجل:

أيها الأخوة، الإيمان له منعكس مريح جداً، لذلك:

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 26 )

ما قال والشر، لأن إيتاء الملك خير، ونزعه خير، الإعزاز خير، والإذلال خير، لأن الله جل جلاله يذل ليعز، ويأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي، ويخفض ليرفع، ويضر لينفع، هكذا أفعال الله عز وجل:

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له، وليس ذلك لغير المؤمن ))

[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018