أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 080 ب - اسم الله القابض 2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 080 ب - اسم الله القابض 2


2008-05-03

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أسماء الله الحسنى:(القابض):

أيها الأخوة الأكارم، لازلنا في اسم "القابض".

على كل إنسان أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء:

اسم "القابض" قد يعطي معنى التوحيد، بعمق شديد، كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(( اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت ولا مباعد لما قربت، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتني، ومن شر ما باعدت عني ))

[ أخرجه أبو داود الطيالسي عن أُبيّ بن كعب ]

أحياناً يمنع عنك، فالمنع عطاء، وأحياناً يعطيك، والعطاء بلاء، لذلك ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، أحياناً يعطي الإنسان من الدنيا فتبعد عنه رحمة الله ، وأحياناً يمنع إنساناً من الدنيا فتأتيه رحمة الله.

﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 216 )

أحياناً تأتي الدنيا من كل أبوابها، هذه الدنيا تغر، وتضر، وتمر، وتكون حجاباً كثيفاً بين العبد وربه، وأحياناً تأتي الضغوط، تأتي المشكلات، يأتي التضييق، تأتي الشدة ، فيكون هذا باعثاً إلى أبواب الله، باعثاً إلى عبادة الله، باعثاً إلى الصلح مع الله، فالمؤمن يستسلم للقضاء والقدر، والقضاء والقدر نظام التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، يستسلم بعد أن يأخذ بكل الأسباب، فإذا أخذ بكل الأسباب، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، أخذ بكل الأسباب ووصلوا إليه، إلى غار ثور، فلما وصلوا إليه استسلم، وقال:

(( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

يعني خذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء.

(( ولكل شيء حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ]

(( فلا تَقُل: لو أنَّي فعلتُ لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّر الله وما شاءَ فَعَل فإن ' لو ' تفتحُ عَمَلَ الشيطان ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

المصيبة الكبيرة أن يفتن الإنسان بالدنيا ثم يقبض وهو مفتون:

إذاً:

(( لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لمن أضللت، ولا مضل لمن هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما بعدت، ولا مباعد لما قربت، اللهم إني أعوذ بك من شر ما أعطيتني ))

[ أخرجه أبو داود الطيالسي عن أُبيّ بن كعب ]

قد يعطي الدنيا فتبتعد عنا رحمة الله، وشر ما منعت عنا، وقد يمنعنا من الدنيا وقد نقع في اليأس، وسوء الظن بالله، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول:

(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ))

[الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً]

المصيبة الكبيرة أن يفتن الإنسان بالدنيا ثم يقبض وهو مفتون.
أعرف صاحب مطعم يبيع الخمر من ربع قرن، ثم تاب، وذهب إلى الحج ، فلما عاد انخفضت المبيعات انخفاضاً مريعاً، فعاد إلى بيع الخمر، وبعد عشرة أيام قبضه الله عز وجل، قُبض مفتوناً بالدنيا.

 

التطبيق العملي لاسم القابض:

أيها الأخوة، اسم "القابض" ما تطبيقه العملي ؟ هناك حقيقة دقيقة هو أن الشيء الذي منعت عنه، الذي منعك عنه أصلاً هو الله، ثم خلق الأسباب كي يبتعد عنك، هناك منع أولي من قبل الله عز وجل، ثم في تنفيذ لهذا المنع، فأنت كمؤمن تؤمن بالقابض والباسط، لا تحقد على من حرمك، ولا تشكر من أعطاك، المعطي هو الله عز وجل، والذي منعك هو الله، ولكن الله أمرك إذا ساق لك خيراً على يد إنسان أن تشكر الله أولاً، ومن الأدب الذي ألزمك به النبي أن تشكر هذا الإنسان، فأنت حينما تشكر إنساناً لأن النبي أمرك بذلك، أما الذي أعطى حقيقة هو الله، المعطي الأول هو الله، وألهم هذا أن يعطيك، فأنت في الحقيقة يمتلئ قلبك امتناناً لله عز وجل، الذي أعطاك على يد فلان، تشكره كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، هذا هو الأدب، هناك أشخاص عندهم غلظة وفظاظة، أنا لا أحد له فضل عليّ، الله أمرك أن تكون شكوراً للناس، هذا بينك وبين الله، يا رب أنت المعطي، الفضل لك، أنا لولا عطاؤك ما كنت شيئاً.
أما أمام إنسان ساهم بحل مشكلتك، قل له أنا أشكرك لا أنسى لك هذا الفضل ، التوحيد لا يتناقض مع الأدب مع الناس.
لذلك المؤمن لا يحمد أحداً على ما أعطاه الله، ولا يذمه على ما منع الله، ولكن الأدب أشكر من ساق الله الخير على يديه، وأن تذم من بخل لأن الله عز وجل قال:

﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ﴾

( سورة الحديد )

وقال تعالى:

﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران )

التوحيد يبعد الإنسان عن الحقد و النفاق:

أيها الأخوة، التوحيد يبعدك عن الحقد، لا تحقد ولا تنافق، التوحيد يعطيك شخصية قوية، علاقتك مع الله.

(( اجعل الهموم هماً واحداً يكفك الهموم كلها ))

[ورد في الأثر]

لذلك الله عز وجل وكل ملكين ينزلان من السماء، أحدهما يدعو لكل منفق والآخر يدعو على كل ممسك:

(( مَا مِنْ يوم يُصبِحُ فيه العبادُ إلا مَلَكانِ يَنْزِلان، يقول أحدُهما: اللهم أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

والله أسمع قصصاً يقشعر لها جسم الإنسان، ينفق، ينفق، ينفق، فجمع الله له هذا الإنفاق، ورزقه رزقاً ببساطة ما بعدها بساطة، والله مئة ضعف عما أنفق، وأنا أقول لكم: الذي يشدك إلى الله ليس أن الدين أعطى تفسيراً عميقاً، ودقيقاً، ومتماسكاً، للحياة والإنسان، ولكن الذي يشدك إلى الله معاملة الله لك.

(( اللهم أعْطِ مُنْفِقا خَلَفا، ويقول الآخر: اللهم أعْطِ مُمْسِكا تَلَفا ))

[ البخاري عن أبي هريرة]

حسن التوكل على الله من آثار الإيمان باسم القابض:

الآن حسن التوكل على الله من آثار الإيمان باسم "القابض".
أخوانا الكرام، الله عز وجل ثبت ملايين، ملايين، ملايين القوانين، أراحنا، الحياة منتظمة، هناك استقرار، هناك قوانين، الدوران ثابت، هل هناك يوم في احتمال ما في شمس ؟ لا ما في دعاء الشروق، هناك دعاء السقيا، الدوران ثابت، الخصائص ثابتة، الحديد حديد، والذهب ذهب، الفضة فضة، البذور بذور، أقول لكم ولا أبالغ ملايين، ملايين القوانين ثابتة، انتظمت الحياة، لكن حرك قانون الصحة، وقانون الرزق، هذان متحركان ليؤدب الله بهما عباده، هؤلاء الذين يفهمون بالنواحي المادية، وهناك مستوى أرقى حرك الانشراح والانقباض، الانبساط والانقباض، أحياناً أنت منقبض، تصلي فلا تشعر بشيء، تقرأ القرآن لا تشعر بشيء، تذكر الله لا تشعر بشيء، هناك انقباض، هناك حجاب، يا رب ماذا فعلت ؟! أي كلمة تفوهت ؟! أي ظن أسأت ؟! هذا الوضع يؤكد أن الله يربي عباده يربيهم بالقبض والبسط.
تجد شخصاً مرتاحاً، سعيداً، متفائلاً، مشرقاً، يقول لك: أنا متفائل جداً، لا أحد أسعد مني، يكون وضعه عادي جداً، الله وهبه زوجة صالحة، ومأوى صغير، ورزق يكفيه، على هذا المأوى الصغير، والرزق القليل، والزوجة الصالحة، هو أسعد الناس.
هناك إنسان عنده بيوت لا يعلمها إلا الله، قصور، مركبات، مكانة، قوة، يقول لك لست مرتاحاً، منقبض.
يقسم لي أحد الأخوة الكرام، أنه زار إنساناً حجمه المالي أربعة مليارات، قال لي: شكا لي ضيقه وضجره وتأففه من أهله، من بيته، من تجارته، من البلد، قال لي: لم أستطع أن أقف على قدمي بعد هذا الكلام.
من مفارقات الحياة أن امرأة طرقت بابه لمساعدة شهرية، فلما زار بيتها، قال لي: والله البيت تحت الدرج، تحت الدرج يوجد غرفة في المنطقة العالية، والأقل المطبخ، والأقل الحمام، وهناك فسحة صغيرة، لا يمكن لإنسان أن يسكن فيه، وهذا البيت فيه سرور، فيه راحة نفسية، الأولاد ثيابهم نظيفة، وصاحب البيت يحمد الله عز وجل، قال لي: مفارقة عجيبة، إنسان حجمه أربعة مليارات، شكا لي لدرجة أنني لم أستطع أن أقف على قدمي، والمرأة شكرت لله أنه أعطاها زوجاً، وأولاداً، ينقصهم بالشهر ألف لير أجرة هذا البيت، فكتب ألفين، قالت له: يكفي ألف، نحن نحتاج إلى ألف، هناك مفارقة حادة، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، أحياناً الله عز وجل يلقي في قلبك الرضا، راضٍ عن الله، راضٍ عن بيتك، راضٍ عن زوجتك، راضٍ عن أولادك.
قال ملك لوزيره من الملك ؟ قال له: أنت، قال له: لا لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، ورزق يكفيه، وزوجة ترضيه.

من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم:

إذاً الله عز وجل عن طريق اسم "القابض" والباسط يؤدب عباده.
أخوانا الكرام، أحياناً التقصير في العبادات يأتي معه انقباض، لماذا أنا منقبض ؟ هناك تقصير، من قصّر بالعمل ابتلاه الله بالهم، يقول لك: لست مرتاحاً، وأحياناً يتقن صلواته، يتقن عبادته، يتقن أذكاره، يتقن تلاوته للقرآن، أحياناً يتقرب بعمل صالح، أكاد أقول ولا أبالغ يكاد يرقص من الفرح، الله يبسط ويقبض، إن بسط تشجيعاً، وإن قبض تأديباً، يبسط ويقبض.
بالتقصير، من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم، لكن انقباض المؤمن شيء، وانقباض العاصي شيء آخر، انقباض العاصي عقاباً، العقاب هو القبض، أما انقباض المؤمن، أحياناً بالتعبير المستخدم تعطيشاً، يقبض عنه الأحوال ينطلق انطلاقة أخرى، يجدد عهده، يجدد طاعاته مع الله، يجدد أعماله الصالحة، فإذا الله عز وجل قبض الأحوال عن مؤمن هذا قبض حافز، القبض يخلق عنده حافزاً إلى متابعة السير، وإلى تجديد الهمة، وإلى مزيد من العمل الصالح، هذا قبض تشجيع، قبض حفز، أما العاصي يشعر بالقبض لكن قبض عقاب.

الكآبة التي يشعر بها معظم الناس هي عقاب الفطرة وهي التربية النفسية للمؤمن:

أخوانا الكرام، تجلس مع إنسان ما عنده مشكلة، لكن عنده أكبر مشكلة، يقول لك: لست مسروراً، لست مرتاحاً، الدنيا مملة، سئمت كل شيء، مللت الطعام، مللت السفر، كل المتع مللت منها، هذا قبض، هذا قبض إنسان انغمس بالدنيا فأراه الله حقيقتها ، هذا القبض أحياناً نعمة، يتوق إلى الله، يتوق إلى أن يقرأ القرآن، يتوق إلى أن يصلي ويبكي، ملّ من الأجهزة التي عنده، والريموت كنترول، وكله تحكم ذاتي، والأمور كلها بالتعبير المستخدم فل أوبشن، ملّ، يريد رحمة الله.
فأحياناً الله عز وجل يقبض عنك الأحوال، وتحتقر الدنيا، وأحياناً يفتح لك باب القرب منه فتسعد بهذا القرب.
لذلك الكآبة التي يشعر بها معظم الناس هي عقاب الفطرة، لخروج الإنسان عن مبادئ فطرته، هذا اسمه التربية النفسية للمؤمن، الله عز وجل يسوق مرضاً أحياناً، يسوق شدة، يسلط ظالماً، يلوح للإنسان شبح مصيبة، شبح مرض عضال، هذا تأديب، أما في تأديب أنعم، ما في شيء ! لكن في انقباض، مصائب لا يوجد، حادث سير لا يوجد، مرض لا يوجد، البيت منتظم، الزوجة، الأولاد، كله تمام، لكن يقول لك لست مسروراً، هذا تأديب من نوع آخر، تأديب، طبعاً الله يحجب بهذا القبض عن عبده الأحوال، فإذا حجب عن عبده الأحوال تضايق.

الله تعالى يُقلب عباده بين القبض والبسط:

أخوانا الكرام، أحوال البسط فيها منزلق، الإنسان حينما يبسط له قد ينزلق إلى التقصير بالعبادات، والتساهل في الطاعات، وأحياناً القبض منزلق لليأس فالله عز وجل حكيم يبسط فإذا اقتربت من التساهل في العبادات والطمع برحمة الله بلا مبرر، يأتي القبض تقترب من اليأس يأتي البسط، فالله يقلب عباده بين القبض والبسط.
لذلك سيدنا علي يقول: إن للنفس إقبالاً، وإدباراً، إن أقبلت فاحملها على النوافل، وإن أدبرت فاحملها على الفرائض، بحالات القبض إياك أن تتساهل بالفرائض، أدِ الفرائض بالتمام والكمال، وإذا جاء البسط أدِ النوافل.

﴿ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

( سورة المزمل )

الانشراح و الانقباض:

في البسط منزلق إلى التساهل في العبادات، والطاعات، ومع القبض هناك منزلق أن ينقلك القبض إلى اليأس، لكن الله حكيم، إن اقتربت من اليأس بسط الله لك الأحوال ، وإن اقتربت من التساهل جاء القبض ليكون تأديباً، لذلك ورد في بعض الآثار:

(( لو لم تكونوا تذنبون لخشيت عليكم ما هو أكبر منه ـ ما الذي أكبر من الذنب ؟ ـ: العجب ))

[أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]

الصحابة الثلاثة.

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة التوبة )

صار في انقباض، لكن بعد الانقباض صار في فرج، سآتيكم بمثل:
شاب دخل إلى بيته الساعة الواحدة ليلاً، أمه قالت له: أريد هذا الدواء يا بني أنا متألمة جداً، إذا قال لها: الآن الصيدليات مغلقة، تسكت الأم، لكنه يعلم أن هناك صيدليات مناوبة، تملص من خدمتها بهذه الطريقة، يأتي لينام يشعر بالقبض، خان الأمانة خان برها، الآن حالة ثانية:
يا بني: أريد هذا الدواء، الساعة الواحدة بالليل، فخرج من البيت، ودار على كل الصيدليات المناوبة، فلم يجد الدواء، وعاد إلى البيت، واعتذر لأمه، ونام ارتاح، بالحالتين الدواء لم تأخذه، لكن بالمرة الأولى جاء القبض عقاباً، ممكن أن تجده في صيدلية مناوبة، في الحالة الثانية طاف على كل الصيدليات فلم يجده، فارتاحت نفسه.
فإذا الإنسان عنده إيمان صار عنده حساسية دقيقة جداً،عندما يقصر يُحجب، عندما يؤدي واجبه يشعر بالانشراح.

 

أسباب القبض:

1 ـ العجب بالذات:

أيها الأخوة، العُجب بالذات أحد أسباب القبض، ينتبه لمكانته، لمنصبه، لحجمه المالي، لذكائه، لأناقته، لثيابه الغالية جداً، لخضوع الناس له، حينما ينتبه لمكانته ولذكائه، ولخبراته، ولحجمه المالي، وسلطته يُحجب عن الله عز وجل، والإنسان كلما اقترب من الله يشعر بسعادة، العجب إذاً أحد أسباب القبض.

2 ـ الشبهات:

الآن الشبهات، هناك قضية فيها شبهة، فيها فتوى لكن ضعيفة، هناك علماء منعوا ذلك، وحرموا ذلك، ومعهم أدلة قوية، وهناك علماء تساءلوا، أخذ بالفتوى الثانية، عنده شبهة، هذه الشبهة أحياناً تؤدي إلى القبض، في بعض الأدعية:

(( اللهم لا تجعل لي خيراً على يد كافر ))

[ورد في الأثر]

يوجد إنسان بعيد عن الله بعداً شديداً، يكرمك، تحبه، هذا الحب سرى منك إليه، هو عنده بعد عن الله، فيأتي مع هذا الحب قبض.

(( خياركم الذين إذا رؤوا ذكر الله بهم ))

[البيهقي عن عمر ]

(( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ ))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

أحياناً تحب شخصاً ما فيه دين، قرابتك، قريب وخدمك خدمة كبيرة تحبه، تتعلق فيه، تحكي عنه، تمدحه زيادة، تشعر بقبض.
فلذلك الإنسان الأفضل أن تكون علاقاته مع المؤمنين، لأنه يوجد تبادل أحوال طيبة مع المؤمنين.
قصر في أداء حق تجاه والدته، يشعر بقبض، قصر بأداء حق تجاه أولاده يشعر ب قبض، تجاه زوجته، فكلما ارتقى إيمانك عندك ميزان حساس، تشعر بالخطأ الصغير، كلما ارتقيت عند الله يزداد ميزانك حساسية.

 

3 ـ الشرك:

لذلك:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

أحد أكبر أسباب القبض الشرك:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

( سورة الشعراء )

من فهم على الله تأديبه وقبضه وبسطه نجا من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة:

هناك حديث آخر يؤكد هذه الحقائق.
أحد الصحابة الكرام سأل النبي العدنان عن البر والإثم فقال:

(( البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن النواس بن سمعان ]

فالإنسان حينما يرتكب الإثم يشعر بالانقباض، فإذا عندك حساسية بالغة تعهد قلبك، متى انقبضت ؟ متى انبسطت ؟ متى تفاءلت ؟ متى تشاءمت ؟ متى شعرت أنك أسعد الناس ؟ متى شعرت أنك في حال صعب ؟ في ملل، في سأم، في ضجر، في ضيق، إذا فهمت على الله تأديبه، وقبضه، وبسطه، نجوت من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018