موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 15 - خلق الإخلاص - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 15 - خلق الإخلاص


2008-02-15

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، أيها الأخوة المستمعون ، والأخوات المستمعات ، يسرنا أن نلتقي بكم في حلقة جديدة من برنامجكم : "موسوعة الأخلاق الإسلامية" ، لنكون في ضيافة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة في كليات الشريعة وأصول الدين ، فأهلاً وسهلاً بكم أستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ أحمد جزاك الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
 سيدي الكريم حبذا لو نتطرق اليوم إلى خلق جديد ؛ ألا وهو خلق الإخلاص ، فالله عز وجل حينما حدثنا في سورة النساء عن المنافقين ، وأنهم في الدرك الأسفل من النار استثنى بعد ذلك منهم فقال :

﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ﴾

( سورة النساء الآية : 146 )

فيكف يكون الإخلاص ، وما هو الإخلاص أصلاً ؟ .

 

العبادة علة وجود الإنسان في الأرض :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ أحمد ، بادئ ذي بدء علة وجود الإنسان في الأرض العبادة ، لقوله تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

 والعبادة في أدق تعاريفها : طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية ، ولكن هذه العبادة بتفاصيلها تتجه إلى جارحةٍ جارحة ، فعبادة العين غضّ البصر عن ما لا يحل ، عبادة الأذن عدم سماع الباطل والغناء ، عبادة اللسان أن ينطق بالحق ولا يكذب ، عبادة اليد ألا يبطش بها ، عبادة الرجل ألا تقوده إلى منكر .
 والسؤال الآن : ما عبادة القلب ؟ القلب له عبادة ، إن عبادة القلب الإخلاص فالإخلاص عبادة القلب ، أي ألا تطلب لعملك شاهداً إلا الله ، أن تكتفي أن الله يعلم ، أما إذا أردت أن تذكر هذا العمل للناس كي تنتزع إعجابهم ، كي يسمعوك ثناءهم ، كي تعلو عندهم، هذا يضع مشكلة أمام الإخلاص ، ألا تحتاج إلى شاهد على عملك إلا الله ، وأن تصفي السر والعلانية ، والقول والعمل .

 

تعريف الإخلاص :

 الإخلاص له تعريفات كثيرة ، العبرة أنك تبتغي بهذا العمل وجه الله ، أن تبتغي به إرضاء الله عز وجل ، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي .
 الإخلاص له تفاصيل ، وله تعاريف ، ولكن حينما تريد لعملك شاهداً غير الله معنى ذلك أنت تتوجه بعملك إلى غير الله ، تسعى أن ترضي غير الله ، تسعى أن يكون لك مكانة عند غير الله ، تسعى أن تأخذ ثناء من غير الله ، ما دام العمل متوجهاً لغير الله ففي إخلاصه شك .
 الإخلاص أن تتوجه إلى الله ، أن يكون سرك كعلانيتك ، الإخلاص أن تزهد في مديح الناس ، الإخلاص عبادة القلب ، هذه الحقيقة الأولى .
الأستاذ أحمد :
 أما ما أريد الآن الحديث عنه والاستماع إلى جوابه أن الإخلاص ما سببه ؟.

سبب الإخلاص :

الدكتور راتب :
 الحقيقة جزاك الله خيراً على هذا السؤال ، هذا أخطر سؤال في هذا اللقاء ، أنت متى تخلص ؟ إذا كان توحيدك جيداً ، أنت حينما توقن أن المعطي هو الله ، إذاً لا تسأل غير الله ، وأن المانع هو الله ، إذاً لا تخاف إلا الله ، وأن الرازق هو الله إذاً لا تعصي الله من أجل الرزق ، أنت حينما توقن أن الله هو المعطي ، وهو المانع ، وهو المعز ، وهو المذل ، وهو الرافع ، وهو الخافض ، إذا اعتقدت أن الأمر كله بيد الله ، أمر كل حياتك ، أمر كل من حولك ، كل من فوقك ، كل من دونك ، أمر صحتك ، أمر أهلك ، أمر أولادك ، حينما ترى أن الله بيده كل شيء ، تتوحد وجهتك ، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها ، أنت حينما تخلص تتمثل هذه الآية :

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

( سورة الزمر )

 أنك إذا عبدت الله تأتيك الخيرات ، إذاً عليك أن تشكر ، أنت حينما تخلص تقرأ قوله تعالى :

﴿ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

 أنت حينما تخلص تقوى شخصيتك ، الإخلاص يحتاج إلى توحيد .
 مرة ثانية : دخلت إلى بناء من أربعة طوابق ، هذا البناء إدارة الهجرة والجوازات ، وأنت تريد أن تسافر إلى بلد معين ، وقد أنبئت يقيناً أن تأشيرة الخروج لهذا البلد بيد المدير العام وحده ، و يوجد بالبناء خمسمئة موظف ، هل يمكن أن تبذل ماء وجهك لشرطي ؟ لموظف ؟ لمعاون المدير ؟ أبداً ، الأمر في هذا الموضوع بيد المدير العام .

 

من تفوق في توحيده تفوق في إخلاصه :

 أنت حينما توقن أن كل أمورك بيد الله ، وأن كل سلامتك بيد الله ، وأن كل سعادتك بيد الله ، وأن التوفيق في زواجك بيد الله ، وأن أولادك بيد الله ، وأن صحتك بيد الله وأن الله يطلب منك الاستقامة ، فأنت حينما تعتقد أنه لا إله إلا الله ، لا مسير ، لا مربي ، لا معطي ، لا مانع ، أنت حينما لا ترى مع الله أحداً ، أنت حينما ترى أنه :

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

( سورة هود الآية : 123 )

 عندئذٍ تعبده مخلصاً ، أنت حينما توقن أنه :

﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾

( سورة الزخرف الآية : 84 )

 الذي يجري في الأرض من حوادث ، من حروب ، من أزمات ، من زلازل ، من براكين ، من مجاعات ، أنت حينما توقن أن هذا الذي وقعَ وقع بعلم الله ، وأن كل شيء وقع أراده الله ، وأن كل شيء أراده الله وقع ، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، أنت حينما تتفوق في توحيدك تتفوق في إخلاصك .

 

التوحيد أحد أكبر أسباب الإخلاص :

 إذا صحّ أن للإخلاص مؤشراً وللتوحيد مؤشراً ، المؤشران يتحركان معاً ، بقدر ما أنت موحد بقدر ما أنت مخلص ، بقدر ما يوجد في كيان الإنسان من شرك خفي فيه عدم إخلاص ، فالإخلاص سببه التوحيد ، أما التوحيد فهو محصلة الإيمان كله ، أي التوحيد ليست كلمة تقولها ، ولا فكرة تفهمها ، إنه متغلغل في أعماقِ أعماق الإنسان ، متغلغل في أعماق الإنسان أن الله هو كل شيء ، وأن بيده كل شيء .

﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم الآية : 30 )

 التوحيد أحد أكبر أسباب الإخلاص ، لا ترى مع الله أحداً ، لا ترجو غير الله ، لا تعقد الأمل على غير الله ، لا تتوكل على غير الله ، لا تخاف غير الله ، لا ترجو غير الله ، لا تصبو إلى غير الله ، هذا هو التوحيد .
 بل إن هذا الإنسان الذي عرف الله يسمى بمصطلح آخر الإنسان الرباني ، هناك إنسان رباني ، هناك إنسان شهواني ، هناك إنسان شيطاني ، فالرباني هدفه و مقصده الله عز وجل ، وتطبيق أمره ، والدنيا في خدمة هدفه ، فالإخلاص شيء يرفع الإنسان إلى أعلى عليين ، الإخلاص يجعلك في مرتبة عند الله كبيرة ، الإخلاص يجعلك تعلو في عين الله .
الأستاذ أحمد :
 إذاً لو أردنا أن نرتقي في الإخلاص لا بدّ من أن نصحح التوحيد من الشرك الظاهر والشرك الخفي ، جزاك الله خيراً .
 قبل قليل ذكرنا أمر الله عز وجل بالإخلاص في المنافقين ، وكيف استثنى منهم الذين يخلصون بعد ذلك ، لكن ما هو توجيه رب العالمين للمؤمنين بشأن الإخلاص ؟.

 

توجيه رب العالمين للمؤمنين بشأن الإخلاص :

الدكتور راتب :
 يقول الله عز وجل :

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

( سورة الزمر )

 أستاذ أحمد ، أحياناً ينهانا النبي عن أن نبغض ، مع أن البغضاء شعور ، إحساس ليس إرادياً ، فإذا كان النهي أو الأمر عن حالة نفسية لا نملكها ماذا تعتني الآية إذاً ؟ الآية

﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ ﴾

 إذا كان التوجيه لحالة نفسية ، أو لشعور لا أملك له جلباً ، ولا دفعاً ، فماذا يعني هذا الأمر ؟ أن آخذ بأسبابه ، أنا حينما أُنهى عن الغضب ، يجب أن آخذ بأسباب ترك الغضب ، فالأشياء التي لا أملكها الأمر ينصب على أسبابها ، فالإخلاص حالة نفسية .
 مثلاً : إنسان صلى وراء الإمام صلاة الفجر أربعين عاماً ، وأدرك تكبيرة الإحرام ، مرة غفل عن صلاة الفجر ، فصاح مذعوراً وقال : ماذا يقول الناس عني ؟ إذاً هو يتوجه إلى أن يكون عالياً عند الناس بهذه الصلاة .
الأستاذ أحمد :
 إذاً كل عمله خلال هذه السنوات كلها كان من أجل رضا الناس عنه .

 

قيمة العمل الصالح تتحدد بنيته :

الدكتور راتب :
 فالإنسان مشاعره أثناء أداء العمل لا يتحكم بها ، أي قد يعمل عملاً ويعلن أنه لله، لكن دون أن يشعر يظهر من فلتات لسانه ، ومن تصرفاته ، أنه يبتغي به إرضاء الناس ، لكن أحياناً قال عليه الصلاة والسلام :

(( إِنما الأعمال بالنيات ))

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]

 قيمة العمل الصالح تتحدد قطعاً بنيته ، أضرب مثلاً :
 الأراضي في أكثر البلاد إما أن تكون مشاعاً ، أو أنها قُسمت إلى محاضر ، وإلى مقاسم ، فجاء إنسان لأحد كبار الإقطاعيين الذين يملكون أراض بآلاف الدنمات ، همس في أذنه : أرضك على المشاع ، إن أردت أن يرتفع سعرها قدم مساحة لبناء مسجد ، فتضطر البلدية أن تقسمها إلى مقاسم ، وبهذه الطريقة يرتفع ثمنها ، هو أراد أن يضاعف سعر أرضه أو أن يرفع سعرها ، فقدم هذه الأرض لبناء مسجد ، لو أن ألف إنسان سمع هذا الخبر لامتلأ إعجاباً بهذا الإنسان ، لكن الحقيقة أن هذا الإنسان لا تعنيه الصلاة لا من قريب ولا من بعيد ، بل هو لا يصلي أصلاً ، فهذا العمل مع أن ظاهره رائع ، لكن حقيقته ساقطة .
 والذي ذكرته من قبل في مناسبات كثيرة : أن امرأة أحبها رجل من مكة ، فاشترطت لقبول زواجها منه أن يهاجر إلى المدينة ، فهاجر ، سماه الناس مهاجر أم قيس لأنه أراد بهذه الهجرة امرأة يتزوجها .

(( إِنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى . فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله ، فهجرته إِلى الله ورسوله . ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها ، أو امرأة يتزوجها ، فهجرته إِلى ما هاجر إِليه ))

 أستاذ أحمد ، أحياناً يستخدم الدين للدنيا ، فلذلك مثل هؤلاء تنطبق عليهم الآية الكريمة :

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾

( سورة التوبة الآية : 9 )

 فالإخلاص من أهم ما في الدين ، بل لي رأي : أنه الدين كله ، لماذا ؟ لأنك إن قمت بالعبادات من دون إخلاص لا قيمة لها ، إذاً الإخلاص إذا انعدم انعدم ثواب العبادات كلها ، إذاً الإخلاص هو الدين .
الأستاذ أحمد :
 حتى إنني عندما كنت أقلب الأوراق في كتب علماء التربية والأخلاق والسلوك وجدت أنهم يصدرون هذا الباب ـ باب الإخلاص ـ قبل الحديث عن أي باب من الأبواب الأخرى من أبواب العبادات ، لأهميته ، ولأن كل ما يتبعه متعلق به ، ولكن هل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحضنا أيضاً على الإخلاص ، أو يمكننا أن نتمثله واقعاً ؟.

 

العمل الصالح مقيد بقبول الله له :

الدكتور راتب :
 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ لا يقْبَلُ منَ العْمَلِ إلاَّ ما كان له خالصا ، وَابتُغِيَ به وجْهُهُ ))

[أخرجه النسائي عن أبي أمامة الباهلي ]

 ولعل الآية الكريمة :

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية : 19 )

 بالمناسبة : الصفة قيد ،

﴿ َأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً ﴾

 مطلقة ، لكن

﴿ تَرْضَاهُ ﴾

 العمل الصالح مقيد بقبول الله له ، من هنا قال الفُضيل رحمه الله : "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله ، وصواباً ما وافق السنة ".
الأستاذ أحمد :
 وكذلك رأيت الفُضيل يقول : " ترك العمل من أجل الناس رياء ، والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله منهما ، من الرياء ومن الشرك ".
الدكتور راتب :
 أحياناً الشيطان يأتي على الإنسان بشبهة أنك إذا صليت الآن صلاة نافلة أمام الناس لعلك تريد بهذا أن تنتزع إعجابهم ، دعك من الصلاة ، فكلما نهاك الشيطان عن عمل صالح خوف أن يظن الناس أنك ترائي ، هذا ترك العمل أيضاً مراءاة ، وحينما تقوم بعمل تبتغي غير الله هو شرك ، فالإخلاص أن تكون بعيداً عن كل أنواع الرياء ، وعن كل أنواع الشرك .
الأستاذ أحمد :
 ذكرتني عندما ذكرت قول هؤلاء الأئمة ، فالإمام الجنيد له قول يقول فيه : " الإخلاص سرّ بين الله وبين العبد لا يعلمه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوىً فيميله" عبارات جميلة لكنها تحتاج إلى شرح .

 

سرّ نجاح الإنسان وتوفيقه وقبول عمله هو الإخلاص :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الذي بينك وبين الله وحده هو الإخلاص ، الصلاة بينك وبين الله ، وبينك وبين العباد ، أنت حينما تقوم لتصلي رآك الناس صليت ، إذاً هناك مكاسب من هذه الصلاة ، معظم الأعمال والعبادات تقوم بها أمام الناس ، أما الشيء الذي بينك وبين الله وحده ، ولا أحد يطلع عليه حتى ولا الملك ، هذا هو الإخلاص ، معنى هذا أن سرّ نجاح الإنسان ، وتوفيقه ، وسرّ قبول عمله هو الإخلاص .
 بل إن العلماء وقعوا في حيرة من حديث ، أن امرأة بغياً رأت كلباً يأكل الثرى من العطش ، فسقته فغفر الله لها ، أيعقل أن امرأة بغياً ، من أجل سقيا كلب يغفر الله لها ؟ ! تحليل العلماء : أنها كانت في الصحراء ، ولا أحد يراها ، ولا تبتغي إرضاء إنسان إطلاقاً أو الدعاية لها ، هذا العمل يكاد يكون إخلاصه تاماً .
 لذلك العمل بإخلاصه ، بالمناسبة : مع الإخلاص ينفعك كثير العمل وقليله ، بينما من دون إخلاص لا ينفعك لا كثيره ، ولا قليله ، بل إن الموازنة بين عمل صغير مع الإخلاص أفضل ألف مرة من عمل بلا إخلاص ، وقد ورد في بعض الأحاديث أنه :

(( يؤتى برجال يوم القيامة ، لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباءاً منثوراً قيل : يا رسول الله جلهم لنا ؟ فقال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

الأستاذ أحمد :
 إذاً العمل كان من صلاة وقيام لأجل الناس .

 

الإخلاص هو السّر بين الإنسان و ربه :

الدكتور راتب :
 الآن :

(( ركعتان من ورع ـ مخلص ـ خير من ألف ركعة من مخلط ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

(( من لم يكن له ورع يحجزه عن معصية اللّه إذا خلا بها لم يعبأ اللّه بسائر عمله شيئاً ))

[ رواه الديلمي عن أنس ]

 فالإخلاص هو الأساس في الدين ، بل هو الدين كله ، بل هو عبادة القلب ، بل هو السر الذي بينك وبين الله .
الأستاذ أحمد :
 وما هي المحصلة المرجوة من الإخلاص إن تمت ؟ .

 

مؤشرات الإخلاص :

الدكتور راتب :
 قبل المحصلة هناك نقطة دقيقة جداً : أنا كيف أقنع نفسي أنني مخلص ؟ سؤال دقيق ، هل هناك أدلة ، هل هناك مؤشرات في الإخلاص ؟ العلماء اجتهدوا ، بعضهم قال : من مؤشرات الإخلاص أن العمل يستوي في سرك أو في جهرك ، في خلوتك أو في جلوتك، في بيتك أو أمام الناس ، إذا استوى العمل في سرك أو في جهرك ، في خلوتك أو في جلوتك، في بيتك أو أمام الناس فهذا أحد مؤشرات الإخلاص .
 هناك مؤشر ثان : أنك عملت عملاً صالحاً ، إذا كان هذا العمل يزداد بالمديح ويقل بالذم هنالك إشكالية في الإخلاص ، أما إذا لم يتأثر العمل لا بمديح الناس ، ولا بثنائهم ، ولا بذمهم وانتقادهم ، هذا مؤشر آخر أنه الإخلاص .
 لكن المؤشر الثالث مهم جداً : الناس يتداولون كلمة ثواب ، والثواب مصدر من فعل ثاب ، وثاب إلى رشده أي رجع إلى رشده ، أنا أتصور ـ وأرجو أن أكون مصيباً ـ أن الإنسان حينما يرفع عملاً خالصاً لله هذا العمل يُرفع إلى الله مكسواً بالإخلاص ، لابسه الإخلاص ، الله عز وجل يكافئ العبد على إخلاصه بمكافأة لا تقدر بثمن ، في الدنيا قبل الآخرة ، يعيد عليه سكينة تملأ قلبه سعادة ، هذه السكينة يسعد بها ولو فقد كل شيء ، ويشقى بقدها ولو ملك كل شيء .
 من أدق الملاحظات : أن إنساناً يجلس في غرفة قميئة ، لكنه مخلص ومتصل بالله هو أسعد الناس ، وقد يجلس ببيت بمئة مليون ، فيه كل وسائل الراحة لكنه منقطع عن الله ، فهذا البيت يبدو جحيماً .
 فهذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء ، هذه السكينة وجدها النبي الكريم في غار ثور ، وهو ملاحق ، ومهدور الدم ، وجدها يونس في بطن الحوت ، وجدها إبراهيم في النار ، وقد يفقد المؤمن أحياناً حريته ، يجدها بين أربعة جدران .
الأستاذ أحمد :
 ولذلك قالوا : العبد حر ولو كبل بالقيود ، والحر عبد ولو خفقت له البنود .

الإخلاص يرفع عمل الإنسان إلى الله والله يكافئه بالسكينة :

الدكتور راتب :
 شيء آخر : بعض العلماء يقول : ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري إخلاصه جعل صدره بستاناً ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة مع الله، وإن قتلوني فقتلي شهادة .
 الإخلاص يجعل المؤمن في جنة ، لذلك يقول بعض العلماء : "في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، الله عز وجل يؤكد هذا المعنى فيقول :

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

( سورة محمد )

 ذاقوا طعمها في الدنيا ، الإخلاص يرفع عملك إلى الله ، والله عز وجل يكافئك قبل يوم الحساب بمكافأة لا تقدر بثمن بما يسمى بالسكينة ، تتنزل على قبلك السكينة فتسعد بها ولو فقدت كل شيء ، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء .
الأستاذ أحمد :
 المؤمن يقوم ببعض العبادات ، والمنافق ربما أيضاً يقوم بما يظنه الناس أنه عبادة لكنه غير مخلص ، ما الرابط بين هذا وذاك ؟.

 

عبادات المنافق سيئات و عادات المؤمن عبادات :

الدكتور راتب :
 أستاذ أحمد ، الشيء الرائع جداً أن المؤمن عباداته طاعات وقربات ، شيء مفروغ منه ، أما أعماله ، حرفته ، كسب رزقه ، زواجه ، عنايته بهندامه ، أخذ أهله إلى نزهة ، هذه أشياء عادية يفعلها كل الناس ، كل الناس يأكلون ، ويشربون ، ويتزوجون ، ويشترون البيوت ، ويؤسسونها ، ويعملون ، ويتنزهون أحياناً ، ويسمرون ، المؤمن لأنه عرف الله وأخلص له تنقلب عاداته إلى عبادات ، بينما المنافق يصلي من أجل أن يبتز أموال الناس ، من أجل أن يثقوا به ، لذلك عبادات المنافق سيئات ، بينما عادات المؤمن عبادات .
 أما كتنويه دقيق : حرفة المؤمن ، مهنته ، وسيلة كسب رزقه ، إذا كانت في الأصل مشروعة ، تجارة مشروعة ، وظيفة مشروعة ، تعليم ، حرفة المؤمن إذا كانت في الأصل مشروعة ، وسلك بها الطرق المشروعة ، وابتغى بها كفاية نفسه ، وكفاية أهله ، وخدمة المسلمين ، ولم تشغله عن واجب ، ولا عن فرض ، ولا عن عمل صالح ، ولا عن طلب علم ، انقلبت حرفته إلى عبادة ، شيء رائع جداً ، وأنت في عملك في عبادة ، وأنت في مكتبك في عبادة ، وأنت في حقلك في عبادة ، وأنت في عيادتك في عبادة ، المؤمن عاداته عبادات ، والمنافق عباداته سيئات .

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد :
 وإن من الحكم الرائعة أن الأعمال صور قائمة ، أرواحها سر الإخلاص فيها ، لذلك نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل .
 وإلى أن نلتقي بكم أيها الأخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في حلقة أخرى من برنامجكم موسوعة الأخلاق الإسلامية ، نشكر فضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على ما تفضل به وأجاد في هذه الحلقة .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018