موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 13 - خلق الخوف - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 13 - خلق الخوف


2008-02-13

مقدمة :

 بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، على آله وأصحابه أجمعين ، ومن سار على دربه ، واستن بسنته إلى يوم الدين ، السلام عليكم أيها الأخوة المشاهدون ، في حلقة جديدة من حلقات :"موسوعة الأخلاق الإسلامية" ، نبحر من خلالها مع فضيلة أستاذنا الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في كليات الشريعة وأصول الدين في دمشق ، فأهلاً وسهلاً بكم أستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ أحمد جزاك الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
 سيدي الكريم نحب اليوم أن نقف وإياكم مع خلق جديد ألا وهو خلق الخوف ، لكنا نريد بادئ ذي بدء عند مسألة فنقول : هل الخوف خلق فطري أم أنه ناشئ عن سبب من الأسباب ؟ حبذا لو نسمع منكم تعريفاً لهذا الخلق .

 

خُلق الخوف :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ أحمد ، الخوف خصيصة من خصائص الإنسان ، لقوله تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

 هو خلق في أصل فطرته ،

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 هو نقطة ضعف في خلق الإنسان ، لكنها لصالحه ، الخوف توقع حدوث مكروه ، أو توفي محبوب ، الوقوع شيء والتوقع شيء آخر ، وقد قيل : أنت من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبة أعظم منها ، ذلك لأن الإنسان حينما يعتصم بالله عز وجل قد ينجو من هذا الخوف الذي هو في أصل جبلته ، الدليل

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

( سورة المعارج )

 فالمصلي باتصاله بالقوي ، وباتصاله بالغني ، وباتصاله بالحافظ ، والناصر والموفق ، ينجو من هذه الحالة التي جُبل عليها .

 

الخوف حافز من حوافز الإيمان والطاعة أو عقاب إلهي على ذنب لا يغفر :

 إذاً الخوف من خصائص الإنسان ، وهو في أصل خلقه ، لكنه لصالحه ، وهو توقع حدوث مكروه ، أو وفاة محبوب ، هذا هو تعريف الخوف ، والخوف يغطي كل البشر ، الأنبياء يخافون .

﴿ فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً ﴾

( سورة القصص الآية : 21 )

 بل إنه من علامات ضعف الإنسان ، من علامات عبودية الإنسان ، ذلك أن الله سبحانه وتعالى ثبت أشياء لا تعد ولا تحصى ، ثبت ملايين القوانين ، حركات الأفلاك ، خصائص المواد ، وما إلى ذلك ، إلا أنه حرك صحة الإنسان ورزقه لتكون صحته ورزقه وسيلتين لتأديبه إذا خرج عن منهج الله عز وجل .
 فالإنسان يخاف أحياناً ، أو أن الله سبحانه وتعالى يلقي في قلبه الخوف ، لكن هناك خوف لصالحه ، وهناك خوف يعد نتيجة حتمية للشرك .

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾

( سورة آل عمران الآية : 151 )

 إما أنه حافز من حوافز الإيمان والطاعة ، وإما أنه عقاب إلهي على ذنب لا يغفر في أصل القرآن الكريم ، وهو الشرك .
الأستاذ أحمد :
 إذاً هناك خوف محمود ، وآخر مذموم ، الشرك أوصل إلى خوف مذموم ، لكن الخوف المحمود هل هو ممن ينطبق عليه قول الله عز وجل :

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾

( سورة البينة )

درجات الخوف تختلف بحسب تفاوت الإيمان :

الدكتور راتب :
 الآية الدقيقة :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

( سورة النازعات )

 أي الخوف المحمود ، الخوف الإيجابي ، الخوف الذي ينتهي بك إلى طاعة الله ، الخوف الذي ينتهي بك إلى الجنة ، الخوف الذي ينتهي بك إلى السلامة في الدنيا ، هو أن تخاف مقام الله عز وجل .
الأستاذ أحمد :
 ولذلك قوله تعالى :

﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾

( سورة إبراهيم )

الدكتور راتب :
 فهناك خوف محمود ، خوف المؤمنين ، بل إن هذا الخوف الذي هو من صفات المؤمنين على درجات ، أحياناً يخاف المؤمن من عقاب الله ، هناك خوف أرقى ، أحياناً يخاف المؤمن من أن تنقطع صلته بالله ، يخاف من أن يكون في المستوى الذي لا يليق به ، على كلٍّ درجات الخوف بحسب تفاوت الإيمان .

 

خوف كل إنسان متعلق بإيمانه :

 بالمناسبة : الله عز وجل كل إنسان له عنده ملف .

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

 فخوف كل إنسان متعلق بإيمانه ، الأنبياء يخافون ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( رأس الحكمة مخافة الله ))

[ أخرجه ابن أبي عمر عن عبد الله بن مسعود ]

 أي لو أن الحكمة إنسان لكان رأسها خوف الله عز وجل .
الأستاذ أحمد :
 كيف يخاف الأنبياء وقد علموا أن الله عز وجل قد غفر لهم ما تقدم من ذنبهم وما تأخر ؟ سألت السيدة عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فكان جوابه لها : أفلا أكون عبداً شكوراً ؟ هل هناك علاقة بين الخوف وبين الشكر ؟.

 

خوف الأنبياء خوف مقدس :

الدكتور راتب :
 أولاً : الله عز وجل ذات كاملة ، لا يمكن لبشر كائن من كان بما فيهم الأنبياء أن يعرفوه المعرفة المطلقة ، لأنه لا يعرف الله إلا الله ، الأنبياء والرسل يتفاوتون في معرفة الله، لكن خوف الأنبياء خوف مقدس ، هو يخاف من ألا تكون معرفته بالله كما ينبغي ، فهذا خوف .
 كما لو أن طالباً أراد أن يكون الأول على كل دفعته ، فخاف ألا يكون الأول هو ناجح قطعاً ، إنه يخاف ألا يكون الأول ، فخوف الأنبياء من نوع آخر .
الأستاذ أحمد :
 مسألة الأنبياء والحديث عن الإيمان يجعلنا نسأل سؤالاً آخر ألا وهو : كيف يمكننا أن نفهم خلق الخوف من الله عز وجل في ضوء مظلة كبيرة ألا وهي مظلة التوحيد لله عز وجل ؟.

 

التوحيد لا يعفي من المسؤولية :

الدكتور راتب :
 أولاً التوحيد لا يعفي من المسؤولية ، الدليل : حينما حدثنا ربنا عز وجل عن حادثة الإفك ، فقال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ﴾

( سورة النور الآية : 11 )

 إذاً كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلق ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، هناك من يستغل التوحيد استغلالاً خاطئاً ، يظن أن هذا الذي وقع بما أن الله سمح له أن يقع إذاً الذي أوقعه ليس مسؤولاً ، لا ، تأتي الآية التي بعدها .

﴿ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾

( سورة النور الآية : 11 )

 إذاً التوحيد لا يعفي من المسؤولية ، كما لو أن طبيباً أهمل معالجة المريض فمات هو قد يقول : مات بأجله ، نقول له : دعك من التوحيد ، أنت كنت متسبباً بوفاته ، إذاً تحاسب وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( مَنْ تَطَبَّبَ ولا يُعْلَمُ منه طِبّ ، فهو ضامِن ))

[ أخرجه أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

تعلق الحكمة المطلقة بالخير المطلق :

 إذاً أحياناً يختلط التوحيد بالخوف ، التوحيد موضوع آخر ، التوحيد يعني أنه لا يليق أن يقع في ملك الله ما لا يريد ، فكل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق ، هذه المقولة على إيجازها تملأ قلب الإنسان طمأنينة وراحة ، لأنه إله ، أما أن يقع في ملكه ما لا يريد مستحيل، إذاً أراده ، بمعنى سمح به ، وما دام الله قد سمح به فلحكمة بالغةٍ بالغة ، وحكمته البالغة متعلقة بالخير المطلق :

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 26 )

 الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

 

الشّر المطلق لا وجود له في الكون و يتناقض مع وجود الله عز وجل :

 لذلك نحن نؤمن أن الشر المطلق لا وجود له في الكون ، إن وجود الشر المطلق يتناقض مع وجود الله ، لكن هناك شرّ نسبي ، في نظرنا شر ، لكنه بمستقبل الإنسان خير ، قال تعالى :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة الروم )

 إذاً الشر المطلق لا وجود له في الكون ، بل يتناقض مع وجود الله .
الأستاذ أحمد :
 الإمام الحارث المُحاسبي يقول : "العلم يورث المخافة" ، هل هذا يعني أن الأشخاص العوام أو الجهلة ليس عندهم خوف من الله أم أن العالِم يكون خوفه أدق وأكثر تفصيلاً ؟

 

العلاقة المتينة بين الخوف و الإدراك :

الدكتور راتب :
 أنا أسوق لك قصة طريفة تجيب عن هذا السؤال : مرة سألني طالب ، قال لي : أنا لا أخاف من الله ، قلت له : أنت بالذات معك الحق ، فاستفز بهذا التعليق ، قال : ولمَ؟ قلت له : لأن الفلاح أحياناً يذهب إلى الحصيدة ، ومعه ابنه الصغير الذي لا يتجاوز السنتين ، هذا الابن قد يضعه بين سنابل القمح ، فيمر أمامه ثعبان ، لو رآه رجل لخرج من جلده ، لكن الطفل لا يعرف ما هذا الشيء ، ولا خطورته ، يضع يده عليه ، لماذا لا يخاف منه ؟ لأنه لا يدرك .
 فكلما ضعف إدراك الإنسان ضعف خوفه من الله ، وكلما ازداد إدراكه ازداد خوفه من الله ، فهناك علاقة متينة بين الخوف ، وبين الإدراك ، فالذي لا يعرف خطورة المواد المسرطنة يأكلها وهو مرتاح ، تجد الطبيب أحياناً يبالغ في غسل الخضراوات لماذا ؟ لأنه يعلم أن هناك جراثيم ، وأوبئة ، وأمراض وبيلة ، ومزمنة ، وقد تكون وبائية من هذه الجراثيم .
 فكلما ازداد علم الإنسان ازداد خوفه ، هذا في الدنيا ، كلما ازداد علمه ازداد خوفه ، وكلما قلّ العلم قلّ الخوف ، لذلك : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم .
الأستاذ أحمد :
 هي ثلاثة مفاتيح ، ولذلك قال الله عز وجل :

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر الآية : 28 )

 العلم يحقق خشية الله عز وجل .

 

الإنسان خُلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه فيسعد بافتقاره :

الدكتور راتب :
 بالمناسبة الله عز وجل تفضلاً منه أودع فينا هذه الخاصة ، الخوف يدفعنا إلى طاعته ، الخوف يسوقنا إلى بابه ، الخوف يجعلنا نمتنع عن بعض المعاصي والآثام ، الخوف يجعلنا نخاف من الله عز وجل ، لأنه ورد أن :

(( يا رب ، أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال : أحبّ عبادي إليّ تقي القلب ، نقي اليدين ، لا يمشي إلى أحد بسوء ، أحبني ، وأحبّ من أحبني ، وحببني إلى خلقي ، قال : يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحبّ من يحبك ، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال : ذكرهم بآلائي ، ونعمائي ، وبلائي))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

 أي ذكرهم بآلائي كي يعظموني ، وذكرهم بنعمائي كي يحبوني ـ الشاهد ـ وذكرهم ببلائي كي يخافوني .
 هناك أمراض وبيلة ، هناك أمراض مستعصية ، هناك أمراض قاتلة ، هذه الأمراض لها وظيفة رادعة تردع الإنسان عن أن يقترف المعاصي والآثام .
 إذاً لحكمة بالغة خلق الإنسان ضعيفاً ، يخاف ، ولو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه ، خلق ضعيفاً ليفتقر بضعفه ، فيسعد بافتقاره .
الأستاذ أحمد :
 إذاً هي باب للاصطلاح مع الله ، والتذكير بالله عز وجل .
الدكتور راتب :
 خير باعث إلى الله ، خير سائق يسوقنا إلى باب الله .
الأستاذ أحمد :
 حديثك عن محبة الناس لله ، ومحبة الله للناس ، ذكّرني بقول أحدهم إذا قال : من لا يخاف الله خوفه الله من الناس ، ومن خاف الله خوف الله الناس منه ، هل معنى ذلك أن يجعل له مهابة في قلوب الناس لأنه ترك العزة بالعباد واعتز برب العباد والبلاد ؟.

 

خوف الإنسان من الله عز وجل يعطيه الأمن مع الناس :

الدكتور راتب :
 هذا المعنى وارد ، لكن تعليقي على هذا الكلام : إن أراد إنسان أن يشتري منك حاجة فخوفك من الله جعلك تعطيه الحاجة تامة وكاملة ، وكان بإمكانك أن تعطيه شيئاً فاسداً لا يستطيع أن يحاسبك ، أنت حينما تعاملت معه وخفت من الله ، مستحيل وألف ألف مستحيل أن يخيفك الله من أحد ، إذا كان خوفك من الله صحيحاً وقائماً ، فهذا الخوف من الله يعطيك الأمن مع الناس ، إن خفته أخاف منك ، إن لم تخفه خوفك من كل شيء ، وقد يخوفك من أحقر الأشياء .
الأستاذ أحمد :
 من وصايا لقمان لابنه ، أنه قال : "خف الله خوفاً لا تأمن فيه مكره" ، بعد ذلك قال له : " وارجُه رجاءً أشد من خوفك "، فما هي العلاقة القائمة ما بين الخوف والرجاء ؟.

علاقة الخوف بالرجاء :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هذا الكلام أنا أسوقه للأخوة الدعاة : إياك أن تقف على المنبر فتجمع كل الزواجر والروادع ، وأشكال العذاب والأمراض ، عن طريق الترهيب ، ومشاهد يوم القيامة، ولاسيما مشاهد أهل النار ، وإياك أن تلغي مشاهد الخوف ، وأن تتحدث عن رحمة الله فقط ، لابدّ من أن تزاوج بين التخويف والرجاء ، لأن أي طرف من السهل جداً أن ننحاز إليه، سهل جداً أن تملأ كلامك رجاءً برحمة الله ، وسهل جداً أن تملأ كلامك خوفاً من الله عز وجل، لكن لابدّ من الموازنة بين الرجاء وبين الخوف ، الموازنة حالة صحية ، مثلاً ابنك قد تكون قاسياً معه فيخافك ، وقد تكون رحيماً معه فيرتاح ويتساهل في طاعتك ، أما البطولة كأب أن تجمع بين أن يخافك ابنك ، وبين أن يرجوك ، هذه بطولة ، ودائماً المواقف الوسطية تحتاج إلى مهارة عالية جداً ، المواقف المتطرفة سهلة جداً ، سهلة أن تكون قاسياً فتكسر ، أو ليناً فتعصر ، لكن البطولة أن يحار الذين حولك ، يحبونك بقدر ما يخافونك ، هذا كلام موجه للآباء ، وللمعلمين ، ولأصحاب القرار ، وفي كل مكان ، يجب أن تكون محبوباً ومرغوباً ، أن يتعامل الناس معك بالرجاء والخوف في وقت واحد ، وهذا من خلق الأنبياء .

﴿ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً ﴾

( سورة الأنبياء الآية : 90 )

الأستاذ أحمد :
 عندما كنت أقرأ في كتاب الحافظ المنذري : الترغيب والترهيب ؛ شعرت بأن الدين كله قائم ما بين أوامره ونواهيه على الترغيب والترهيب ، ورأيت أن الناس كثير منهم يؤثر الترغيب أكثر من الترهيب ، والعكس أيضاً صحيح ، لهؤلاء نريد أن نعطيهم ما يحتاجون ، إن وجدناهم طمعوا في رحمة الله عز وجل ، واستكانوا ، وخلدوا إلى معاصيهم رهبناهم ، وإن وجدناهم من الذين نشفق عليهم ، قلوبهم رقيقة ، جعلنا عندهم شيئاً من الرجاء، كيف التعامل مع مثل هؤلاء ؟.

 

على الإنسان أن يوازن بين الخوف و الرجاء إن خاطب المجموع :

الدكتور راتب :
 إن خاطبت إنساناً لك أن تراعي هذه الناحية ، إن خاطبت إنساناً يغلب عليه الرجاء اجعل مضمون كلامك الرجاء ، وإن خاطبت إنساناً آخر يغلب عليه الخوف اجعل خطابك له من نوع خصائصه ، ولكن إذا خاطبت المجموع يجب أن توازن بين الرجاء والخوف ، إن خاطبت جماعة فيهم من يرجح خوف الله ، وفيهم من يرجح رحمته ، لذلك إنك إن خاطبت المجموع ينبغي أن تنوع بين الخوف والرجاء ، أمّا تعرف إنساناً بابه إلى الله هو الخوف ، تأتيه من الخوف ، إنسان آخر بابه إلى الله الرجاء ، تأتيه من الرجاء ، وهذه الحكمة، والدعوة إلى الله تحتاج إلى حكمة .

﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ﴾

( سورة النحل الآية : 125 )

الأستاذ أحمد :
 يقول أحدهم : الخوف رقيب العمل ، والرجاء شفيع المحن ، أي محن يقصد ؟.

 

على الإنسان ألا يخاف إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه :

الدكتور راتب :
 هذا الموضوع يسوقنا إلى التوحيد ، ماذا يعني التوحيد ؟ يعني أن الأمر بيد الله ، وأن الأشياء المخيفة التي حولك هذه بيد الله عز وجل ، فكلما ازداد التوحيد لم تخف من هذه الأشياء المخيفة ، بل خفت من الله أن يسمح لها أن تصل إليك ، لذلك التوحيد مهم جداً في موضوع الخوف .

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ))

[ ورد في الأثر]

 لأن الوحوش الكاسرة المخيفة مربوطة بأزمة محكمة بيد الله ، هذا المعنى ورد في آية كريمة :

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة هود )

 لذلك التوحيد يعني أن تخاف من الله ، وألا تخاف ممن سواه ، التوحيد يعني أن تخاف من الله حينما تذنب ، فقط ،

(( لا يخافن العبد إلا ذنبه ))

 قال تعالى :

﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً ﴾

( سورة النساء )

 أي الله عز وجل ما يفعل بعذابنا إن آمنا وشكرنا ، قال تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

( سورة النساء )

 إذاً التوحيد يعني لا أن تخاف من عقاب بلا ذنب ، التوحيد يعني أن تخاف من عقاب بسبب ذنب ، إذاً في الحقيقة ينبغي أن تخاف من ذنبك ، لا يخافن العبد إلا ذنبه ، ولا يرجون إلا ربه .
الأستاذ أحمد :
 الخوف عنوان عريض ، لكن تحت هذا العنوان نرى أن بعض المفردات متشابهة، على سبيل المثال استعمل القرآن في مرة من المرات لفظة الهلع :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

 وفي مرة أخرى

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 والخوف من الله عز وجل

﴿ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ ﴾

 فهل الخوف والهلع والخشية يؤديان إلى معنى واحد أم أن لكل واحدة منهم معنىً مستقلاً ؟.

 

الخوف والهلع والخشية مفردات تجتمع في معانٍ موحدة إلا أن كلاً منها ينفرد بحالة خاصة:

الدكتور راتب :
 يبدو أن الهلع شدة الخوف ، والخشية متعلقة بالله عز وجل ، قد تخاف من شيء أما الخشية الخوف من الله عز وجل ، لذلك هذه المفردات مع أنها تجتمع في معانٍ موحدة إلا أن كلاً منها ينفرد بحالة خاصة ، كأن تقول : نظرت ، أو استشرفت ، أو لمحت ، أو حاولت أن أتمطى لأرى وأستشرف ، فهناك كلمات لها معانٍ موحدة ، وهناك كلمات تختص ببعض المعاني .
الأستاذ أحمد :
 سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ هذا الذي بات يعرف بعمر الفاروق وهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : " لو أن قدم شاة تعثرت في العراق لخفت أن يسألني الله عنها " ، سيدنا عمر الفاروق عُرف عنه أنه كان في وجهه خطان أسودان من كثرة البكاء ، وهذا سيدنا عمر ، إذاً للخوف نتائج محمودة ، ونتائج إيجابية ، كيف ننمي نحن عوام المسلمين وعامتهم هذا الخلق في أنفسنا حتى نصل إلى هذه الدرجة التي تشبه درجة خوف سيدنا عمر ؟

من ازداد علماً ازداد خوفاً من الله عزّ وجل :

الدكتور راتب :
 سيدنا عمر حينما قال : والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها ، لمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر ؟ سيدنا عمر حينما كان يجول في المدينة مع عبد الرحمن بن عوف ، وجدا قافلة قد خيمت لتستريح ، فسمع بكاء طفل ، اقترب عمر من أمه وقال : أرضعيه ، اقترب مرة ثانية ، وثالثة ، وهي ترضعه ثم يبكي ، فغضب وقال لها : أرضعيه ، قالت : ما شأنك بنا ؟! إنني أفطمه ، قال : ولمَ ؟ قالت : لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام ، تروي الرواية أنه ضرب جبهته ، وقال : ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ؟ ثم أصدر قراراً فورياً بأن يكون العطاء عقب الولادة ، ثم صلى الفجر بأصحابه ولم يفهموا قراءته من شدة بكائه ، وكان يدعو ويقول : "ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي ؟ أم رددتها فأعزيها ؟ " .
 لذلك كلما ازددت علماً ازددت خوفاً ، وكلما قلّ العلم قلّ الخوف ، هذا يعود بنا إلى أول ما طرح في هذا اللقاء الطيب .
 شيء آخر في موضوع الخوف : النبي عليه الصلاة والسلام دخل إلى بيت أحد أصحابه الذين توفاهم الله عز وجل ، فسمع امرأة من وراء الستار تقول : هنيئاً لك أبا السائد لقد أكرمك الله ، النبي عليه الصلاة والسلام مشرع ، تشريعه كلامه ، تشريعه فعله ، تشريعه إقراره ، فلو بقي ساكتاً لكان كلام هذه المرأة صحيحاً ، لا بدّ من أن يعلق ، قال : " ومن أدراكِ أن الله أكرمه ؟ قولي : أرجو الله أن يكرمه ، وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم " .
 هذا الحديث ينفي صفة ذميمة في الإنسان وهي التألي على الله ، أن تحكم عليه مستقبلاً ، المستقبل لا يعلمه إلا الله ، وهذا النبي الكريم على علو مقامه قال : "وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم " ، هذا هو الأدب مع الله .
 لذلك أنت حينما تزكي إنساناً تقول : أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً .

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد :
 نسأل الله عز وجل أن يختم لنا بالحسنى ، وأن يرزقنا مقام الخشية منه إنه على كل شيء قدير .
 في ختام هذه الحلقة لا يسعنا أيها الأخوة المشاهدين ، وأخواتي المشاهدات ، إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على ما تفضل به وأجاد، وإلى حلقة قادمة بإذنه تعالى نستودعكم الله .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018