موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 12 - خلق الشكر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠09برنامج موسوعة الأخلاق الإسلامية - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موسوعة الأخلاق الإسلامية - الندوة : 12 - خلق الشكر


2008-02-12

مقدمة :

 السلام عليكم أيها الأخوة المشاهدون ، في حلقة جديدة من حلقات : "موسوعة الأخلاق الإسلامية" ، نسير وإياكم في هذا اليوم الطيب المبارك مع أستاذنا الفاضل الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، أستاذ الإعجاز العلمي في كليات الشريعة وأصول الدين ، في خلق من الأخلاق جديد ألا وهو خلق الشكر ، فأهلاً وسهلاً بكم أستاذنا الكريم .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ أحمد جزاكم الله خيراً .
الأستاذ أحمد :
 أستاذي عندما يقول الله عز وجل :

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

( سورة إبراهيم الآية : 7 )

 نفهم من الآية أنها سبب لدوام النعمة ، ولكن قبل ذلك نتمنى أن نسمع منكم شيئاً عن أصل الشكر وتعريفه .

 

الإنسان عندما قَبِل حمل الأمانة سخر الله له ما في السماوات والأرض :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ أحمد ، في عالم الذر حينما قال الله :

﴿ عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 فلما قَبِل الإنسان حمل الأمانة سخر له :

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

( سورة الجاثية الآية : 13 )

 فكل ما في الكون بنص هذه الآية مسخر للإنسان ،

﴿ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾

 وحمله الأمانة ، والأمانة نفسه التي بين جنبيه .

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

( سورة الشمس )

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تسخير تكريم :

 النقطة الدقيقة : أن هذا الكون مسخر للإنسان تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، ما الذي يدل على ذلك ؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما نظر إلى الهلال فقال :

((هلالُ خَيْرٍ ورُشْدٍ ))

[ أخرجه أبو داود عن قتادة رحمه الله ]

 أي ننتفع به في الدنيا ، ويرشدنا إلى ربنا ، فمن خلال هذا النص الدقيق يتضح أن كل شيء خلقه الله عز وجل له وظيفتان ، وظيفة نفعية في الدنيا ، ووظيفة إرشادية إلى الله عز وجل ، ويبدو أن العالم الغربي حقق الوظيفة الأولى في أعلى درجة ، انتفع من كل ما في السماوات والأرض ، بينما المؤمن الكامل فضلاً عن أنه ينبغي أن ينتفع مما سخره الله له ينبغي أن يشكر الله على هذه النعمة ، ويتعرف إليه بها .

 

الإنسان حينما يؤمن بالله و يشكره يحقق الهدف من وجوده :

 إذاً الوظيفة النفعية حققها الإنسان الذي شرد عن الله ، بينما الوظيفة التعريفية هذه من خصائص المؤمن ، إذاً هذا الكون مسخر لهذا الإنسان تسخيرين تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ، موقف الإنسان من تسخير التعريف أن يؤمن ، موقف الإنسان من تسخير التكريم أن يشكر ، فالإنسان حينما يؤمن ، وحينما يشكر يحقق الهدف من وجوده ، والدليل توقف المعالجة حينما يؤمن ويشكر ، الآية الكريمة :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 147 )

 أنا في الدنيا حينما أتعرف إلى الله من خلال هذا الكون الذي سُخر لي ، وحينما أشكره على أن منحني نعمة الإيجاد .

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

( سورة الإنسان )

 ومنحني نعمة الإمداد ، أمدني بالهواء ، وبالماء ، وبالطعام ، وبالشراب ، وبالشمس ، وبالقمر ، وبالليل ، وبالنهار ، وبالزوجة ، وبالأولاد ، وبالرزق ، أنا أشكر الله على أن منحني نعمة الإيجاد ، وأشكره ثانية على أن منحني نعمة الإمداد ، وأشكره ثالثاً على أنه هداني إليه ، منحني نعمة الهدى والرشاد .

 

الشكر الذي يقوم به المؤمن هو ردّ للجميل الإلهي الذي أوجده وأمدّه وهداه إليه :

 الشكر في الأصل يحقق الهدف من وجود الإنسان ، لأن الكون مسخر للإنسان تسخير تعريف ، وتسخير تكريم ، التعريف يقتضي أن تؤمن ، والتكريم يقتضي أن تشكر .
 فلذلك الكون كله يدل على الله ، الإنسان إذا غفل عن الله ينتفع بالكون ، لكن المؤمن ينتقل من النعمة إلى المنعم ، فضلاً عن أنه ينتفع بما سخر الله له ، يشكر الله شكراً عميقاً ، فالشكر الذي يقوم به المؤمن هو ردّ للجميل الإلهي الذي أوجده ، وأمده ، وهداه إليه ، هذا فيما يتعلق بأصل الشكر .
 إذاً الشكر له فهم عقائدي ، فهم عقدي ، هذا هو الفهم العقدي .
الأستاذ أحمد :
 أما تعريفه ولو بكلمات مبسطة .

تعريف الشكر و أنواعه :

الدكتور راتب :
 الشكر هو أن يعترف الإنسان بنعم الله عز وجل بلسانه إقراراً واعترافاً ، وأن يمتلئ قلبه حباً وحمداً ، وأن تنصاع جوارحه طاعة وانقياداً .
 هناك شكر يظهر على اللسان ، وهناك شكر يظهر كشعور في قلب الإنسان ، وهناك شكر يظهر على الجوارح والأعضاء حينما تنصاع لطاعة الله عز وجل ، هو في الحقيقة اعتراف بالنعمة .
 لكن لمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا أنواع الشكر ، بمجرد أن تقول كعادة من عادات أقوالك : لقد منّ الله عليّ في هذه الزوجة الصالحة ، لقد منّ الله عليّ بهذا المأوى الذي أسكنه ، لقد منّ الله عليّ أن أعطاني قدرات مكنتني أن أنال هذه الشهادة ، لقد منّ الله عليّ أن يسر لي سبيل الرزق ، لقد منّ الله عليّ أن وهبني هؤلاء الأولاد ، فأنت دون أن تشعر ، ودون مجاملة ، ودون تقاليد لا معنى لها ، أنت حينما ترى النعم التي حولك تعزوها إلى الله عز وجل ، ولمجرد أن تعزو النعمة إلى الله فهذا نوع من الشكر .
 لكن حينما تلتقي مع ذاتك ، حينما تتأمل ، تجد أن قلبك مفعم بمحبة الله ، هذه المحبة ومعها الحمدُ مظهر آخر من مظاهر الشكر الأعلى درجة ، الأولى إدراكية ، الثانية نفسية ، أما حينما تتحرك لخدمة الخلق ، والتخفيف عنهم ، ولهدايتهم ، ولحل مشكلاتهم ، ولإطعام الجائع ، هذه درجة أعلى تؤكدها الآية الكريمة :

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾

( سورة سبأ )

(( إنك إذا ذكرتني شكرتني وإذا نسيتني كفرتني ))

[أخرجه الطبراني عن أبي هريرة ]

الأستاذ أحمد :
 أستاذي بمعنى أن معرفة الله عز وجل أنه هو صاحب النعمة هذه أقل درجات الشكر ، ثم بعد ذلك تنطبع في القلب .
الدكتور راتب :
 امتناناً ، وحمداً ، ثم تظهر على الأعضاء خدمة للخلق .
الأستاذ أحمد :
 وما هي الآية الأصل التي تعد باباً من الأبواب من قوله تعالى في باب الشكر ؟.

 

الآية التالية أصل في الشكر :

الدكتور راتب :

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

 لكن هناك نقطة ، من أسماء الله الحسنى أنه شكور ، أنك إذا قدمت لعباده خدمة ، أو عطاء ، أو توجيهاً ، أو رعاية ، أو أي شيء آخر هو في الحقيقة قدمته لله ، الدليل قول الله عز وجل :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾

( سورة البقرة الآية : 245 )

 أي عمل صالح تقدمه لأي مخلوق يعد قرضاً حسناً لله ، لذلك الله عز وجل يريدنا أن نتاجر معه .

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الصف )

أي عمل صالح يقدمه الإنسان لأي مخلوق يعد قرضاً حسناً لله :

 معنى ذلك أنك حينما تقدم شيئاً لعباد الله والله عز وجل شكور ، في بعض الأحاديث : "وأن اللقمة يضعها الرجل في فم زوجته هي له صدقة ، وقد يراها يوم القيامة كجبل أحد ".

﴿ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾

( سورة النساء )

 ولا نقيراً ، ولا قطميراً ، ولا مقدار حبة من خردل .

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾

( سورة الزلزلة )

 بل مستحل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وأن تشكره وتخسر ، ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتؤذي عباده وتربح ، بل إن البشر من هذا المنظور صنفان ؛ صنف عرف الله فانضبط بمنهجه ، وأحسن إلى خلقه ، فسعد وسلم في الدنيا والآخرة وصنف غفل عن الله ، وتفلت من منهجه ، وأساء إلى خلقه ، فشقي في الدنيا والآخرة .
الأستاذ أحمد :
 رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول :

(( إن للطاعم الشاكر من الأجر مثل ما للصائم الصابر ))

[الحاكم عن أبي هريرة ]

 فما معنى هذه الكلمات السهلة الممتنعة من جوامع الكلم ؟.

 

حاجة الغني إلى الصبر أكثر من الفقير :

الدكتور راتب :
 نحن نتوخى أن الصبر صاحبه في أعلى مقام ، والحقيقة أن الغني الشاكر ليس أقل أجراً عند الله من الفقير الصابر .
 لي رأي خاص ، هذا الرأي أن الصبر يحتاجه الغني أكثر من الفقير ، لأن الفرص المتاحة أمام الغني للتفلت من منهج الله كثيرة جداً .
 تصور إنساناً سافر إلى بلاد الغرب ، ولا يعرف الله أبداً ، يمكن أن يقع في آلاف الموبقات ، والمعاصي ، والآثام ، معه مال ، فالغنى يتيح للغني أن يفعل كل ما يشتهي ، من دون قيد أو شرط ، فإذا رأيت غنياً مستقيماً معنى ذلك الصبر الذي يتمتع به هذا الغني أعلى درجة من الصبر الذي يتمتع به الفقير ، الفقير ليس أمامه خيارات ، من فقره ضاقت خياراته، بينما الغني من غناه اتسعت خياراته ، ومع ذلك ضبط نفسه بمنهج الله عز وجل ، فالصبر قد يحتاجه الغني أكثر من الفقير ، هذه نقطة .
 الآن الغني حينما يشكر قيمته إيجابية ، ليست إيجابية ، الفقير صبر ، صبر على الحرمان ، صبر على نقص المال ، صبر على بعض المشكلات ، أما الغني بدل أن يمتنع عن أن يفعل شيئاً ، ساعد الفقراء ، أطعم الجياع ، أسس معهداً ، أسس ملجأ ، أسس ميتماً ، أسس مدرسة ، فصفة العمل الصالح عند الغني إيجابية ، بينما صفة الصبر عند الفقير سلبية ، فأنا أقول دائماً بأن أمام الغني فرصاً لا تعد ولا تحصى للعمل الصالح ، ولأن علة وجود الإنسان في الدنيا هي العمل الصالح ، والدليل الإنسان حينما يأتيه ملك الموت يقول :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

( سورة المؤمنين )

 لذلك فرص العمل الصالح المتاحة للغني لا تعد ولا تحصى ، إذاً ينبغي أن يسعى المؤمن لأن يكون غنياً إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله ، فإذا كان الغنى على حساب دينه ، ومبادئه ، نقول له ساعتئذٍ : الفقر وسام شرف لك ، وكذلك القوة ، القوي بجرة قلم يحق حقاً ويبطل باطلاً ، يقر معروفاً ويزيل منكراً ، القوي أمامه خيارات لإنصاف الناس، وإحقاق الحق ، ورفع الظلم عن الناس ، أمامه خيارات لا تعد ولا تحصى .

 

على الإنسان أن يطلب القوة والغنى والعلم لكن بشرط الضوابط الشرعية :

 مبدئياً ما دامت علة وجودي في الأرض أن أعمل صالحاً ، فالقوي قدرته وخياراته على العمل الصالح واسعة جداً .
 إذاً ينبغي أن أكون ذا شأن في المجتمع ، إذا كان هذا الهدف سالكاً وفق منهج الله عز وجل ، أما إذا كان هذا الهدف على حساب مبادئي ، وديني ، وقيمي ، أقول : الضعف وسام شرف لهذا الإنسان ، أي الغنى والقوة والعلم هم القوى الكبرى في الدنيا ، إما أن تكون متخصصاً في اختصاص نادر ، أو تملك ثروة طائلة ، أو بموقع قوي ، بإمكانك أن تحق الحق ، وأن تبطل الباطل ، فهذا الذي أتمناه ألا يقنع المسلمون أن يكونوا في الدرجة الدنيا من الحياة .
 النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة ، قال :

(( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ))

[ورد في الأثر]

 فلما أسلم سيدنا حمزة توقف إيذاء قريش لأصحاب النبي ، ولما أسلم سيدنا عمر صلى المسلمون في بيت الله الحرام .
 إذاً القوة مطلوبة ، والغنى مطلوب ، والعلم مطلوب ، لكن بشرط الضوابط الشرعية ، وأن يكون سالكاً وفق منهج الله .
الأستاذ أحمد :
 حديثك عن الغني وعن الفقير ، الغني الشاكر ، والفقير الشاكر ، هل بين الشاكر والشكور من رابط ؟.

 

الشاكر و الشكور :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أن الشاكر يشكر الله على نعمه ، بينما الشكور آفاقه واسعة جداً ، يشكر الله على بعض المصائب ، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، وإن شكر اقتناه ، أي الشكر بعمقه الكبير حينما يسوق الله لعبد مصيبة ، أو تضييقاً ، أو شدة هي في حقيقتها نعمة ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

( سورة لقمان الآية : 20 )

 المصائب هي النعم الباطنة ، ولكن قد يقول قائل : لماذا المصائب ؟ أقول بشكل واضح : لماذا صنعت السيارة ؟ من أجل أن تسير ، ولماذا كان فيها المكبح وهو يتناقض مع علة صنعها ؟ من أجل سلامتك ، فالمصائب أحياناً هي مكابح تكبح جنوح الإنسان وهو في الطريق الخطأ .
الأستاذ أحمد :
 عندما يقول الله عز وجل :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

( سورة البقرة )

 هذا يستدعيني لأن أسأل سؤالاً من شقين أوله : كيف يكون ذكر الله عندنا ؟ ثم ذكر الله لنا ؟ ثم بعد ذلك

﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

 هل يقصد بالكفر هنا كفر النعمة أم عكس الإيمان ؟

 

ذكر الإنسان لله من لوازم عبوديته لربه أما ذكر الله للإنسان فيملأ قلبه سكينة وأمناً :

الدكتور راتب :
 الحقيقة : الإنسان حينما يشكر الله عز وجل يقترب منه ، أما ذكر الله للإنسان شيء ، وذكر الإنسان لربه شيء آخر ، الحقيقة الإنسان حينما يذكر الله بأن يدعوه ، يستغفره، يناجيه ، يتوب إليه ، يثني عليه ، يهلل ، يقول : لا إله إلا الله ، يكبر ، يقول : الله أكبر ، يحوقل ، يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، هكذا ذكر الله ، ذكر الله من لوازم عبودية الإنسان لربه ، أما إذا ذكرك الله ملأ قلبك سكينة ، منحك نعمة الأمن ، منحك نعمة الصبر ، منحك نعمة الشكر ، منحك نعمة التوازن ، منحك نعمة الرضا ، منحك الحكمة ، منحك الأمن ، الأمن أعظم نعمة .

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الأنعام )

الله عز وجل شكور إذا ذكرته يمنحك نعماً لا تعد و لا تحصى :

 لذلك الصلاة ذكر ، لقوله تعالى :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة العنكبوت )

 العلماء قالوا : ذكر الله أكبر ما فيها ، لكن بعض العلماء قال : لا ، ذكر الله لك أيها الإنسان حينما تذكره أكبر من ذكرك له ، أنت تؤدي واجب العبودية ، لكنه يمنحك الحكمة ، يمنحك الأمن ، يمنحك الطمأنينة ، يمنحك السداد ، والرشاد ، يمنحك السعادة ، يمنحك الثقة ، يمنحك التفاؤل ، يمنحك الحب ، يمنحك أشياء لا تعد ولا تحصى .

(( إنك إذا ذكرتني شكرتني ))

[ رواه الطبراني عن أبي هريرة )

 علاقة الذكر بالشكر ، أنت حينما تتعرف إلى الله ، وإلى أنه صاحب كل النعم تذكره ، ذكرك له واجب العبودية له ، بينما ذكره لك يعطيك عطاءً يفوق حدّ الخيال ، إذا أعطى أدهش ، وقد يكون عطاء الله فهماً لكتاب الله .

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

 مثلاً : كلمة عظيم لو قالها طفل ، قال لك : أنا معي مبلغ عظيم ، كم تقدر هذا المبلغ ؟ بمئتي ليرة ، أما إذا قال مسؤول كبير في دولة عظمى : أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً ، يقدر بمئتي مليار ، فإذا قال ملك الملوك ، ومالك الملوك ، إذا قال الله رب العالمين، إذا قال من بيده جميع الخلق :

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

 فلذلك العلم عطاء عظيم ، الحكمة عطاء عظيم ، الأمن عطاء عظيم ، الاستقرار النفسي ، الرضا ، التفاؤل ، الاستقامة ، السمعة الطيبة ، فالله عز وجل شكور إذا ذكرته يمنحك هذه النعم .
لذلك :

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

 هذا وظيفتها السلبية ،

﴿ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

 أكبر ما فيها ، أو إن ذكر الله لعبده حينما يذكره أكبر من ذكره له ، بمعنى أنه يمنحك هذه الخصائص .
الأستاذ أحمد :

﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

( سورة البقرة )

 الكفر كفر النعمة ؟.

 

المؤمن منشغل دائماً بشكر الله على النعم التي أعطاه إياها :

الدكتور راتب :
 طبعاً ، هناك كفرٌ دون كفرٍ ، مثلاً هناك إنسان لا يرى إلا السلبيات في حياته ، وهناك إنسان يرى الإيجابيات ، منشغل بشكر النعم التي بين يديه ، وقد ينسى التي زويت عنه.
 على كلٍّ المؤمن له موقف رائع ، يقول :

((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب ، اللهم وما زويت عني مما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))

[ الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطميّ الأنصاري]

 والمؤمن لا يخلو من شيء طمح إليه ، وأكرمه الله به ، وشيء فاته ، فهو يشكر في الحالين ، الذي مكنه الله منه يقول : يا رب أعطيتني هذه النعمة فاجعلها في طاعتك ، وإذا زوى عنه نعمة أخرى يقول : يا رب اجعل فراغها في طاعتك .
الأستاذ أحمد :
 أستاذي بعض الناس رأيتهم يظنون أن شكر كل النعم يكون بترداد لفظ الحمد لله ، وأظن أن هذا الفهم خاطئ ، فلكل نعمة نوع من أنواع الشكر ، فكيف تشكر النعم على اختلافها ؟.

 

لكلّ نعمة شكرها :

الدكتور راتب :
 إذا منحك الله نعمة الصحة تشكر الله عليها بأن تجعل هذه الصحة في سبيل طاعة الله ، لا أن تستخدمها فيما نهى الله عنه ، إذا منحك الله نعمة النظر ينبغي أن ترى بها نعم الله لا أن ترى بها عورات المسلمين ، إذا منحك نعمة الأذن المرهفة ينبغي أن تستمع بها إلى الحق لا إلى الباطل وما شاكل ذلك ، إذا منحك نعمة اليد ينبغي أن تكون بفعل الخير لا للبطش بالناس ، فكل نعمة لها شكرها ، أن تستخدم هذه النعم في طاعة الله ، وشيء غريب جداً أن تستخدم نعمة في معصية الله ، هذا شيء يبعد الإنسان عن ربه .
الأستاذ أحمد :
 فلذلك ذكروا أن ابن السماك عندما دخل على هارون الرشيد ، وجلس عنده ، وأراد هارون الرشيد أن يشرب شربة ماء ، قال له : أيها الخليفة لو منعت عنك هذه الكأس بكم تشتريها ؟ قال : بنصف ملكي ، قال : فاشرب هنيئاً مريئاً ، ثم عندما انتهى قال له : و لو منع منك إخراجها بكم تشتريها ؟ قال : بالنصف الآخر ، فقال : فاشرب هنيئاً مريئاً ، ولكن اتقِ الله في ملك لا يساوي شربة ماء ، هذا من باب الشكر .

شكر النعمة حصن لها وكفر النعمة محق لها :

الدكتور راتب :
 الحقيقة أي جهاز من أجهزتنا ، أية حاسة من حواسنا ، أي خطأ في جسمنا يجعل الإنسان في جحيم لا يطاق ، فحينما يستيقظ سليماً معافى ، مثلاً كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ ، يقول : " الحمد لله الذي ردّ إلي روحي ـ أي سمح لي أن أعيش يوماً جديداً ـ وعافاني في بدني ، وأذن لي بذكره "
 كان إذا دخل الخلاء يقول :

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته ـ أكل طعاماً طيباً ، أحياناً الإنسان يقبع في المستشفى يأخذ السيروم ـ وأبقى فيّ منفعته ، وأذهب عني أذاه ـ بهذا الخروج ـ ))

[ البيهقي عن عائشة]

 إذاً كان عليه الصلاة والسلام تعظم عنده النعمة مهما دقت ، بل إن شكر النعمة حصن لها ، وسبب في زيادتها ، بينما كفر النعمة محق لها ،

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

الأستاذ أحمد :
 أستاذي الكريم ، بعض الفقراء كان يلح بالشكوى من فقره للناس ، فأراد أحد العلماء أن يؤدبه ، فقال له : بكم تشتري نعمة البصر لو أنها منعت عنك ؟ وضرب له مثلاً بكذا ألف من الدراهم ، وعدد له نعم الله عليه ، ثم بعد ذلك قال له : أما تستحي أن تشكو مولاك وقد أعطاك ما أعطاك ؟ هل كلام العالم لهذا الفقير فقط سببه أنه لا يريد أنه يشكو الله للناس أم أن الإنسان لابدّ له أن يرفع يديه إلى السماء ويدعو ؟.

 

على المؤمن ألا يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم :

الدكتور راتب :
 لو اشتكى إلى كافر فكأنما اشتكى على الله ، لكن من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ، المؤمن مؤمن ، يعرف نعم الله عز وجل ، أحياناً الإنسان عنده حاجة إلى البوح ، فالبوح إلى مؤمن لا شيء فيه ، هو شكوى إلى الله ، لكن الأكمل :

﴿ قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾

( سورة يوسف الآية : 86 )

 والأكمل : ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ أحمد :
 جزاكم الله خيراً أستاذنا الكريم على ما أفدتمونا به من شرح عن أصل الشكر ومفهومه ومعناه ، وإلى أن نلتقي بكم أخواني المشاهدين في حلقة جديدة من حلقات موسوعة الأخلاق الإسلامية ، نشكر أستاذنا الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي ، على أمل اللقاء بكم في حلقة أخرى .
 والسلام عليم ورحمة الله تعالى وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018