الدرس : 8 - سورة المدثر - تفسير الآيات 52-56 اختيار طريق الحق سبب سعادة الإنسان - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 8 - سورة المدثر - تفسير الآيات 52-56 اختيار طريق الحق سبب سعادة الإنسان


1998-03-06

 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

وقفة متأنية مع سورة المدثر:

 أيها الإخوة الكرام: مع الدرس الثامن والأخير من سورة المدَّثر، في الدرس الماضي نقاطٌ كثيرةٌ ودقيقة مررنا بها سريعاً، وأتمنى أن نقف عندها وقفةً متأنية في هذا الدرس ويكون هذا الدرس الأخير من سورة المدثر.

 

أعظم سعادة للإنسان أن تكون تصوراته متوافقة مع كلام الله:

 الآية الكريمة:

 

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 

(سورة المدثر )

 كلمة:

﴿ كَلَّا﴾

 كما تعلمون أداة ردعٍ ونفيٍ، أي حينما يقول الله عزَّ وجل لهذا الإنسان:

﴿كَلَّا﴾

 أي لا كما تتصور، لا كما تتوهم، لا كما تقول، أي شقاءٍ أكبر من أن تكون في تفكيرك وإدراكك مخالفاً لمنهج الله عزَّ وجل، كلا. من هو السعيد ؟ الذي جاءت تصوَّراته ويقينياته موافقةً لما في القرآن الكريم، والحقيقة لا بدَّ من أن نعرفها جميعاً، أهل الأرض كلُّهم من آدم إلى يوم القيامة سيعرفون الحقيقة عند الموت، كل البطولة أن تعرفها الآن، إن عرفتها الآن انتفعت بها، وإلا لا تنتفع بها أبداً، فعند كلمة:

 

﴿كَلَّا﴾

 تعتقد شيئاً ؟ تتوهم شيئاً ؟ تتصور شيئاً ؟ تمشي في طريق مسدود، تمشي في طريق ينتهي بك إلى الهاوية، فأنا لا أرى سعادةً أعظم من أن تكون معتقداتك تصوُّراتك يقينياتك موافقةٌ لكلام الله عزَّ وجل، هذا هو الهُدى.

 

 

الابتعاد عن الضلال و الوهم:

 أما:

 

 

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً(104)﴾

 

(سورة الكهف )

 بطولتك أن تتوافق تصوراتك مع ما في القرآن الكريم، أو أن تأخذها من القرآن الكريم، بطولتك أن تكون قِيَمُك قيماً دينية، أن تكون مقاييسك مقاييس القرآن الكريم، أن تقيِّم الأشخاص لا بحجمهم المالي ولا بحجم قوتهم بل بحجم انتمائهم لهذا الدين، فكلمة:

﴿ كلا﴾

 أداة ردعٍ ونفيٍ أي إياك أيها الإنسان أن تكون ضالاً، إيَّاك أن تكون واهماً، إيَّاك أن تتبع الظن، عليك أن تكون مع الحقيقة، والحقيقة تُستقى من الوحي فقط.

 

توافق الحقيقة مع الوحي:

 العقل أيها الإخوة مع أنه أعقد جهازٍ أودعه الله فينا، مع أنه الشيء الذي نتميَّز به لا يكفي وحده من دون وحيٍ لمعرفة الحقيقة.

 

 

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19)﴾

 

(سورة المدثر )

 لا بدَّ من أن تهتدي بوحيٍ، الحقيقة قد تعرفها بالتجربة، قد تعرفها من خلال العِلم، ولكن الحقيقة المطلقة لا تكون إلا على طريق الوحي، الإنسان بعقله قد يكشف بعض الحقائق، قد يكشفها في الوقت المناسب، وقد يكشفها في الوقت غير المناسب، وقد يكشفها بعد فوات الأوان، وقد يكشفها ولا يستطيع أن ينتفع بها، أما إذا استقيت الحقائق من الوحي، من كتاب الله، تعرفُها في الوقت المناسب، وتنتفع بها، وهي صحيحةٌ صحةً مطلقة، فكلا ليس كما تقولون، ليس كما تزعمون، ليس كما تتوهَّمون، الحقيقة هذه:

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 

التأمل في الآيات لمعرفة الله من خلالها:

 كل الآيات القرآنية:

 

﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2)﴾

 

(سورة الشمس )

﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾

(سورة الفجر )

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 الله عزَّ وجل يلفِتُنا إلى هذه الآية، هؤلاء الذين أعرضوا عن التفكر في خلق السماوات والأرض ماذا فعلوا ؟ عطَّلوا ثُلث القرآن، لماذا يقول الله عزَّ وجل:

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 أي هل فكرت في القمر ؟ هل فكرت في الشمس ؟ هل فكرت في الليل والنهار ؟ هل فكرت في الكواكب ؟ هل فكرت في طعامك ؟ هل فكرت في شرابك ؟ هل فكرت مما خلقت ؟ هل فكرت في الذكر والأنثى ؟ فهذه الآيات كيف تعرف الله عزَّ وجل ؟

التفكر أساس معرفة الخالق:

 ذكرت اليوم في الخطبة: أنك ترى إنساناً، رأيته هل عرفته ؟ لا، إنسان أمامك، برأس، وجذع، وأطراف، وعيون، وأنف، وفم، لابس، جالس، مهما تأمَّلت في شكله وفي هندامه لا تعرفه، أما إذا سألته عن دراسته، أو عن إنجازاته، أو عن طبيعة عمله، أو عن فعله، كلما عرفت عنه شيئاً كَبُر في نظرك، فأنت مع إنسان تحتاج إلى تفاصيل كي تعرفه، فمع الواحد الديان، يكفي أن تقول: الله خالق السماوات والأرض ؟! فهل فكَّرت في رحمته، في قدرته ؟ في علمه ؟ في رأفته ؟ في لطفه ؟ في جبروته ؟ في قوته ؟ ما لم تحص أسماء الله الحسنى لا تعرف الله عزَّ وجل، أحد الأشياء التي تقربك من الله عزَّ وجل أن تحصي أسماءه الحسنى، " إن لله تسعاً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة ". إحصاؤها شيء، وعَدُّها شيءٌ آخر، أن تعرف أسماء الله الحسنى باب، أن تفكِّر في القمر.

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)﴾

 

( سورة المدثر )

 الليل وحده، فيا سبحان الله أين النهار إذا جاء الليل ؟ ويا سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار ؟ من ظلام من سكينة من هدوء إلى إشراق إلى وضوح، وكيف أن الليل والنهار يتعاقبان و يختلفان طولاً وقصراً بين الصيف والشتاء، فهذه آية الليل، يقولون: شدة القُرب حجاب، الشيء الذي نألفه كثيراً ؛ ليل ونهار، وشمس وقمر، وأمطار ورياح، وجبال ونباتات، وطعام وشراب، هذا نعيشه كل يوم، شدة هذا القرب قد تكون حجاباً بينك وبينه، فالإنسان لا ينتبه أنه مغمور بنعم الله عزَّ وجل.
 كأس الماء بكم تشتريه يا أمير المؤمنين إذا منع عنك ؟ قال: بنصف مُلكي، قال: فإذا منع إخراجه ؟ قال: بنصف مُلكي الآخر. عندما يشرب الإنسان الماء ويخرج الماء، لما يتحرك، ينظر، يبحث، يسمع، يتكلم، ينطق، يدخل بيته، هذه نعمٌ كثيرةٌ، يجب أن نتأمَّل فيها.

 

وظائف آيات الله الكونية:

 

1 ـ وظيفة نفعية:

 فالآيات التي نستعملها ينبغي أن ننتفع بها.

 

2 ـ وظيفة تعريفية:

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 فكرت بالقمر ؟ فكرت بالشمس ؟ فكرت بالليل ؟ فكرت بالنهار ؟ فهذه الآيات ينبغي أن نستعملها، ينبغي أن ننتفع بها، ينبغي أن نعرف الله من خلالها، وأذكر لكم دائماً أن آيات الله الكونية لها وظيفتان كبيرتان وظيفةٌ تعريفية، ووظيفةٌ نفعية، فنحن ننتفع بالقمر ونتعرَّف إلى الله من خلاله، فالذي انتفع به فقط هم أهل الغرب، والذين ينبغي أن يتعرفوا إلى الله من خلاله نحن المؤمنين، يجب أن تتعرَّف إلى الله من خلقه، ولا شك أن المهمة الأولى أكبر بكثير، فكل شيء الله خلقه له وظيفتان ؛ وظيفةٌ تعريفية، ووظيفةٌ نفعية، فالشارد عن الله عزَّ وجل يقف عند النعمة ولا يصل منها إلى المنعم، وظيفته نفعية، ينتفع ويأكل ويشرب، لكن المؤمن ينتقل من هذه النعمة إلى المُنعم، من هذا الخَلق إلى الخالق، من هذا النظام إلى المُنَظِّم، من هذا التسيير إلى المُسَيِّر، من مظاهر الكون إلى خالق الكون، هذه النقلة التي لا بدَّ منها.

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71)﴾

(سورة القصص )

الليل و النهار من نعم الله على الإنسان:

﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)﴾

 فهل نعمة النهار قليلة ؟ أساساً هناك في شمال الكرة الأرضية في قطبها الشمالي وقطبها الجنوبي الليل يستمر ستة أشهر، والنهار ستة أشهر، الحياة لا تُحتمل، لا تحتمل أن يبقى الليل ستة أشهر، جعله في ساعاتٍ تناسب طاقاتك، تناسب عملك، تناسب نظام حياتك، هذه آية، دائماً في ربط، فالذي أنزل هذا الكتاب هو الذي خلق السماوات والأرض، في ربط مستمر في القرآن الكريم.

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)﴾

 

(سورة الحاقة)

 جواب القسم يأتي دائماً متناسباً مع المُقْسَم به، خالق الكون أنزل هذا القرآن الكريم:

 

﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا﴾

 

على الإنسان إدخال الجنة و النار في حساباته:

 بعض علماء التفسير قال: إنها جهنم لإحدى الكبر، فإنسان يمشي في الطريق يمرح ويضحك وأمامه لغم سيجعله قطعاً صغيرة، ولا يتأثَّر؟!! الناس في غفلةٍ شديدة، موضوع الجنة والنار، أنا أرى أن أكثر الناس لا يُدخلان هذا الموضوع في حساباتهم اليومية، لماذا آلاف الدعاوى في قصر العدل ؟ لماذا اغتصاب الأموال ؟ لماذا الكذب ؟ لماذا الغُش ؟ لماذا العدوان على ما عند الآخرين ؟ سيدنا عمر تَسَلَّم منصب القضاء في عهد سيدنا الصديق سنتين لم يرفع أحدٌ إليه قضية، كل إنسان يعرف ما له وما عليه، كل إنسان يعرف حدوده، وهذا هو المؤمن، فحينما نأخذ ما ليس لنا ونعتدي على حقوق الآخرين كيف نكون في المستوى الذي يريدنا الله به ؟

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 

جزاء الإنسان في النار:

 قضية النار قال تعالى:

 

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

 

(سورة البقرة)

 إله عظيم، فهل يعقل أن يقول شيئاً لا يقع ؟ فهل تصدق أن تذلك ؟! هل تصدق أن خالق الكون يقول شيئاً لا يقع ؟ إنسان قوي يحترم قوله، إنسان جُبِلَ على الخطأ ويحترم قوله، خالق الأرض والسماوات يقول: جهنم ونار:

 

﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74)﴾

 

(سورة طه )

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾

(سورة النساء: آية " 56)

 ومع ذلك لا تجد كثيراً من المسلمين الذين ينتمون إلى هذا الدين يدخلون النار في حساباتهم اليومية.

 

إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ: آية لها عدة معاني:

 

1 ـ جهنم أكبر الأخطار التي تنتظر الإنسان:

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 هذه النار إحدى أكبر الأخطار التي تنتظر الإنسان، فأكبر خطر أن يكون المصير إلى النار.

 

﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)﴾

 

(سورة إبراهيم )

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً آَمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)﴾

(سورة البقرة )

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً (27)﴾

(سورة الإنسان )

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 فجهنم أحد أكبر الأخطار التي تنتظر الإنسان، والأخطار في الدنيا مؤقَّتة تنتهي عند الموت، لكن الأخطار في الآخرة ليس هناك موت.

 

﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74)﴾

 

(سورة طه )

2 ـ تكذيب الإنسان بالحق من أكبر الجرائم:

 المعنى الثاني:

 

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 

 تكذيبكم بالحق، أحد أكبر الجرائم، أي أن أكبر جريمة أن تشرد عن الله عزَّ وجل، أن تكذِّب كلامه، ألا تعبأ بكلام نبيّه، ألا تعبأ بالوعد والوعيد، ألا تعبأ بالحق والباطل، تعيش لذاتك لشهواتك.

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

3 ـ الاهتمام بقضية الدين:

 والمعنى الثالث الذي فَصَّلته في الدرس الماضي: أكبر قضية ينبغي أن تنتبه لها هي مصيرك، علاقتك بهذا الدين، هل أنت مؤمن ؟ هل أنت مسلم ؟ هل أنت مُحسن ؟ أين موقعك ؟ ما درجتك عند الله عزَّ وجل ؟ هل أنت مقبول عند الله ؟ الصحابة الكرام، أحد التابعين قال: التقيت بأربعين صحابياً ما منهم واحداً إلا وهو يظن نفسه منافقاً من شدة خوفه من الله. المنافق يبقى في حالٍ واحدة أربعين عاماً بينما المؤمن يتقلَّب في اليوم الواحد أربعين حالاً، من شدة قلقه وخوفه وحرصه على رضوان الله عزَّ وجل.
 إذاً أول معنى جهنم:

 

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 

 المعنى الثاني تكذيبكم بهذا الدين.

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 المعنى الثالث: قضية الدين بمجملها، هذه أكبر قضية ينبغي أن تهتم لها، ليس هناك قضية تعلو عليها، وأكثر الناس يضعون قضية الدين في الدرجة الخامسة، مصالحه، رزقه، كسبه، ماله، مكانته، في الدرجة الأولى، إذا عنده وقت فارغ يحضر درس علم، يجب أن تُشَكِّل حياتك وفق منهج الله عزَّ وجل.

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36)﴾

حرية الاختيار للإنسان:

 النار نذير، وقال علماء التفسير: النبي هو النذير، وقالوا: القرآن هو النذير، والأربعون هي النذير، والشَيب هي النذير، والسّتون هي النذير، والمصائب النذير، وموت الأقارب نذير:

 

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37)﴾

 

(سورة فاطر )

﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)﴾

(سورة المدثر )

 أنت مُخَيَّر تحب أن تتقدم إلى السعادة فالطريق سالك، وتحب أن تتأخَّر عنها أنت مخير، تحب أن تتقدم إلى الخير الطريق سالك، تحب أن تبتعد عن الخير إلى الشر فممكن لأنَّك مُخَيَّر.

 

﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ﴾

 إلى الخير، إلى الجنة، إلى رضوان الله، إلى السعادة، أو يتأخَّر عن هذه كُلها.

 

 

﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)﴾

 

(سورة المدثر)

الإنسان رهين عمله:

 أنت رهينُ عملك، أنت محبوسٌ بعملك، فإن كان كريماً أكرمك وإن كان لئيماً أسلمك، فأخطر سؤال يجب أن تطرحه على نفسك كل يوم: ما نوع عملي هل فيه خلل ؟ في خلل بالدخل ؟ في خلل بالعلاقات ؟ هل لي عمل لا يُرضي الله ؟ هل لي عمل مخالف للمنهج الصحيح ؟

 

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38)﴾

 وشَتَّانَ بين من يكون عمله صالحاً ويأتيه ملك الموت، وبين من يكون عمله سيئاً ويأتيه ملك الموت.
 أيها الإخوة الكرام: أن تكون طليقاً هذا دليل استقامتك، المؤمن طليق، والمؤمن متفائل، والمؤمن متوازن، والمؤمن سعيد، والمؤمن بقلبه سكينة، سعادة، شعوره أن الله راضٍ عنه، شعور لا يقَدَّر بثمن.

 

 

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39)﴾

 هؤلاء الذين عرفوا الحق وطَبَّقوا أمر الله وأمر النبي، هؤلاء الذين وصلوا إلى الله، هؤلاء الذين عرفوا سر وجودهم وغاية وجودهم.

 

 

أسباب دخول المجرمين النار:

 

﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41)﴾

(سورة المدثر )

 فماذا أراد الله بهذه الآية ؟ لو أن إنساناً زار سجناً وهو يعمل في التجارة، وزار سجناً ورأى أحد السجناء قال له: ما الذي أوصلك إلى هنا ؟ قال له: لأنني تاجرت ببضاعةٍ محرمة ممنوع المتاجرة بها، أليس هذا درساً للزائر ؟ درس لنا، الآن نحن مع بعض أهل النار، يُسْأل:

 

﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42)﴾

 ما الذي أوصلكم إلى النار ؟ ما سبب دخولكم النار ؟ لماذا أنتم هنا ؟ أول سؤال تطرحه على سجين: لماذا أنت هنا ؟ لأنه كامل ؟ لا، لأنه إنسان صالح ؟ لا طبعاً، لأنه محسن ؟ طبعاً مستحيل، يوجد مشكلة كبيرة كانت سبباً لدخوله السجن، فالآن اسمعوا إلى أسباب دخول النار:

 

 

1 ـ عدم الصلاة:

 

﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)﴾

 أي إن لم تنعقد الصلة بينك وبين الله فالوضع خطير جداً، إن لم تنعقد هذه الصلة، وهذه الصلة لا تنعقد إلا بطاعته، إلا بالاستقامة على أمره، إلا بالإحسان إلى خلقه، إلا بأن تقف عند الحدود، إلا بأن تعرف ما لك وما عليك، إلا أن تنام مساءً وأنت مرتاح لم تكن سبباً في شقاء إنسان، ولا في نشر معصية، ولا في إفساد إنسان، ما تَعَلَّقت بك الحقوق ولا الواجبات، هذه الحالة الطيبة، الذي استقام على أمر الله، هو الذي ينام مطمئناً:

﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43)﴾

 الاتصال بالله يحتاج إلى مقدِّمات، مقدماته الاستقامة على أمر الله، الاتصال بالله يحتاج إلى معرفة الله، تصلي لمن ؟ هناك من يصلي لمن لا يعرفه، يجب أن تعرفه من أجل أن تنعقد صلاتك معه انعقاداً صحيحاً.

 

2 ـ الانقطاع عن الله و الإساءة لخلقه:

 

﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)﴾

 نحن متصلين بالله عزَّ وجل وليس لنا عمل صالح، معنى أسباب دخول النار الانقطاع عن الله والإساءة للخلق.

 

﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44)﴾

 

 بل إن هنا المعنى دقيق جداً، فالامتناع عن العمل الصالح جريمة لأنك مخلوق للعمل الصالح، لو طالب قال لك: أنا ما آذيت صديقاً طوال حياتي، ما ضربت زميلاً لي، ما سببت زميلاً، لكن ما درست إطلاقاً، فهل هذا ينجح ؟ لم يؤذِ أحداً، لم يتكلم كلمة نابية، لم يضرب أي طالب أبداً، كل أعماله صالحة ولكن لم يدرس ولا كلمة، معنى ذلك أن عدم العمل الصالح هو الخطأ الكبير.

3 ـ التقليد الأعمى للآخرين:

﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)﴾

 هنا المشكلة، هذا الانجراف مع التيار:

 

﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116)﴾

 

(سورة الأنعام)

﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)﴾

(سورة يونس )

 الانجراف مع التيار العام، الناس كشفوا عن عوراتهم يكشف عن عوراته، دخلوا جحر ضَبٍ فدخلوه، فهذه صرعات الأزياء، المستحدثات، الانحرافات، هذا الشيء الذي نستورده من الغرب، يتعَلَّق بأخلاقنا بديننا بقيمنا ما دام شاع نأخذ به.

 

﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)﴾

ما في موقف، ما في اتجاه خاص، ما في منظومة قيم تقبلها أو لا تقبلها، مع الناس إمَّعة:

 

 

(( لا تكونوا إمعة تقولون إن أحسن الناس أحسنا و إن ظلموا ظلمنا ))

 

[ أخرجه الترمذي عن حذيفة ]

إدخال اليوم الآخر في حساباتنا:

 وأنتم ترون، كيف تنتشر بعض المستحدثات في بلادنا انتشاراً واسعاً جداً مع أنها لا ترضي الله عزَّ وجل، الذي يفعله الناس يفعله الباقون والحُجَّة: هكذا يفعل الناس. فأي إنسان يقول لك: الناس كلهم كذلك، هل هذه حجة ؟ هذا دليل ؟ فبشكل أو بآخر إذا وجد مستنقعاً آسناً، مياه سوداء، مياه مجاري، وفيها مئة إنسان يسبحون بها ويلعبون ويضحكون، وأنت الله عزَّ وجل كَرَّمك بالنظافة والوضع السليم لأن هؤلاء في هذه البركة الآسنة تنزل معهم ؟ هل هذه حُجَّة ؟.

 

﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46)﴾

 أي أن اليوم الآخر لم يدخل في حسابات الناس إطلاقاً.

 

 

حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ: آية لها عدة معان:

 

1 ـ الإنسان عند الموت يعرف الحقيقة اليقينية:

﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾

 لما سُمي الموت يقيناً ؟ سُمي الموت يقيناً لأن الإنسان عند الموت يعرف الحقيقة اليقينية التي كان غافلاً عنها، هذا معنى.

 

2 ـ اليقين بوقوع الموت:

 المعنى الثاني: سُمي الموت يقيناً لأنه مُتَيَقِّنٌ وقوعه، هل يستطيع أحد على وجه الأرض أن يقول: أنا لا أموت ؟ أعوذ بالله، مصير كل حي، جئنا على هذا الشرط، سبحان من وعد عباده بالموت، كتب علينا الموت، جميعاً: عش ما شئت فإنك مَيِّت، أحبب ما شئت فإنَّك مُفارق، اعمل ما شئت فإنَّك مجزيٌ به.
 لذلك لا أحد يستطيع أن يُنكر حدث الموت، ولكن الناس يتفاوتون في مدى الاستعداد للموت.

 

 

﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47)﴾

 

 أروع ما في حياة الإنسان أن يأتي الغيبُ موافقاً لاعتقاده، أما أن يأتي الغيب الذي غاب عنك مفاجئاً لك هذه مشكلة كبيرة جداً.

﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)﴾

(سورة المدثر)

﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (19)﴾

(سورة الزمر )

عدم الإعراض عن الحق:

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49)﴾

 لماذا الإعراض عن هذا الحق ؟ لماذا الإعراض عن هذه التذكرة ؟ لماذا الإعراض عن هذا القرآن ؟ لماذا الإعراض عن دعوة الله علينا أن نستجيب له ؟ لماذا نُعرض ؟ لما لا نستجيب؟ لا نتقاعس ؟

 

﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ﴾

 في إعراضهم.

 

 

﴿حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾

 من رامي، أو من الليل.

 

 

﴿فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)﴾

 

الإنسان المنحرف يريد ديناً يتوافق مع مزاجه:

 أيها الإخوة: الآية التي ذكرتها في الدرس الماضي:

 

﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52)﴾

 أبو جهل قال له: " يا محمد ليُنزل ربك علينا كتاباً نقرأه أنه بعثك إلينا رسولاً ". هذا قول أبو جهل، وكل إنسان لو توسَّعنا في فهم هذه الآية، كل إنسان يريد ديناً يتوافق مع مزاجه، يحب هذا السلوك فيبحث عن غطاءٍ لهذا السلوك، فتوى ضعيفة، قول ضعيف، اجتهاد، تصوّر عقلي شخصي، فهذا الذي يقول لك: أنا عندي هذه جائز فعلها. فمن أنت ؟ هل أنت مُشَرِّع ؟ يقول هذا عندنا غير جائزٍ، فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ ؟!.

 

 

﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52)﴾

 أي هو يريد منهجاً يتوافق مع مزاجه، فالذي يُرابي يقنعك أن هذا الربا أنا لا أُرابي بالربا ربا القروض، بل ربا الاستثمار والمشاريع، والإسلام حينما حرَّم الربا حرم القروض فقط، القروض الاستغلالية هذه حرمها، لكن الله لم يذكر علة للتحريم، تحريم مطلق، فيريد كل إنسان أن يبقى على ما هو عليه وأن يكون تحت غطاء الدين، فهذا مستحيل، أن تبقى على ما أنت عليه وتحت غطاء الدين مستحيل.

 

 

الأفعال السيئة ينسبها الإنسان إلى ربه:

 

﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (53)﴾

 لو الإنسان مع شخص قوي يُطَبِّق تعاليمه بحذافيرها، لكن مع الله عزَّ وجل يأخذ ويعطي، شيء يقول لك: هذا لم أقتنع به، شيء يقول لك: فيه فتوى، أما لو عرف عظمة الله عزَّ وجل لانصاع لأمره.
 أيها الإخوة: النقطتان التي مررت بهما سريعاً في الدرس الماضي الآيتان الأخيرتان:

 

﴿كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55)﴾

 

( سورة المدثر )

 أنت مُخَيَّر، وفي أية لحظةٍ تنفي بها عن نفسك الاختيار فأنت واهم، أنت مخير، والإنسان عجيب أمره في أعماله الطيبة يقول: أنا فعلت وتركت، أما في أعماله السيئة يقول: إن الله قدَّر عليَّ ذلك، لماذا تنسب أفعالك الطيِّبة إلى ذاتك بينما الأفعال السيِّئة تنسبها إلى الله عزّ وجل ؟

 

﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)﴾

 

(سورة الأعراف )

﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12)﴾

(سورة عبس )

ربط مشيئة الإنسان بمشيئة الله ربط فضل:

 الآن الشيء الدقيق أن بعض الناس يتوهَّمون أن ربط مشيئة الإنسان بمشيئة الله، أي أن الإنسان مُجْبَر، وهذا المعنى لم يرد إطلاقاً في الإسلام، الإنسان مُخَيَّر، لكن:

 

﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾

 

(سورة الكهف: آية " 29)

﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً (30)﴾

( سورة الإنسان )

 ما معنى هذه الآية ؟
 دخلت إلى محل تجاري يبيع الذهب والألماس، قال لك صاحب المحل: اختر ما شئت، طبعاً في خاتم بمليون، وفي خاتم بمئة ليرة، فأنت اخترت المليون، وأنت خارج قال لك: لولا أنني سمحت لك أن تختار لما نلت هذا الخاتم الثمين، فربط اختيارك بسماح صاحب المحل أن تختار ربط جبر أم ربط فضل ؟ ربط فضل.

 

أسباب سعادتك في الآخرة اختيارك للحق:

 أحد أسباب سعادتك في الآخرة، أحد أسباب دخول الجنة أنَّك استعملت حرية الإرادة التي منحك الله إيَّاها في اختيار الحق واختيار طريق الجنة فوصلت إليها، فيقال له: ما كان لك أن تدخل الجنة لولا أن الله لم يسمح لك أن تختار، فاختيارك الموَفَّق هو بسبب أن الله سمح لك أن تختار، فهذا الربط، ربط مشيئة الإنسان بمشيئة الله ربط فضل، لبيان الفضل، أي أن كل هذا الخير الذي نلته بسبب اختيارِك شاءه الله لك، ولو لم يشأ لك هذا الاختيار لما اخترت ولما كنت المخلوق الأول، فهناك مخلوقات كثيرة جداً في الدرجة الثانية والثالثة والرابعة مسيَّرة، أما الإنسان أكرم المخلوقات.

 

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ(7)﴾

 

(سورة البينة)

 فالإنسان إذا استعمل حرِّيته وفق ما أراد الله عزَّ وجل كان خير المخلوقات جميعاً، وإن لم يستعملها وفق ما أراد الله عزَّ وجل كان شر المخلوقات جميعاً، فحالته عجيبة بين أن يكون سيِّد المخلوقات أو أشقى المخلوقات، من سيد المخلوقات إلى أسوأ المخلوقات، من صنفٍ فوق الملائكة إلى ما دون الحيوان.

 

أكبر أسباب السعادة أن تتوافق نفسك مع فطرتك:

 

﴿كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54)﴾

 والتذكرة تعني أن الإيمان فِطري، إذا الإنسان ذهب إلى بلد ورأى معالمه، ثم أطلعته على صوره للبلد فسيقول: نعم أنا كنت هناك، وكنت في هذا المكان بالذَّات. ما دور هذه الصورة ؟ تذكرة، ذَكَّرَتْكَ بهذه الرحلة، فالتذكرة معنى ذلك أنك تعرفها سابقاً، فالإنسان مجبول على الإيمان بالله، فطرته فطرةٌ مؤمنة فإذا آمن ارتاحت نفسه واطمأن قلبه واستعاد توازنه، تماماً كالسيَّارة التي صُمِّمَت لتسير على طريقٍ مُعَبَّد، فإذا سرت بها في طريقٍ وعر كَسَّرْتَها وانزعجت من الأصوات ولم تحتمل قيادتها، أما إذا سرت بها على طريقٍ مُعَبَّد ارتاحت نفسك لأنك أرجعتها إلى فطرتها.
 فأحد أكبر أسباب السعادة أن تجد نفسك وأن تتوافق مع فطرتك، والعالم الغربي الآن بماذا يشعر ويعاني ؟ كل شيء موفور، كل شيء ميَسَّر، لكنهم مقطوعون عن العبادة، فبيوتهم قطعٌ من الجحيم، جحيم البعد عن الله عزَّ وجل، جحيم التفلُّت، جحيم تفكك الأسرة، جحيم الانغماس في المخدرات، جحيم الانحراف الجنسي الخطير، هذا كله جحيم.

 

سعادتك تكون باختيارك ما يرضي الله:

 يا أيها الإخوة الكرام: فكون الإنسان مُخَيَّراً، فإذا استعمل هذا الاختيار وفق ما يرضي الله ونال السعادة الكبرى، يُقال له: لولا أن الله شاء لك أن تختار لما اخترت، فهذا هو فضل الله عليك وكان فضل الله عليك عظيماً.

 

 

﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾

 

(سورة المدثر)

 لولا أن الله يشاء لكم أن تذكروه لما ذكرتموه.

 

طاعة الله واجبة على كل إنسان:

 آخر كلمتين في هذه السورة يا أيها الإخوة الكرام كلمتان خطيرتان جداً.

 

 

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾

 

(سورة المدثر)

 وحده أهلٌ أن تطيعه، أما إذا أطعت مخلوقاً وعصيت خالقاً، هذا هو الشقاء بعينه، هو هو الخطأ بعينه، هذا هو الضلال بعينه أن تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً، أن تمشي في طريقٍ مسدود، أن تعلِّق الآمال على مخلوقٍ ضعيف لئيم ينسى الفضل.
 ليس هناك جهةٌ في الكون أهلٌ أن تطيعها إلا الله، ليس هناك جهةٌ في الكون أهلٌ أن تفني شبابك من أجلها إلا الله، ليس في الكون جهةٌ مؤَهَّلةٌ أن تهبها روحك ووقتك وجهدك إلا الله، من هو الذكي ؟ هو الذي كان لله، ومن هو الغبي ؟ هو الذي كان لغير الله، احرص على أن تكون محسوباً على الله، وإياك أن تُحْسَب على زيدٍ أو عبيد، أو على هذه الجهة، أو على هذه الجماعة، أنت مخلوق مُكَرَّم، أنت مخلوقٌ لله، هو وحده أهلٌ أن تطيعه، أن تتقيه، أن ترجو رحمته، أن تخشى عذابه، أن تسعى إليه، أن تسعى إلى رضوانه، أن تسعد بقربه، لأنه أبدي وسرمدي، مبدئياً ما سوى الله فان، كم من إنسان تعلَّق بامرأة، زوجته، لكنه تركه أو تركته شاء أم أبى، تعلَّق بأولاده تركوه أو تركهم، تعلَّق بالمال ترك المال، تعلَّق بالبيت ترك البيت، تعلَّق بمكانة اجتماعية فقدها، أيُّ تعلقٍ بما سوى الله سوف تفقده، أما إذا كنت مع الله فأنت أسعد الخلق.

 

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾

 

رجاء الإنسان رحمة الله و مغفرته:

 أما الشيء الذي يملأ النفس تفاؤلاً لكن لو كانت لك مشكلة في الماضي ؟ فهو أهل المغفرة، فإيَّاك أن تجعل الماضي عقبةً بينك وبين الله:

(( لو جئتني بملء السماوات والأرض خطايا غفرتها لك ولا أُبالي ))

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(53)﴾

(سورة الزمر )

 لا تجعل الماضي مهما بدا لك منحرفاً عقبةً بينك وبين الله، فيا أيها الإخوة الكرام لنعقد النيَّة على أن نكون لله، على أن نكون أحراراً من أي عبوديةٍ أرضية، كن لله، كن عبداً لله فعبد الله حُر.

 

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)﴾

 

الله عز وجل منتهى آمال الإنسان:

 لا تكن لغير لله، لا تتجه لغير الله، لا تسعى لغير الله، لا ترجو رحمة غير الله، لا تخاف من غير الله، لا تعلِّق الآمال على غير الله، لا تتوكَّل على غير الله، لا تصبر لغير الله.

 

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)﴾

 

(سورة المدثر)

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾

(سورة المائدة: آية " 23)

 و عليه فاعقد النيَّة، اجعله منتهى آمالك، محطَّ رِحالك، هذا هو المؤمن.

 

﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)﴾

 

 أنت له ولست لأحدٍ سواه فإن كنت لسواه خسرت خسارةً كبيرة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018