الدرس : 6 - سورة المدثر - تفسير الآيات 32-37 بطولة الإنسان طاعة الله لا عصيانه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - سورة المدثر - تفسير الآيات 32-37 بطولة الإنسان طاعة الله لا عصيانه


1998-01-23

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: مع الدرس السادس من سورة المدَّثر، ومع الآية الثانية والثلاثين:

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)﴾

الكفار في قبضة الله عز وجل و سوف يحاسبهم:

 أولاً: كلمة

﴿ كَلَّا ﴾

 ليست أداة نفيٍّ فحسب بل هي أداة نفيٍّ وردعٍ، أي إن توهُّمُكُم أنكم بإمكانكم أن تقضوا على الملائكة الذين أوكلهم الله عزّ وجل بجهنم.

 

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾

 

(سورة المدثر )

 فدعوى أبي جهل الساذجة أن كل مئة يقتلون واحداً وينتهي الأمر فلا تخافوا، هذا جهلٌ مطبق وهذه سذاجةٌ ما بعدها سذاجة، وأن الكافر لن يسبق الله عزّ وجل، بمعنى أنه في قبضتهم وأنه سيُحَاسب، بل إن خطة الكافر تستوعبها خطة الله عزَّ وجل، الإنسان قد يرى بعينه أن هذا الكافر فعل شيئاً ؛ قتل إنساناً، أعطى إنساناً، إرادته تستوعبها إرادة الله، خطته تستوعبها خطة الله، تدبيره يستوعبه تدبير الله، فهو لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا إذا أذن الله به.

 

طغيان الإنسان عند شعوره بالاستغناء عن الله:

 إذاً: هو لن يسبق الله عزّ وجل، كما أنه لن يستطيع أين يتفَلَّت من عقابه، فالكفار يتوهَّمون أن بيدهم فِعل أي شيء، وهذا شأن كل كافر في كل عصر، الإنسان يطغى ومتى يطغى ؟

 

 

﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

 

(سورة العلق )

 حينما يشعر أنه مستغنٍ عن الله يطغى، لذلك أيها الإخوة: الإنسان القوي يحتاج إلى علم، وإلى فهم، وإلى صبر أضعاف ما يحتاجه الضعيف، والغني يحتاج إلى علم وإلى صبر أضعاف ما يحتاجه الفقير، السبب: الفقير خياراته محدودة، إنسان له دخل محدود من عمله إلى بيته، أما الغني عنده ألف خيار وخيار، لو سافر إلى بلد أجنبي بإمكانه أن يمضي الليل في أي مكان، في أي ملهى، في أي نادي، في أي مُنْتَجَع، ومعه مال يُمَكِّنه أن يفعل ما يشاء، فمن هو الذي يحتاج الصبر ؟ الغني، من هو الذي يحتاج الصبر ؟ القوي، لأن قوته أو غناه تتيح له أن يفعل أشياء كثيرة جداً، بينما الضعيف والفقير خياراته محدودة، فالإنسان بحاجة إلى معرفة وإلا يُعَدُّ غناه وبالاً عليه.

 

أكبر المصائب الغنى المطغي:

 هل تصدِّقون أن النبي عليه الصلاة والسلام عدَّ الغنى المُطغي أحد أكبر المصائب ؟ بل إن النبي عليه الصلاة والسلام حينما خيَّره جبريل قائلاً: يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أو نبياً عبداً ؟ قال:

 

((بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره وأشبع يوماً فأشكره. ))

 طبعاً كل إنسان له وضع هو في حقه خيَّر، وفي حقه حكمة ولكن كل إنسان بحاجة للعلم، بل إن الأقوى والأغنى أشد حاجةً من الأضعف والأفقر، فالإنسان يطغى.

﴿أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى (7)﴾

 حينما يرى نفسه مستغنياً عن الله يطغى وهذا حال الكفار في العالم كلَّه، امتلكوا القوة النووية، تحكَّموا في مصائر الشعوب، قهروا الشعوب، نهبوا ثرواتهم، تحكموا بمقدَّراتهم، خططوا مصيرهم، إذاً الآية الكريمة:

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 

قوة الكافر لا تبعده عن قبضة الله:

 كل ما قاله الكفَّار كلامٌ سخيف، كلامٌ مردود، الكافر مهما كان قوياً في قبضة الله، والحقيقة عندنا يتدخل الله عزّ وجل ويبطش فإن كل الخَلق يرون الحقيقة، لكن الإنسان القوي والغني أحياناً مربوط بحبل مرخى لجهله يظن أنه طليق لكنه مُقَيِّد إلا أن الحبل مُرخى، لكن متى يُشَد الحبل هو لا يعلم، فجأةً يشد الحبل فإذا هو في قبضة الله عزّ وجل.
 يوجد رجل قال: إذا حمل هذا الصفصاف أجاصاً أنا أخسر ما أنا فيه، أي من باب التحدي، من باب المستحيل، فبعد يومين كان في قبضة الله عزَّ وجل وانتهى، فالإنسان يجب أن يعلم حتى يعرف حدَّه فإذا تجاوز حدَّه قصمه الله عزّ وجل.

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 أي كلا ليس كما تزعمون، ليس كما تتوهَّمون، ليس كما تتصورون، ليس كما يحلو لكم، ليس كما تتمنون، الحقيقة إن الإنسان العاقل لا يعيش في وهم مريح بل إنه يعيش في الحقيقة المرَّة، دائماً وأبداً هناك خيار صعب بين الوهم المريح والحقيقة المرَّة، لو شخص معه شيك في جيبه بمئة ألف دولار لكنَّه مزوَّر، إذا توهَّم أنه صحيح فإنه يشعر بالغنى والقوة، لكن لو أراد أن يستخدمه لوضع في السجن وشعر بالفقر والخيبة، يا تُرى الأولى له أن يبقى بهذا الوهم المريح أم أن يعرف الحقيقة المرَّة ؟

 

 

الإنسان الذكي من يجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة:

 والله أيها الإخوة: معظم الناس يفضّلون الوهم المريح على الحقيقة المرَّة، ما دام في قوة، وفي منعة، وفي غنى، وفي صحَّة فإنه يرتكب كل المعاصي والآثام ولا يتأثر بها إطلاقاً، أما حينما يأتيه المرض، حينما يأتيه شبح الموت عندئذِ يصيح كالكلاب، فأنت بطولتك أن تبقى الحياة مستمرَّة بخطٍ صاعد، لا أن يكون الصعود حاداً ثم السقوط مريع، المؤمن خطه صاعد صعوداً ثابتاً فهو دائماً في حال أعلى، وأنا أؤكِّد لكم والله ولا أبالغ إن المؤمن الصادق المستقيم حتى الموت يعدّ نقطةً على خطِّه الصاعد، والآيات كثيرة:

 

 

﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26)﴾

 

( سورة يس )

 من هو الذكي ؟ هو الذي يجعل من نِعَمِ الدنيا متصلة بنعم الآخرة، فهو في الدنيا في عز، في سلطان، في غنى، في طمأنينة، في راحة، في سعادة، جاء الموت فهو في سعادةٍ ما بعدها سعادة، هذا الذي أرجو الله سبحانه وتعالى أن يَخُصَّ به المؤمنين.

 

تقبل الحقيقة المرَّة:

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

﴿ كَلَّا ﴾

 أي أن الله عزَّ وجل نفى و ردع الكفَّار عن كل أوهامهم، وعن كل تصوراتهم، وعن كل ضلالاتهم، وعن كل توهمهم أنهم أقوياء، هذا وهم، أحياناً إنسان غني قال كلمة والله أنا أحسبه مؤمناً وهو مؤمن بإذن الله ولكن الله أدَّبه، قال مرَّة كلمة في سهرة، قال: المال يحلُ كل مشكلة، وجاء بحكمة(هي ليست بحكمة) الدراهم مراهم، فدخل غرفةً ضيقةً جلس فيها تسعةً وستين يوماً لا تتسع إلا لنصف متر في مترين فقط، طوال هذه الأيام يذكر قولته: الدراهم تحل كل شيء ؟ لا، لا تحل كل شيء، توجد أمثلة كثيرة جداً، الإنسان جاهل ظنَّ أنه قوي فكشف الله له ضعفه، ظنَّ أنه غني فكشف الله له فقره.

﴿ كَلَّا ﴾

 فالعبرة لا أن تتوهم شيئاً مريحاً، العبرة أن تعرف الحقيقة.
 حتى في العلاقات الاجتماعية الإنسان يحاول أن يهرب من الواقع المرَّ، لا هذا غير صحيح، أحياناً يُكذِب النبأ، أحياناً يقول لك ثم يفاجأ أنه وقع في شرِّ عمله، العبرة أن تقبل الحقيقة المرَّة، إنَّك إن قبلتها تلافيت خطرها أما إن رفضتها وقعت في شرِّها.

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 

من آيات الله الدالة على عظمته:

1 ـ القمر:

 القمر من آيات الله الدالة على عظمته، كلكم يعلم أن الله جعل القمر تقويم، الأرض هكذا والقمر حولها يدور، إلا أن الشيء الذي يلفت النظر هو أن الأرض تدور حول نفسها، والقمر يدور حول الأرض، لو أن سرعة دورة القمر حول الأرض مكافئةٌ لدورة الأرض حول نفسها التغى القمر وبقي مع الأرض في مكانٍ واحد هكذا في مكان بدر، في مكان محاق إلى أبد الآبدين، إلا أن هناك تفاضل بين سرعة دورة القمر حول الأرض ودورة الأرض حول نفسها، هذا التفاضل بين السرعتين هو الذي يعطي القمر وظيفة التقويم، فيكون هلال، ثم أعلى من هلال، ثم بدر، ثم يتراجع، تسلسل رؤيته من هلال، إلى بدر، إلى هلال السبب أن سرعته حول الأرض أقل من سرعة الأرض حول نفسها، هذا التفاضل في السرعة يسبب أن يكون القمر تقويماً:

 

﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾

 

( سورة يونس: آية " 5 " )

 بالمناسبة: السنة القمرية حُكْمية أما أصلها الشهر القمري، أما الشهر الشمسي حُكمي أصله السنة الشمسية لأن السنة الشمسية هي تمام دورة الأرض حول الشمس، فالدورة مقسَّمة إلى أبراج فالشهر حكمي في التقويم الميلادي والسنة حقيقية، القمر بالعكس الشهر حقيقي والسنة حكمية، وتوجد لفتة لطيفة، أنه:

 

﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (25)﴾

 

( سورة الكهف )

 هذا هو الفرق بين ثلاثمئة سنة قمرية تساوي ثلاثمئة وتسعة ميلادية بالضبط، هذه الآية أشارت إلى التقويم القمري والتقويم الشمسي، فهناك تقويمين: تقويم أساسه حركة
 الأرض حول الشمس ومقسمة إلى اثنتي عشرة مرحلة، ودورة القمر حول الأرض مضروب باثنتي عشرة مرحلة، هذه السنة الشمسية والسنة القمرية.

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32)﴾

 

تناسب العلاقة بين الشمس و القمر و الإنسان:

 أي فكِّر بهذا القمر، بعده عنَّا ثانية ضوئية واحدة، ثلاثمئة وستين ألف كيلو متر تقريباً وهي سرعة الأرض وزيادة، الإنسان إذا كان على سطح القمر فإن وزنه يكون سدس وزنه على الأرض، أي أن الذي وزنه ستين كيلو فإن وزنه على القمر عشرة كيلو، من أجل أن تعلم ما هي علاقة الوزن بحجم الكوكب، لو نحن على كوكب أكبر لكان وزن الواحد منَّا طن وهذا شيء صعب كثير، لو كان على القمر وزنه السدس، فهناك علاقة بين الوزن وبين الحجم، توجد كواكب ليلها مئة عام ونهارها مئة عام، توجد كواكب سنتها ثمانمئة عام، الله جعل السنة اثني عشر شهراً، واليوم اثنتي عشرة ساعة، لو كان اليوم مئة ساعة و لك طاقة محدودة فإنك تشتغل فتتعب، تحتاج لأن تنام في النهار وغيرك يشتغل في النهار صار هناك فوضى، أما الله جعل الشمس والأرض العلاقة بينهما علاقة متناسبة مع الإنسان.

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)﴾

 

2 ـ الليل و النهار:

 قضية الليل والنهار أيضاً من آيات الله الدالة على عظمته، هذه الأرض تدور حول نفسها لو أنها توقَّفت لأصبحت الأرض وجهين: وجه نهار أبدي ووجه ليل أبدي، والله نبَّهنا وقال:

 

﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71)﴾

 

(سورة القصص )

 معنى هذا: لو كان الليل سرمدي تصبح حرارة الأرض المظلمة مئتين وسبعين تحت الصفر (تنتهي الحياة) ولو أن النهار سرمدي فإن الحرارة تصبح ثلاثمئة وخمسين فوق الصفر إلى أبد الآبدين (تنتهي الحياة)، أي بمجرد أن تقف الأرض عن الدورة حول نفسها فإن الحياة تنتهي، هذا شيء خطير، فبين بردٍّ مُميت وحرٍّ مُميت.

 

رحمة الله بالإنسان:

 لو أن الأرض تدور على محور موازٍ مع دورتها حول الشمس والشمس من هنا فكأنها واقفة، سيكون هناك وجه نحو الشمس دائم أبدي، ووجه مظلم دائم أبدي، إذاً لا يكفي الدوران، لا بدَّ من دورانٍ بمحور متعامد مع مستوى دورانها، لو كان المحور موازي فدورتها كوقوفها، نصف الأرض متَّصل بالشمس ونصفه منقطع عنها، هنا موت من الحر وهنا موت من القَرْ.
 الآن: لو دارت الأرض بمحور عمودي على مستوى دوران الأرض ما الذي يحصل ؟ أبدية الفصول، ففي خط الاستواء صيفٌ إلى أبد الآبدين، وفي المنطقة المعتدلة ربيعٌ أو خريفٌ إلى أبد الآبدين، وفي المنطقة الباردة شتاءٌ إلى أبد الآبدين، لكن حكمة الله عزّ وجل جعلت الأرض تدور بمحور مائل ثلاثة وثلاثين درجة عن عمودية المحور، فالأرض هنا والشمس هنا والأشعة عمودية على القسم الجنوبي والأشعة مائلة على القسم الشمالي.

 

 

3 ـ ميل محور الأرض:

 يوجد بعض الأصدقاء سافروا إلى أمريكا (أمريكا القارَّة الوحيدة المتصلة بين الشمال والجنوب ) فقال لي: انتقلنا من بلد الناس على الشواطئ يسبحون والحر شديد لا يُحتمل، إلى بلدٍ الثلج فيها خمسة أمتار، وهذا في يومٍ واحد، لأنه لو كان المحور عمودي على مستوى الدوران لثبتت الفصول، أما كونه مائلاً، الأرض هنا الأشعَّة عمودية نحو الأسفَّل وللأعلى مائلة، عندما انتقلت الأرض إلى هذا الوضع صارت عمودية على القسم الأعلى ومائلة على الأسفل، إذاً حكمة الدوران، وحكمة المحور، وحكمة مَيل المحور، آياتٌ دالَّة على عظمة الله عزَّ وجل.

 

 

4 ـ الجاذبية و المد و الجزر:

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)﴾

 القمر له علاقة بالجاذبية. بالمناسبة إخوانا الكرام: النبي عليه الصلاة والسلام من سنته صيام الرابع عشر، والخامس عشر، والسادس عشر، ثلاثة أيام التي فيها القمر بدراً، الحقيقة أنهم وجدوا في بعض الإحصاءات، أخذوا محاضر و ضبوط المخافر في بلد غربي، وقعوها على الشهر القمري فوجدوا أن الجرائم والسرقات والاغتصاب يزداد ستين بالمئة في هذه الأيام الثلاثة، لأن هناك علاقة بين دورة القمر وبين طبيعة الإنسان، فهذه الأيام أيام فورة الدَّم فالنبي أمرنا أن نصومها، أي أن القمر له علاقة بنا، وكذلك المد والجَزْر، فالبحر أحياناً يرتفع إلى عشرين متراً بالمد، وينخفض عشرين في الجَزْر بفعل القمر (جاذبية القمر).
 الآن توجد بحوث تؤكِّد أنه حتى في القشرة اليابسة تتجه نحو القمر بمقدار سنتيمترات بين المد والجَزْر.

 

العلاقة بين الأرض و القمر:

 القمر له علاقة بالأرض متينة جداً ؛ علاقة مد وجَزْر، علاقة جذب، وله علاقة إعطاء إضاءة، القمر يُعطي ضوءاً في أيام البدر تساوي ثمانية عشر بالمئة من إضاءة الشمس، ليلة مقمرة مضيئة للناس، فالقمر من آيات الله الدَّالة على عظمته.
 توجد نظرية تقول: إنَّ الكواكب كانت كوكباً واحداً فمن شدة الدوران والقوة النابذة تفلَّتت من بعضها، هذه النظرية ينبغي بناءً عليها أن تكون طبيعة تربة القمر كطبيعة تربة الأرض، فلما ذهبوا إلى القمر وجاءوا بعيِّنات إلى الأرض وجدوا العكس تماماً، ليس هناك علاقةٌ بين تربة القمر وتربة الأرض، فتربة القمر فيها بلُّورات عاكسة، أبلغ شيء في تربة القمر أنَّ هناك مواداً لها وضع بلوري عاكس، فأنت ترى القمر منيراً متألِّقاً، لو ذهبت إلى هناك لوجدت تربةً قذرةً تُنَفِّر من ينظر إليها، هذا كلُّه عن القمر.

 

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)﴾

 

كروية الأرض:

 الليل والنهار: الأرض لأنها كرة تدور حول نفسها فالله عزّ وجل جعل الشكل الكروي يتداخل فيه الليل والنهار، لو أن الأرض مكعبة وتدور فإن الليل يأتي فجأةً والنهار يذهب فجأةً، أما لأنها كرة فإن الليل والنهار يتداخلان، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾

 

(سورة الزمر: آية " 5 " )

 فأحد الأدلَّة على أن الأرض كرة أن الشكل الهندسي الوحيد الذي تتداخل به أشعَّة الشمس مع الظلام هو الكرة، فالليل جعله الله سكن، وهو من نعم الله الكُبرى، الإنسان إذا لم ينَم يختل توازنه، والليل يحتاج إلى السكينة فالله جعل الليل سَكَناً، وجعل النهار معاشاً، وجعل الليل والنهار متناسبان مع طبيعة الإنسان، فالنهار اثنتي عشرة ساعة، يشتغل ثماني ساعات ويرتاح أربع ساعات بين طعام و صلاة، والليل اثنتي عشرة ساعة ينام ثمانية وأربع ساعات مع أهله بين الفجر والعشاء، أما لو كان الليل مئة ساعة والنهار مئة ساعة لاختَلَ نظام الحياة، فربنا يُلفت نظرنا إلى هذه الآيات آية القمر وآية الليل.

 

﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33)﴾

 

(سورة المدثر )

آية الليل و النهار:

 أي ظلام دامِّس وحشة وخيفة، تخاف من كل شيء بالليل، تأتي أشعة الشمس تأنس بها، النهار واضح، فالذين يقودون السيارات بالليل توجد مفاجآت ويوجد انبهار، أما في النهار الأمور واضحة، ورد في بعض الأثر:

 

(( سبحان الله أين الليل إذا جاء النهار ؟ وأين النهار إذا جاء الليل ))

 تجد أن النهار فيه أنس، فيه رؤية مديدة، فيه إشراق، فيه نشاط، فيه عمل، فيه حركة، الليل للسكن، لكن طبيعة الحضارة الحديثة قلبت ليل الناس نهاراً ونهار الناس ليلاً وهذا من أسباب بعض الإرهاق الجسمي لأن الله صمَّم الليل للنوم، الآن أكثر الناس المتفلتين طوال الليل يسهرون للساعة الواحدة، والثانية، والثالثة، وقت الراحة ووقت النوم الصحي ساهرون وعند وقت العمل والنشاط نائمون، أي أنهم غيَّروا خلق الله عزّ وجل.

 

 

﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)﴾

 دائماً توجد عندنا آيات كبيرة ؛ الشمس آية، القمر آية، الليل آية والنهار آية، من آياته الليل والنهار، من آياته الشمس والقمر، فالشمس والقمر آيتان، والليل والنهار آيتان دالَّتان على عظمة الله عزّ وجل.

 

 

5 ـ حركة النجوم:

 وهذا الثبات العجيب أي إن الأرض بعد مئة سنة، أو بعد ألف سنة، أو بعد مئة ألف سنة يوم ثلاثة وعشرين أيلول تشرق الشمس الساعة الخامسة وثلاث عشرة دقيقة، فلا تتغير، ثبات عجيب، أحياناً أدق ساعة في الأرض (بيك بن)، هذه تضبط على حركة نَجْم، فقد تقدِّم هذه الساعة ثانية في السنة وقد تؤَخِّر ثانية، دقَّة هذه الساعة مرتبطة بضبطها على نجم، أحياناً يقول لك: قطار بين طوكيو وأوساكا يجب أن لا يتأخر دقيقة عن موعد وصوله، هذه يعدونها رُقِي ما بعده رقي، لأن ستة آلاف كيلو متر أو ألفين كيلو متر يجب أن يصل القطار بالدقيقة وقد يتأخر دقيقة، أما النجوم العملاقة بحركتها المديدة الطويلة تصل بمواعيد بواحد من الألف بالثانية، لذلك أدق ساعات العالَم تضبط على حركة النجوم، ثبات عجيب، الله ثَبَّت أشياء وحرَّك أشياء.

 

 

النار مصير كل كافر:

 

﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 العلماء قالوا: " هذه النار التي أعدَّها الله للكفَّار إنها لإحدى الكُبر"، المشكلة أنَّ هؤلاء الناس المنحرفين في الحياة يغيب عنهم أن هناك شيءٌ اسمه النار، أكثر الناس لا يعبؤون، لا يتخذون النار أساساً في عقيدتهم، النار محرقة وهذه مصير كل كافر وكل عاصٍ.

 

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 أي النار التي خلَّقها الله ردعاً لعباده من أن يعصوه.

 

 

حرمان الإنسان الكافر نفسه من السعادة:

 بعضهم قال:

 

 

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)﴾

 

 أي تكذيبكم بالنبي عليه الصلاة والسلام شيءٌ كبير، أي حرمتم أنفسكم من السعادة الكبرى.

﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36)﴾

 الله جعل النار نذيراً، وجعل هذا الكتاب نذيراً، وجعل النبي نذيراً لقوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45)﴾

 

(سورة الأحزاب )

﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)﴾

( سورة المدثر )

 أنتم أحرار، أنتم مخيَّرون إما أن تتقدَّموا إلى طاعة الله، أو أن تتأخَّروا عنها، إما أن تتقدم للعمل الصالح، وإما أن تحجم عنه، إما أن تتقدم لأداء العبادات و إما أن تحجم عنها، أنت مخيَّر، وقال تعالى:

 

﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾

 

(سورة فصلت: آية " 40 " )

 إذاً هذه الآيات:

 

﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35) نَذِيراً لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)﴾

 

البطولة الحقة طاعة الله لا عصيانه:

 نحن الآن في بحبوحة الحياة، والقلب ينبض، وكل شيءٍ ممكن وأنت حي ؛ التوبة ممكنة، والصلح ممكن، والاستغفار ممكن، والإصلاح ممكن، والتكفير ممكن، كل شيء ممكن، أما حينما يأتي الأجل انتهى كل شيء.

 

﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37)﴾

 الله جعل الطاعة تقدُّم، معرفة الله تقدم، العمل الصالح تقدم، طلب العلم تقدم، الإحجام عن العلم تأخُّر، فبهذه الآية يجب أن نقيِّم كل أمورنا، فالتقدم ليس أن نركب الفضاء، ولا أن نغوص في أعماق البحار، التقدم أن نطيع الواحد الديَّان، والتخلف لا أن نكون أمة زراعية ولسنا صناعية، لا، التخلف أن نعصي الله عزّ وجل، فهذه الآية يجب أن نقيَّم بها كل شيء، التقدم في طاعة الله، التخلُّف في معصية الله، التقدم في العلم، والتخلف في الجهل، التقدم في الإحسان، والتخلف في الإساءة.
 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نتابع شرح هذه الآيات:

 

 

﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)﴾

 

(سورة المدثر)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018