الدرس : 15 - سورة النمل - تفسير الآيات 73 - 75 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 15 - سورة النمل - تفسير الآيات 73 - 75


1990-04-06

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الخامس عشر من سورة النمل.

الكون كلّهُ مُسخَّر للإنسان:

 وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)﴾

 

( سورة النمل)

 هذه الآية تُذَكِّرنا بآية أخرى، وهي قوله تعالى:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 

( سورة النساء)

 كلمة إنْ شكرتم وآمنتم تُثير التَّساؤل ؛ لماذا إن شكَرْتم وآمنتم من كلّ صِفات المؤمنين ؟ لماذا يتوقّف العذاب إن شكرتم وآمنتم ؟ الجواب ؛ لأنَّ هذا الكون كلّه ؛ وكلمة كلُّه أحْدَث رقم أنَّ هناك مليون ملْيون مجرَّة بِكُلّ مجرّة تقريباً مليون ملْيون نَجم، أبْعد رقم وصلنا له ستَّة عشر ألف مليون سنة ضَوئيّة، المجموعة الشَّمسيّة كلّها نقطة في درْب التَّبانة والأرض نقطة إلى جانب الشمس، وبعض النُّجوم يتَّسع للأرض والشَّمس مع المسافة بينهما أقول لكم: الكون كلّهُ مُسخَّر لهذا الإنسان لماذا ؟ هذا السؤال الدقيق في قوله تعالى:

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

( سورة القيامة)

 ألا توجد هناك مَسْؤوليَّة ؟ ألا يوجد هناك حِساب ؟ ألا توجد هناك تَبِعة أو عِقاب؟ ألا يوجد دَفْع ثمنٍ ؟ هكذا تفعل ما تشاء، وتأكل ما تشاء، وتكسب من مال الناس ما تشاء، وتنفق ما تشاء، وتنظر إلى من تشاء، وتسْتمتِع بِمَن تشاء.

هذا الكون العظيم سخَّرهُ الله تعالى للإنسان تسخير تعريفٍ بِذاته وتسْخير تكريم:

 هكذا قال تعالى:

 

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

 

( سورة القيامة)

 وقال تعالى:

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة المؤمنون)

 الكون كلّه مسخَّر لهذا الإنسان وسيحاسب، أضرب مثلاً: جامعةٌ فيها أبْنِيَةٌ ومنشآت ومُدَرَجَات ومخابِر وحدائق ودورٌ للسَّكَن وأساتذة، يعني جامعة كلفتها ألوف الملايين وفيها طلاَب يتقاضَون رواتب، والسَّكَن مجاني، والطعام جيّد، والمحاضرات، ووسائل الإيضاح، والأجهزة، والمخابر، كلّ هذا من دون امْتِحان ؟! يكفي أن يأتي الطالب إلى هذه الجامعة، ويأخذ درجة عليا من دون امتحان !!

 

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

 

( سورة القيامة)

 هذا الكون العظيم المُسخَّر لهذا الإنسان سخَّرهُ الله له تَسْخيرين ؛ تسخير تعريفٍ بِذاته، وتسْخير تكريم، ماذا ينبغي أن يكون ردّ الفِعل ؟ إذا أكرمك أحدهم ودعاك لإفطار في رمضان، أقلّ كلمة تقول له: شُكراً ! فإذا الإنسان تلقَّى معروفاً من إنسان كان هذا هو الصَّنيع، فكيف بِمَن منَحَكَ الوُجود ؟ أحياناً أرى كتاباً مطبوعاً بالثَّلاثينات أو العِشرينات يخطر بِبَالي خاطر، أنَه حينما ألَّفَهُ المؤلّف، وصفَّ حروفه الطابع، وحينما طُبِعَ، ماذا كنت أنا ؟ لم أكن شيئاً إطلاقاً.

موضوع الشُّكر موضوع أساسي في حياة الإنسان:

 قال تعالى:

 

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

 

( سورة الإنسان)

 نحن جميعاً، في سنة ألف وتسعمئة لم يكن مِنَّا أحد، لم يكن لنا وُجود إطلاقاً، فهذا الإله العظيم الذي منَحَكَ نِعمة الوُجود، لم تكن شيئاً مذكوراً، وأوْجَدَكَ بِأحْسن قِوام، قال تعالى:

 

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)﴾

 

( سورة التين)

 ثمانمئة ألف لون أخضر مدرَّجة في عَينِكَ البشريّة، والعين تُفرِّق بين درجتين، والله تعالى جعَلَ لك سمعاً، وجعل لك ذاكرة صَوْتِيَّة، وجعَلَ لك بصراً تدرك الألوان وتُدرك الحجوم ؛ طول وعرض وارتفاع، الشيء بِحَجمه الحقيقي، فالتَّحميض فَوْري ! قال تعالى:

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾

 

( سورة البلد)

 منَحَكَ نِعمة الوجود، ونعمة الإمداد، فالرِّئتان تحتاجان إلى الهواء وهو متوازن، ومنَحَك الماء والطعام والشراب والمأوى، أكرمك بالأم والأب، فَوُجودك سببه والداك ! فهذا العطف الشديد الذي جَعَلَهُ الله في قلْبَيْهِما، فلذلك موضوع الشُّكر موضوع أساسي في حياة الإنسان، من هو الكافر ؟ هو الذي ردّ على هذه النِّعم بالجُحود، وردّ عليها بالمَعْصِيَة.

 

الإنسان أمام مُهِمَّتين مهمّة المعرفة و مهمة الشكر:

 قال تعالى:

 

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 

( سورة النساء)

 بالدَّرجة الأولى أنت أمام مُهِمَّتين، مهمّة أن تعْرف، ومهمة أن تشكر فإذا صحا الإنسان يوم القيامة، والناس نِيام إذا ماتوا انْتبَهُوا، حينما تنقطعُ شهوات الدنيا التي تخدّر الإنسان وما أكثر هذه الشهوات ؛ اليوم عنده سهرة، وغداً اجْتِماع، واليوم أُمْسِيَة لطيفة، وحفلة تعارف، ورحلة ووليمة، فهذه الشَّهوات مُخدِّرات، أما حينما يدخل الإنسان في قبره تصْحو نفسُه، فإذا عايَنَ الفضل الإلهي ورأى جحوده وكفرانه، ورأى معاصيه، ورأى أنَّه آذى عباد الله، عندئِذٍ يصيبه من الألم ما لا يعلمُه إلا الله، فالإنسان عليه أن يعرف قبل فوات الأوان، قلتُ مرَّة كلمةً في محاضرة: طوبى لِمَن عرف الله قبل فوات الأوان، أما عند الموت فَفِرْعون قد عرف الله قال تعالى: آمنتُ بالذي آمنتْ به بنو إسرائيل، وأيّ كافر، قال تعالى:

﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾

( سورة ق)

 القضية سهلة، ما تعرفهُ عند الموت لا بدّ من أن تعرفهُ، ولكنّ البُطولة أن تعرف هذا الآن وأنت مُعافى وصحيح، وأنت تأمل الغنى وتخْشى الفقْر، مسْتمتعٌ بِقُوتك وسمعك وبصرك وبِشَبابك، هذا هو وقت المعرفة.

 

الإنسان له فِطرة عالِيَة فإذا كشَفَ بعد فوات الأوان أنَّهُ جحود وكفور يتألَّم ألماً شديداً:

 أحياناً الإنسان بعد الخمسين والسَّبعين يصبحُ مُحِبّاً للجوامع والمساجد، البطولة أن تحبها وأنت صحيح شحيح، وأنت معافى، وأنت غنيّ، ومتفرِّغ، وشاب، من هنا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ريح الجنَّة في الشباب...
 وإنَّ الله لَيُضاهي الملائكة بالشاب المؤمن يقول:

 

 

(( انظروا إلى عبدي، ترك شهوته من أجلي ))

 

[ أخرجه ابن السني الديلمي في مسند الفردوس عن طلحة ]

 ثمّ هناك نقطة أخرى، وهي أنَّ الإنسان لمَّا يتعرّف إلى الله في سِنّ متأخِّرة تكون حياته ترتَّبَت على ترتيب غير طاعة الله تعالى، يُعاني مشكلاتٍ مع زوجته، وأولاده، وحرفتِهِ، وعملهِ، أما إذا عرف الله عز وجل في وقت مبكِّر، سيكون زواجهُ إسلامياً وعملهُ صحيحاً، وعلاقاته كلّها صحيحة، فلذلك الذي يقوله الله عز وجل:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾

 منَحَكَ نِعمة الإيجاد، ومنَحَك نعمة الإمداد، ومنحَكَ نِعمة الإرشاد، فالكون يُعَرِّفك به، وكذا العقل والفِطرة، والأنبياء يُعَرِّفونك، والكتب تُعَرِّفُك، والدعاة يُعرِّفونك، والحوادث تُعرِّفُك، والإلهامات تعرِّفك والرِّئة تُعَرِّفُك، أنت مُحاصَر أيْنما ذَهَبْت لله آيةٌ تدلّ على أنَّهُ واحِدُ، فإذا عرفْت أنَّ الله هو الحقيقة الأولى والأخيرة في الكون يجب أن تتعامل معه تعامل الطاعة والعبادة فهذا الفضْل، والحقيقة أن الإنسان له فِطرة عالِيَة، إذا كشَفَ بعد فوات الأوان أنَّهُ جحود وكفور، وردَّ على إحسان الله بالإساءة لِعِباده وأنَّهُ ردَّ على هذا الكون العظيم بإنكار آياته، وأنَهُ ردَّ على إمداد الله وفضله الجزيل بالإساءة إلى خلقه، إذا كشَفَ لؤْمَهُ وجحودهُ وكفرانه، يتألَّم ألماً شديداً.

 

 

على الإنسان أن لا يعيش لحظته فقط بل يجب أن يعيش للمستقبل:

 وردَ في بعض الأحاديث:

 

 

(( إنَّ العار ليلْزَمُ المرءَ يوم القيامة حتى يقول يا ربّ لإرْسالكَ بي إلى النار أيسرُ عليَّ مِمَّا ألقى، وإنَّه ليَعْلمُ ما فيها مِن شِدَّة العذاب ))

 

[صحيح عن جابر بن عبد الله]

 هي ساعة صَعبةٌ جدّاً، والإنسان عليه أن لا يعيش لحظته فقط، فالذي يعيش لحظتهُ إنسان غبيّ، يجب أن تعيش للمستقبل، ماذا ينتظرني ؟ مهما عشتَ، فالأنبياء ماتوا، والملوك ماتوا، والأطِبَّاء ماتوا، والعظماء ماتوا، والأغنياء ماتوا، ماذا ينتظرني ؟ هل تنتظرون إلا غِنًى مُطْغِياً ؛ هذا الغِنى من دون عِلم وبالٌ على الإنسان.

 

((وعِزَّتي وجلالي إن لمْ ترضَ بما قسَمْتُهُ لك فلأُسلِّطنَّ عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحش في البريّة، ثمَّ لا ينالكَ منها إلا ما قسمْتُهُ لك ولا أُبالي وكنت عندي مذموماً.))

 

[ورد في الأثر]

 الغِنى المطغي مُخيف، مالٌ وفير، والعلم غير موجود، شَهَواتٌ يقظة، وفِتَن يقظة، ومال تفعلُ به ما تشاء، فهذا الغني مُطْغٍ، فإذا الإنسان وُفِّق بعَملهِ التِّجاري، وما حصَّل علماً ديني يطْغى ! لذا العِلْم حارس، قال له: يا بنيّ، العِلْمٌ يحرسُك، وأنت تحرس المال، فبالعِلم تَجْلب المال، وبالجهل تُبدِّدُهُ، وبالجهل تأكل الحرام، فتُبدِّدُه، وبالجهل تعتدي على أعراض الآخرين فَيُعْتَدَى على عِرْضك وتنشأ مشكلة كبيرة، ويمكن أن يكون هناك طلاق أو مشكلة كبيرة سببها الجهل، فأحياناً يقول لك أحدهم: ضاق نفسي ! وما أستطيع حضور مجلس العلم ! القضيَّة ليس قبول الدرس أو عدم قبوله، وإنَما القضيّة مصيريّة في حياة الإنسان، فأنت إما أن تكون عالماً، وإذا علمْتَ تنجو من عذاب الدنيا والآخرة، وإما غير عالم فلا بدّ من أن تغلط، إذا لم تكن يدك على المِقْود، وأُذنك غير مُفتَّحَة، فلا بدّ من حادث !!!
 أنت إنسانٌ متحرِّك، ولسْتَ إنساناً ساكناً، ما الذي يُحَرِّكك ؟ الشَّهوات، إذا كنت جَوعان فلا بدّ أن تأكل، ومن أجل أن تأكل تحتاج إلى مال وهناك جوع من نوْعٍ ثانٍ للمرأة، فإمّا أن يكون الزَّواج طريقاً مَشْروعاً، وإما أن يكون الزّنى، ولا حلّ ثالث، إما الكسب الشريف وإما كسب منحرِف، تجد سرقات، ومن هو السارق ؟ الذي يريد المال، ومن هو الزاني ؟ إنسانٌ يلبِّي رغبة نفْسهِ من طريقٍ غير مَشْروع، فَبِالعِلْم تُلَبَّى هذه الحاجات من طريق مشروع، وبالجهل تُلَبَّى من طريق غير مشروع، وبالطريق المشروع هناك نماء، وأمْنٌ، وصيانة، ورقيّ، وبالطريق غير المشروع هناك فضائح، وتدمير، وهلاك، وعقاب، حينما تعرفُ أنَّ هذا الإله العظيم سخَرَ لك هذا الكون، معنى ذلك أنَّ هناك مهمَّة كبيرةً مَنُوطةٌ بك، ومعرفة هذه المهمّة قبل طعامك وشرابك وقبل حاجاتك الأساسيَّة، ويجب أن تعرف لماذا أنت هنا ؟

 

فضل الله على الإنسان يتجلى في كل عضو من أعضائه:

 قال تعالى:

 

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾

 فضْل الوجود وفضل الربوبيّة والألوهية، خلقَكَ في أحسن تقويم، وأجهزة تامَّة، وعقل، وإدراك، وتصور، ومحاكمة، وذاكرة، وإحساس، وأعصاب حِسّ، وأعصاب حركة، ومنعكس شرطي، وجهاز دوران، وجهاز هضْم، وجهاز فرز فضلات، وجهاز تعرّق، وعضلات مُخطَّطة، وعضلات ملْساء، عضلات من نوعٍ ثالث، فالقلب وحدهُ نوع من العضلات، طبيبُ قلبٍ من ألْمَع أطِبَّاء القلب قال لي كلمة من يومين: والله علماء الأرض، لو اسْتمرٌّوا في البحث عن عجائب القلب إلى يوم القيامة لا ينتهون، فقد دُعينا إلى مؤتمر أربعة آلاف وخمسمئة محاضرة، هذه المحاضرات كلّها فيما هو جديد في أمراض القلب، دسَّاماته اخْتِصاص، وعضلته اخْتِصاص، وترويتُه اخْتِصاص، وكهرباؤه اخْتِصاص، أعطاك الله قلباً يعمل ليل نهار من دون كلل ولا ملل ولا مراجعة، ومن دون استراحة، منذ أن تدبّ الحياة في هذا الجنين وحتى يحين الحين، ويضخ لك ثمانية أمتار مكعَبة من الدَم في اليوم !! ويضخّ بالحياة ما يملأ أكبر ناطحة سحاب في العالم ! والشريان التاجي له دسَّام يُغلق بإحكام ويفتح بِطَلاقة، وأنت لا تدري، وجعل الشرايين كلّها كالقلوب، يقول لك شريان مرِن، لمَّا تأتي ضغطة قلب يتجاوَب معها ولمَّا يتجاوب يرجِع الضّغط بِمُرونته ويمشى الدَّم، ويصير كلّ شريان قلباً آخر، وأنت لا تدري ! في جسمك مئة وخمسون كيلو متر من الأوعيّة الدَّموية والأوردة والشرايين والشّعريات وأنت لا تدري، وبِكُلّ ميلي متر مكعّب خمس ملايين كريّة حمراء، اثنان ونصف مليون كريّة تموت في كلّ ثانية، واثنان ونصف مليون كريّة تولد في كلّ ثانيَة وأنت لا تدري، وعندك جِهاز المناعة الذي هو شُغل العالم الشاغل، عندك كريَّات بيضاء لها مراكز وقواعد عَسْكريّة، يدخل جرثوم ؛ هناك نوع من الكريات يفْحص الجرثوم وما نوعه ؟ وهذا مستطلِع ويأتي بالمعلومات وهناك نوع ثانٍ يُصنِّع المصل في العقد اللَّمْفاوِيَة، وهناك نوعٌ ثالث يُحارب، الكريات الحمراء قسم اسْتِطلاع، وقسم تصنيع، وقسم حرب ومرض الإيْدز ما هو ؟ تعطُّل هذا الجِهاز، وهناك صفائح دَمَوِيَّة للتَّرميم.

 

 

أتَحْســبُ أنَّكَ جُرْمٌ صغير  وفيك انْطَوَى العالم الأكبر
***

 

خلق الله للإنسان ليس عبثاً:

 هناك ثلاثمئة ألف شعرة بالرّأس، وهناك مليون شعرة بالجسم كلّه ! لكلّ شَعرة وريد، وشريان، وغُدَّة صبغِيَّة، وغدّة دَهْنِيَّة، وعضلة، وعصب، أحياناً تقول: وقف شعر بدني ! من الذي وقَّفَهُ لك ؟ هناك عضلات، عضلة، وعصب، ووريد، وشريان، وغدَة دهنيّة، وغدَّة صبغيّة، ومليون شعرة موجودة في جسمك، وأنت لا تدري، فأَنْ يعيش الإنسان على هامش الحياة ؛ أكلْنا، وشرِبْنا، وسَهِرنا، وقعدنا، ولعبنا النرد، وشاهدنا الفيلم الفلاني، وأكلنا مالاً حراماً، وحصلنا أموالاً بأسلوب ذكي !! ما هذه الحياة ؟ حياة فوضى، لذلك قال الله عز وجل:

 

﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36)﴾

 

( سورة القيامة)

 وقال تعالى:

 

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

 

( سورة المؤمنون)

 وقال أيضاً:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾

 

 أنا أقول لكم: والله إذا كشَف الإنسان فضل الله عليه ولُؤمهُ يتمنَّى لو تُسوَّى به الأرض، ويتمنَّى لو يُسْحق، أهذا هو موقف الإنسان ؟ هذا الذي يؤذي الناس، والله تعالى أنعمَ عليه بالسَّمع، والبصر، والعقل، والعضلات، هذا يجب أن ينْسحِقَ سحقاً حينما يعرف الحقيقة، فالناس نِيام إذا ماتوا انتبهوا، والبطل من يُعِدّ لهذه اللَّحظة التي تُراجعُ فيها الحِسابات.

الله تعالى له فَضْل على الناس وفضلهُ عليهم بأنَّهُ منَحَهم فرْصةًً للتَّوبة وفرصةً للتَّفَكُّر:

 العلماء قالوا: من معاني هذه الآية أيضاً أنْ يمْهلَ الإنسان، ويعطيهِ فرْصةً، تجد إنساناً كافراً ومؤْذياً، ويتحدَى الإله أحياناً، ومع ذلك يأكل ويشرب، وتجد قلبهُ ينبض، وكذا حركاته وعضلاته، الله عز وجل له فَضْل على الناس، وفضلهُ على الناس بأنَّهُ منَحَهم فرْصةً ؛ فرصةً للتَّوبة، وفرصةً للتَّفَكُّر، والله عز وجل يمهل ولا يهمل، قال تعالى:

 

﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)﴾

 ما هو الشُّكر ؟ الشُّكر في أدقّ التعريفات أنَّك إن عرفْت أنَّ هذه النِّعمة من الله فهذا أحد أنواع الشُّكر، كأن تجد نفسكَ في صِحَّة، هذه الصِّحَة ليس صدفةً ؛ السكر مضبوط وكذا البول والكولسترول، تحلِّل تجد كلّ شيء طبيعيّاً، أما إن ارتفع الكولسترول كان هذا مشكلة، وكذا السكر، فأنت إن عرفْتَ أنَّ هذه النِّعمة من الله عز وجل، فهذا أحد أنواع الشُّكر، ولو أنَّك دخلْتَ بيْتَكَ، وقد مكَّنَكَ الله من شراء هذا البيت، فقد يكون البيت أجرةً، يحوي زوجتك وأولادك إذا عرفْت أنَ هذه النِّعَم من الله فهذا أحد أنواع الشُّكر، لِمُجرّد أن تعرف أنَّ هذه النِعمة من الله فهذا لَوْنٌ من ألوان الشُّكر، فالواحد لا يغفل عن هذا ! إذا أكلتَ أكلةً طيّبة وقلت: الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً طيِّباً مباركاً فقد شكرت، إذْ هناك من يأكل بالسيروم وكلّ ليلة بِعَشرة آلاف ! وهناك من هو مَقطوع عن الطَعام ولا يُسْمَحُ له إلا بأكل أطعمةً قليلة كالخضر، هذه نِعمة، كذلك إذا كانت لك زوْجة صحيحة، فهذه نعمة من الله، وعندك أولاد بِصحّة طيّبة، إذا دخلْت إلى البيت، وقلت الحمد لله على هذه النِّعمة، الله تعالى قال:

 

 

﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾

 

( سورة إبراهيم)

 إن وجدَكَ شكوراً يزيدُك من فضْله، وقال تعالى:

 

﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (11)﴾

 

( سورة الرعد)

يجب أن تؤمن وأن تشكر وأوَّل درجة بالشكر أنْ تعرفَ أنَّ هذه النِّعمة من الله:

 إذا كنت في بَحْبوحة، ونِعْمة، وراحَة بال، وسلامة نفْس، وبِوفاق زوجي، وعلاقة طيّبة مع الأولاد، وكلّهم أبرار، فهذا من نِعَم الله الكبرى، وهذه يجب أن تشْكرها، وأن تكون ملء سَمْعِكَ وبصرك لأنّ الله تعالى قال:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147)﴾

 

( سورة النساء)

 لن تشكر إلا إذا آمنْتَ، يجب أن تؤمن وأن تشكر، فأوَل درجة يكفي أن تعْزو هذه النِّعمة إلى الله تعالى، هذه ليست بذكائك، ماذا قال قارون ؟ قال تعالى:

 

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ(78)﴾

 

( سورة القصص)

 تجد أحدهم يقول: لو لم أكن على درجة لما أخذت هذا البيت، لو لم أدرس لما صرتُ بهذه المرتبة الاجتماعيّة ! وهذا عرقٌ بذلْتُهُ في عمري !! كلّ هذا الكلام شِرْك، وكلّه كلام جَهل، الله عز وجل منَحَكَ نِعمة الصِّحة، وأعطاك عَقلاً ترْتَزِقُ منه، لو كان هناك خلل، لكان في مشفى الأمراض العقلية ؟! ومن الذي يُدخلهُ ؟ أولاده أو زوجته !! هو الذي عمَّرَ البيت، وهو الذي رتَّبهُ، هذا إذا صار هناك خلل بالعقل، والدعاء الشريف: ومتِّعْنا اللهمّ بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا، وعقولنا ما أحْييْتنا واجْعلهُ الوارث مِنَّا، لكنّ الله تعالى كريم، إذا أطاعه الإنسان في الصِّغر حفظه في الشيخوخة.

 

الدّرجة الثانية أن تذكر الله وأن تحمده والحمْد شُعور داخلي بالامْتِنان من الله عز وجل:

 قال له: يا بنيّ، حَفِظناها في الصِّغَر فحَفِظها الله لنا في الكِبَر، ومن تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقله حتى يموت، والمؤمن ما أحلاه ! كلّما كبرَ بالسِّن كلَما ازْداد تألُّقاً، وضياءً، من تعلَّم القرآن متَّعَهُ الله بِعَقله حتى يموت، لا يخرج من بؤرة الاهتمام للهامش، وإنَما يبقى في الاهتمام، هناك من يتقدّم به السنّ، يَمَلّ منه أهله فيَهْربون منه ويضعوه في غرفة ثانيَة ! وهناك من وُجوده مصدر سعادة الناس، فهذا الذي حفظ نفسه لمّا كان شابّاً ما زنى، وما شرب الخمر، وما أكل المال الحرام، وغضّ بصرهُ عن النّساء، وحرَّر دخله، ولزم المساجد، وحضر مجالس العلم، وصلى، وصام، وزكَى، وذكر الله عز وجل، وخدم الناس، ودعا إلى الله، وأمر بالمعروف، هذا الجُهد الذي في الشباب هو في الشَيْخوخة وقار وعَقل، ومكانة اجْتِماعية، وشُعور بالسَّعادة، فأحدنا الطرق كلّها مفتوحة أمامه، ولا أحد أفضل من غيره، وفضل الله واسع ويسعُنا جميعاً، ويسعُ الأرض كلها، ويسعُ كلّ إنسان على وجه الأرض.
 الدرجة الثانية أن تشعر هذا الشُّعور بالامتِنان، فأوّل درجة أن تعرف أنّ هذه النِّعمة من الله، والثانية أن تشعر، وأن تُخاطب الله، يا ربّ لك الحمد والشكر على ما أنعمْتَ وفضَّلْت، دائماً المؤمن يلْهَج بالشُّكر حتى في المصيبة، وإذا أحبّ الله عبدهُ ابتلاه، فإن صبَرَ اجتباه، وإن شكر اقْتناه، ثلاثة أطفال يمشون بالطريق، أحدهم سبّ الدِّين أو كلّهم سبّوا الدِّين، فلو رآهم شخصٌ يعرف أباهم لضربهم حبّاً لهم، فالله تعالى يؤدِّب الإنسان محض محبّة، ومحض اهْتِمام، ومعناه أنه مطموع بالإنسان، وفيه خير، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبَرَ اجتباه، وإن شكر اقْتناه، فالحالة الثانيَة هي حالة الحمْد، والحمْد شُعور داخلي بالامْتِنان من الله عز وجل:

 

 

هم الأحبة إن جـاروا وإن عدلـوا  فليس لي عنهم معْدلُ وإن عدلوا
والله وإن فتَتوا في حبّهـم كـبدي  باقٍ عـلى حبّهم راضٍ بما فعلوا
***

 

علامة الإيمان أن تحب الله لا في الرخاء فقط بل في الشدّة أيضاً:

 علامة الإيمان أن تحب الله لا في الرخاء بل في الشدّة، أحدهم كان يطوف على الكعبة وهو يقول: هل أنت راضٍ عني يا رب ؟ فكان يطوف وراءه الإمام الشافعي فقال له: يا هذا، وهل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟! فقال: من أنت يرحمك الله ؟ كيف أرضى عنه وأنا أتمنَى رضاه ؟ فقال: يا هذا، إذا كان سُرورك بالنِّعمة كَسُرورك بالنِّقمة فقد رضيت عن الله، فإيمانك ليس على الرخاء، والصحَّة الطيّبة، والدَّخْل الكبير، وكلّ الأمور بخير، بالمصيبة الإيمان، يا ربّ لك الحمد، حديث:

 

(( عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر وكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له))

 

[ أخرجه مسلم في مسنده عن صهيب ]

 المؤمن أمره عجيب ودائماً يتلقّى الأمور من الله عز وجل على رِضى، لذلك قال تعالى:

 

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)﴾

 

( سورة البقرة)

الدرجة الثالثة أن تعمل وأن تكون في خدمة عباد الله:

 أوَّل درجة من الشكر أن تعرف أنَّ هذه النِعمة من الله، والدرجة الثانيَة ذِكْر، قال: يا ربّ كيف أشكرك ؟ قال: يا موسى إنَّك إن ذكَرتني شكَرتني، وإذا ما نسيتني كَفَرْتني، يتَّبع عبد الله ويترك الله ؛ وهذا هو الشّرك، أما المؤمن لا ينسى الله.
 أما الدرجة الثالثة فهي عمل، لقوله تعالى:

 

﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾

 

( سورة سبأ)

 نسأل الله أن يجعلنا من الأقليّة المؤمنة لا من الأكثريّة الكافرة، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)﴾

 على وضعك الحالي والدَّخل القليل، هذا هو الفضل، والله تعالى يكشف الغِطاء، فوالله الذي لا إله إلا هو حينما يُكْشف الغِطاء، ويُظهر الله لك ما ساقهُ لك في الدنيا من متاعب، وضيق مادّي، ومرض مخيف، وزوجة مُتْعِبة، وأولاد متعِبين، وجار سوء، وضياع أحياناً وخوف، وقلق، وحزن، خلل أصاب الجسم، لمَّا يبيّن الله لك لماذا ساق لك هذه المتاعب ويريك في الآخرة لماذا ساقها لك يجب أن تذوب أنت المؤمن أو أيّ إنسان أن يذوب مِثل الشَمعة محبّة لله عز وجل، أما سيّدنا عليّ فقد قال: والله لو كُشِف الغِطاء ما ازْدَدْتُ يقيناً، لأنَّه قبل كَشْف الغِطاء موقِن برحمة الله وحِكمته وعدالته وعَطْفِهِ ورأْفتِهِ.

 

الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله:

 لمَّا تقرأ قوله تعالى:

 

 

﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (43)﴾

 

( سورة ص)

 النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قضى شيئاً قال:

 

(( الحمد لله الذي أذاقني لذته، و أبقى فيّ قوته، و أذهب عني أذاه ))

 

[الجامع الصغير عن ابن عمر]

 هذا علم، هذا الطَعام أذاقك الله لذَّته وما أكلته عن طريق السيروم ! والتُّفاحة عضضْتها وتلذذت بِنُكهتها، أذاقك لذَتها، وأبقى فيك قوَّتها، وأْذهب عنك أذاه، فلا عمليّة جِراحيّة، ولا حصر بول بالمثانة، الطُّرق كلّها سالكة، هكذا علَمنا النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته قال: الحمد لله الذي آواني وكم ممَّن لا مأوى له، اِذْهب إلى شرق آسيا، أجيال من الابن إلى الجد ينامون على الطّرقات، أما أنت فتسْكُن في البيت، ومعك مِفتاح بيت، وهناك حمَّام ومطبخ، فالدِّرجة الثانية أن تذكر نِعَمَهُ.
 والدرجة الثالثة أن تكون في خِدمة عِباده، الأغنياء أوْصِيائي، والفقراء عِيالي، كلّنا عباد لله عز وجل، يجب أن تسرّ أخاك وأن لا تُخيفهُ، لا تقْبلْ عملاً فيه تَخويفٌ للناس، المرعّبون في النار، ولا تُحمِّر وَجهَ إنسان وتُخْجِلُهُ وتحاصره وتُضايِقه، الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله، ولا تبْتزّ ماله، ولا تعطيه بِضاعة مَغْشوشة وتأخذ مبلغاً غالياً، ثمّ يقول لك: هذه شطارة !! أهكذا المؤمن ؟ تبيعُه شيئاً مغشوشاً، فإذا الواحد ارْتقى إلى مستوى ثالث أصبحَ في خِدمة الخَلق، والخلق كلّهم عِيال الله، ولا يستطيعُ أن يؤذي إنساناً، ولا يغشّ ولا يؤذي، وهناك غشّ بالوزن وغشّ بالنَّوع، وغشّ بالتاريخ، ينتهي المفعول ! فأوَّل درجة بالشكر أنْ تعرفَ أنَّ هذه النِّعمة من الله، وليْسَتْ من ذكائك، ولا من جهدك والدّرجة الثانية أن تذكر، والدرجة الثالثة أن تعمل، قال تعالى:

 

﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾

 

( سورة سبأ)

 هنيئاً لِمَن بلغَ الدرجة الثالثة، وشَعَر أنَّهُ خادمٌ للخلق أحياناً، فالخلق كلهم الله يحبهم، تعطي ابنَ صديقك سكَّرة فيقول لك أبوهُ شكراً، أنت ما أعطَيْتها الأب، فلِمَ قال: شكراً ؟ لأنَّه يعتبر هذا له، وكذا الحال إذا خَدَمْتَ عبداً مِن عِباده فهي لله عز وجل.

الإيمان نصفان بالسَّراء شكر وبالضَّراء صَبر وهذه مرتبة عالِيَة بالإيمان:

 قال تعالى:

 

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾

 

( سورة البقرة)

 حديث:

 

(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي ؟ ))

 

[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 هذا هو الشكر، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)﴾

 اِعمل جاهداً أن تكون شاكراً، والإيمان نصفان ؛ نصف صبر، ونصف شكرٌ، بالسَّراء شكر، وبالضَّراء صَبر، وهذه مرتبة عالِيَة بالإيمان، أنت بلغْت مرتبةً بحيث ترى أنَّ الله بيَدِهِ كلّ شيء، وأنّه لا يقعُ شيءٌ إلا بأمْر الله، والله اختار هذا الشيء الصَّعب فما عليّ إلا الصَّبر، وإن أعطاني فعليّ الشكر، فأنت بين الشُّكر وبين الصَبر، وهذا الإيمان، فالواحد إذا أدَى صوم رمضان، ففي هذا الشَّهر تقريباً كلّ الناس صائمون، ولكن فرْق بين الصِيام الكامل، الذي فيه الاستقامة التامّة، وغضّ بصر تامّ، وعدم سماع المُلْهِيات، وصدق لسان، وتقصَّى لكلّ أوامر الله عز وجل، وصلاة بإتقان والتراويح عشرون ركعة، لماذا تُصلّي ثماني ركعات فقط ؟ عمر رضي الله عنه صلّى بأصحاب النبي عشرين ركعة ! فهذه سنّة لا بدّ أن تُطبّق:

 

 

(( َعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ))

 

[ الترمذي وأبو داود عن العرباض بن سارية]

على المؤمن أن يكون له عمل يبتغي به وجْه الله عز وجل:

 أحياناً يقضي الإنسان خمس ساعات بكلام لا معنى لهِ، ومن أجل الصلاة يقول لك: ثماني ركعات ! وأعلى درجات الثَواب أن تسْتمع إلى كتاب الله في صلاة وأنت واقف، وأنت في مسجد، هذه هي التراويح، وإذا أُتيح لك أن تسمع القرآن كلّه في التراويح فهذا هو قيام الليل، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73)﴾

 

 أوّل درجة بالشكر المعرفة، والثانية الذِكر، والثالثة العمل، وإنّك إن ذكرتني شَكَرتني، وإذا ما نسيتني كفرتني، قال تعالى:

﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)﴾

( سورة سبأ)

 ماذا قدَمت أنت ؟ قال تعالى:

 

﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105) وَآَخَرُونَ﴾

 

( سورة التوبة)

 سَلْ نفْسكَ هذا السؤال: ما العمل الذي أعْدَدْتُه كي ألقى الله به ؟ ماذا فعلتَ من أجل الله ؟ وماذا أعْطيت ؟ وماذا منَعْت ؟ وأيّ وقْتٍ بذَلْتَهُ في سبيل الله ؟ وأيّ جهْدٍ بذلْتَهُ في سبيل الله ؟ وأيّ خِبرةٍ قدَّمتها في سبيل الله ؟ أيّ عِلْمٍ علَّمْتَهُ في سبيل الله ؟ هل أمرْت بالمعروف ونهَيْت عن المنكر ؟ هل راعَيت الأيتام والأرامل ؟ هل كنت أباً مِثاليّاً ؟ وزوْجاً مِثالِيّاً ؟ ماذا فعلْت كي تلقى الله بهذا العمل ؟ يمكن أن تأكل وتشْرب، تأكل كما يأكل العامّة من دون أجر ! وهذا بحكم العادة، ولكنّ الأصل أن يكون لك عمل تبتغي به وجْه الله عز وجل.

 

كلما رجحَ عقلَكَ قلَّ كلامك:

 قال تعالى:

 

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)﴾

 

( سورة النمل)

 هناك شعور ورغبة في أن يمْدَحَك الناس وهذا معروف، وأحياناً يعمل الواحد عملاً صالحاً، ويكون إخلاصه ضعيفاً لله عز وجل، فهو إن دعا إلى وليمة أَلَحَّ ؛ هل أعجبكم الطَّعام ؟ من أجل أن يثنوا على هذه المبالغ الكبيرة المدفوعة في هذا الطعام، أما إذا كان الإطعام لله عز وجل فالأمر قد اخْتلَفَ، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9)﴾

 

( سورة الإنسان)

 كلما رجحَ عقلَكَ قلَّ كلامك، والله تعالى اطَّلَعَ على قلبك، وعرفَ إخلاصَكَ، وعرفَ محبَّتَكَ، فالإنسان عند الله تعالى مَكْشوف ويستطيع بِذكائه أن يتكلّم كلاماً مقبولاً، يقول لصديقات زوجته: تعالين واجلسن هنا فهو أكثر دفئاً، هن محرمات عليك وأنت لا تخشَ عليهن البرد، بل هناك محاولة منك للتعرف عليهن، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)﴾

 

الإنسان له أن يقول ما يشاء ولكنّ الله يكشِف حقيقته:

 لماذا زرْتَ فلاناً ؟ لأنّك تعلم أنّ عنده اختلاط، قد تعجب بِزَوْجته، فالله يعلم بالضَّبط ما هي رغبتك ؟ فالإنسان له أن يقول ما يشاء، ولكنّ الله يكشِف حقيقته، وهذه الآية تقْسمُ الظَهر، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)﴾

 

 هذا عامل أتيت به وتقول له: أريد مشاركتك، فهل صحيح أنك تريد مشاركته أم عملية ترغيب ليعمل عندك فترة ثم تطرده؟
أن تتلاعَبَ مع الموظَف وتقول له الشغل موجود، حتى يتفانى في الخدمة ثمّ تضيّق عليه وتطردهُ، هذا يكشفه الله من أوّل الوقت، والشيء الذي لا يعلمهُ أحد يعلمُه الله، ويعلم أدقّ ما فيك، ويعلمُ ما يخفى عليك أيضاً، فالإنسان إذا تزوَّجَ، وإذا شارك، يشتغل مع شريكه ويتعلّم منه ثمّ يقول له: انتهى ما بيننا !! ويصبح المحلّ كلّه باسمه، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)﴾

 في علاقته مع النّساء، وبِعَلاقته التِّجاريّة، وبِحَركاته، وسكَناته، أحياناً يستطيع أن يظهر الإنسان بِمَظهر أخلاقي وراقٍ أما الحقيقة فالله يعرفها، ولا تستطيع أن تخدع الله.

﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾

[سورة النساء]

أيّ شيءٍ غاب عنك الله سبحانه وتعالى يعلمه و هو مسجل في كتاب مبين:

 قال تعالى:

 

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9)﴾

 

( سورة البقرة)

 وقال:

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)﴾

 

 إنَّ " للتوكيد، وكذا " اللام " هي للتوكيد، فالطبيب قد يقول للمريض: تعال بعد شهر، فهل المريض يحتاج للمجيء أم فقط من أجل الدراهم ؟! وكذا المحامي والمدرّس، فهذه المِهَن منْ تَدريسٍ ومحاماة وطب وهندسة، تقول للتاجر: اختر لي أحسن بضاعة، فإذا به ينتقي لك أبْشع لون، أهكذا الدِّين والأمانة، قال تعالى:

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74)﴾

 قال تعالى:

﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)﴾

 أيّ شيءٍ غاب عنك، حادثة وموقف، فالله سبحانه وتعالى يعلمها وفي كتاب مبين.

 

كلّ إنسان يستطيع أن يخْدم أخاه من خلال عمله وحِرفتِه:

 آياتنا اليوم ثلاث، قال تعالى:

 

 

﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73) وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74) وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)﴾

 إذا الإنسان بدأ بطريق الشكر، وكلّ نِعمة يتمتَّع بها يجب أن يعرفها أنَها من الله عز وجل، ثمّ عليه بِشُكر الله تعالى عليها، ثم عليه أن يردّ عليها بِخِدمة الخلق، وكلّ إنسان يستطيع أن يخدم إخوانه من خلال عمله، وكان السلف الصالح يفتحُ المحل التِجاري ويقول: نَوَيْتُ خِدمة المسلمين، إذا بِعْتَ الناس بِسِعر معتدل، وكنت لطيفاً معهم، وما أرْهقْتهم فهذه خِدمة، لذا كلّ إنسان يستطيع أن يخْدم أخاه من خلال عمله وحِرفتِه ؛ كَطَبيب ومحامي ومهندس ومدرّس وموظّف وتاجر:

 

 

(( التَّاجِرُ الأمينُ الصَّدُوقُ: مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقين والشُّهداء ))

 

[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

(( إن أطيب الكسب كسب التجار ؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ))

[ الجامع الصغير عن معاذ بسند ضعيف ]

 هناك تجار كبار إذا رأَوا تاجراً شابّاً اشْترى صفْقة أخافوه حتى يبيعها دون ربح، وإذا باعوا لم يُطْروا، يقول لك: هذه أحْسن شيء بالعالم وهي سيّئة !! وإذا كان لهم لم يُعَسِّروا، وإذا كان عليهم لم يمْطِلوا، فلا إمطال ولا تعسير، ولا ذمّ ولا مدح، ولا كذب ولا إخلاف وعد، وهم قليل، والآية الأخيرة:

 

﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75)﴾

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018