أحاديث متفرقة - الدرس : 089 - اتباع الكتاب والسنة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 089 - اتباع الكتاب والسنة .


2001-01-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 أيها الإخوة مرةً ثانية نعيش مع بعض الأحاديث الشريفة المتعلقة في اتباع الكتاب والسنة، سبب اختياري لهذه الأحاديث، أنني ألتقي مع أناسٍ كثيرين يقول بعضهم: هكذا علَّمنا والدنا. يقول بعضهم الآخر: هكذا قال الشيخ الفلاني. من والده إلى شيخٍ معيّن، إلى كتابٍ، إلى مقالةٍ، إلى مجلةٍ، إلى ندوة في الفضائيات، يتلقى توجيهاتٍ من مصادر شتى، ولا يتأكَّد من صحة هذا النقل، الشيء الخطير أن هذا العِلم دين، فأغلى شيء في حياتك دينك، لأنك إن صح دينك سلمت وسعدت، وإن استقيت دينك من مصادر غير موثوقة، فعشت في أوهام، وانطلقت إلى تصرُّفات بعيدة عن الدين، هلكت وأهلكت.

 ما أروع قول الإمام الغزالي: " لأن يرتكب بعض الناس الكبائر أهون من أن يقولوا على الله ما لا يعلمون ". قضية بيت يتغير، حرفة تتبدل، مركبة تبيعها، أما دينك إنه لحمك ودمك، يجب أن تأخذ عن الذين استقاموا في عقيدتهم، واستقاموا في سلوكهم، واستقاموا في علاقاتهم، ولا تأخذ عن الذين مالوا.

 هذه الحقيقة يجب أن تتحصن بمنهج، دقيق كلامي: أن تتحصن بمنهج، والله عددٌ كبيرٌ جداً من المسلمين قد يزيد عن معظمهم ما عندهم منهج، مرة يقول لك: الشيخ الفلاني بالفضائية الفلانية أفتى بالربا، فهل أنت أفهم من الشيخ ؟ مرة يقول لك: سمعت خطبة، مرة يقول لك: قرأت كتاب، في كتب فيها ضلالات، في كتب عناوينها برَّاقة لكن مضمونها خطيرٌ جداً، كمن يقول في كتابه: أن الفتاة يمكن ان يراها والدها كما خلقها الله، ولا شيء عليها، لأنه والدها، وقد غطَّاها ببعض التفسيرات المضحكة للآيات الكريمة.

 أنا حينما كنت في بعض البلاد، شيء لا يصدق أن مثل هذه الكتاب رائجة هناك، وهي عندهم دين، وهي عندهم صحيحة، فمع فوضى المعلومات، ومع تعدد المصادر، ومع انحراف بعض من يتصدَّون للدعوة إلى الله، ومع كثرة النفاق، ومع إرضاء أهل الدنيا، ومع الخوف من الأقوياء، نسمع من يومٍ إلى آخر أشياء ما أنزل الله بها من سلطان.

 فلذلك، ما الذي يعصمنا من هذه الضلالات ؟ وما الذي يعصمنا من هذه الانحرافات ؟ وما الذي يبقينا على الطريق الصحيح ؟ أن يكون عندنا منهج، نظام، مبادئ ثابتة، أوضح مثل: لو أعطيناك ألف ثوب قماش، وعلى كل ثوبٍ طوله، يا ترى هذه الأطوال المكتوبة على هذه الأثواب صحيحة ؟ لعل في غش، لعل في مبالغة، لعل في كذب، لعلها واقعية، ما الذي يحل هذه المشكلة ؟ أن يكون معك متر.

 أنا أتمنى والله أيها الإخوة أن معرفة منهج التلقي أخطر من التلقي نفسه، ذلك أن الميزان إذا صحَ صح الوزن، وإذا اختل الميزان اختل الوزن، ولي مقولةٌ شهيرة: " أن الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فأهون ألف مرة أن تخطئ في وزنةٍ واحدة من أن يكون ميزانك مختلاً ".

 درس اليوم على الميزان، اقرأ كتب، اقرأ صحف، تسمع أخبار، تسمع أقوال مَن يعمل في حقل الدعوة، تسمع أقوال منقولة عنهم وقد يكونون بريئين من قولها، أنت أمام هذه الفوضى وأمام هذا الرُكام من المقولات، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ فلو أدخلناك على غرفةٍ فيها مائة ألف قطعةٍ صفراء برَّاقة، وقلنا لك: هذه القِطَع بعضها من الذهب الخالص، وبعضها من ذهب عياره أقل (18) وبعضها عيار (16) وبعضها (11) وبعضها نحاسٌ مطليٌ بالذهب، وبعضها نحاسٌ ملمَّع، وبعضها معدنٌ خسيس مطليٌ بلون معدنٍ نفيس، ولك أن تبقى في هذه الغرفة ساعة، وأن تأخذ مائة قطعة، مَن هو البطل ؟ الذي يأتي بمقياس يكشف مستوى الذهب في هذه القطع، فيأخذ مائة قطعةٍ من الذهب الخالص، من هو الأحمق ؟ الذي يدخل هذه الغرفة بلا مقياس، فيأخذ أخذاً عشوائياً، وقد يكون حظه من القطع الخسيسة لا النفيسة.

 فسبحان الله مع تطور الحياة، ومع كثرة التآليف، ومع تعدد المشارب، ومع اختلاف المسلمين، ومع افتراقهم إلى مللٍ ونحلٍ، وطوائف واتجاهاتٍ، ومصالح، ومع مَن يتاجر بالدين، ومع من يبتغِ الدين بالدنيا تجد ركاماً من المعلومات، بعضها صحيح وبعضها غير صحيح.

 فمثلاً: أي كتاب تفتحه تقرأ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هل تعتقد أنه حديث رسول الله ؟ لا، ستمائة ألف حديثٍ موضوع، أعداد مذهلة مثل:
  ((كل الناس هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطرٍ عظيم))

هذا حديثٌ موضوعٌ لا أصل له، هدفه التيئيس، إن كنت من الناس فأنت هالك، وإن كنت عالم فأنت هالك، وإن كنت عاملاً بعلمك فأنت هالك، وإن كنت مخلصاً فأنت هالك.
((ما وسعني أرضي ولا سمائي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن))

 يعقل أن قلب المؤمن يسع الله ؟ هذا كلام فيه زندقة، طبعاً الأحاديث التي تروى ولا أصل لها كثيرة جداً.

  فلابد من منهج تلقي، لابد من مقياس، إن كنت ناقلاً فالصحة، متبعاً فالدليل، هذا منهج، إن أردت أن تنقل فتحرَّى الصحة في النقل، إن أردت أن تبتدع فعليك أن تأتي بالدليل القياسي.

* * * * *

 عن عابس بن ربيعة قال: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقبِّل الحجر الأسود، ويقول: " إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبَّلتك ". ما معنى هذا الكلام؟ معنى هذا الكلام أنه في حياة المسلم رجلٌ واحد كلامه هو الدليل، لأنه لا ينطق عن الهوى، ولا يفعل فعلاً غير صحيح، وقد أمرنا الله أن نأخذ منه أقواله وأفعاله وإقراره فقال:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

  أنت أمام هذا الحديث ينبغي أن تقلِّد النبي، إن أتيح لك أن تعرف الحكمة لا مانع، لكن من الخطأ الفاحش أن تعلِّق تطبيق هذه السنة على فهمك للحكمة، نبيٌ كريم، والدليل: أنك مع إنسان ليس رسولاً وليس نبياً لكن طبيب متفوق، يعطيك التعليمات ولا تفكر في مناقشة كلامه، هذا طبيب، هكذا قال لي، غير معقول يغلط، أنت مع طبيب لا تناقشه، فكيف تتيح لنفسك أن تناقش رسول الله ؟ وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

( سورة الحجرات: من آية " 1 " )

  لا تقدم اقتراحات بخلاف ما في الكتاب والسنة، لا تقدِّم حلول لم ترد في الكتاب والسنة، أيعقل أن ينسى الله عزَّ وجل ؟ البداء من صفات المخلوقين، لكن ليس من صفات الخالق، ما البداء ؟ يعني بدا لك شيء لم يكن بادياً من قبل، فعدلت رأيك، عدَّلت القرار، ألغيت قرار، طوَّرت قرار، لأن البداء من صفات المخلوقين لكنه لا يعقل أن يكون من صفات الخالق، كأن يقول: أن الله غاب عنه شيء، ثم بدا له إذاً هذا التشريع لا يناسب هذا العصر، لا..

 

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 3 " )

  فأنا أول شيء بالمنهج ـ منهج التلقي ـ أنا مخلوق من خالقٌ عظيم، كل هذا الكون يشهد بعظمته، وعلمه، وخبرته، ورحمته، وقدرته، وحكمته، وهذا الكتاب كتابه، وهذا الإنسان نبيُّه، وأقواله أقوال نبيٍ معصومٍ مؤيَّدٍ بالوحي، معه معجزات، فأول شيء بمنهج التلقي: أنني لابد من أن أستسلم إلى الله في قرآنه، وإلى النبي في سنته القولية أو العملية، أو إلى قول عالمٍ ينقل لي ما في القرآن وما في السنة، أنا لا أتبع رأيه بل أتبع نقله فقط، هذا المنهج، لكن أنت حينما تنساق إلى طاعة الله، يتفضل الله عليك فيمنحك حكمة هذا الأمر، تكون قد جمعت بين الحُسْنَيَين، جمعت بين مرتبة العبادة الخالصة، وبين مرتبة العلم، فكل إنسان طبق ما علم، أورثه الله علم ما لم يعلم، منحه الحكمة.

 

 فلذلك يقول سيدنا عمر: " واللهِ إني لأعلم أنك حجرٌ لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك ". فمن الممكن تفهم حكمة ألف أمر ويغيب عنك حكمة أمر، أنت كمؤمن..

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

( سورة الأحزاب: من آية " 36 " )

  أنا ما لي خيار، وعلَّة أي أمرٍ أنه أمر، هذا منهج، أنت ما لك ند لله عزَّ وجل حتى تناقشه، أنت عبد مأمور، فإذا ثبت عندك أن هذا كلام الله، وأن تأويله هكذا، أو أن هذا كلام رسول الله، وأن تأويله هكذا، لا يمكن أن تفكِّر بوضع الأمر على بساط البحث، أما أن يتفضل الله عليك فيكشف لك حكمة هذا الأمر، هذه منحةٌ إلهية يعطيك إياها أو لا يعطيك، لكنك مطبقٌ للأمر في كل الأحوال.

 

 طبعاً هذا ينقلنا إلى ما يقال اليوم: التجديد في الدين، التجديد في الفقه، تطوير الدين، قولبة الدين وفق العصر الحاضر، أن نحدث أشياء لم تكن من قبل، لعلي ذكرت بعض هذا في الدرس الماضي، لكن من خطورته أوسع هذا في هذا الدرس.

 الدين لا يقبل التطوير، ولا التجديد، ولا التغيير، ولا التحسين، ولا الزيادة، ولا الحذف، لأنه من عند الله، والله مطلق في كماله، الله عزَّ وجل لا يغيب عنه شيء، ولا تخفى عنه خافية، وخبرته قديمةٌ قدم وجوده. ذات مرة زرت معمل سيارات لكنه ضخم جداً، فهذا الذي قدَّم خدمة هذه الزيارة، أردت أن ألفت نظره إلى الله عزَّ وجل، قلت له: هل تذكر مركبة من عام ألف وتسعمائة وعشرة ؟ لعله ذكر بعض هذه المركبات، بسيطة جداً، الإضاءة في فانوس على الذيل، والتشغيل بحركة من خارج المركبة، والبوق هوائي، والمحرِّك حركة واحدة، والعجلات صب ما فيهم هواء، مركبة بسيطة جداً، لو وازناها مع مركبة حديثة جداً، والله رأيت مركبة فيها خارطة مربوطة بالقمر الصناعي، أنت اكتب هدفك كل الطرقات تظهر على الشاشة، الحدائق، الأبنية، الجسور، الطرقات، فروع الطرقات كلها على الشاشة، والمركبة رُمِزَ لها بمثلث، والخارطة تسير، وهذا برنامج ناطق، تمشي على طريق، فتسمع من يقول لك: بعد خمسة مايل هناك انعطاف نحو اليسار، تسير فيه كذا كيلو متر أو كذا ميل، يعني ناطق مشاهد.

 أقسم لي بالله أحد الإخوة الكرام أنه خرج من بيته في مدينة، واتجه إلى مدينة فيها مؤتمر إسلامي، والمسافة حوالي أربعمائة كيلو متر، ما اضطر يسأل إنسان، فمركبة كهذه المركبة فيها ثلاثمائة أو أربعمائة إجراء أمني يقي الراكب العطب مثلاً، فيها ما لا يوصف، هل توازن هذه المركبة الحديثة مع مركبة قديمة ؟! فالمقعد تضعه بشكل ترتاح به، محفوظ في الذاكرة، لو جاء ابنك وغيَّر هذا المقعد، أنت بكبسة زر يعود إلى البرنامج الذي برمجته عليه. ممكن وأنت في المركبة أن تشاهد كل شيء، أن تتصل بأي إنسان، مثلاً من أجل أن تكون متناسبة مع الجو المريح هناك حركة تبدل الهواء في ثواني، ويأتي هواء بارد في الصيف، وفي الشتاء هواء ساخن، فما الذي حصل ؟ ما الذي جعل هذه المركبة الحديثة جداً تتطور عن مركبةٍ بدائيةٍ جداً ؟

 هو أن خبرة الإنسان حادثة، يعني تزيد، أما خبرة الله قديمة، هل سمعت أنه في إنسان موديل تسعة وسبعين ؟ ظهر تعديل على حركاته، ارتفعت عتبة الرؤية عنده، كانت رؤيته سوداء فأصبحت ملونة مثلاً ؟ هذه ليست واردة أبداً لأن خبرة الله قديمة قدم وجوده، فالإنسان كامل كمال مطلق.

 بالمناسبة أنا لا أرضى أن تقول: زائدة دودية، ولكن ذائدة، أي مدافعة، ما يسميه الأطباء الزائدة الدودية هي في الحقيقة مدافعة، خط دفاع، ذائدة، بالذال، دودية. فحينما تعلم أن الله كامل وكماله مطلق لا يمكن أن يكون تشريعه يحتاج إلى تعديل، والدليل يقول الله عزَّ وجل:

﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

  واضحة. قال:

 

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾

  تنازعتم أنتم وأمراؤكم، أو أنتم وعلماؤكم في شيء..

 

﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

( سورة النساء: من آية " 59 " )

  الله عزَّ وجل أحالنا إلى الكتاب والسنة، وهذا كلامٌ إلى يوم القيامة، أفيعقل أن تنشأ مشكلةٌ تشريعية ونختلف حيالها، ثم نرجع إلى الكتاب والسنة فلا نجد شيئاً ؟ أيعقل أن نحال على معدوم ؟!! مستحيل.

 

 قلت لكم في درسٍ سابق فيما أذكر: أنني حضرت مؤتمراً للفقه في دمشق، قبل أشهر تقريباً، خرجت بانطباع دقيق جداً هو أن العلة ليست في الإسلام ولكنها في المسلمين، يعني ما من حاجةٍ إلى تشريعٍ إلا وفي التشريع الإسلامي ما يغطي هذه الحاجة، ولكن إذا رفضنا الدين نحن في الأصل هذا موضوع آخر، أما ديننا فيه كل التشريعات الملائمة لكل عصر.

* * * * *

 الحديث الآخر:
 عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد))

  أخطر شيء عقائدنا وعباداتنا، هذه منتهية، هذه مقطوعٌ بها، هذه توقيفيَّة، نزلت بكمالٍ مطلق وانتهى الأمر، ما علينا إلا الاتباع، لذلك أعلى الخلفاء قاطبةً ـ سيدنا الصديق ـ قال:

((إنما أنا متبع ولست بمبتدع))

  إنك تتبع الذات الكاملة، تتبع الكمال المطلق، تتبع الحكمة المطلقة، تتبع العدل المطلق، لذلك:

 

((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ))

 بل البطولة أن تنزع عن الدين ما ليس منه.

 

 

 وفي حديث دقيق يقول:

((إذا لم تستح فاصنع ما تشاء ))

( من الجامع الصغير: عن " حذيفة " )

  ما معنى هذا الحديث ؟ قد يفهمه الناس فهماً آخر، معنى هذا الحديث أنه: إن كان فعلك مطابقاً للشرع، وقد أنكره الناس، فلا تعبأ بهم، فاصنع ما تشاء، إن كان فعلك مطابقاً للشرع، أنا أقسم لكم بالله أن هناك نساء مسلمات يقلن لأزواجهن: ازنِ ولا تتزوج علي. الشيء المسموح ترفضه، والشيء المحرم ترضاه.

 

 فلذلك:

((إذا لم تستح فاصنع ما تشاء ))

 إذا كان فعلك صحيحاً وفق الكتاب والسنة، وقد ورث الناس من آبائهم وأجدادهم إنكاراً لهذا الشيء، فلا تعبأ بكلام الناس، وعليك بطاعة الله.

 

 بالمناسبة، هذا الذي يحفل بكلام الناس إلى درجة غير معقولة، لابد من أن تحفل بكلام الناس، ولكن إلى درجة غير معقولة فهذا مرض، لأنه مَن عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به والأمور لا تستقر إلا على الصحيح، والله عزَّ وجل هو الحق ومتكفلٌ أن يظهر الحق.

 من بعض منهج التلقي: أنت إنسان لك خالق، ولهذا الخالق كتاب، وقد أرسل نبياً، ولهذا النبي أحاديث، فكل سلوكٍ، أو فعلٍ لا ينطبق على الكتاب والسنة ينبغي أن ترفضه، وكل سلوكٍ ينسجم مع الكتاب والسنة، ولو كان مستهجناً، ينبغي أن تفعله ولا تعبأ بقول أحد، هذا منهج التلقي، أنت معك تعليمات الصانع فقط، أطبق هذا ولا أعبأ بأحد، لكن إذا أمكنك أن توضح، وأن تبين، وأن تقرب، وأن تسدد هذا أفضل، لكنه لو صار هناك تصادم، فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.

 قالت لي مرة أخت على الهاتف: زوجي يجبرني على أن أذهب معه إلى البحر، وأن أسبح بثياب البحر مع أصدقائه، وإلا طلقني، قلت لها: لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. فرعون بكل جبروته لم يستطع أن يحمل امرأته على عبادته، قالت:

﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَت فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)﴾

( سورة التحريم )

  وهذه القصة إخواننا الكرام خطيرة جداً، مؤدَّى هذه القصة أن المرأة مستقلةٌ في إيمانها عن زوجها، فلا يقبل منها أن تقول: هكذا يريد زوجي، وإن شاء الله برقبته، لا برقبتها هي، لأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.


* * * * *

 وعن جابرٍ رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه، كأنه منذر جيش. هذه عاطفة جياشة، هذا إخلاص شديد..

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128)﴾

( سورة التوبة )

  في الآن سلوك معاكس، مجاملة، تكون غرقان بالمعاصي ويمدحك كذلك بقوله: ما شاء الله حوله، فهيم والله، لبق، اجتماعي، الله يكثر أمثالك. وهو غارق بألف معصية أمامه، المجاملة كذب. مرة كنت في جلسة لم أجد فيها إلا يمدح الحاضرون بعضهم بعضاً مدحاً غير معقولاً، وكله كذب، قال لي واحد: أين كنت ؟ والله كنت بجلسة كذب، الله وكيلك كله مديح فارغ، نحن لو بدلنا المديح بالنصيحة، بأدب طبعاً، وبلطف، وبدليل، فهذا أقوى بكثير.

 

 مرة دخلت على أحد الإخوة التجار ـ المحسوبين على المؤمنين ـ يعني دين، ويحضر مجالس علم، وله مكانته، لكن وجدت عنده موظفة بوضع لا يقبل إطلاقاً، فعاتبته: أنك أنت محسوب علينا، أقسم لي وقال لي: والله زارني عشرات من الرجال الذين يعتد بهم ما أحد نصحني هذه النصيحة، والله جزاه الله خيراً بدلها بموظف بعد ذلك، فلا يتناسب هذا الوضع مع مكانتك الدينية، أنت اطلع من المديح للنصيحة، المديح والله فارغ، وبعض الأحاديث تقول:

((احثوا في وجه المداحين التراب ))

 كن معتدل بالمديح، واجعل مديحك واقعي، وأن يكون مديحك بحكمة، ولكن الشيء الذي يحير أن النبي له حديثان يبدوان متناقضين، الأول يقول:

(( إذا مدح المؤمن في وجهه ربا الإسلام في قلبه ))

( من الجامع الصغير: عن " أسامة بن زيد " )

 والثاني:

 

(( أحثوا في وجه المداحين التراب ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 أحدهم مدح آخر أمام النبي الكريم قال:

 

((لقد ذبحته))

  فكيف نجمع بين الأحاديث ؟ قال: المؤمن موحد ومتواضع، فإذا مدحته رأى فضل الله عليه، فازداد محبة لله، وازداد تواضع، وازداد نعومة ولين، ولكن ضعيف الإيمان إذا مدحته يستعلي ويتكبَّر.

 

 

 فكان عليه الصلاة والسلام إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، كأنه منذر جيش يقول:

(( صبَّحكم ومسَّاكم. ويقول: بعثت أنا والساعة كهاتين))

  بعثته من علامات قيام الساعة، بعث النبي في آخر الزمان، بعثته من علامات قيام الساعة، والأحاديث عن علامات قيام الساعة كثيرة جدة، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول:

(( أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله))

 يعني خير كتاب تقرأه، خير منهج تتبعه، خير حبل تتمسَّك به، خير دستور تمشي عليه، خير نصِّ تتعامل معه، فيه نبأ من قبلكم، وخبر ما بعدكم، فيه الحلال والحرام، فيه الأمر والنهي، فيه أخبار الأمم السابقة، فيه آيات كونية دالة على عظمة الله عز وجل.

 

(( بعثت أنا والساعة كهاتين، ويقرن بين إصبعيه السبابة والوسطى ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله))

 ـيعني فضل كلام الله على كلام خلقه، كفضل الله على خلقه، يعني المسافة بين خالق ومخلوق، كالمسافة بين كلام خالق وكلام مخلوق، مهما كان كتاب قيِّم، إذا كان قديم تجد فيه شيء مضحك، والله كتاب مشهور شهرة في العالم الإسلامي تفوق حد الخيال، من ليس عنده هذا الكتاب فليس من الأحياء بعضهم قال، هذا العالم وقتها كان يتوهَّم أن المعدة مفتوحة كالوعاء، وأن الطعام الحار يخرج منه بخار إلى الدماغ، فيعطِّل التفكير، هذا الشيء غير صحيح، إنسان ثاني تقرأ في كتابه: أن حبل السرة هو حبل فيه دم وفيه هواء، لكي يتنفس الطفل، لا تجد كتاب إلا فيه خطأ، ولكن هذا الكتاب الكريم، كتاب الله، مع كل التقدم العلمي، هل يوجد فيه آية تناقض مع حقيقة علمية ؟ مستحيل، أنا ذكرت مرة في ندوة أزيعت في رمضان، أن الله عز وجل قال:

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾

( سورة الواقعة )

  أن هذا النجم كان هنا قبل عشرين مليار سنة، بعض المجرَّات تبعد عنا عشرين مليار سنة، ومشى، لكن ما سرعته ؟ مائتي وأربعين ألف كيلو متر بالثانية، تقترب من سرعة الضوء، فأين هو الآن ؟ مائتي وأربعين ألف كيلو متر ثانية، بالدقيقة ضرب ستين، بالساعة ضرب ستين، باليوم ضرب أربعة وعشرين، بالسنة ضرب ثلاثمائة وخمسة وستين، بعشرين مليار سنة، فأين هو الآن ؟ فهذا المكان الذي أصدر الضوء منه، هل هو نجم ؟ لا ليس نجم اسمه موقع، كلمة موقع لا تعني أن صاحب الموقع في الموقع، فلو أن القرآن كان ليس من كلام الله لوجدت آية تقول: فلا اقسم بالمسافات بين النجوم. لأن النجم ليس ثابت، لو قال بالمسافات بين النجوم ليس قرآناً هذا كلام بشر، أما لأنه كلام خالق البشر.

 

﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75)﴾

 

( سورة الواقعة )

  هذا النجم كان في هذا الموقع، وانطلق بسرعة هائلة، وبعد عشرين مليار سنة جاءنا الضوء من هذا الموقع الذي تركه صاحب الموقع، فمهما تقدم العلم يقترب من الدين، وأكبر غلط يرتكبه بعض المسلمون، أنه يقول: مرحى للدين إذا وافقه العلم. لا، هذا تفكير معكوس، قل: مرحى للعلم إذا وافق الدين.  فالدين هو الأصل، لا تمدح الدين بتطابقه مع العلم، لا، امدح العلم إذا تطابق مع الدين، هذا هو الأصل.

 

 إذاً:

((إن خير الحديث كتاب الله وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة))

 وفي رواية:

(( وكل ضلالة في النار))

  إذا كان صنعة المطلق في كماله كانت هكذا، فأي تبديل وتعديل نحو الأسوأ، الله ماذا قال:

 

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2)﴾

 

( سورة الإنسان )

  النطفة فيها مورِّثات، والبويضة فيها مورثات، تصميم ربنا عز وجل لو أن هناك مورِّثين في البويضة وفي النطفة مختلفين في قوَّتهما، الأقوى يغلب الأضعف في التصميم الإلهي، لو فرضنا إنسان من أسرة معها تخلخل في العظام مبكِّر، هذا الإنسان تزوَّج من أسرة بعيدة عنه، معها قوة في العظام بحسب المورثات، إذا صار تزاوج بين هذين، المورث القوي يغلب المورث الضعيف ويأتي الطفل قوي، أما لو استنسخنا، كما يفعل البشر، أخذنا خلية من ثدي الحيوان، ولقَّحناها ونمت في أنبوب، ثم وضعناها في رحم، ثم نمت، فالناتج ليس وفق منهج الله، الناتج شقيق الأصل، والخطأ يكرس في التماثل، والخطأ يتلاشى في التباعُد، لذلك قال سيدنا رسول الله فيما رواه عمر عنه، موقوف عن سيدنا عمر: " اغتربوا لا تضووا ". أقوى دليل على أن الاستنساخ غير جيد أنه تعديل عن خطة الخالق، والخالق مطلق، فالتعديل نحو الأسوأ.

 

 ولكن بعد ذلك صار في فضائح، هذه النعجة التي كادت عن طريق الاستنساخ، أصابتها أعراض الهرم بعد أشهر، وكأنها عاشت أعوام طويلة، لأنها خلال المنهج الإلهي.

((وشر الأمور محدثاتها ))

  انظر للناس تجد أغلبهم يسهرون إلى ساعة متأخرة من الليل، أجمل ساعة في اليوم الفجر، " لو يعلم ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً "، أحدنا أحياناً يكون خارج دمشق ينام باكراً في الساعة التاسعة أو العاشرة، تجده يستيقظ كالحصان وهو متفهم لعباداته وتلاوة القرآن، مقبل على الله عز وجل، كل نهاره سعيد، بهذه الساعة المباركة التي كانت في السحر. " لو يعلم الناس ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً ".

 نحن نأخذ من الحضارة ما ينفعنا، سئل أحد الأدباء: ماذا نأخذ وماذا ندع من حضارة الغربيين ؟ قال: نأخذ ما في رؤوسهم وندع ما في نفوسهم، إحساسنا ملكنا وإحساسهم ملكهم، ولكن المعرفة قَدْرٌ مشترك بين الجميع. ويقول: إن ثقافة أي أمة ملك البشرية جمعاء، ذلك لأنها بمثابة عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مر الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها ؟!

 فالثقافة ملك البشرية، يمكن أن نأخذ ما في رؤوسهم، أما ديننا دين عظيم، أما يجب أن يكون أنواع الزواج ثلاثة ؛ عقد بين شخصين، بين ذكرين، أو أنثيين، أو ذكر وأنثى، هذا خلاف الطبيعة، خلاف الفطرة، خلاف المنهج، طلع علينا مؤتمر السكان بأشياء لا تصدق، أناسٌ شاردون عن الله، ما في عندهم منهج، نحن عندنا منهج من عند خالقنا ومربينا.

((وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار))

 ثم يقول:

((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي))

 ماذا نستنبط من هذا ؟ أن كلما اغتنى المواطن تغتني الدولة، أحياناً قي ضرائب تقلل الضرائب، ضرائب غير معقولة، فماذا يفعل الناس ؟ يحجمون عن العمل، فتقل الضرائب، فماذا وجه النبي ؟ هذا توجيه عام اقتصادي قال:

((أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي وعلي))

 طبعاً هذا التوجيه ليس متعلقاً بالنبي فقط، بكل ولي أمر من المسلمين، إذا المواطن اغتنى، صار خزانة للدولة، طبعاً دفع الضرائب، دفع ما عليه.

 

 ذات مرة جرت تجربة ببعض البلاد: وزير النقل أو البريد اقترح مضاعفة ثمن الطوابع يأتي خمسين مليون جنيه، فقال: نضاعف القيمة يصبحوا مئة مليون. حساب بسيط، فلما تضاعفت ثمن الطوابع جاء خمسة وعشرين مليون، لأن الناس أصبحوا يرسلون الرسائل بشكل شخصي مع بعضهم بعضاً، فليس كل حساب على الآلة الحاسبة صحيح، فهنا التوجيه أن ينبغي أن يغتني المواطن، فإذا اغتنى تغتني معه الدولة، لا ينبغي أن يفتقر المواطن.

(( أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالاً فلأهله، ومن ترك ديناً أو ضياعاً فإلي أو علي))

 وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال عليه السلام:

(( من رغب عن سنتي فليس منه))

  في بعض إخواننا الكرام تجد النمط الغربي سائد في مجتمعاتنا، لازم تكون احتفالاتنا وأعيادنا عن النمط الغربي، وطعامنا وشرابنا ودعواتنا وولائمنا والأعراس كلها على النمط الغربي، هذا الشيء فيه غلط كبير، هذا طمسٌ عن شخصية الأمة،

((فمن رغب سنتي فليس مني))

  والدليل: إن الله جل جلاله لن يقبل دعوى محبته إلا بالدليل، فقال:

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 31" )

  حدثني أخ ـ هو من بلد عربي بعيد، مقيم في أمريكا، قال لي: تباع بعض الأشرطة الإباحية بأسعار مرتفعة جداً، هي في الحقيقة لأزواج في غرف النوم، في آلات تصوير خفية في بعض الفنادق، فحينما يقيم إنسان عقد قران بفندق، تقدم له هدية أن ينام الليلة الأولى في غرفةٍ من غرف الفندق، ويصوران، وترسل الأفلام إلى بلادٍ بعيدة، فتباع بأثمان باهظة، فطوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، انتبهوا، في أناس من الطبقة الغنية تريد كل شيء فخم، كل شيء غالي، بأغلى مكان، بأجمل مكان، بأرقى مكان، لكن في مطبات، فأنا أقول هذه الكلمة: طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة.

 

 شخص اشترى آلة تصوير ملونة متحركة فيديو، صور أهله، والشيطان بعد ذلك وسوس له أن يصورهم بوضع غير مقبول، بعد ذلك من دون ثياب، بعد ذلك بلقاء زوجي، مستعير عدد من أفلام الفيديو من بعض المحلات، بالخطأ وضع الفيلم الخاص به بغلاف فيلم مستعار، هذا المؤجر وجد فيلم جديد، أجره، ووصل لأخ صاحب الموضوع، هذا الرجل اضطر أن يبيع بيته وأن يسكن في مدينة بعيدة جداً، أنا أذكر هذا الكلام مع أنه قاسٍ جداً، ومع أنه لا يقبل، ولكن لكي أنبه إخواننا ما كل آلة حديثة استخدمها استخدام غيرمشروع، طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة.

 الآن آلاف المشكلات تعاني منها النساء بسبب صور، صار في برامج مذهلة، يقام رأس وتوضع على شخص آخر، دون أن تشعر، دون أن تلاحظ الفرق، ممكن تقدم صورة إلى زوج لزوجته من حيث رأسها فقط، أما جسمها لامرأة ثانية، وتكون هذه الصورة سبباً في الطلاق، فنحن نريد أن نقلد الغربيين أن في عرس مع فيديو مع تصوير، فهل يعقل أن تصور هذه النساء الكاسيات العاريات في العرس وصار في وثيقة، أحياناً تكون بيد الزوج فيحدث الطلاق، يوزع هذا الفيلم على أقربائه إغاظة لزوجته، فأنا أقول لكم أشياء حادة جداً ولكن اخترتها لتكون رادعاً لنا جميعاً عن أن نستخدم شيئاً ما فعلها النبي، من رغب عن سنتي فليس من أمتي.

 والله بعد أن رأيت ماذا يمكن أن يكون في المونتاج في الصور شيء لا يصدق، في تقدم علمي مذهل، ممكن تضيف إنسان، تحذف إنسان، تضع رأس إنسان على جسد إنسان آخر، خيارات ليس لها نهاية، ولن تستطيع كشف هذا التصوير، فعندما قال النبي:

((إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ))

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " عبد الله بن مسعود " )

  يبدو أن الله أنبأه بما سيكون:

((إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة ))

 أكثر الفتيات اللواتي يستدرجن إلى الزنا عن طريق صور، ضبطت في صور، وهددت أن تصل إلى أهلها، فلانت، أكثر ما يجري الآن تحويل الفتاة من فتاة إلى مومس عن طريق صورة التقطت في غفلةٍ منها، ثم هددت بها، أحياناً أحتاج إلى أن أذكر بعض القصص، مرة كنت بالعمرة، فمدخل الفندق في المدينة المنورة، استاند مكتوب عليه قصص أن اقرأها وأرجعها إلى مكانها، وجدت قصة، أخذتها وقرأتها في الليل، هي فتاة مسجونة بمصر، قتلت شاباً، فحكم عليها بسنوات طويل، هذا الشاب استدرجها بعد اتصال هاتفي، بعد كلام ليِّن، بعد تمثيل متقن جداً، استدرجها إلى بيت، وخدَّرها، وفعل بها الفاحشة وصورها، ثم أراها الصورة وقال: هذه إن لم ترضخي لي أرسلها إلى أهلك، رضخت له وصار يؤجرها لأصدقائه، إلى أن وصلت هذه الصورة إلى أهلها، فطعنته وقتلته وحكمت بالسجن، سببها صورة.

 

 فدائماً الأب الراقي ينبه: ينبغي ألا تدخل ابنته إلى بيت لا تعرفه، لو صديقتها، كثير أشياء تجري عن طريق الصديقات، أبداً لا تدخل الفتاة إلى بيت لا تعرفه، قد تخدر، وقد تمارس معها الفاحشة، وقد تصور، وقد تبتز بهذه الصورة، فأنا ذكرت هذا تعميقاً لقول النبي الكريم:
(( طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، ومن رغب عن سنتي فليس مني))

 المؤمن الصادق جهده منصب على معرفة الأمر والنهي، وتطبيق الأمر والنهي لينجو، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يحفظ لنا أهلنا، وشبابنا، وبناتنا من كل سوء، فالمصيبة الكبيرة أن تكتشف أنه في خلل في بيتك، هذا خلل لا يحتمل، وكل تقصير في التربية، وكل تقصير في التوجيه قد ينتج عنه خلل خطير.

 أعيد وأذَكِّر بمنهج هذا الدرس: أهم شيء أن تمتلك منهج التلقي، منهج التلقي ؛ خالق الكون هو المشرع بالكليات من خلال القرآن، ورسوله الكريم الذي أوحى إليه وعصمه عن كل خطأ، هو أيضاً المشرع عن الكتاب والسنة، ما إن تمسكنا بهما فلن نضل بعدهما أبداً، وأقوال ما سوى الكتاب والسنة نعرضها على الكتاب والسنة، فإن وافقته فعلى العين والرأس، وإن خالفته نركلها بأقدامنا، هذا هو المنهج. أنا مخلوق، لي خالق عظيم هو صانع حكيم معه تعليمات، أنا انطلاقاً من حبي لذاتي ومن حرصي على سلامتي أتبع تعليمات الصانع.

 فماذا يجري في الحفلات من تصوير، ومن ابتزاز، ومن تعرِّي، هذا كله من عادات الأجانب، فالأجانب لا يوجد عندهم شيء حرام، كله مباح لهم. قال له:
 يا أبت أحببت الفتاة أأتزوجها ؟
 ـقال له: لا يا بني إنها أختك وأمك لا تدري.
 رأى فتاة ثانية قال له: لا يا بني إنها أختك أيضاً وأمك لا تدري، طبعاً ممن حوله. رأى فتاة ثالثة، فقال له كذلك، فضجر وحدث أمه، قالت: خذ أياً شئت فأنت لست ابنه وهو لا يدري.
 لا يوجد تكليف بين النور أبداً، نحن كمسلمين والحمد لله في انضباط، في بقية ـ أقول بقية ـ بقية حياء، بقية خجل، بقية مروءة، بقية عفة، هذه البقية نعمة كبيرة، فكيف إذا كانت هذه العفة والمروءة والحياء والخجل في الأوج كما كان عند الصحابة الكرام.

 يا إخواننا الكرام كلمة أخيرة: ديننا ليس في الصلاة والصيام فقط، ديننا في المعاملات، في غض البصر، في ضبط للسان، في ضبط العين، في إقامة الإسلام في البيت في نساء مؤمناتٍ، عفيفاتٍ، طاهراتٍ، راكعاتٍ، ساجداتٍ، الإسلام فيه أولاد أبرار، فأنت لا تقطف ثمار الدين إذا صليت، بل إذا طبقت أحكامه التفصيلية في حياتك، عندئذٍ يغدو بيتك مقدساً، ويغدو من حولك على شاكلتك، وعندئذٍ يسعدون بك.

 إخواننا الكرام ما يسمع الإنسان من قصص بين عموم المسلمين الشاردين عن الله، شيء يندى له الجبين، شيء لا يصدق، وهذا سبب تخلي الله عنا، فنحن بذنوبنا نستحق أن يتخلى الله عنا، أما إذا عدنا إلى ديننا، وإلى إيماننا، وإلى شرعنا، وإلى ورعنا، وإلى عفتنا، وإلى حيائنا، وإلى طاعتنا لله، لعل الله يغيِّر، التقيت مع أخ اليوم بجامع الطاووسية، استنصحني، قلت له كلمة مختصرة وهو في ضيق: غير حتى يغير، إن لم تغير لا يغير، لا تنتظر أن يغير الله سننه من أجلك، التغيير منك لا من الله عز وجل، غير لكي يغيِّر لا تغير لا يغير.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

( سورة الرعد: من آية " 11 " )

 والحمد لله رب العالمين
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018