الخطبة : 0770 - الإنفاق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0770 - الإنفاق.


2000-12-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الناس في القرآن الكريم نموذجان لا ثالث لهما :

 أيها الأخوة المؤمنون... رمضان شهر التوبة، وقد تحدثت عن هذا الموضوع بتوفيق الله عز وجل في الأسبوع الماضي، ورمضان شهر الإنفاق.
 أيها الأخوة... الناس على اختلاف أجناسهم، وأنواعهم، ومللهم، ونِحَللهم، وانتماءاتهم، ومذاهبهم، وما إلى ذلك، في القرآن الكريم نموذجان لا ثالث لهما، يقول الله عز وجل:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6 ]

 هذا النموذج الأول، صدق بالحسنى، صدق أنه مخلوقٌ للجنة في الأصل، والحسنى هي الجنة..

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾

[ سورة يونس: 26]

 والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وفوق الزيادة..

﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

[ سورة التوبة: 72 ]

 هذا الذي صدَّق بالحسنى عرف نفسه، عرف أنه مخلوقٌ للجنة، وما الحياة الدنيا إلا إعدادٌ لها، آمن بالله، وآمن أنه رحمنٌ رحيم، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لنسعد في جواره إلى أبد الآبدين، هذا الذي صدَّق بالحسنى من لوازم التصديق بالحسنى أنه اتّقى؛ اتقى أن يعصي الله عز وجل، اتقى أن يسخطه، اتقى أن يبتعد عنه، ثم تقرَّب إليه بالعطاء، بنى حياته على العطاء، حياة المؤمن أساسها العطاء؛ يعطي مما رزقه الله، يعطي من ماله، يعطي من وقته، من جهده، من خبراته، من علمه، أعطى، مطلق العطاء، ليس عطاء المال وحده، بل أنواع العطاءات لا تعد ولا تحصى، يمكن أن تذهب مع ضعيفٍ ومظلومٍ فتحل مشكلته، هذا عطاء، يمكن أن تعطي من خبرتك التي حصَّلتها بجهدٍ جهيد في سبيل قوة المسلمين، هذا عطاء، يمكن أن تعطي من جاهك، من وقتك، من جهدك، من عضلاتك، من خبراتك المِهَنيّة، يمكن أن تمنحها لشابٍ مؤمن تريد أن تقويه، ويمكن أن تعطي المال، هذا النموذج الأول:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6 ]

 ولعلها مرتبة ترتيباً تصاعدياً، الإيمان من دون التزامٍ لا قيمة له، والإيمان والالتزام من دون عطاءٍ لا يكفي، لابد من أن تؤمن، والحقيقة الكبرى أنك خلقت للجنة، فهذا الذي يكتفي بالدنيا، ويطمئن لها، ويستغني بها عن الجنة مغبون وأي مغبون.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل: 5-6 ]

 النتيجة القريبة..

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[ سورة الليل: 7]

 النموذج الثاني:

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

[ سورة الليل: 8 ]

 بنى حياته على الأخذ لا على العطاء، انظر هل أنت من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة؟ هناك ميزان دقيق ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وأما إن كنت ممَّن تسعد بالأخذ فأنت من أهل الدنيا..

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[ سورة الليل: 5-7 ]

 بشتى أنواع اليُسر، بمطلق أنواع اليُسر؛ في صحته، وفي زواجه، وفي عمله، لابد من امتحانات، ولكن الأصل أنه ميسَّر لليسرى، يمشي في طريق صحيح، يمشي في طريق سعادته، في طريق سلامته، في طريق تفوقه.

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾

[ سورة الليل: 8 ]

 بنى حياته على الأخذ، بنى مجده على أنقاض الناس، قد يأخذ، ولكن قد يأخذ ليمنع غيره، قد يسعد ليشقي غيره، قد يغتني ليفتقر غيره، قد يطمئن ليقلق غيره، قد يحيا ليموت غيره.

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾

[ سورة الليل: 8 ]

 عن طاعة الله، لم يعبأ بمنهج الله، تفلت من هذا المنهج..

﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

[ سورة الليل: 10 ]

 يمشي في طريق شقائه، في طريق دماره، في طريق هلاكه. نموذجان لا ثالث لهما:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾

[ سورة الليل: 5-10]

صفات المتقين :

 أيها الأخوة الكرام... آيةٌ ثانية من أصول الآيات يقول الله عز وجل في مطلع سورة البقرة:

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾

[ سورة البقرة : 1-2]

 مَن هم ؟

﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 2]

 ثلاث صفاتٍ أساسيةٍ يتصف بها المتقون؛ إيمان بالله، إيمان بما ينبغي أن يؤمن، بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى..

﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة البقرة : 2]

الإنفاق طريق القرب من الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة الأكارم... آيات الإنفاق كثيرة جداً، تزيد عن مئتي آية في القرآن الكريم، لأن الإنفاق طريق القرب من الله عز وجل، من آيات الإنفاق هي آية الزكاة:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تؤكد صدْقهم، تؤكد صدق إيمانهم، قد يكون الإيمان كلاماً بكلام لا يقدم ولا يؤخر، أما إذا اقترن بالأفعال صار إيماناً حقيقياً، لأن حقيقة الإيمان ما إن تستقر في قلب المؤمن حتى تعبِّر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، ليس الإيمان سكونياً، وليس الإيمان تَقَوْقُعاً، وليس الإيمان انهزاماً، وليس الإيمان انسحاباً، وليس الإيمان بُعْداً عن الخلق، الأنبياء العظام الذين هم قمم البشر كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق هم مع الناس.
 فيا أيها الأخوة:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تؤكد أنهم صادقون، تؤكد أن إيمانهم ليس كلاماً بكلام، بل هو كلامٌ وأفعال، بل إن الله عز وجل حبب المال إلى النفوس..

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

[ سورة آل عمران: 14 ]

 هذا المَيْل الذي أودعه الله في الإنسان إلى المال به يرقى إذا أنفق المال، لولا أن الله أودع حبَّ المال في قلوب كل البشر لما ارتقوا بإنفاق المال، شيءٌ محبب، شيء يحرصون عليه، شيء يقتتلون من أجله، شيء يؤثرونه..

﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾

[ سورة الفجر : 20]

 هذا من فطرة الإنسان، لأنه يحب المال، يرقى بإنفاقه، لأنه حينما ينفقه عارض طبعه، طبع الإنسان يدعوه إلى أن يأخذ المال، لكن التكليف يأمره أن ينفقه، وهذا التناقض بين الطبع وبين التكليف ثمن الجنة.

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41 ]

الزكاة تطهر الغني و الفقير و المال :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تطهِّر الفقير من الحقد، لا يحقد على المجتمع، لأن المجتمع لم يَنْسَهُ، لا يحقد على الغني لأن الغني أعطاه من ماله، تطهِّر الفقير من الحقد، وتطهِّر الغني من الشُّح، وتطهر المال من تعلق حق الغير به، هذا معنى التطهير:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 الزكاة هي النمو، نفس الفقير تنمو، يشعر بأهميته، يشعر أنه لم ينسَ، يشعر أن المجتمع حريص على سلامته، وعلى كفايته، وعلى سعادته، يشعر أنه عضو في أسرة، هذا مما يدعو الفقير إلى أن تنمو نفسه، وتنمو نفس الغني حينما يرى عمله وقد مسح الدموع من وجوه البائسين، بماله لمّ شمل الأُسَر، بماله زوَّج الشباب، بماله عالج المرضى، بماله وفق بين الأزواج.
 يا أيها الأخوة الكرام... تنمو نفس الغني حينما يرى عمله أمامه، وبعدئذٍ المال ينمو، ينمو بطريقيتن، بطريقة رياضية بحسب قوانين الاقتصاد، الفقير حينما تعطيه مالاً يملك قوة شرائية يشتري بها، فيغتني الذي أعطاه المال، وينمو المال بطريقةٍ لا نعلمها، سمَّاها بعض العلماء طريقة العناية الإلهية، لطفٌ رباني، عناية إلهية ينمو بها مالك، هذه الآية الثالثة.

 

النفقة التي ينفقها المنفق يعلمها الله :

 لكن الشيء الذي يلفت النظر هو أن المنفق حريصٌ على أن يعلم الذي أنفق له، فالله عز وجل في آيات كثيرة تزيد عن ثماني آيات طمأن المنفق، أن كل شيء تنفقه يعلمه الله، قال تعالى:

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾

[ سورة البقرة : 270]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة :273]

 ألا يحرص الذي يقدِّم هديةً أن يضع بطاقة باسمه ؟! هذا سلوك طبيعي، أنت حينما تقدِّم هدية لإنسان مع جمعٍ غفير وفي يدك هدية، أنت حريصٌ حرصاً بالغاً أن يعلم الذي أهديت له هذه الهدية أنها منك، تعمد إلى بطاقةٍ صغيرة تضعها على هذه الهدية لتعلمه، هذا مع الله محلول، أي نفقة تنفقها الله يعلمها، لو ما معك إيصال، لو لم يشعر أحد بها، بينك وبين الله، هذه نقطة في الإنفاق، أية نفقة تنفقها صغيرة أو كبيرة الله يعلمها.

 

من أنفق المال ابتغاء وجه الله يخلفه عليه أضعافاً كثيرة :

 المعنى الثالث في الإنفاق أنك حريصٌ على المال، فإذا أنفقته ابتغاء وجه الله، فالله سيخلفه لك أضعافاً مضاعفة، يقول الله عز وجل:

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[ سورة سبأ: 39]

(( ما نقص مال من صدقة ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

(( أنفق بلال ولا تخشى من ذي العرش إقلالا ))

[السيوطي عن بلال وعن أبي هريرة وابن مسعود ]

 عبدي أنفق أنفق عليك..

﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾

[ سورة سبأ: 39]

﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة الأنفال : 272]

المنفق المخلص يبتغي وجه الله عز وجل :

 الآن كم يوفَّ إلينا؟ بأي حجم يوف إلينا؟ قال تعالى:

﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 261]

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ﴾

[ سورة البقرة :261]

 الآن دخلنا في الإخلاص..

﴿ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ﴾

[ سورة البقرة :265]

 لا يبتغون سمعةً، ولا جاهاً، ولا شكراً، ولا تقديراً، ولا تنويهاً في الصحيفة، ولا رخاماً يكتب عليه هذا من فعل كذا، وفلان وفلان، لا يبتغون شهرةً، ولا مديحاً، ولا ثناءً، ولا تنويهاً، إنما يبتغون وجه الله عز وجل:

﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآَتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

[ سورة البقرة :265]

 أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً. أما الذي ينفق في سبيل الشيطان فله موضوع آخر.

 

على الإنسان أن ينفق مما يحب :

 ما نوع هذا الإنفاق؟ يقول الله عز وجل:

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[ سورة آل عمران: 92]

 من شيءٍ محببٍ إليكم، من شيء تحرصون عليه، من شيء تشتهيه الأنفس، وكأن هذا ينصرف إلى الطعام، الطعام الذي تشتهيه أنفق منه، الطعام الذي تحب أن تأكل منه أنفق منه..

﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

[ سورة آل عمران: 92]

 مصدر هذا الإنفاق: يجب أن تنفق من مالٍ حلال، جمعته في طاعةٍ لله عز وجل..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآَخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾

[ سورة البقرة :267]

 أنفق الشيء الذي تشتهيه، وتحب أن تقتنيه، وتحرص عليه.

 

الإنفاق يجب أن يكون وسطاً بين الإسراف والتقتير :

 والإنفاق أيها الأخوة يجب أن يكون وسطاً بين الإسراف وبين التقتير..

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾

[ سورة الفرقان : 67]

 ولكن هناك آية دقيقة جداً لها معنيان متعاكسان يقول الله عز وجل:

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 إن لم تنفقوا. إن لم تنفقوا هلكتم، وإن أنفقتم كل أموالكم بانفعالٍ طارئ دون أن تعدوا العدة لمسؤولياتكم أيضاً تندموا، فإذا ندمت على نفقة في سبيل الله حجبت عن الله عز وجل..

﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾

[ سورة البقرة : 195]

 أنفق وانظر الذين تعلَّقت حقوقهم بك وهم أهلك لهم حقٌ في هذا المال.

 

الإنفاق في كل وقت سراً و علانية :

 متى ننفق؟ في كل وقت، وكيف ننفق؟ بأية طريقة..

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلَانِيَةً﴾

[ سورة البقرة: 274]

 في موطن وأنت واثق من إخلاصك، إن أنفقت علانيةً شجعت الآخرين، مشروع خيري، أما حينما توجه النفقة لإنسان فينبغي أن تحفظ له ماء وجهه، لذلك الإنفاق سراً وعلانيةً، والمؤمن أدرى بالموقف المناسب.
 كيف تنفق مرة ثانية؟ إذا كنت غنياً فقط؟ قال: لا..

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾

[ سورة آل عمران: 134]

 قد تكون مضطراً إلى المال، وكلما كانت حاجتك إلى المال شديدةً كان الأجر كبيراً، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( رب درهم سبق ألف درهم ))

[ صحيح الجامع عن أبي هريرة]

﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران: 134]

 الوقت المناسب للإنفاق أن تنفق في حياتك، لا أن ينفق المال بعد مماتك، لأنه قد ينفق وقد لا ينفق، والأغلب أنه لا ينفق، وكم من وصية اطلعت عليها ولم تنفذ أبداً، فأنفق مالك في حياتك وكن قرير العين به، ومَن قدَّم ماله أمامه سَرَّه اللحاق به، لذلك يقول الله عز وجل:

﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ﴾

[ سورة إبراهيم : 31]

الفرق بين الكسب و الرزق :

 أيها الأخوة... يقول الله عز وجل:

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة الحديد: 10 ]

 هذا المال لمَن تدخره؟ لن يكون لك في النهاية، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، فقد فرَّق العلماء بين الكسب وبين الرزق، الرزق ما انتفعت به، الكسب ما لم تنتفع به ومحاسب عليه، ترفرف روح الميت فوق النعش تقول: " يا أهلي يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير رحله، فالهناء لكم والتبعة علي ".. "أندم الناس غني دخل ورثته بماله الجنة، ودخل هو بماله النار ".. " أندم الناس عالم دخل الناس بعلمه الجنة، ودخل هو بعلمه النار "، لم يطبق ما قال.

﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[ سورة الحديد: 10 ]

 هذا المال في النهاية ليس لك، بادر إلى إنفاقه قبل أن يحال بينك وبينه، بادر بالإنفاق منه قبل أن يحال بينك وبينه، بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟ هذه الدنيا ما الذي تخبئه للإنسان؟

(( هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أوهرماً مفنداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غابٍ ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر ))

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

 ولكن أيها الأخ الكريم، أيها المؤمن، أيها الواعي لكتاب الله، إياك أن تمن على مَن أنفقت، عَوِّد نفسك أنك إذا فعلت خيراً ينبغي أن تنساه، وإن فعل معك خيراً ينبغي ألا تنساه أبداً، هذا المؤمن، لذلك:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾

[ سورة البقرة : 264]

ما يُضعف الإنفاق :

 ولكن هناك ملاحظة جديرة بالتنويه، الإنسان قد يقيم على شهوات يحبها ولا ترضي الله، ويسهل عليه الإنفاق، فإذا أنفقت وخلطت مع هذا الإنفاق معصيةً، أو مخالفة، أو إصراراً على شهوةٍ فهذا مما يضعف الإنفاق..

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 آيات الإنفاق دقيقة جداً..

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 لماذا؟ الله جل جلاله يريدك أنت، يريد مالك من أجل أن تتقرب إليه، أما إذا أنفقت مالك وارتكبت ما نهاك عنه، فجعلت هذه المعاصي حجاباً بينك وبينه، هو غني عن مالك، وعن إنفاقك، أراد أن تنفق مالك من أجل أن تكون قريباً منه، ها أنت أقمت حجاباً بينك وبينه من المعاصي والآثام، لم تستطع بهذا الإنفاق أن تقبل على الله، لم تستطع بهذا الإنفاق أن تكون قريباً من الله..

﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾

[ سورة التوبة : 53]

 سهلٌ جداً على إنسان يملك ملايين مملينة أن ينفق مئة ألف، ويكتسب سمعة طيبة، وثناءً عطراً، وتقدير الناس، وثناءهم، وشكرهم، البطولة أن تطبق منهج الله كله، البطولة أن تقف عند حدود الله كلها، لكن نحن نقول لأي منفق: بارك الله بك، هذا واجب المؤمن، نقول لأي منفق: بارك الله بك، ولكن نهمس في أذنه: إن لم تستقم على أمر الله في كل فقرات المنهج لن تستطيع أن تستفيد من إنفاقك بإقبالك على الله، وقد يكون الإنفاق مع الكفر، ومن الإنفاق ما هو كفرٌ..

﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾

[ سورة التوبة :54]

 يقول لك: انحرجت وأنفقت، انحرجت، المؤمن ينفق عن طيب نفس..

﴿وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾

[ سورة البقرة :177]

 على حبِّه، قال بعضهم: على حب الإنفاق، وقال بعضهم: على حب المال، وقال بعضهم على حب الله عز وجل، على كل الإنفاق محبب للمؤمن، أما هؤلاء الطرف الآخر، كيف ينفقون أموالهم؟

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾

[ سورة الأنفال: 36 ]

 كلامٌ واضحٌ كالشمس..

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾

[ سورة الأنفال: 36 ]

 وقد تنفق أموالٌ طائلة على مشاريع عملاقة، لكن هذه المشاريع ليست وفق منهج الله ؛ قد نقيم مدرسة للرقص، ببناء شامخ جداً، شامخ، وأساتذة، وخبرات..

﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾

[ سورة آل عمران : 117]

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

[ سورة الفرقان : 23]

 أول مدينة في العالم للقمار مثلاً، أو ملهى، أكبر مجمع سياحي، هذه المباني الشامخة التي يعصى الله فيها..

﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾

[ سورة الفرقان : 23]

الجهات المباح الإنفاق عليها :

 على مَن تنفق؟

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 ليس الفقير الذي تسدُّه اللقمة واللقمتان، ولكن الفقير مَن لا يجد حاجته، وفي بعض المذاهب ينبغي أن تغنيه عاماً، وعند الإمام الشافعي ينبغي أن تغنيه طوال العمر، إياكم أن تفهموا هذا الحكم الشرعي أن تقول قد يعيش سبعين سنة، ويحتاج بالشهر إلى عشرة آلاف، وفي العام إلى مئة وعشرين ألفاً ضرب سبعين، لا، بل أن توفر له فرصة عمل، لا تطعمني سمكةً علمني كيف أصطاد السمك، أرقى أنواع الزكاة أن تحول الذي يأخذ الزكاة من قابض زكاةٍ إلى دافع زكاة، أن توفر له فرص عمل، أن تعطيه مالاً وهو رافع الرأس، أن تجعله إنساناً منتجاً، أن تجعل يده هي العليا، هكذا..

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 الذين يعجزون عن كسب المال..

﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 الذين يجمعون هذه الأموال، ويبذلون وقتاً كبيراً من أجلها..

﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 الذي تتألف قلبه بهذا الإنفاق، فتقربه من الله..

﴿وَالْغَارِمِينَ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 هم الذين وقعوا تحت طائلة الدَيْن..

﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 في الجهاد القتالي أو الدعوي..

﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

 الذي افتقر افتقاراً طارئاً..

﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

[ سورة التوبة: 10 ]

من لم يستطع أن ينفق عليه أن يكون وسيطاً ين الغني و الفقير :

 هذا الذي لا يملك ما ينفق ماذا يعمل؟ قال:

﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة التوبة: 92 ]

 والله الذي لا إله إلا هو دمعةٌ تنحدر من عين متألِّم لأنه لا يجد ما ينفق، والله أغلى عند الله من مليار، دمعة تنحدر: يا رب ارزقني حتى أنفق، المؤمن يتمنى أن ينفق، تمنياته دليل إيمانه.
 أيها الأخوة... شيء دقيق هو أنك إن لم تجد ما تنفق، بقي لك أن تكون واسطةً في الإنفاق، والنبي عليه الصلاة والسلام تشجيعاً لهذا الصنف من الناس، ورد:

(( أن الدال على الخير كفاعله ))

[ الترمذي عن أنس ]

 أنت إذا أقنعت إنساناً غنياً أن يعطي ماله لفقير مؤمن، طاهر، والفقير المؤمن نفسه عزيزة، قد لا يجرؤ أن يتحدث عن نفسه، ولا أن يطلب مالاً من غيره، والغني قد يغفل عنه، فيأتي إنسان ثالث موثوق من الجهتين، يقنع الغني أن هذا الإنسان يستحق أن تنفق عليه، هذا الذي لا يملك أن ينفق وكان سبباً في الإنفاق له مثل أجر المنفق، ما قولكم؟ له مثل أجر المنفق، فإن لم تكن منفقاً فلا أقل من أن تكون سبباً في الإنفاق، ولابد من أن تنال ثقة الناس، بأمانةٍ تبلغ حدّ الوسوسة، لابد من أن تكون موثوقاً من الناس بعفة ما بعدها عفة، بوضوحٍ ما بعده وضوح، بإيصالات ما بعدها دقة، هناك أشخاص والله أعلمهم وهم كثر، أي رقم يفرضونه يدفع لثقة الناس بهم، هم وسطاء بين الأغنياء وبين الفقراء.

 

أبواب البر لا تعد و لا تحصى :

 ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن لنا أن ما كل إنفاق أساسه المال، دققوا في هذا الحديث:

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))

[أخرجه أبو يعلى عن أبي هريرة ]

 الكلمة الطيبة صدقة، الابتسامة صدقة، أن ترشد ضالاً صدقة، أن تعين من يحمل كيساً يثقله صدقة، أبواب البر لا تعد ولا تحصى، أن تميط الأذى عن الطريق صدقة، أن تنطق بكلمة الحق صدقةٌ وأية صدقة، بل إن الله سمى ذلك جهاداً كبيراً قال:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 يا أيها الأخوة الكرام... الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس مَن دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواه، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

زكاة الفطر :

 أيها الأخوة... زكاة الفطر تجب على كل مسلم حرٍ كان أو عبدٍ، ذكرٍ كان أو أنثى، فقيرٍ كان أو غني، تجب على من يجد قوت يومه، لماذا؟ كي يذوق هذا الفقير طعم الإنفاق في العام مرة، تجب هذه الصدقة على كل صائمٍ طُهْرَة له من اللغو والرفث، وطعمة للمسكين، إذا كان هناك ذلة، خطأ، هذه الصدقة تغطي ذلك، طهرةٌ للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمسكين.
 والعلماء يفضلون أن تقدَّم طعاماً، فأغنهم في أيام العيد، والله أخوة كرام يهيئون حاجاتٍ لطعامٍ يكفي أسرةً كبيرة أربعة أيام، كل ما تحتاجه هذه الطبخة مثلاً، هذه صدقة الفطر يمكن أن تقدم طعاماً، والأولى أن تقدم طعاماً، بل إن الأرجح أنك إذا أنفقت الطعام، هذا الطعام سينتهي إلى بطون الجياع حتماً، أما المال فأحياناً يذهب أداءً للديون، ويبقى الأبناء جياعاً، وقد يذهب لشراء حاجاتٍ لا ترضي الله عز وجل، كأن يكون الأب مدخناً، قد تعطيه زكاة فطرك، فيشتري به الدخان، أما حينما تنفق الطعام، تؤدي الطعام، فمصير هذا الطعام إلى بطون الجياع.
 فلذلك صدقة الفطر يجب أن تؤدَّى قبل صلاة العيد، والإمام الشافعي يرى أن تؤدى في أول رمضان، إن قدمت مواداً تموينية في رمضان هذه تغني الفقراء، على كل هذه زكاة الفطر أحياناً حكمتها أن يذوق الإنسان طعم الإنفاق ولو كان فقيراً، تجب على من عنده قوت يومه، على كل فردٍ يمونه أو يلي عليه، ذكراً كان أو أنثى، صغيراً أو كبيراً، حراً أو عبداً، فقيراً أو غنياً، وبعضهم يقدِّم زكاة الفطر حتى على الجنين الذي في بطن أمه، تفاؤلاً له بالسلامة، والصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، يأخذ الصدقات، الله يسترضى.
 أيها الأخوة... إن أديتم زكاة فطركم ينبغي أن تعلموا أن هذه زكاة فطر، لأنها إن لم تنفق قبل صلاة العيد لا تعد زكاة فطر، قد تدفع الآن للجمعيات الخيرية مبلغاً من المال، لكن إذا أردت أن تدفع مبلغ زكاة الفطر يجب أن تعلم اللجنة أن هذه زكاة الفطر، توضع في مكان آخر، وتنفق قبل العيد.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم أعنا على الصيام والقيام، وغض البصر وحفظ اللسان، وأدخلنا الجنة بسلام. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تؤاخذنا بفعل المسيئين يا رب العالمين. اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018