الخطبة : 0769 - التوبة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0769 - التوبة .


2000-12-01

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه بإحسانٍ إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حقائق حول التوبة :

 أيها الأخوة المؤمنون... نحن في رمضان، نحن في شهر التوبة، التوبة بابٌ فتحه الله رحمة بعباده، ويمكن أن ترجع من ذنوبك كيوم ولدتك أمك. ولكن يا أيها الأخوة حول التوبة حقائق كثيرة، من هذه الحقائق: أن النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام الترمذي:

(( كل ابن آدم خطاء وخير الخطَّائين التوابون ))

[ الترمذي عن أنس بن مالك]

 ليس العار أن تذنب، ولكن العار ألا تتوب من ذنبك، ليس العار أن تخطئ، ولكن العار أن تبقى مخطئاً، ليس العار أن تجهل، ولكن العار أن تبقى جاهلاً، لأن باب التوبة مفتوحٌ على مصراعيه، لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

[ سورة النساء : 27]

 أيها الأخوة الكرام... مَن غير الأنبياء ترقى منزلتهم إلى منزلة لا تدركها كبوة ولا تغلبها شهوة؟ ولكن المؤمن الحق الصادق يدرك خطورة المعصية، وشناعتها، وأنها جرأة على الله، وأنه ما من مصيبةٍ في الدنيا إلا بذنبٍ، وإن الذنب شؤم حتى على غير صاحبه؛ إن ذكره فقد اغتابه، وإن رضي به شاركه في الإثم، وإن عيَّره ابتلي به.
 أيها الأخوة الكرام... كان سلف الأمة أهل ورعٍ وخشية، وكانوا أهل زهد وعبادة، يتحدثون كثيراً عن المعصية، ويخشون على أنفسهم من شؤمها، فكيف بالمُخَلِّطين المذنبين ؟!!

 

العصاة نموذجان :

 يا أيها الأخوة الكرام... موضوع التوبة ألصق موضوع برمضان، أول نقطة في هذا الموضوع: هناك للعصاة نموذجان؛ نموذج أول، ونموذج ثان، فشابٌ تتحكم فيه المعصية، تتحكم في قلبه، تسيطر على تفكيره، يخطط لها، يعمل جهده وفكره لتحصيلها، ويسعى بجوارحه، بل ربما يبذل جزءاً من ماله أو جاهه، وحين تفارقها جوارحه لا يزال صداها يتردد في خاطره، فيهيم في ذكراها، وحين يلقى أصحابه يفاخرهم بما عمل، ويجاهر بما اقترف، وحين تفوته فرصةٌ يجترُّ فيها الحسرات ويعتصره الندم، هذا نموذج، هذا نموذج والعياذ بالله يمكن أن نقول: بعيدٌ عن التوبة بعد الأرض عن السماء.
 ولكن النموذج الأقرب إلى التوبة؛ إنسان يبغض المعصية والعصاة، وقد أشغل وقته في الطاعات، ولكن في لحظةٍ من لحظات ضعفه البشرية يقع في مخالفة عن غير قصدٍ، وعن غير تصميمٍ، ومن دون إصرارٍ، وما أن يقارفها حتى يلتهب فؤاده ندماً وحسرة، ويتألم أشدَّ الألم، ويحزن أشدّ الحزن، ويرفع يديه لمولاه تائباً مستغفراً، وما إن يسمع واعظاً حتى يرتجف فؤاده، وقد بدت معصيته بين عينيه، كأنها جبل يوشك أن يسحقه، هذا نموذج آخر، هذا النموذج الآخر أقرب إلى التوبة من الأول، الأول يقترف المعصية ويفخر بها، ويجاهر بها، أما الثاني فيقترف المعصية وقلبه يتقطَّر حسرات.
 أيها الأخوة الكرام... يقول الله عز وجل:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 135 ]

 ملاحظة: من فضل الله على هذه الأمة أن عدداً كبيراً جداً من الشباب قد توجَّه إلى الله، هؤلاء لم يطلبوا العلم المتين، ولم يتعمَّقوا في الدين، فهؤلاء تزل أقدامهم أحياناً، وهناك شباب شردوا عن الله شرود البعير، وهناك شباب طلبوا العلم والتزموا الدين، فكأنني أتوجه بالخطاب إلى الذين أقبلوا على الدين بعلم غير مكين وبإيمان غير قوي، هؤلاء أتوجه إليهم في هذه الخطبة.

 

الخليقة ثلاثة أصناف :

 أيها الأخوة... يقول أحد كبار العلماء: الله تعالى إنما يغفر للعبد إذا كان وقوع الذنب منه على وجه غلبة الشهوة وقوة الطبيعة، فيواقع الذنب مع كراهته له، من غير إصرار في نفسه، فهذا ترجى له مغفرة الله عز وجل، يرجى له صفحه وعفوه لعلمه تعالى بضعفه، وغلبة شهوته، وأنه يرى كل وقت ما لا صبر له عليه، فهو إذا وقع في الذنب وقع ذليلاً خاضعاً لربه، خائفاً مختلجاً في صدره.
 أيها الأخوة... مثل هذه الخصائص لهذا الشاب المذنب نقول: توبته قريبة، وتوبته سريعة، أما الذي يفرح بالمعصية، فهذا دليلٌ على شدة الرغبة فيها، والجهل بقدر مَن عصاه، والجهل بسوء عاقبتها وعظم خطرها، ففرحه بالمعصية أشد من المعصية.
 يا أيها الأخوة الكرام... روى البيهقي في شُعَبِ الإيمان أنه قال: أصبحت الخليقة على ثلاثة أصناف؛ صنف من الذنب تائب، لا يريد أن يرجع إلى شيء من سيئته، هذا هو المبرِّز، وصنف يذنب ثم يندم، ويذنب ثم يحزن، ويذنب ويبكي، وهذا يرجى له ويخاف عليه، وصنف يذنب ولا يندم، ويذنب ولا يحزن، ويذنب ولا يبكي، فهذا الحائد عن طريق الجنة إلى النار، الأولى أن يكون الناس من الصنف الأول ممن عاهدوا الله، ممن صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يبدلوا تبديلاً، أما الصنف الثاني فباب الرحمة مفتوح لهم على مصراعيه.

 

على الإنسان أن يعرف إلى أي زمرة ينتمي :

 أيها الأخوة الكرام... أول نقطة في هذه الخطبة اعرف بالضبط من أي زمرة أنت، من الذين إذا زلت قدمهم بكوا وندموا واستغفروا طوال الليل وشعروا أن ذنبهم كأنه جبل جاثم على صدرهم، أو أنه لا سمح الله ولا قدر من نموذج آخر الذنب عندهم كذباب يدفعه عن وجهه. النقطة الدقيقة في هذا الموضوع ينبغي أن تستعظم ذنبك، ينبغي ألا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على مَن اجترأت..

﴿كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الذاريات : 17-18]

 هؤلاء الذين يصلون قيام الليل، يستغفرون بالأسحار، وفي آية أخرى:

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾

[ سورة آل عمران: 16-17]

 أيها الأخوة... عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، يصور المؤمن إذا أذنب تصويراً دقيقاً فيقول: " إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبلٍ يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذبابٍ مر على أنفه فقال به: هكذا ".

 

من صغُر الذنب عنده كَبُر عند الله و من كَبُر عنده صغُر عند الله :

 أيها الأخوة... المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته فهو على يقينٍ من الذنب وليس على يقينٍ من المغفرة، على يقين أنه اقترف ذنباً، وليس على يقين من المغفرة، لذلك تراه يخاف، فكلما صغر الذنب عندك كبر عند الله، وكلما كبر عندك صغر عند الله، ففي البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: " إنكم لتعملون أعمالاً هي أدق في أعينكم من الشعر، كنا نعدُّها على عهد النبي صلى الله عليها وسلم من الموبقات ". أي كلما ارتقت منزلتك دق حسابك، كلما ارتقت منزلتك كبر عندك الذنب الصغير الذي يراه الناس شيئاً لا يقدم ولا يؤخر.
 ويقول حذيفة بن اليمان: " كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصير بها منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات "، على عهد رسول الله يقول الرجل كلمة فيعد بها منافقاً، وإني لأسمعها من أحدكم في المقعد الواحد أربع مرات.
 سيدنا عمر، وهذا نموذج أمامكم، في غزوة الحديبية جاء المسلمون وهم في شوق ولهفة لبيت الله الحرام، فصدهم المشركون، وصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، فوقع في نفوس أصحابه ما وقع ، فجاء عمر إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله ألست نبي الله حقاً ؟ قال: بلى ، قال: ألسنا على حق وعدونا على باطل ؟! قال: بلى ، قال: فعلامَ نعطي الدنية في ديننا ؟! قال : إني رسول الله ، ولست أعصيه ، وهو ناصري ، فهذا توجيه من الله. قال: أو ليس كنت تحدثنا أنّا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى ، فأخبرتك أنا أنّا نأتيه هذا العام؟ قال : لا . قال : فإنك آتيه ومطوف به، فأتى عمر رضي الله عنه أبا بكر فقال له نحواً من ذلك ، فأجابه بمثل ما أجاب به النبي الكريم.
 ماذا فعل عمر لشدة غيرته ، وشدة حرصه على زيارة بيت الله الحرام، وشدة رغبته في النصر؟ راجع النبي، يقول هذا الصحابي الجليل: بعد هذه المراجعة شعرت أني اقترفت ذنباً، فاجتهد في الأعمال الصالحة علها تكفر عنه، يقول: " عملت لذلك أعمالاً". وفي رواية وكان عمر يقول: " ما زلت أتصدق، وأصوم، وأصلي، وأعتق من الذي صنعت يوم الحديبية ". كانوا يحاسبون أنفسهم حساباً دقيقاً، ومَن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً.

 

محاسبة النفس حساباً دقيقاً :

 أيها الأخوة... ينبغي أن نحاسب أنفسنا حساباً شديداً، ينبغي ألا نحابيها، ينبغي ألا نلتمس لها العذر، ينبغي أن نحملها على طاعة الله، ينبغي أن نحملها على دقةٍ في الاستقامة، لذلك سيدنا بلال يقول: " لا تنظر إلى صغر الذنب، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة، ولكن انظر على مَن اجترأت، وإن الله إذا أراد بعبده خيراً جعل الإثم وبيلاً، فإذا أراد بعبده شراً خَضَّر له " أي كلما خفت من ذنبك، وكلما دققت في سلوكك، وكلما حاسبت نفسك على كلماتك.
 إليكم شاهداً آخر، السيدة عائشة رضي الله عنها وصفت أختها صفية بأنها قصيرة، فقال النبي:

(( يا عائشة، لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ))

[ أبو داود عن عائشة ]

 إذاً أول نقطة: من أي النموذجين أنت؟ فإن كنت من النموذج الثاني فالتوبة قريبة منك، النقطة الثانية في الخطبة: كلما صغر الذنب في نفسك كبر عند الله، وكلما كبر في نفسك صغر عند الله.

الابتعاد عن محقرات الذنوب :

 النقطة الثالثة وهذه مهمة جداً، لأن معظم المسلمين يقعون بها دون أن يبالوا: يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم ومحقَّرات الذنوب... ))

 هو لا يسرق، ولا يزني، ولا يشرب الخمر، ولم يقتل قتيلاً، لكن هناك آلاف الذنوب الصغيرة تجتمع حتى تكون حجاباً بين العبد وربه، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( إياكم ومحقرات الذنوب كقوم نزلوا في بطن وادٍ فجاء ذا بعودٍ، وجاء ذا بعود، حتى أنضجوا خبزهم ))

[الجامع الصغير عن سهل بن سعد]

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام

(( إياكم ومحقرات الذنوب فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه ))

[ مختصر تفسير ابن كثير عن عبد الله بن مسعود ]

 كلام النبي، وهو الصادق المصدوق، محقرات الذنوب، الذنب الذي لا تعبأ به، لا تلقي له بالاً، لا أحد يحاسبك عليه، هفوة لسان، كلمة:

(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

[البُخَارِيُّ عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة... يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً:

(( يا عائشة إياك ومحقرات الأعمال فإن لها من الله طالباً ))

[ ابن ماجة عن عائشة ]

 وفي حديث رابع:

(( ألا وإن الشيطان قد يئس أن يعبد في بلادكم هذه أبداً، ولكن ستكون له طاعة فيما تحتقرون من أعمالكم فسيرضى به ))

[مسلم عن جابر]

 أي ذنب مهما دق في عينك إذا أصررت عليه يرضى الشيطان، لأنه سيفعل فعل الكبيرة، لأنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.
 ويقول بعض العلماء: إن العبد ليذنب الذنب الصغير ولا يندم عليه ولا يستغفر منه، فيعظم عند الله تعالى، حتى يكون مثل الطود، ويعمل الذنب العظيم فيندم عليه ويستغفر منه، فيصغر عند الله عز وجل حتى يغفر له.
 ويقول الإمام الحسن رضي الله عنه: " مَن عمل حسنةً وإن صغرت أورثته نوراً في قلبه وقوةً في عمله، ومَن عمل سيئة وإن صغرت فاحتقرها أورثته ظلماً في قلبه وضعفاً في عمله".
 وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: " إن الرجل ليعمل الحسنة يتِّكل عليها، ويعمل المُحَقَّرات حتى يأتي الله عز وجل وقد أهلكته، وإن الرجل ليعمل السيئة فيَفْرَق منها حتى يأتي الله آمناً ".
 ويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: " إن استقلال العبد المعصية عين الجرأة على الله، وجهلٌ بقدر مَن عصاه وبقدر حقه، بل هي مبارزةٌ له، لأنه إذا استصغر المعصية واستقلها، هان عليه أمرها وخفت على قلبه ". أي سخرية بمسلم، تقليد له، همز له، وقوع في عرضه، كلمة غير صادقة، نظرة عابرة، تقصير في واجب هذا كله يجعل من هذه الصغائر والمحقرات سيلاً جارفاً يحول بيننا وبين رحمة الله.
 نحن في رمضان، ونحن في شهر التوبة، وكلما دققتم في الحساب كنتم أقرب إلى الله.

 

على العاصي أن يستتر ليخف إثمه :

 النقطة الثالثة في الخطبة: إياكم والمجاهرة، الطاعات أيها الأخوة تتفاوت مراتبها ودرجاتها بحسب الأعمال ذاتها، وبحسب العامل، والوقت، والسّر، والجهر، والمعاصي كذلك تتفاوت بحسب نوع المعصية ومَن يقترفها ـ
 إذا كان عالماً إثمه أكبر، نوع المعصية، ومَن يقترفها، والوقت، والسر، والجهر، وقد دلَّت النصوص الشرعية على أن المعصية التي يستتر صاحبها أخف جرماً من التي يعلنها هذه أول قاعدة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله عز وجل فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه ))

[البخاري عن أبي هريرة]

 إذاً لابد من أن يستتر العاصي ليكون إثمه أقل.
 هناك شيء يقع به بعض الشباب أنه يسأل صديقه لا مفاخراً ولا مبارزاً الله في المعصية، ولكن مستفهماً ما حاله مع الله؟ ما علاجه؟ هذا منزلقٌ أيضاً، حينما تكشف لأخيك ذنبك، ويطَّلع عليه هناك شيئان؛ لو أنه وقع في ذنب مثله لهان عليه، فلان وقع في هذا الذنب أيضاً، أنت عممت المعصية، فإذا نجاك الله منه في المستقبل بقيت هذه الصورة عالقة في ذهن هذا الصديق ولا يغفرها لك، فالأولى أن يستتر الإنسان بستر الله عز وجل، يمكِن أن تسأل سؤالاً دون أن تذكر الاسم على الهاتف، أو بورقة مجهولة التوقيع، العبرة أن تقبل سِتر الله لك، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( من أصاب من ذلك شيئاً - من هذه الذنوب - فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه ))

[ البخاري عن عبادة بن الصامت ]

باب التوبة مفتوح على مصراعيه :

 أيها الأخوة الكرام... قضية التوبة من أخطر القضايا في هذا الشهر، " لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والعقيم الوالد، والظمآن الوارد" وقال تعالى:

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الزمر : 53]

 يخاطب الله الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله، إن باب التوبة مفتوح على مصراعيه، والله عز وجل يريد أن يتوب عليكم.
 يا أيها الأخوة... نحن في رمضان، هذا شهر التوبة والغفران، هذا الشهر يمكن أن تغفر لنا كل الذنوب التي بيننا وبين الله، أما التي بيننا وبين العباد فلابد من أن تؤدّى أو المسامحة، ما كان بينك وبين العباد لا يغفر إلا بحالتين بالأداء أو بالمسامحة، ولكن ما كان بينك وبين الله، نحن في شهر المغفرة، يمكن أن ترجع من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، كل ما عليك من قبل يمحى، يمكن أن تفتح مع الله صفحة جديدة:

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 بشرط ألا يكون الصيام عن الطعام والشراب فقط، ينبغي أن يكون عن كل مخالفة ومعصية، وهذا صيام المؤمنين، الصيام عن الطعام والشراب صيام العوام، الجهلة، لكن المؤمن يصوم عن الطعام والشراب وعن سائر ما نهى الله عنه، فإذا جاء العيد أفطر فمه ولم تفطر جوارحه، أي بقي مستقيماً، مؤدياً واجباته، مراعياً حقوق الآخرين إلى يوم الدين.

 

التوبة إما أن تكون ابتداءً من الإنسان واختياراً و إما بعد معالجة إلهية :

 أيها الأخوة الكرام... السعادة التي يشعر بها التائب لا توصف، ولا يعرفها إلا مَن ذاقها، كأن جبالاً أزيحت عن كاهله، كأنه أصبح خفيفاً، كأنه تمتع بمغفرة الله له، ومرة ثانية يقول الله عز وجل:

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

[ سورة النساء : 27]

 ولكن إما أن تتوب في الوقت المناسب، فإن لم تتب فالله جل جلاله برحمته العظيمة والواسعة يسوق من الشدائد ما يحمل العاصي على التوبة، فإما أن تتوب اختياراً، وإما أن تتوب قسراً.
 في القرآن آيتان : تابوا فتاب عليهم، تابوا فقبل توبتهم، هناك ملمح آخر بآية أخرى:

﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾

[ سورة التوبة: 118 ]

 أي حملهم على التوبة، أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، فالله عز وجل يريد أن يتوب علينا شئنا أم أبينا لأننا عباده، وقد خلقنا ليسعدنا، وخلقنا لجنةٍ عرضها السموات والأرض، فلابد من التوبة، فإما أن تكون ابتداءً منك واختياراً، وإما أن تكون بعد معالجة إلهية ساقها لك.

 

طلب العلم ضروري من أجل معرفة حكم الله في كل موضع :

 أيها الأخوة... ولكن هناك موضوع دقيق في التوبة: أنت متى تتوب من الذنب؟ إذا علمت أنه ذنب، فمثلاً متى يعالج الإنسان نفسه من الضغط المرتفع؟ إذا قاس ضغطه، وعلم أنه مرتفع، فلابد من العلم من أجل أن تعرف الذنوب، أما هذا الذي لم يطلب العلم، يقترف معظم المعاصي ويقول لك: ماذا فعلنا؟ يقول لك: أنا صاحب دين، أنا إيماني أقوى من إيمانك. وهو غارق في المعاصي، فلابد من طلب العلم من أجل أن تعرف الذنب.
 مثلاً: لو إنسان ضعيف في اللغة العربية، سمع نصاً فيه مئة غلطة يقول: ما شاء الله ما هذه القراءة !! لضعفه ظنه فصيحاً، أما إذا كان متمكناً من هذه اللغة، فالحركة الواحدة قد يكشفها.
 فيا أيها الأخوة... إن طلبت العلم عرفت أمر الله الدقيق، وأين أنت منه، ولكن هذا الذي لم يفكر في طلب العلم، ولم يفكر في أن يعرف الأحكام الفقهية في كل موضوع، ولم يفكر أن يفهم حقيقة هذا الكتاب الكريم، لن يعرف إذا وقع في الذنب، إذاً التوبة تحتاج إلى علم، لابد من طلب العلم، وطلب العلم موضوع مصيري ليس موضوعاً ثانوياً، هناك مَن يحب الدين كوردة يضعها على صدره، يستكمل بها سعادته في الدنيا، يطلبه في المناسبات من دون إلحاح، من دون منهج، يطلبه لماماً، لكن المؤمن الصادق يطلب العلم الشرعي كي يعرف أين هو منه.
 إذاً ما دام الحديث عن التوبة فلابد من طلب العلم كي تعرف حكم الله، فما من موضعٍ على وجه الأرض إلا ويكون ضمن أحد هذه الأحكام الخمسة؛ إما أنه فرض، أو أنه مستحب، أو أنه مباح، أو أنه مكروه، أو أنه حرام، أي عملٍ تعمله لابد من أن يكون فيه حكم شرعي، فإذا عرفت الله عز وجل لا شيء تهتم له أكثر من معرفة أمر الله ونهيه، كي تأتمر بما أمر وتنتهي عما عنه نهى وزجر.
 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس مَن دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آياتٍ تصف قوم عاد و أن هناك عاداً ثانية :

 أيها الأخوة الكرام... في عالم التجارة إذا قيل لك: هذه الدفعة الأولى، فماذا تفهم منها؟ أن هناك دفعةً ثانية، إذا قال الله عز وجل:

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

[ سورة الأحزاب: 33 ]

 معنى ذلك أن هناك جاهليةً ثانية تفوق الأولى، هناك كلمة في آيةٍ كريمة تلفت النظر وهي قوله تعالى:

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

[ سورة النجم : 50]

 معنى ذلك أن هناك عاداً ثانية، ما صفات عاد الأولى؟ قال:

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ * أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ * وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ * وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾

[ سورة الشعراء : 128-140]

 هذه صفاتهم ؛ يبنون بكل ريعٍ آية يعبثون..

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[ سورة الشعراء : 128- 130]

 هذه صفات عاد الأولى..

﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْداً لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾

[ سورة هود : 60]

صفةٌ ثانية..

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾

[ سورة الفجر : 6-8]

 إذا قال لك أحدهم: رأيت في هذه البلاد ما لم ير في بلادٍ أخرى..

﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾

[ سورة الفجر : 8]

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[ سورة الشعراء : 128- 130]

 وعند معظم الناس لم يخلق مثلها في البلاد، وآيات أخرى:

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾

[ سورة فصلت : 15]

 يدعون أنهم أقوى أمةٍ في العالم، مَن أشد منا قوة؟

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[ سورة الشعراء : 128- 130]

 وقد كذبوا المرسلين، ماذا فعل الله بهم؟ كيف دمرهم؟ قال:

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾

[ سورة فصلت : 16]

 هذه الأعاصير..

﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾

[ سورة فصلت : 16]

 جعل الله هلاكهم بالأعاصير..

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً﴾

[ سورة الأحقاف: 24]

 غيماً في السماء..

﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ * وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً﴾

[ سورة الأحقاف: 24-26]

 التقدم العلمي مذهل..

﴿وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾

[ سورة الأحقاف: 2]

﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾

[ سورة الذاريات : 41-42]

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾

[ سورة القمر : 19-21]

﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾

[ سورة الحاقة : 6-8]

 وضعت بين أيديكم آياتٍ تصف قوم عاد، ولكنَّ الذي يلفت النظر أن الله قال:

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

[ سورة النجم : 50]

 معنى ذلك أن هذا نموذج في الأمم قد يكون متكرراً، تفوُّق ما بعده تفوق، قوةٌ ما بعدها قوة، هيمنة ما بعدها هيمنة، غطرسة ما بعدها غطرسة، كفر ما بعده كفر، فسقٌ ما بعده فسق، ودمارٌ بالأعاصير هذا في القرآن الكريم، لولا أن الله عز وجل قال:

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

[ سورة النجم : 50]

 لما سقت هذه الآيات لأن هناك عاداً ثانية.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل مَن واليت، ولا يعز مَن عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين. اللهم بفضلك أعنا على الصيام والقيام، وغض البصر وحفظ اللسان، وأدخلنا الجنة بسلام. اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018