جائزة دبي للقرآن - المحاضرة : 3 - طرق الجنة سالكة وتبدأ من بيوت المسلمين - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠36برنامج جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم - قناة دبي
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

جائزة دبي للقرآن - المحاضرة : 3 - طرق الجنة سالكة وتبدأ من بيوت المسلمين


2008-09-07

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين ، أيها الأخوات الفضليات السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، أشكر للقائمة على جائزة القرآن الكريم الدولية هذه الدعوة الكريمة التي إن دلت على شيء فعلى حسن الظن بي وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم ، وأن ألقي عليكم كلمات ننتفع بها جميعاً .

ينبغي أن نحقق سلامتنا بطاعة الله عز وجل :

 أيتها الأخوات الفضليات ، بادئ ذي بدء على سطح الأرض هناك ستة آلاف مليون إنسان ، أنا متأكد أنه ما منهم واحد إلا يتمنى سلامته وسعادته ، بل إن كل إنسان فطر على حب وجوده وعلى حب سلامة وجوده وعلى حب كمال وجوده وعلى حب استمرار وجوده ، الآن سلامة وجودنا جميعاً بتطبيق تعليمات الصانع ، صانعنا هو الله :

﴿ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾

( سورة النمل الآية : 88 )

 انطلاقاً من محبتنا لذواتنا ، انطلاقنا من حرصنا على سلامتنا ، انطلاقاً من حرصنا على سعادتنا ينبغي أن نحقق سلامتنا بطاعة الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 71 )

 أيتها الأخوات الفضليات ، أوامر الله عز وجل أوامر موضوعية بمعنى أن بين الأمر ونتيجته علاقة علمية أي علاقة سبب بنتيجة ، وبين النهي ونتائجه علاقة علمية أي علاقة سبب بنتيجة ، فالأخت الفاضلة حريصة على أن تكون إنسانة سعيدة في دنياها ، سعادتها لا في تقليد الغرب بل في تطبيق منهج الله عز وجل ، لذلك التقيت مرة مع عالم كبير في دمشق من علماء القرآن الكريم ، وصل إلى السادسة والتسعين وهو جار لي في سكني ، قال لي : عندي ثمانية وثلاثون حفيداً ، أربعة عشر منهم أطباء ، وأحد عشر منهم حفاظ لكتاب الله ، دققوا رجل تزوج امرأة أنجب أولاداً ، والأولاد جلبوا له الكنائن ، والبنات جلبوا له الأصهار ، مجموع الأولاد والبنات والكنائن والأصهار أنجبوا ثمانية وثلاثين حفيداً ، هذا الذي أنتجته هذه العلاقة ، ألم يقل الله عز وجل :

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1)وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى(2)وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (3)إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى(4)﴾

( سورة الليل )

ليس في الإسلام حرمان أبداً :

 خلق الذكر والأنثى وأودع في كل منهما ميل للآخر ، دققوا هذه الشهوة يمكن أن تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين ، أو أن تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين ، الشهوة هي هِي ، الشهوة حيادية ، هل تحبون أن أوضح لكم بمثل ، صفيحة بنزين ، توضع في المركبة في المستودعات المحكَمة ، وسال البنزين في الأنابيب المحكَمة ، وانفجر في الوقت المناسب ، وفي المكان المناسب ، ولَّدَ حركة نافعة تقلك إلى أبي ظبي ، تسافر مع زوجتك وأولادك إلى مكان جميل ، ما الذي يجري في السيارة ؟ انفجرت لكن منضبطة بمكان وزمان في الأنابيب والمستودع ، الوقود السائل نفسه لو صببته على هذه المركبة وجاءتها شرارة لأحرقتها ، مادة هي هِي ، كانت قوة دافعة فإذا هي قوة مدمرة ، هكذا الشهوة ، إما أن تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين ، أو أن تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

 عند علماء الأصول هناك المعنى المخالف ، الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه ، إسلامنا إسلام الفطرة ، إسلام الواقع ، إسلام أن تأخذ من الدنيا ومن الآخرة ، إسلام أن تنتبه إلى حاجات الجسد وحاجات النفس ، لذلك هناك من يتوهم أن في الإسلام حرمان ، أبداً الإسلام دين الحياة ، دين الفطرة ، دين الواقع ، لذلك انطلاقاً من حبنا لذواتنا ، من حبنا لوجودنا ، من حبنا لسلامة وجودنا ، من حبنا لكمال وجودنا ، من حبنا لاستمرار وجودنا علينا أن نطيع الله عز وجل ، لا تجعلي طاعة الله عبئاً عليكِ ، طاعة الله ضمان لسلامتكِ ، أنا أمشي في حقل وجدت لوحة كتب عليها : ممنوع التجاوز حقل ألغام ، هل يعد العاقل هذه اللوحة قيداً لحريته أم ضماناً لسلامته ، هل تحقد على من وضعها ؟ في اللحظة التي نعتقد أن أمر الله لصالحنا وأن النهي لصالحنا نكون فقهاء .

 

أوامر الدين ليست قيوداً بل حدوداً لسلامتنا :

 بشكل أو بآخر هذه السيارة التي نركبها جميعاً لماذا صنعت ؟ من أجل أن تسير بنا ، في السيارة مكبح ، والمكبح يتناقض مع علة صنعها ، يوقفها لكن هذا المكبح ضروري جداً لسلامتنا ، لذلك الله عز وجل خلقنا ليسعدنا ، خلقنا ليكرمنا ، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ، ولكن الإنسان حينما يغفل عن منهج الله عز وجل ويتوهم أن هذه الدنيا يسعد بها من يفعل ما يشاء بلا قيد ولا شرط يكون جاهلاً ، دققوا :

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾

( سورة البقرة الآية : 5 )

 الهدى رفعهم ، أعلى قدرهم ، رفع شانهم ، الهدى سلمهم ، الهدى حفظهم ، الهدى نصرهم ، الهدى أيدهم ،

﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى ﴾

 أما الطرف الآخر :

﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾

( سورة إبراهيم )

 يوجد كآبة ، أو بلاء كبير ، أو سجن ، لذلك الفلاح كل الفلاح ، التوفيق كل التوفيق ، والفوز كل الفوز ، والذكاء كل الذكاء ، والعقل كل العقل ، في طاعة الله :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 71 )

 أتمنى على أختنا الكريمة ألا تتوهم أن أوامر الدين فيها قيود ، أبداً فيها حدود لسلامتنا ، حدود لسعادتنا ، هذه واحدة ، الشيء الثاني حينما يقول الله عز وجل :

 

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة الشورى الآية : 29 )

 المن للتبعيض ، الكون ، السماوات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون ، والكون ما سوى الله ،

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

( سورة فصلت الآية : 37 )

للزوجة حقوق وعليها واجبات تماماً كالرجل :

 الآن دققوا :

 

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

( سورة الروم الآية : 21 )

 كما أن الكون كله من آياته ، وكما أن الليل والنهار من آياته ، كما أن الشمس والقمر من آياته ،

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾

 فالزوجة إنسان لها مشاعر ، ولها أفكار ، ولها كرامة ، ولها طموحات ، وهي تحب وتكره ، وتؤمن ويضعف إيمانها ، وترقى ولا ترقى ،

﴿ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ﴾

 ولذلك دققوا في هذه الآية :

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ (228)﴾

( سورة البقرة )

 لها ما لك وعليها ما عليك ، لذلك أنا أقول دائماً : أي رجل يتوهم أن له ما ليس لزوجته وعليها ما ليس عليه فهو بعيد عن حقيقة هذا الدين ، هذه حقيقة أولى ، لكن لا بد من توضيح ، الله عز وجل قال :

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ (34)﴾

( سورة النساء )

 يعني حينما يقول الله عز وجل :

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾

 تماماً كقائد الطائرة ومعاون القائد ، المعاون طيار ، بإمكانه أن يقود الطائرة ، لكن في الأزمات القرار للطيار ، والطيار المساعد يساعده بذلك .

 

المودة والرحمة من خلق الله:

 جاءت امرأة إلى النبي عليه الصلاة والسلام قالت : يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهل ومال ، فلما كبرت سني ، ونثر بطني ، وتفرق أهلي ، وتبدد مالي ، قال : أنت عليّ كظهر أمي ، ولي منه أولاد ، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام ، الآن دققوا ، إن تركتهم إليه ضاعوا ، أنا أربيهم ، وإن ضممتهم إلي جاعوا ، هو ينفق عليهم .
 إذاً في أدوار ، في اختصاصات ، المرأة تربي الأولاد والزوج يكسب الأرزاق ، لذلك أنا أقول : كيف أننا في حياتنا اليومية الزوج في عمله ، والمرأة تطبخ الطعام ، والبنت تنظف البيت ، والابن يأتي بالأغراض ، وعند الظهيرة يجلسون على مائدة مستديرة كل يحب بعضهم بعضاً ، هكذا المرأة لها دور والزوج له دور .
 الحقيقة الأولى كما أن خلق السماوات والأرض آية من آيات الله كذلك الذكر والأنثى :

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾

 الآن المودة والرحمة من خلق الله ، وأي زواج ليس بين الزوجين مودة ورحمة حالة مرضية ينبغي أن تعالج ، ومن آياته الدالة على عظمته أن خلق لكم من أنفسكم ،

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾

 هي درجة القيادة فقط .
 أيها الأخوة ، الحقيقة الثانية :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية : 97 )

 هل تصدقن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : وقد ورد هذا القول في الأدب المفرد للإمام البخاري :

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي ، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأة مات زوجها ، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلها ))

[ الأدب المفرد للبخاري ]

 ليس قصدي أن أبين الحكم في الزواج أو عدم الزواج ، من حق المرأة الزواج بعد موت زوجها ، لكن قصدي أن أبرز فضل تربية الأولاد ، هذه امرأة تريد أن تنازع النبي عليه الصلاة والسلام في دخول الجنة .
 والنبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة المكرمة ركز لواء النصر أمام قبرها ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر . هل من تكريم بعد هذا التكريم .

 

خصائص الذكر كمال لمهمته وخصائص الأنثى كمال لمهمتها:

 

 

أيها الأخوة الكرام ، الإساءات التي تعاني منها المرأة ما تعاني من سوء فهم المسلمين لدينهم العظيم ، لكن حينما قال الله عز وجل :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 36 )

 درسنا في الجامعة عن الفروق بين الذكور والإناث ، مؤلفه عالم كبير بياجيه فرنسي ، كتاب والله الذي لا إله إلا هو ليس هناك من عنوان يصدق على هذا الكتاب العلمي المطول من هذه الآية الكريمة :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾

 هنا الاختلاف ليس اختلاف تقييم ، اختلاف وظيفة ، يعني الله عز وجل أعطى المرأة خصائص جسمية ونفسية واجتماعية وفكرية هي كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بها ، وأعطى الرجل خصائص جسمية وفكرية ونفسية واجتماعية هي كمال مطلق للمهمة التي أنيطت به ، إذاً خصائص الذكر كمال لمهمته وخصائص الأنثى كمال لمهمتها وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى ﴾

 ينطلق الفهم الإسلامي الصحيح من أن المرأة مساويةٌ للرجل تماماً ، ولكن طبعاً مساوية له في التشريف ، مشرفة كما هو مشرف ، مكرمة كما هو مكرم ، مسؤولة كما هو مسؤول ، هل تصدقون أن امرأة خطبها النبي عليه الصلاة والسلام ، ما معنى خطبها النبي ؟ يعني سوف تكون بالمصطلح المعاصر السيدة الأولى ، سوف تكون زوجة سيد الأنبياء والمرسلين ، هل تصدقون أنها اعتذرت ، سألها النبي عليه الصلاة والسلام : لمَ ؟ قالت : لي خمسة أولاد ، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم ، وإن قمت بحقهم أن أقصر بحقك ، ما هذا التوحيد ، هذه المرأة بلغت درجة من الفهم ؛ لو أنها زوجة رسول الله لا تعفى من المسؤولية إذا قصرت بحق أولادها ، لذلك هناك ما يسمى بعبادة الهوية ، أنت من ؟ أنت غني عبادتك الأولى إنفاق المال ، أنت قوي العبادة الأولى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، والعالم عبادته الأولى تعليم العلم دون أن يخشى في الله لومة لائم ، والمرأة عبادتها الأولى رعاية الزوج والأولاد .

(( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

تربية الأولاد ورعاية الزوج يجعلان المرأة في المقام الأعلى:

 والله الذي لا إله إلا هو هناك عشرات الطرق من بيتك للجنة ، امرأة ربت أولادها رعت زوجها قدمت لهم ما يحتاجونه ، هذه أمام طريق سالك إلى الجنة بدءاً من بيتها، فلذلك المرأة التي عرفت ربها وعرفت سر وجودها وغاية وجودها يجب أن تعلم علم اليقين أن تربية أولادها ورعاية زوجها يجعلها في المقام الأعلى :

(( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ يعدل الجهاد في سبيل الله ـ ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

 أيها الأخوة الكرام ، النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب الرجال :

(( أكرموا النساء ، والله ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

[ورد في الأثر]

 هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الخيرية المطلقة في البيت حديث صحيح :

(( خَيرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ))

[ ابن ماجه عن ابن عباس]

 أي الإنسان خارج البيت بدافع من مصلحته يتزين ، يتكلم أطيب الكلام ، يبتسم، يترفع عن بعض السفاسف حفاظاً على مكانته ، لكنه في البيت ما في رقابة ولا في سلطة أنت السيد ، فإذا كان كاملاً كان رحيماً ، كان النبي عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله ، كان يكنس داره ، ويخسف نعله ، ويعاون السيدة خديجة ، وكان في مهنة السيدة عائشة وكان في مهنة أهله ، فلذلك حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( أكرموا النساء ، والله ما أكرمهن إلا كريم ، وما أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))

[ورد في الأثر]

 ومرة قال النبي عليه الصلاة والسلام يصف النساء :

(( فإنهن المؤنسات الغاليات ))

[ الحاكم والطبراني عن عقبة بن عامر بسند ضعيف ]

 ومرة السيدة عائشة سألت سيد الخلق وحبيب الحق ، سألته : كيف حبك لي ؟ قال لها : كعقدة الحبل ، تسأله ، صار في شيفرة بينهما ، تسأله من حين لآخر : كيف العقدة ؟ فيقول : على حالها ، لا تزال عقدةً محكمة ، الإنسان إذا عرف الله يكون زوجاً ناجحاً ، وإذا عرفت ربها تكون أيضاً زوجة ناجحة .

 

بطولات جاءت بها النساء المسلمات والنساء اللواتي ذكر الله فضلهن في القرآن الكريم :

 شيء آخر ، هل تصدقون أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( الحمد لله الذي رزقني حب عائشة ))

[ ورد في الأثر]

 معنى ذلك أن الله يفرح ويحب أن يحب أحدنا أهله وأن تحب الزوجة زوجها ، هذا حب مشروع ، هذا حب أراده الله عز وجل ، شيء آخر أن النبي عليه الصلاة والسلام من شدة حبه لبناته كانت إذا دخلت فاطمة عليه وقف لها ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول : فاطمة بضعة مني من أكرمها فقد أكرمني ، هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام في علاقته بأهله وببناته ، لكن أريد أيها الأخوة الكرام ، أن تستمتعوا قليلاً إلى بعض البطولات التي جاءت بها النساء المسلمات والنساء اللواتي ذكر الله فضلهن في القرآن الكريم .
 امرأة فرعون ، من زوجها ؟ أحد أكبر جبابرة الأرض ، امرأة فرعون لم يستطع زوجها الجبار الذي قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )

 والذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية : 38 )

 هذا الزوج الجبار قال الله عز وجل يصف امرأة فرعون :

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)﴾

( سورة التحريم )

المرأة مستقلة في إيمانها عن زوجها :

 

 

أي أن المرأة مستقلة في إيمانها عن زوجها ، تقول المرأة : هكذا يريد زوجي برقبته إن شاء الله ، المرأة فيما يتعلق بإيمانها وطاعتها مسؤولة هي أمام ربها ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، إذاً الله عز وجل شاءت حكمته أن تكون امرأة صالحة جداً ممن كمل من النساء زوجة لأكبر جبابرة الأرض ، ولم يستطع أن يحملها على أن تكفر :

﴿ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ ﴾

 ما بال بعض النساء يأمرها زوجها بمعصية فتطيعه حفاظاً على سلامتها وعلى بقائها زوجة له ، ولو قالت له : أنا لا أعصي الله وافعل ما تشاء لأن النبي عليه الصلاة والسلام :

(( لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))

[ أحمد عَنْ عَلِيٍّ]

 تكون قد لقنته درساً لا ينسى وسوف يخضع ، وقد تكون هدايته على يدها إن شاء الله .
 ماشطة ابنة فرعون ، أثناء تمشيط شعر ابنة فرعون وقع المشط من يديها ، فقالت: بسم الله ، قالت لها ابنة فرعون : ألك رب غير أبي ؟ قالت : الله ربك ورب أبيك وربي ، قالت : سأخبر أبي ، قالت : أخبريه ، فلما أخبرته استدعاها مع أولادها الخمسة ، وجاء بقدر فيه زيت مغلي ، وأمسك ولدها الأول وقال لها : ألك رب غيري ؟ قالت : الله ربي وربك ، فألقى ولدها في الزيت المغلي ، والقصة مؤثرة جداً ، حتى طفت عظام ابنها على سطح الزيت ، ألقى الثاني ، ألقى الثالث ، ألقى الرابع بقيت ثابتة ، فلما جاء دور الخامس ، كان طفلاً رضيعاً ، فلما قال لها : ألك رب غيري ؟ سكتت ، وتضعضعت ، لكن الله سبحانه وتعالى فيما ترويه هذه الرواية الصحيحة أنطق ابنها الصغير ، وقال : اثبتي يا أمي أنت على حق ، فقالت : الله ربي وربك ، وألقاه في القدر ثم ألقاها في القدر .
 الشاهد ليس هنا ، الشاهد أن النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج شمّ رائحة ما شمّ مثلها قط ، فقال : يا جبريل ما هذه الرائحة ؟ قال : هذه رائحة ماشطة بنت فرعون .
 أيتها الأخوات الفضيلات ، هذه الدنيا تمضي وتبقى البطولات ، تبقى طاعة الله ، تبقى مأثرة طاعة الله ، تبقى التقوى التي هي زادنا يوم القيامة .

 

طرق الجنة سالكة وتبدأ من بيوت المسلمين:

 أيها الأخوة الكرام ، امرأة جاءت النبي عليه الصلاة والسلام ، وحدثتكم عنها قبل قليل ، وقد جاء فيها قرآن :

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾

( سورة المجادلة الآية : 1 )

 يروي التاريخ أن سيدنا عمر كان يركب دابته فالتقى بها في الطريق فنزل عن دابته إكراماً لها ، وأصغى لها ، فقال أحدهم : يا أمير المؤمنين أتتنزل عن دابتك وتصغي إليها ؟ قال : ألا أصغي إليها وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات .
 هذه المشاهد وتلك القصص تبين أن للمرأة في الإسلام دوراً خطيراً وكبيراً ، فلذلك الذي أتمناه أن تعرف المرأة دورها في الإسلام ، وكيف أن الله عز وجل كلفها أن تطيع الله بما أقامها ، الله أقام الغني غنياً ، فطاعة الغني لله إنفاق المال ، وأقام القوي قوياً ، طاعته الأولى لله إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وأقام العالم عالم طاعته لله الأولى إلقاء العلم ، ولما أقام المرأة امرأة عليها أن تعبد الله فيما أقامها ، أقامها زوجة ، أقامها أماً ، أقامها جدة ، أقامها بنتاً ، أقامها أختاً ، يجب أن نعلم جميعاً أن طرق الجنة سالكة وتبدأ من بيوت المسلمين لكن لا بد من أن نعرف الله .
 أنا أضرب لكم مثلاً بسيطاً على أن المرأة حينما تلد المرأة ينزل مع الجنين قرص لحمي اسمه المشيمة ، شيء لا يصدق ، من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله في هذا القرص ، هذه المشيمة يجمع فيها الله عز وجل دورة دم الأم مع دورة دم الجنين معاً ، وإذا في أخت كريمة طبيبة ، من بديهيات الطب أننا إذا أعطينا دماً لإنسان من غير زمرته يموت فوراً بانحلال الدم ، يجتمع في هذا القرص دم الجنين مع دم الأم وكل دم زمرة ولا يختلطان ، السبب ، قال : بينهما غشاء سماه علماء الطب الغشاء العاقل ، سمي غشاءً عاقلاً لأنه يقوم بأعمال لا يستطيعها أطباء الأرض مجتمعين ، ماذا يفعل الغشاء العاقل ؟ يأخذ الأوكسجين من دم الأم يطرحه في دم الجنين ، فقام هذا الغشاء في أثناء الحمل بدور جهاز التنفس ، ثم يأخذ هذا الغشاء السكر من دم الأم يضعه في دم الجنين ، قام بدور جهاز الهضم ، ثم يأخذ الأنسولين من دم الأم يضعه في دم الجنين ،قام بدور البنكرياس ، صار في دم الجنين سكر ، أوكسجين ، أنسولين ، احترق السكر بالأوكسجين عن طريق الأنسولين ، ولّد طاقة ، حرارة الجنين (37)من أين جاءت ؟ من احتراق السكر بالأوكسجين بالأنسولين ، الفضلات ثاني أكسيد الكربون يأخذه الغشاء العاقل من دم الجنين يطرحه في دم الأم ، نَفَس الأم زفيرها جزء منه نَفَس جنينها .

 

وظيفة الغشاء العاقل :

 الآن عوامل مناعة الأم يأخذها الغشاء العاقل يطرحها في دم الجنين ، فالجنين محصن من كل الأمراض التي أصيبت بها أمه ، ما هذه الدقة في الخلق ؟ ثم هذا الغشاء العاقل يعد حارساً أميناً لا ينقل السموم من دم الأم إلى دم الجنين ، لو أن الأم أكلت غذاءً فاسداً وتسمم دمها هذا السم لا يدخل في دم الجنين ، شيء آخر يعلم دقائق ما يحتاجه الجنين من غذاء ، يحتاج إلى شحوم ثلاثية ، بروتينات ، مواد دسمة ، معادن ، أشباه معادن ، كم كبير من المواد الغشاء العاقل يعلم بدقة متناهية ما يحتاجه الجنين ، وينفذ هذا الاحتياج .
 الآن المواد الغذائية بدم الجنين استقلبت ، الاستقلاب حالة تحول الغذاء إلى نسج الفضلات هي حمض البول ، يأخذ الغشاء العاقل من دم الجنين حمض البول ويطرحه في دم الأم ، فجزء من بول الأم بول جنينها .
 الآن أحياناً تكون الأم فقيرة لا تأكل غذاء كاملاً فيحتاج الجنين نوعاً من الغذاء ، شهوة الأم في أثناء الحمل لبعض الأطعمة تعبير عن حاجة جنينها . صنع من ؟ حكمة من ؟ قدرة من ؟ صنع من ؟

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾

( سورة الطور )

 أيتها الأخوات الفضليات ، معرفة الله شيء عظيم ، معرفة الله تجعلنا على الصراط المستقيم ، تجعلنا نسلم ونسعد في الدنيا والآخرة ، معرفة الله تعطينا هدفاً كبيراً في الحياة ، إنسان بلا هدف تافه ، مشكلة الإنسان الذي تشبع بالحضارة الغربية إنسان يعيش لذاته، يعيش لشهواته ، يعيش لمصالحه ، لا يعيش لغيره ، كلكم يعلم الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا ، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا ، الأنبياء ملكوا القلوب ، الأقوياء ملكوا الرقاب ، الأنبياء عاشوا للناس ، الأقوياء عاش الناس لهم ، والناس جميعاً تبع لقوي أو نبي ، فلذلك إذا كنا من أتباع الأنبياء كنا في سعادة وفي سلامة ، الرجل زوج صالح والمرأة زوجة صالحة ، والأولاد نجباء ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً لما يحب ويرضى .

 

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018