فقه السيرة النبوية - الدرس : 56 - أسلوب الدعوة في مكة والمدينة والفرق بينهما - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 56 - أسلوب الدعوة في مكة والمدينة والفرق بينهما


2007-06-23

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الفرق بين السور المكية والسور المدنية:

 أيها الإخوة الكرام، انطلاق النبي في الدعوة إلى الله في مدينة أخرى غير مكة في المدينة المنورة، والحقيقة أن علماء السيرة يميزون بين العهد المكي، وبين العهد المدني.

1 – السور المكية مضمونها الإيمان بالله واليوم الآخر:

 ولو تألمنا أسلوب السور التي نزلت في مكة المكرمة، ومضامين السور التي نزلت في مكة المكرمة لوجدناها تذكر خلق السماوات والأرض، وتلح على الإيمان باليوم الآخر، أي أن أركان الإيمان كانت محور السور المكية:

 

﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾

 

( سورة الفجر ).

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

( سورة الشمس ).

﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

( سورة النبأ ).

 أكثر السور المكية كانت تشير إلى عظمة الله عز وجل من خلال خلق السماوات والأرض، وكانت تلح على الإيمان باليوم الآخر، وكأن أركان الإيمان كانت محور السور المكية.

 

2 – السور المدنية مضمونها التشريعات والأحكام:

بينما في المدينة أول سورة نزلت سورة المطففين.

 

﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة المطففين ).

مضامين الآيات المدنية مضامين تشريعية، ومضامين الآيات المكية مضامين إيمانية.
 إذاً: الإسلام عقيدة وعبادة، المرحلة المكية اعتنت بالعقيدة، بالإيمان، والمرحلة المدينة اعتنت بالتشريع، إذاً: أيّ دعوة بالله لا تحفل بالعقيدة، وبالتشريع، أو لا تحفل بكليهما معاً فهي دعوة عرجاء، لذلك قالوا: إذا عرفت الآمر، ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر.

3 – السور المكية تعريف بالآمر والسور المدنية تعريف بالأمر:

 المرحلة المكية كانت مرحلة التعريف بالآمر، بينما المرحلة المدنية كانت مرحلة التعريف بالأمر، وشتان بين المرحلتين.
في المرحلة المكية:

 

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ﴾

( سورة عبس ).

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ ﴾

( سورةالطارق).

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة يونس الآية: 101 ).

﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ ﴾

( سورة يوسف ).

في المرحلة المكية إشارات إلى السماوات والأرض، وإلى خلق الإنسان، وإلى اليوم الآخر.
 فلذلك الدعوة إلى الله إن لم تتضمن مضموناً إيمانياً من أجل أن تعرف هذا الذي تصلي له من هو، خالق السماوات والأرض، فإن هذه الدعوة فاشلة.
لذلك أصل الدين معرفة الله عز وجل.
 

نظرة سريعة في سورة المطففين، وهي أول ما نزل في المدينة:

1 – خطورة التطفيف في المكيال والميزان:

 أيها الإخوة، هذه السورة سورة المطففين، جاء في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم، وفي سياق كوني، وهي بحسب الظاهر مقحمة عليه إقحاماً، قال علماء التفسير: " إذا كان التطفيف بحق إنسان يستوجب الويل، فكيف التطفيف بحق خالق الإنسان "، إذا أغفلت حق إنسان، فكيف إذا أغفلت حق الخالق.
إذا طففت فلم تحسن القياس، لأن الإنسان في شرائه يكون خط القماش تحت المتر منحنياً، فإذا باع القماش يكون القماش مشدوداً يقرب من التمزق، فإذا اشترى فله ميزان، وإذا باع شيئاً فله ميزان آخر، وهذه الأمور تقع الآن في حياتنا.
 قد يطّلع إنسان على غرفة نوم، يريدها بسرير واحد، وهي بسريرين، يقول له البائع: يمكن أن نغير فيها، كم تحسم لي ؟ فقال له: 500 ليرة، لو فرضنا رأى غرفة النوم بسرير واحد قال له: هل يمكن أن نعيدها بسريرين ؟ قال له: ممكن، قدم ثلاث آلاف ليرة، لما كان فيها حسم كان الحسم 500 ، وتلك 3000 َ! لقد كال بمكيالين، فإذا أردت أن تحسم قيمة سرير 500، وإن أردت أن تضيف قيمة سرير فبـ 3000، هذا تطفيف.
 فأنا أقول لكم كلمة أيها الإخوة: دينك ليس في المسجد، في المسجد تتلقى التعليمات فقط من الله، ودرس علم، وتتلقى المكافأة في الصلاة، أما دينك ففي عملك، وما لم يستقم الإنسان في عمله فلن يستطيع أن يقطف من الدين شيئاً، دينك في دكانك، في حقلك، في معملك، وأنواع الغش، أنواع التطفيف لا تعد ولا تحصى، ويكاد المسلمون مع أنهم يقرؤون هذه السورة يقعون في معظم أنواع التطفيف.
لذلك الله توعد هؤلاء بالويل فقال:

﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾

 حقهم كاملاً، في أي مكان تقريباً حينما تأخذ حقك تأخذه منقوصاً، أما حينما يأخذ الآخر منك حقه يأخذه تاماً وكاملاً، هذا تطفيف، لكن

﴿ وَيْلٌ ﴾

 الويل هو الهلاك

﴿ لِّلْمُطَفِّفِينَ ﴾

2 – لابد من معرفة الآمر والأمر:

 إذاً: الدين دين مكي، ودين مدني، تشريع مكي، أو آيات مكية، وآيات مدنية الآيات المكية آيات اعتقادية، والآيات المدنية آيات تشريعية، والمكية تعريف بالخالق، والمدنية تعريف بشرعه، لذلك أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده.
 أيها الإخوة، هذا درس بليغ لنا، نحن نقرأ السيرة من أجل أن نأخذ إسقاطاتها على حياتنا، وما لم تتسلح بعقيدة يقينية متينة، متماسكة، منسجمة، عن الكون والحياة والإنسان، وعن الخير والشر، وعن الحق والباطل، وعن الجمال من منظور إسلامي والقبح من منظور إسلامي، ما لم تتسلح بعقيدة أساسها التفكر في خلق السماوات والأرض، وما لم تعرف الحلال والحرام فلن تنجو يوم القيامة.
إذاً: لا يكفي أن تعرف الله، كما أنه لا يكفي أن تعرف أمره، عند بعض العلماء مصطلح يعجبني: معرفة الله ومعرفة أمره شرطان للتدين الصحيح، كل منهما شرط لازم غير كافٍ، ما معنى شرط لازم غير كافٍ ؟
 من أجل أن تطبخ تحتاج إلى رأس غاز، وإلى أسطوانة غاز، نقول لك: الأسطوانة والرأس، كل منهما شرط لازم غير كاف، الذي عنده اسطوانة غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ، والذي عنده رأس غاز فقط لا يستطيع أن يطبخ، لا بد من أن تعمل الأسطوانة، وأن تصلها بالرأس حتى يجتمعا فيتكاملا.
فلذلك معرفة الله شرط لازم غير كافٍ، ومعرفة منهجه شرط لازم غير كافٍ.

 

3 – لابد من العلم والفقه بعد التوبة إلى الله:

إن الإنسان قد يحب الله عز وجل فيتوب، لكن لا يعرف من أمر المنهج شيئاً، فقد يقترف الحرام دون أن يشعر.
 مثلاٍ: إنسان يقول لك: هل يمكن أن تقرضني مبلغا من المال أدفعه نصف ثمن بيت، أنا معي نصفه، أعطيك أجرة، مثلاً: بيت ثمنه مليون، معه 500 ألف ليرة قال لك: أريد 500، فدفعتها، وتقاضيت أجرة شهرية فرضاً مبلغا ضعيفا، فإذا تاب الرجل إلى الله، واصطلح معه، لكن ما درس الفقه، يفرح بهذه الأجرة المحرمة، ولما يريد أن يسترد المبلغ استرده بالتمام والكمال، أنا أعطيه 500 ألف، وأريد 500 ألف بالتمام والكمال، هذا ربا، ما دام ضمن رأس ماله، وهو غير خاضع للتغير فكل شيء تقاضاه كأجر يعد ربا، لأنه قرض جر نفعاً، أما إذا أراد أن يسترد نصف ثمن البيت، أو أراد أن يسترد مبلغه، هو توهمه قرضا له بـ 500 ألف، وحتى يكون الإيجار صحيحا وحلالا، الآن يسترد نصف ثمن البيت، قد يكون 450 ألف، قد يكون 700 ألف، فإذا استرد نصف ثمن البيت فالإيجار صحيح.
قد يتوب الإنسان إلى الله، لكن ما عنده دقة بالغة في فهم أحكام التعامل، قد يأكل الربا شاء أم أبا، قد يتورط في أكل المال الحرام دون أن يشعر.
 فلذلك أيها الإخوة، كما أنت بحاجة ماسة إلى المرحلة المكية، مرحلة التعريف بالله، خالق السماوات والأرض، أنت في أمسّ الحاجة إلى المرحلة المدنية مرحلة معرفة الحلال والحرام، فهما نشاطان يجب أن يكونا متوازيين.

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾

( سورة البقرة الآية: 282 ).

 أحكام الدين.

 

﴿ وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾

( سورة الحجرات الآية: 12 ).

 أحكام الغيبة.

 

﴿ لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 11 ).

 أحكام العلاقات الاجتماعية.
 إذاً: أول سورة نزلت في المدينة كانت سورة المطففين، وهي تتضمن نهياً ووعيداً لهؤلاء الذين يكيلون بمكيالين، إذا اشتروا كالوا بمكيال، وإذا باعوا كالوا بمكيال.

 

4 – الكيل بمكيالين سمة منتشرة اليوم:

 مرة حدثني أخ أراد أن يبيع سيارة، الحقيقة أنه أراد أن يقيمها فقط، فذهب إلى السوق، القصة قديمة، دُفع له فيها ثلاثون ألفا، فلما أراد أن يشتري مثلها طُلب منه سبعون ألفا، فلما جاء بإنسان ليقيمها له تقييما دون أن يقول له سأبيعها، أو سأشتريها أعطاه 45 ألفا، وهذه قيمتها، معناها معظم الناس يكيلون بمكيالين، وهذه السورة تشير إلى هذين المكيالين.
الآن العالم كله مطفف، قوى الأرض كلها مطففة، يحجز عشرين ألف أسير، والعالم كله ساكت، يقع أسير واحد له تقوم الدنيا ولا تقعد.
 لذلك ما مِن عمل أحقر في ميزان الأخلاق أن تكيل بمكيالين، بيت فيه بنت ، وفيه زوجة ابن، العطف على البنت، والتبرير للبنت، والشفقة على البنت، والمحاسبة الشديدة على زوجة الابن، والتعنيف الشديد على زوجة الابن، فهذه المرأة في البيت تكيل بمكيالين، لذلك نلغي هذين المكيالين بما أُثر من قول النبي الكريم:

 

 

(( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ))

 

(ورد في الأثر)

 الموظف يجب أن يعامَل هذا المواطن كما لو أن الموظف مكانه، يجب أن تعامل زوجة ابنك كما تتمنى أن تعامل ابنتك في بيت زوجها من أهله.
 السورة دقيقة جداً، وأوضح ما في هذه السورة أنها تشير إلى الكيل بمكيالين، وأعتقد الآن أنه ما من وصمة عار تلحق العالم الغربي كوصمة الكيل بمكيالين، المسلم له مكيال، وغير المسلم له مكيال.
 إن 400 طفل حقنوا بالإيدز وضع العالمُ كله كل وزنه من أجل عدم معاقبة الممرضات، ولما اتهم إنسان بإسقاط طائرة ألزموا تلك الدولة عن كل راكب 500 مليون دولار دية، هذا كيل بميالين، يُقتل إنسان فتقوم الدنيا ولا تقعد، ويُقتل مليون ولا أحد يتكلم.
فهذه أول سورة نزلت في المرحلة المدنية، سورة المطففين، هذه السورة تشير بوضوح ما بعده وضوح إلى أن الكيل بمكيالين من السيئات الكبيرة في حياة الإنسان، والدليل أنها كبيرة أن الله توعد من يكيل بمكيالين بالويل، والويل هو الهلاك،

﴿ وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

عن عَائِشَة قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

(أحمد)

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة الحجر ).

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم ).

 لذلك وطنوا أنفسكم أنكم إذا فتحتم القرآن، ورأيتم تحت اسم السورة سورة مدنية ففي الأعم الأغلب هي سورة تشريعية تتحدث عن أمر الله عز وجل، عن أمره ونهيه، افعل ولا تفعل، وأنكم إذا فتحتم سورة كتب تحت اسمها سورة مكية وطنوا أنفسكم أنكم مع سور تتحدث عن خلق السماوات والأرض، وعن اليوم الآخر، وعن العذاب، وعن النعيم.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ *يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ﴾

( سورة الحاقة ).

 لذلك قالوا: ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد الإسلام، وقد سأل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أصحابه فقال:

 

(( أتَدْرُونَ مَنْ المُفْلِسُ؟ قالُوا المُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ الله من لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: المُفْلِسُ مِنْ أَمّتِي مَنْ يَأتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةِ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَد شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فيقعُدُ فَيَقْتَصّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْتَصّ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ، ثُمّ طُرِحَ في النّارِ ))

 

(البخاري عن أبي هريرة)

 إذاً: أول سورة نزلت في المدينة سورة المطففين، وهي سورة تتحدث عن العلاقات بين الناس.

 

 

حديث عظيم ينظم العلاقات الاجتماعية:

 

 

 عن عبد الله بن سلام، هذا رجل من اليهود هداه الله إلى الإسلام قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة انجفل الناس إليه، أي ذهبوا نحوه مسرعين، وقيل: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجئت أنظر، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعت يتكلم قال:

(( أيها الناس أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ ))

(رواه الترمذي عن عبد الله بن سلام)

(( أفْشُوا السَّلامَ ))

 قل: السلام عليكم، ولا تقل مرحباً، ( باي )، ما هذا ؟! أنت مسلم، قل: السلام عليكم، الله هو السلام، من أسمائه السلام، قل: السلام عليكم

(( أفْشُوا السَّلامَ ))

 نحن من أخطائنا الفادحة أننا نسلم على من نعرف فقط، أما أنت كمسلم فمهمتك أن تسلم على من تعرف، وعلى لم تعرف، الآن جار يسكن فوق جاره لا يتزاورون، ولا سلام بينهما، جارك قل له: السلام عليكم.
(( أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ ))
هناك أشخاص يزورن الكبراء، والوجهاء، والأغنياء، وزيارة هؤلاء ليس عملاً صالحاً، هو من الدنيا، لكن بطولة المؤمن أنه يزور الضعفاء، الفقراء.
 له أخت زوجها فقير جداً، ساكنة خارج المدينة، يقول لها: يا أختي ما عندي وقت لأزوركِ، سامحيني، وله أخت ثانية ساكنة بحي راقٍ جداً كل يومين عندها، زيارة الثانية من الدنيا، أما إهمال الأولى فمن المعصية، بطولتك أن تذهب للأخت الفقيرة، التي تسكن في أطراف المدينة، فتؤنس وحشتها ، وتجبر كسرها، وتطيب قلبها.
لذلك:

(( أفْشُوا السَّلامَ، وأطْعِمُوا الطَّعامَ، وَصِلُوا الأرْحامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيامٌ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ بِسَلامٍ ))

 أنا أقول دائماً: تلبية دعوة الكبراء من الدنيا، وتلبية دعوة الفقراء من الآخرة، وقد ورد في بعض الأحاديث:

(( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ))

(رواه الترمذي عن أنس رضي الله عن)

 كراع يعني قدم خروف، كراع واحد بالغميم خارج المدينة، الآن يقول لك: يجب أن تكون اللقمات على عدد الخطوات، طعام نفيس جداً والمكان بعيدا، أما المؤمن فيقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:
(( لو دعيت إلى كراع بالغميم لأجبت ))

 

(( من دعي فلم يلبِّ فقد عصى الله ورسوله ))

 

(الجامع الصغير عن ابن عمر بسند فيه ضعف)

صور من تواضع النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه:

 ـ هناك صحابي جليل فقير جداً قدم للنبي خلاً، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( نِعْمَ الأدْمُ الخَلُّ ))

(رواه مسلم عن جابر رضي الله عن)

 ـ نذكر ما الذي حصل أول شيء في المدينة، أول شيء حصل أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى صلاة على الغائب البراء بن معرور، فقد مات البراء بن معرور قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوصى أن يوجه إلى الكعبة، وصلى النبي عليه الصلاة والسلام على قبره بعد قدومه إلى المدينة، والبراء من معرور كان تواقاً للكعبة من قبل، فهو الذي صلى باتجاه الكعبة عند قيام الأنصار بالتوجه إلى مكة لبيعة العقبة الثانية، ولم يوافقه بقية الأنصار، وقدم إلى النبي عليه الصلاة والسلام يذكر له ما فعل في سفره، وصلاته صوب الكعبة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: كنت على قبلة لو صبرت عليها، كانت هي القبلة.
ـ وكما تعلمون كانت امرأة فقيرة تقمّ المسجد، أي تنظفه، فماتت، الصحابة اجتهدوا أنها من ضعف الشأن بحيث لا تستحق أن يبلغ النبي عن موتها، بعد أيام تفقدها فقالوا: ماتت، فغضب، قال: هلا أعلمتموني ؟ فإذا به عليه الصلاة والسلام ينتقل إلى قبرها ليصلي عليها.
بالتعبير المعاصر مجتمع المؤمنين طبقة واحدة.

 

(( المُسلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومَالُهُ وَعِرْضُهُ ))

 

(رواه مسلم عن أبي هريرة)

الأعمال التي قام بها النبي عليه الصلاة والسلام حين قدم المدينة:

بناء المسجد:

 أول عمل قام به عليه الصلاة والسلام بعد استقراره في المدينة أنه بدأ ببناء المسجد النبوي الشريف.

1 – المسجد النبوي بين القديم والحديث:

 للتعريف: الحرم النبوي الآن الذي أكرمه بعمرة، الحرم النبوي الآن مساحته هي مساحة المدينة على عهد رسول الله، المدينة كلها هي بمساحة الحرم المدني، والروضة الشريفة فقط ما بين قبره ومنبره، هو المسجد النبوي في عهده، وكان من سعف النخيل ، والمسلمون وصولوا إلى أطراف الدنيا، إلى الصين شرقاً، وإلى إسبانيا غرباً، أما المسلمون اليوم مع أنهم يعدون مليارا وخمسمئة مليون يغزون في عقر دارهم، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( نصرت بالرعب مسيرة شهر ))

 

(متفق عليه)

فلما تركت أمته منهجه من بعده هزموا من بعده مسيرة عام.

2 – مكوث النبي عليه النبي الصلاة والسلام في بيت أبي أيوب الأنصاري:

 مكث النبي عليه الصلاة والسلام في دار أبي أيوب منذ اليوم الأول لوصوله إلى المدينة، وكان مبرك ناقته عند المربد، إلى أن تم بناء المسجد والحجرات، قال الزهري:

 

3 – مكان بناء المسجد النبوي:

 بركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم في موضع المسجد، وهو يومئذٍ يصلي فيه رجال من المسلمين، وكان مربداً لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، كانت أرض المسجد لغلامين يتيمين، اسم الأول سهل، والثاني سهيل، كانا في حجر ابن زرارة، فساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين بالمربد ليتخذه مسجداً فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى النبي عليه الصلاة والسلام لأنهما يتيمان، فابتاعه منهما بعشرة دنانير، وكان جداراً ليس له سقف، وقبلته إلى بيت المقدس، وكان يصلي فيه، وكان أسعد بن زرارة يجمع أصحابه فيه قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان فيه شجرة غرقد، وخرب، ونخل وقبور للمشركين، فأمر بالقبور فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل والشجر فقطعت، فصفت في قبلة المسجد، وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مئة ذراع، والجانبان مثل ذلك أو دونه، وجعل أساسه ثلاث أذرع، ثم بنوه باللبن.

 

 

النبي عليه الصلاة والسلام يساعد أصحابه في بناء المسجد:

 جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يبني معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه.
 أحد علماء مصر كان في الحجاز، فلما وسّع الحرم المكي ساهم بنفسه في حمل التراب، لأن المساهمة ببناء البيت الحرام شرف عظيم، فالنبي عليه الصلاة والسلام يبني معهم، وينقل اللبن والحجارة بنفسه، ويقول:

 

 

(( اللّهُمّ لاَ عَيْشَ إِلاّ عَيْشَ الآخرة، فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرَةِ ))

 

(متفق عليه عن سهل بن سعد)

وجعل الصحابة يرتجزون وهم ينقلون اللبن، ويقول بعضهم في رجزه:
لئن قعدنا والرسول يعمل إذ ذاك منا العمل المضلل
 وجعل قبلته إلى بيت المقدس، وجعل له ثلاثة أبواب، وجعل عموده الجذوع، الآن هو من رخام، وسقفه الجريد، سعف النخل، وبنى إلى جنبه بيوت أزواجه باللبن، وسقفها بالجريد، والجذوع، حياة متواضعة جداً، الآن قصور، بيوت، مركبات، اختار الله سبحانه وتعالى لرسالة نبيه زمناً بسيطاً لا تعقيد فيه، فيه تقشف، وكانت أرض المسجد تراباً وسقفه من جريد النخل، وارتفاعه كعريش موسى، يمكن للمصلي أن يلمسه إذا مد يده، الآن أين يمكن أن تمد يدك ؟.
ثم تطورت أحوال المسجد حيث بني فيه المنبر، كان يصلي على جذع نخلة، ثم صنع له المنبر، فحن الجذع إليه، فكان يقف على المنبر، ويضع يده على الجذع إكراماً له، لأن النبي بالتعبير المعاصر جداً شفاف.
دخل إلى بستان أحد الأنصار، رأى جملاً يبكي فتقدم منه، ومسح ذفريه، وقال: مَن صاحب هذا الجمل ؟ قال فتىً من الأنصار: أنا يا رسول الله، واستدعاه وقال: ألا تتقي الله بهذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتذؤبه.
 وفرشت أرضه بالحصى، الأرض حصى، والأعمدة جذوع الأشجار، والسقف سعف النخيل، والإنسان إذا مد يده تصل إلى السقف، وكان في صدره مكان له مظلة يسكن فيه أصحاب الصفة، وهم من فقراء المسلمين، ومن لا مأوى لهم، ثم تعرض المسجد لتحويل القبلة، وتوسيع المساحة، وغير ذلك من التبديلات.
 أيها الإخوة، نتابع هذا في درس قادم إن شاء الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018