فقه السيرة النبوية - الدرس : 53 - الأسس التي رسخها النبي في الاقتصاد الإسلامي - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 53 - الأسس التي رسخها النبي في الاقتصاد الإسلامي


2007-04-28

الاقتصاد من الدين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، ولا زلنا في المدينة المنورة ، ولا يزال النبي عليه الصلاة والسلام يرسخ الأسس ، أسس العلاقات الاجتماعية ، أسس التعليم .
 وقد بدأنا في اللقاء السابق بالأساس الاقتصادي ، وكان الشرح حول تنمية الموارد ووضع العلاقات .لأسس التي بنى عليها النبي عليه الصلاة والسلام الاقتصاد الإسلامي :
 أما إذا أردنا أن نقف وقفة متأنية عند الأسس التي رسخها النبي عليه الصلاة والسلام للاقتصاد الإسلامي فهناك نقاط لا بد من الحديث عنها .
 أول نقطة : الاقتصاد من الدين ، وتنظيم العلاقة بين المسلمين الاقتصادية من الدين، والتعليم من الدين ، وإصلاح الشؤون الحياتية من الدين ، وتأمين حاجات الإنسان من الدين .
 أنا لا أصدق أن الدين فُهم فهماً كهنوتياً ، ولم يفهم فهماً حياتياً ، هذا سيد الخلق وحبيب الحق ، هذا الإنسان الأول فهم الدين عملاً وتعاوناً ، أن يرى شاباً يتعبد ربه وقت العمل ، فيسأله النبي عليه الصلاة والسلام : من يطعمك ؟ قال : أخي ، قال : أخوك أعبد منك ، أمسك بيد أحد أصحابه ، وكانت خشنة من العمل ، رفعها وقال لأصحابه : هذه اليد يحبها الله ورسوله .
 الخضراوات جيدة
رأى النبي وكان مع أصحابه شاباً ينطلق من بيته إلى عمله فقال بعض أصحابه : لو كان هذا في سبيل الله ، فقال :

(( من سعى على أهله فهو في سبيل الله ، ومن سعى على أولاده فهو في سبيل الله))

[ ورد في الأثر ]

 النبي الكريم أعطى الدين مفهوماً واسعاً جداً ، وأنت في دكانك تبيع المسلمين بالصدق والأمانة ، تعطيهم سلعة جيدة ، بسعر معتدل ، أنت في عبادة .
 وأنت في عيادتك تعالج المرضى بإخلاص ، وإتقان ، واعتدال في الأجر ، فأنت في عبادة .
 وأنت في حقلك تسهم في تخفيف المتاعب عن الأمة ، تقدم لهم الإنتاج الزراعي بشكل جيد دون أن يؤذيهم بمواد ممنوع استيرادها ، فأنت في عبادة .
 حينما تفهم الإسلام هو الحياة ترى أن الاقتصاد جزء من الدين ، وحينما انفصلت الحياة عند المسلمين عن الدين صار الدين عبادات فقط ، والحياة لها مجال آخر ، والمسلمون ابتعدوا عن هذا الفهم الصحيح فضعفوا ، ولما ضعفوا تسلط عليهم الأعداء .

لن يحترم دينك إن لم تتفوق في دنياك :

 كنت أقول دائماً : لا يمكن أن يحترم دينك إلا إذا تفوقت في دنياك ، مسلم لا عمل له ، متواكل ، يمد يده ، يتضعضع أمام غني ، أهذا هو المسلم ؟! النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى))

[مسلم والترمذي عن أبي أمامة الباهلي]

 يجب أن أؤكد لكم الحقيقة : الاقتصاد من الدين ، أن تفتح محلاً تجارياً ، تكسب المال الحلال ، تدفع زكاة مالك ، تعين الفقراء والمساكين ، تربي أولادك ، تقدم لهم حاجتهم ، لأنه كما قال بعض أصحاب رسول الله : حبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي .
 فالعمل جزء من الدين ، ويمكن أن يكون عملك كذلك فقط إذا كان في الأصل مشروعاً ، وسلكت به الطرق المشروعة ، وخدمت المسلمين ، ولم تكذب عليهم ، ولم تغشهم ، ولم تسوف ، ولم تماطل ، وأتقنت عملك ، يمكن أن يكون عملك سبباً كافياً لدخول الجنة .
 وكلما تقدم المسلمون ، وقوي المسلمون ، واكتفى المسلمون قوي الإسلام ، أما إذا كان المسلمون ضعفاء ، يستوردون كل شيء ، ولا يصنعون شيئاً ، ولا يصدرون شيئاً ، وهم تحت رحمة الدول القوية والغنية ، أكلهم يستورد ، وثيابهم تستورد ، وأدواتهم تستورد ، ولا يبيعونهم السلاح ، هم إذاً تحت حكم أعدائهم ، أليس كذلك ؟
 لذلك سيدنا عمر مرّ ببلدة فوجئ معظم الفعاليات الاقتصادية فيها بيد غير المسلمين، عنفهم ، بل وبّخهم ، فقالوا كما يقول الأغنياء الكسالى : إن الله سخرهم لنا ، والله قال قولاً لا أرتوي من تكراره ، قال لهم : كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟ لأن القوي هو المنتج ، والمستهلك ضعيف .
 إتقان العمل

أنت تشتري سيارة ، يتعطل فيها شيء ، يقول لك : ثمنه ألف ليرة ، حاضر ، خمسة آلاف ، حاضر ، عشرة آلاف ، حاضر ، أربعون ألفاً ، حاضر ، مئة و خمسون ألفاً ، حاضر ، هذا اسمه عقد إذعان ، باعوا لنا طائرة تعمير المحرك خمسة ملايين دولار ، أربع محركات بعشرين مليوناً ، مليار ليرة ، كم طناً من القمح هذه أو من القطن ؟ كم إرسالية ملابس تصدير ؟ عندما ملكوا العلم ملكونا ، لا تستطيع ، أنا أتكلم من واقع ، المسلم يعيش سبهللة ، كله شغل سيدك ، ماذا نريد ؟ هذه هي الدنيا كلها ؟ نحن أملنا بالآخرة ، لا الدنيا ولا الآخرة لك ، يجب أن تعمل ، أن تكون قوياً ، أول طبيب ، أول مدرس ، أول محام ، أول مهندس ، أول تاجر ، أول صانع ، تجد أخواناً صناعيين ، عنده ألف عامل ، فتح ألف بيت ، لا تكن خمولاً ، ما هذا الموقف الانهزامي ؟! اعمل ، خذ شهادة عليا ، خذ الدكتوراه ، افتح محلاً ، أتقن عملك ، طور صناعتك ، إن لم نفعل هذا فمصيرنا ليس بأيدينا ، هذه كلمة دقيقة جداً ، يجب أن تكون من النخبة ، طالب ؟ الأول ، طبيب ؟ الأول ، ولا أكتمكم مهما ضاقت الأمور ، مهما كسدت الأسواق ، مهما انتشرت البطالة ، المتقن دخله كبير بأي وقت ، وبأي مكان ، وبأي زمان ، المتقن ، المتقن لا يتوقف عن العمل ، يكون مئة إنسان يحترفون حرفة ، أحيانا يحدث كساد ، تسعون بالمئة لا عمل لهم ، أما العشرة المتقنون فمحجوزون لستة أشهر قادمة .

(( إن الله تعالى يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ))

[ البيهقي عن عائشة ]

 أنا والله أحترم جميع المسلمين ، وأكبرهم والله ، أما حينما أرى إنساناً متفوقاً يقدم لمن حوله الخيرات فهو ناجح بعمله .
 حدثني أخ يعمل بشركة برمجية ، قال رقماً أنا صعب أصدقه من أرباحه بالسنة ، ويعيّن مئة عامل تقريباً ، كل واحد دخله كبير ، يحل مشاكل مئة إنسان ، مئة شاب مؤمن ، هذا المسلم .
 الغرب ملكوا الدنيا وملكونا معها ، ملكوا الدنيا ، وتحكموا برقابنا ، ملكوا الدنيا ، وفرضوا علينا ثقافتهم ، ملكوا الدنيا ، وفرضوا علينا صحونهم ، ملكوا الدنيا ، وأفسدوا أخلاق أهلنا وأولادنا ، ملكوا الدنيا ، وسخرونا لمصالحهم من التقصير ، أنا تأثرت لهذه الكلمة ، الاقتصاد من الدين .
 أيها الأخوة ؛ مرة ثانية : لن يحترم دينك إن لم تتفوق في دنياك ، في بلد إسلامي الاتجاه المناقض للإسلام قوي ، فلما أراد أن يقمع الاتجاه الإسلامي فوجئ أن ستين بالمئة من الاقتصاد بأيدي المسلمين ، فتهيبوا ، وقفوا ، لا تكن ضعيفاً ، كن قوياً ، ضمن القوانين والأنظمة، أما إهمال ، عدم تطوير عمل ، إرجاء ، تسويف ، عدم إتقان ، عدم إحكام الخطة فلا ، لأن العمل جزء لا يتجزأ من الدين .

على كل مسلم أن يجعل همه الأول خدمة المسلمين :

 الحلال والحرام
اعمل بالحلال ، الحرام اركله بقدمك ، الحرام قل له : الله الغني ، الحرام لو كان بالملايين ، اركله بقدمك ، وخمسة آلاف ليرة بالشهر من حلال يبارك الله لك بها .

(( طلب الحلال فريضة بعد الفريضة ))

[الطبراني عن ابن مسعود ]

 بالدراسة الأول ، محلك التجاري نظيف مرتب ، المواد درجة أولى ، سعر معتدل واصل للبيت ، دوام محدد ، تجد أنك قد تألقت .
 صدقوا أيها الأخوة بعضكم شباب ، بأي وضع ، بأي ظرف ، إن أتقنت العمل تفوقت وربحت .
 أحياناً نجد شركة أتقنت جداً أول فرع ، ثاني فرع ، ثالث فرع ، رابع فرع ، خامس فرع بالشام ، لماذا ؟ فيها إتقان ، دائماً وأبداً المتقن دخله كبير جداً .
 لي طلاب أطباء ، قلت لهم مرة ، طبعاً الطبيب وغير الطبيب ، لكن الطبيب بالذات: ضع المال تحت قدمك تربحه ، اجعله هدفك تخسره ، همك أن تشفي هذا الإنسان ، ولا تعبأ بالمال ، يتألق نجمك ، ويتهافت الناس عليك ، فتغدو غنياً ، أما إذا ابتززت أموالهم ، ولم تنصحهم في معالجتهم ، واكتشفوا ذلك ، انصرفوا عنك .
 هناك شيء دقيق : اجعل همك خدمة المسلمين ، اجعل همك أن تقدم شيئاً ثميناً ، اجعل همك أن تكون قوياً .
 دققوا في كلام النبي ، نحن أحياناً ننسى أن هذا الكلام كلام مقدس لكن لا نطبقه لمَ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

[ مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه ]

 قوي بالمال ، قوي بالعلم ، متفوق ، قوي احتل مركزاً قوياً ، بتوقيع يحل مشكلة .

المؤمن عزيز والعمل شرف الإنسان :

 لذلك الانسحاب من الحياة ، والتقوقع ، وقولك : الشهادة لا يخرج منها شيء ، وهي يخرج منها كل شيء ، فلان دكتور ، فلان متخصص ، أما لا شهادة ، ولا علم ، ولا عمل حر ، عالة على الناس ، ومن محل لمحل ، وقلبه من الله ، ويحب الله كثيراً ، وبالذكر يذوب ، ويبكي ، وجوعان ، لا ، اعمل ، ادرس ، خذ شهادة ، أتقن عملاً ، اكسب مالاً ، تزوج ، أنجب أولاداً ، احضر مجلس علم ، طبق ، إن نجحت في حياتك يُنتظر أن تنجح في دينك أيضاً .
 لذلك الحلال والحرام من شأن الله وحده ، لذلك الحرام مهما يكن بحجم كبير اركله بقدمك ، والحلال تشبث به .
 سيدنا الصديق يوم تولى الخلافة حمل القماش على كتفه ليكسب رزق يومه من البيع والشراء ، حتى منعه الصحابة الكرام من ذلك ، وأعطوه حاجته .
 والله مرة أحد أخواننا طالب طب في الصف الثالث ، يقول لي إن أخاه ينفق عليه ، أخوه يعمل في صنع الثريات ، يعمل ، وينفق على أمه ، وأخيه الصغير ، وعلى أخيه الطبيب في الجامعة ، أقسم لكم بالله شعرت أن هذا الذي يعمل في الثريات ، ولا يضع جانب اسمه د . دكتور، عامل ثريات لكنه ينفق على أمه وأخيه الصغير ، ويغطي نفقات أخيه الطبيب بالجامعة ، قلت له : أخوك قلامة ظفره تساوي مئة واحد .
 قال له : من يطعمك ؟ قال له : أخي ، قال له : أخوك أعبد منك .
 من ألمي أن أرى المسلمين فقراء جداً ، وبعيدين عن مراكز القوة ، ويُخطط لهم ، ويُستغلون ، ووضعهم بائس ، لذلك :

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]

 أي تمسكن ، ذهب ثلثا دينه .

(( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير ))

[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر ]

 لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، المؤمن عزيز ، والعمل شرف للإنسان .
 أحياناً أرى أخاً يعمل في السيارات ، تزوره في أثناء العمل تجده يلبس ثياباً متبذلة ، لا تعرف لونها ، كانت زرقاء بزمانها ، من الشحم والزيت والوحل ليس لها لون أساساً ، وعمله بالميكانيك والزيت ، يأتي إلى بيته مساء فيغتسل ، ويلبس ثياباً أخرى ، انتهى ، العمل وسام شرف .

الاستثمار فريضة ألزم الله بها عباده لتحقيق حاجاتهم :

 هذه كلمة دقيقة : لا تفهم الدين فهماً كهنوتياً ، افهمه فهماً واقعياً ، فهماً حياتياً ، الدين هو الحياة ، لذلك أنا أتمنى أن يكون المهندس داعية ، والطبيب داعية ، والمعلوماتي داعية، أتمنى أن يكون لك حرفة متقنة تتفوق بها ، وتكون داعية ، أما أن تتفرغ للدعوة وليس معك قرش ؟ لا تتقن صنعة ولا عملاً ولا أحد يعطيك ؟ تريد أن تحترم الغني زيادة فتبذل ماء وجهك أمامه ؟ كلما رأيت قوياً تنبطح أمامه ، لا ، اعمل ، ارفع رأسك ، لماذا هان علينا ديننا ؟
 الحلال والحرام
الاستثمار فريضة ألزم الله بها عباده لتحقيق حاجاتهم ، وهو الذي سخر لعباده ما في البر والبحر ، ما الحكمة أنه إذا معك مليون ليرة وزكاتها كانت خمسة و عشرين ألفاً ؟ أربع سنوات مئة ألف ، عشرة أضعاف ، في أربعين سنة انتهى ، إذا كنزت مليون ليرة تنتهي في أربعين سنة تأكلها الزكاة ، الحكمة من فريضة الزكاة على المال المخزن أنك إذا خزنته فقدته ، يجب أن تستثمره .
 مثلاً : سكن رجل في بيت ، بيت والده ، والده اشترى بيتاً منذ زمن بعيد بمبلغ صغير بأحياء دمشق الراقية ، الآن ثمنه حوالي ثلاثين مليوناً ، يبقى فيه ؟ ثلاثون مليوناً تحل مئة مشكلة، خذ بيتاً بخمسة ملايين ، واعمل شركة ، ووظف أناساً ، واربح ، واشترِ بيتاً ثانياً ، تجد التصرف عجيباً ، سكونياً ، على القديم ، غيّر ، طوّر ، إلى أن تشعر أنك قدمت شيئاً .
 أريد منكم هذا السؤال ، من حين لآخر اسأل نفسك هذا السؤال : ماذا قدمت لهذه الأمة ؟ هل حملت همّ هذه الأمة ؟ هل أسهمت في تخفيف آلام هذه الأمة ؟ أحياناً تنشئ مزرعة تفاح ، ينزل التفاح إلى السوق بسعر مقبول ، أمّنت فاكهة جيدة ، بسعر أقل ، نوعية جيدة ، ما مِن إنسان يعمل إلا ويقدم للمجتمع خيراً ، أما الذي لا يعمل فهو عبء على الآخرين .
 أنا كنت أقول دائماً : حولي أناس ، إما أنني أحملهم ، أو هم يحملون الدعوة ، والفرق كبير جداً بين من يحمل معك ، وبين من ينبغي أن تحمله ، فكن عبد الله المعطي ، ولا تكن عبد الله الآخذ .

انعدام الكذب و الغش و الاحتيال في النظام الاقتصادي الإسلامي :

 ليس في النظام الاقتصادي الإسلامي كذب وغش واحتيال . الصدق وعدم الغش

((إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا ))

[ورد في الأث ]

 عندما تكسب مالك الحلال من طريق مشروع يمكن أن يكون النفع لكل الناس ، لا احتكار ، ولا غش ، ولا تدليس ، ولا إيهام ، ولا غبن ، إذا ألغيت معاصي البيع والشراء تهبط الأسعار ، الأسعار يحددها قانون العرض والطلب ، لمجرد أن تلغى المعاصي يكون السعر الطبيعي المقبول ، وهذا شأن اقتصاد السوق أحياناً ، البضاعة موجودة بحسب الطلب عليها ، ما دامت موجودة فسعرها معتدل ، أما حينما تُحتكر تُسحب من الأسواق يشتد الطلب عليها فيتضاعف السعر ، هذا مال حرام ، واحتكار ، والمحتكر خاطئ ، فنحن اقتصادنا فيه ممنوعات ، لو ابتعدنا عن هذه الممنوعات يكون العرض والطلب وحده كافياً لاستقرار الأسعار ، ولاعتدالها ، ولهبوطها .

المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة :

 أتمنى أن أوضح لكم أن المكاسب المحرمة أساسها منفعة بنيت على مضرة ، وأن المكاسب المحللة الأصل فيها منفعة متبادلة ، إنسان معه مال ، لكن لا يحسن استثماره ، موظف، أو متقاعد ، أو شاب ناشئ ورث عن أهله مالاً ، وهناك إنسان معه خبرة ولا مال معه ، عنده خبرة عالية جداً ، لكن لا يملك المال ، لو تعاون صاحب المال مع صاحب الخبرة على ربح بينهما ، واحد قدم لك خمسة ملايين ، وأنت أسّستَ محلاً تجارياً ، أنت مهندس زراعي ، بعت مواد زراعية ، أنت خبير ، معك شهادة ، لذلك المضاربة ، والمتاجرة ، والاستثمار من أحلّ الدخول ، لأنها في الأصل منفعة متبادلة ، أما الكسب الحرام فمنفعة بنيت على مضرة ، أنت احتكرت مادة ضاعفت سعرها أربعة أضعاف ، وليس هناك إنسان يحاسبك ، الآن يوجد بعض الأدوية الزراعية دواء منتشر بالبلد ، وكيله واحد ، لا يمكن أن يعطي الوكالة لأحد ، يتفق مع الشركة ، يقول لك اللتر بخمسمئة ليرة ، سبعمئة ، سبعمئة ، ألف ، ألف ، نقدي محتكر .
 لذلك العالم الغربي لا يسمح لاختراع أن يُحتكر من جهة واحدة ، الاختراع يجب أن يُباع إلى شركتين حتى يتنافسوا ، والتنافس لصالح من ؟ لصالح المستهلك .
 لذلك مجتمع التنافس رائع جداً ، مجتمع الاحتكار قاسٍ جداً ، نحن بعقلية مهترئة سقيمة نحب اقتصاد الاحتكار ، يقول لك : هذه محصورة فيّ ، هذه الشركة لي ، لا ، الاحتكار قد يسبب أرباحاً فلكية لفئة قليلة على حساب الكثرة الكثيرة ، لذلك الإسلام حقق العدالة في توزيع الثروة ، وحقق التعاون والتكافل بين أفراد المتجمع الواحد ، وهناك منافسة و لكن لصالح من ؟ لصالح المستهلك ، هذا علبة الصابون معها عرض ، معها علبة صغيرة ، هذه البضاعة معها عرض ثان ، عندما يكون التنافس من يقطف ثمار هذا التنافس ؟ المستهلك ، إذا كان الاحتكار يصبح المستهلك مستهلكاً ، يستهلك المستهلك ، فالمحتكر ملعون ، والمحتكر خاطئ .
 الاقتصاد عصب الحياة ، وإذا أحرزت النفس قوتها اطمأنت .

حاجة الحياة إلى وعي و إدراك :

 أقول لكم هذه الكلمة الأخيرة : ما من نجاح جزئي ، تنجح بعملك ، ولا تنجح في بيتك ، ليس هذا نجاحاً ، تنجح بعملك وبيتك ، ولا تنجح مع ربك ، ليس هذا بنجاح ، تنجح مع ربك ، صائم ، مصلّ ، عابد ، مستقيم ، لكن لا يوجد بيدك مصلحة ، ولا عمل ، ولا وظيفة ، ولا شهادة ، بل أنت عالة على الآخرين ، ليس هذا نجاحاً ، لا بد من أن تنجح في كل شؤون حياتك، أبرز هذه الشؤون علاقتك بربك ، تعرفه ، تطبق منهجه ، تقيم أوامره ، يراك حيث أمرك ، ويفتقدك حيث نهاك ، وأن تنجح مع أهلك .
 هناك أشخاص ناجحون جداً ، لكنهم مخفقون جداً مع زوجاتهم وأولادهم ، يجب أن تنجح مع زوجتك وأولادك ، يجب أن تنجح مع صحتك ، طبق تعليمات الصانع .
 صدقوا أيها الأخوة ، الدول النامية نفقات المعالجة مئة ضعف ، من ضعف الوعي ، يحب الملح ، ويكثر منه ، فيرتفع ضغطه ، الضغط ليس له أعراض ، فجأة خثره بالدماغ فيصاب بالشلل ، ليس هناك جهاز ضغط في البيت أساساً ، والقاتل الصامت هو الضغط .
 الحياة تحتاج إلى وعي ، إلى إدراك :

(( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ))

[ مسلم عن أبي هُريرة رضي اللّه عنه ]

 يجب أن تنجح مع ربك ، ويجب أن تنجح مع أهلك ، ويجب أن تنجح مع جسمك ، ويجب أن تنجح في عملك ، وما لم تحقق النجاح في العمل ، وفي الصحة ، ومع الأهل ، ومع الله لا يعد نجاحاً .
 يسافر الرجل إلى بلد نفطي ، فيأتي بثمن بيتين ، لكن تفلت أولاده ، عاشوا في الطرقات مع رفقاء السوء ، الأم عند الجيران ، والأولاد مع رفقائهم ، لا صلاة ، ولا صوم ، وانحراف ، والزوجة تغلط ، هذا نجاح رافقه انهيار أسرة .
 أؤكد لكم هذا المعنى : النجاح الحقيقي نجاح شمولي ، مع الله ، ومع أهلك وأولادك ، ومع عملك ، ومع جسمك ، لا تقطف ثمار النجاح إلا إذا كان شمولياً ، لا تعد ناجحاً إلا إذا كان نجاحك شمولياً ، هذا ما أؤمن به .

الإيمان مرتبة أخلاقيّة و جماليّة :

 الصحابة تفوقوا ، كانوا رهباناً في الليل ، فرساناً في النهار ، تفوقوا ، كان عليه الصلاة والسلام قبل أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى نظر إليهم فابتسم ، حتى رئيت نواجذه قال :

(( حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ))

[ورد في الأثر]

 المؤمن شخصية فذة ، يحيرك بعلمه ، بأخلاقه ، بجمالياته ، أنيق ، بيته مرتب ، فقير لكن أنيق ، ثيابه مرتبة ، مواعيده دقيقة ، حساباته منتظمة ، ثقافته واسعة ، بيته منتظم ، ناجح مع زوجته ، مع أولاده ، هذا المؤمن .

﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف : 28]

 لا حسابات مضبوطة ، ولا مواعيد مضبوطة ، ولا بيت منضبط ، ولا عمل متقن ، وهو يحب الله ! هذا النموذج مرفوض ، يجب أن تكون شخصية فذة ، الإيمان مرتبة علمية ، ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه .
 الإيمان مرتبة أخلاقية ، إذا حدثك فهو صادق ، عاملك فهو أمين ، استثيرت شهوته فهو عفيف ، الإيمان مرتبة جمالية ، عنده مسحة جمالية في حياته ، أذواقه عالية جداً ، حتى يكون جذاباً من أجل أن تحب الإيمان ، تجد شخصاً لئيماً ، خبيثاً ، منحرفاً ، لكنه أنيق ، بذلته رائعة جداً ، معطر ، شعره منتظم ، أو تجد رجلاً طيب الخُلق ، ولكن لا يعجبك ، يعجبك الرجل بقدر ما تحترمه ، بقدر ما تحبه ، تحبه لكماله ، وتحترمه لتفوقه .
 أخواننا الكرام ؛ الآن نحن أمام مشكلة كبيرة ، ما لم نتفوق فلا يحترم ديننا ، والشيء بأيدينا ، والحياة واحدة تفوق بها ، واكسب دنياك وأخراك .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018