فقه السيرة النبوية - الدرس : 51 - العمران النبوي في المدينة المنورة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 51 - العمران النبوي في المدينة المنورة


2007-01-27

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

العمران النبوي في المدينة المنورة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية ، وقد وصلنا في الدرس الذي قبل الماضي إلى التنظيمات الإدارية ، والصحية ، والتعليمية ، والسياسية التي نظمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان من أبرزها أنه أنشأ ميثاقاً طبقه على كل شرائح أهل المدينة ، وجاء في مقدمته أن سكان المدينة أمة ، وسِلْمُ المؤمنين واحدة ، وحربهم واحدة ، وهذه هي المواطنة ؛ التعايش ، الذين فهموا الدين فهماً آخر سببوا متاعب لا تنتهي للمسلمين .
على كل ننتقل اليوم إلى العمران النبوي في المدينة المنورة .
 أشد الأماكن وحشة المدن الكبرى
قدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وسكانها موزعون عشائرياً في قرى صغيرة، وأكمل تجمع للسكان تجمع القرى .
 هناك دراسات حديثة أن الإنسان إذا عاش في مجتمع محدود يرتفع مستوى الانضباط السلوكي ، وأشد الأمكنة وحشة هي المدن الكبرى ، لذلك حينما درس نخبة من كبار علماء الغرب أسباب العنف في العالم قالوا : المجتمعات الكبيرة ، وسكان القرية أشد انضباطاً من سكان المدينة بسبب أن الشخص الواحد معروف هناك .
 فلذلك حينما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كان سكانها موزعين عشائرياً في قرى صغيرة ، أو في حصون ، أو أطام ، والأطام هي الحصون ، فكل حصن فيه عشيرة تحيطه حيطانها ، ويعمل أصحاب هذا الحصن في الزراعة ، والصناعة ، وإذا جاء المساء دخلوا حصنهم، وأقفلوا أبوابهم ليأمن كل منهم جيرانه ، وما تحمله ظلمة الليل من طوارق السوء .
 أنا فيما أعلم دمشق كان فيها أبواب ، باب توما ، باب شرقي ، هذه الأبواب مساء تُغلق ، المجتمع يعرف بعضه بعضاً ، فيه انضباط ، فيه أمن ، هذا كان مطبقاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
 وقد بلغ عدد حصونهم تسعة و خمسين حصناً موزعة على قبائلهم وعشائرهم ، وفيما بلغني أن أكبر مدينة في العالم نيويورك - معلومات قديمة - بعض أحيائها التي يسكنها المسلمون أحياء مغلقة تقفل أبوابها مساء ، لا يوجد بها مخدرات ، ولا ملاهٍ ، ولا يوجد بها شيء من هذا القبيل ، كبار الشركات تتنافس على فتح محلات في هذا الحي الإسلامي ، فيه انضباط، فيه أمن .

مهمة النبي الأولى في المدينة كانت توفير السكن والمعاش للمهاجرين :

 أيها الأخوة ؛ وقدم المهاجرون إلى المدينة ، وكان أمام النبي عليه الصلاة والسلام مهمة كبيرة ، وهي توفير السكن والمعاش لهم .
 التجار الناجحون يدور رأس مالهم في العام أكثر من مرة
وكان للأنصار مساهمات عظيمة تعرفونها جميعاً ، كان كل أنصاري بعد أن آخى النبي بينه وبين مهاجر ، النبي عليه الصلاة والسلام آخى بين الأنصار والمهاجرين ، فكان الأنصاري يقول للمهاجر : عندي بستانان ، خذ أحدهما ، عندي بيتان ، خذ أحدهما ، عندي دكانان ، خذ أحدهما ، أما الشيء الذي يغيب عن أذهانِ بعضِ المسلمين أنه لم يسجل التاريخ أن مهاجراً واحداً أخذ من أنصاري شيئاً ، الأول بذل ، والثاني تعفف .
 فلما عرض سعد بن الربيع رضي الله عنه على سيدنا عبد الرحمن بن عوف بستاناً ، وبيتاً ، ودكاناً ، قال قولته الشهيرة : بارك الله لك في مالك ، لكن دُلّني على السوق ، ودخل إلى السوق ، وتاجر ، واغتنى ، وكان هذا الصحابي الجليل من كبار تجار الصحابة ، وله بعض التوجيهات ، قال : والله ما استقللتُ ربحاً ، ولا بعت ديناً ، أي أن أقلّ هامش ربح كان يقبل به ، لذلك بالتعريف الاقتصادي الآن : رأس المال يُقلب في العام مرتين أو ثلاثاً ، لأنه ما استقل ربحاً، باع بسرعة ، باع ، واسترد رأس ماله ، واشترى بضاعة ثانية ، وباعها واسترد رأس ماله .
 المال قوة اقتصادية
لذلك في التجارة حينما يدور رأس المال في العام الواحد مرتين يكون التاجر من كبار التجار ، إذا دار ثلاث مرات يكون من نوادر التجار ، أما بعض التجار فيدور المال دورة واحدة كل عامين أو ثلاثة .
قال : والله ما استقللت ربحاً ، ولا بعت ديناً .
 وهذا الصحابي الجليل سمع أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبواً ، فقال : لا ، والله لأدخلنها خبباً ، وما عليّ إذا كنت أنفق مئة في الصباح فيؤتيني الله ألفاً في المساء .
 أيها الأخوة ؛ المال قوة ، الذي يغتني ، ويبتغي بماله خدمة المسلمين ، توفير فرص عمل ، معالجة المرضى ، تزويج الشباب ، يرقى بماله إلى أعلى عليين ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ : رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))

[ متفق عليه ]

 وكأن النبي عليه الصلاة والسلام رفع مرتبة الغني المحسن إلى مرتبة العالم ، فالعلم قوة ، والمال قوة ، وهما يتكاملان .ماذا ف

أعمال النبي لتوفير المساكن للمهاجرين :

1 ـ منحهم الأراضي :

 حتى هيأ للمهاجرين مساكن وعملاً ؟
 لذلك ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام حتى هيأ لهؤلاء المهاجرين مساكن ؟
 منح المهاجرين الأراضي ، فقد ورد عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة جعل كل أرض لا يبلغها الماء يعطيها لبعض المهاجرين ، ماذا نفهم من هذا الملمح ؟
 المنظور النبوي للأرض الزراعية :
 حرام وألف ألف حرام أن نقطع الغابات ليحل محلها صحراء من الإسمنت ، إذا كان عندنا منطقة مشجرة ، عندنا الغوطة لا ينبغي أن نبني في الغوطة ، بل في مكان صحراوي ، هذه إشارة من النبي عليه الصلاة والسلام ، منح الأرض ليبنى عليها إن لم يكن فيها ماء ، الماء للزراعة ، فهذا من أول إشارات النبي عليه الصلاة والسلام .

2 ـ تمليك الأرض لمن يزرعها :

 بعد هذا قانون تمليك الأرض لمن يزرعها ، تحويل الأرض الجرداء إلى أرض خضراء ، هذا سلوك حضاري .
 تمليك الأرض لمن يزرعها
بعض البلاد فيما بلغني أنّ أيّ إنسان يأخذ خمس دنمات يأخذها هبة من الدولة ، بشرط أن يقلبها إلى جنة خضراء ، ويعطى مبالغ كبيرة جداً لحفر بئر ، وبناء منزل ، واستصلاح هذه الأرض ، لأن في النهاية الإنسان كائن له فم يحتاج إلى طعام ، والمستقبل للزراعة ، وقد يستغني الإنسان عن آلاف الأشياء ، لكن لا يستغني عن الطعام ، والآن حينما يكون التضخم النقدي يصبح الراتب فقط للطعام والشراب ، ولن يستطيع الإنسان ترك الطعام والشراب ، فلذلك ما سمح النبي ببناء بيت في أرض فيها نبع ماء ، أما أرض فيها مياه جارية فهذه الأرض للزراعة فقط .
 أنا سمعت في بعض البلاد أن غرامة قلع شجرة تصل إلى مليون ليرة ، الشجرة فيها حياة ، فيها تعديل جو ، فيها استجلاب أمطار ، فيها منظر جميل ، وقد قال ياقوت الحموي في معجم البلدان : " فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام من مكة إلى المدينة مهاجراً أقطع الناس الدور والرباع ، فخط لبني زهرة في ناحية من مؤخرة المسجد ، فكان لعبد الرحمن بن عوف الحصن المعروف به ، ووزع هذه الأراضي التي ليس فيها ماء وزعها على أصحابه لينشئوا عليها مساكن لهم " .

السلوك الحضاري الذي سلكه النبي الكريم :

 أيها الأخوة ؛ ومن يتأمل فيما فعله النبي عليه الصلاة والسلام يرى أمراً عظيماً فيما كان من عمارة المدينة وسعتها ، واتصال بعضها ببعض ، وآثار من العمارة شاهد من ذلك .
 هذه الأيدي خلقت لتعمل
إذاً حل مشكلة الناس ، إنشاء منازل ، تنظيم هذه المنازل ، تأمين الماء والخدمات لهذه المنازل ، هذا سلوك حضاري فعله النبي عليه الصلاة والسلام .
 مَرة سأل عمر بن الخطاب والياً له فقال : "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال : أقطع يده قال : إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك ، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ، ونستر عورتهم ، ونوفر لهم حرفتهم ، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها ، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل ، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية" .
 أيها الأخوة الكرام ؛ وقد ورد في المغازي للواقدي في مشورة غزوة أحد أن أصحاب رأي القتال في المدينة اعتمدوا على اكتمال البنيان ، وتراص المنازل مما يساعد على مشاركة النساء والأولاد في الدفاع عن المدينة ، وقتال المشركين ، وتستمر المدينة في عمرانها واتساعها مع الهجرة إليها حتى فتح مكة ، حتى تصبح المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى ، وقد أسس فيها النبي عليه الصلاة والسلام كياناً سياسياً .
 ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء الهجرة تبعه سراقة ليقتله وليأخذ مئتي ناقة ، و هي جائزة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً ، قال له النبي الكريم : يا سراقة ، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ كلام كالخيال ! إنسان مطارد ، ملاحق ، مئتا ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً ، يقول : يا سراقة ، كيف بك إذا لبست سواري كسرى ؟ مضمون هذا الكلام أنني سأصل سالماً ، وأنني سأنشئ دولة ، وسأنشئ جيشاً ، وسأحارب أكبر دولتين وقتها ، أحارب الفرس والروم ، وسوف تأتيني غنائم كسرى ، ويا سراقة لك سوار كسرى ، هذا هو المؤمن ، المؤمن لا يضعف .

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة آل عمران : 139]

التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع المدينة الجديد :

 الآن أيها الأخوة ؛ منذ اللحظة الأولى للهجرة النبوية بدأت مهمة التربية الفردية والاجتماعية لمجتمع جديد ، فكان عليه الصلاة والسلام يعزز مكارم الأخلاق ، وينفي خبائثها بل ويتمم مكارمها ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( وإنما بعثت معلماً ))

[الحارث عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

(( إنما بُعِثتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأخلاقِ ))

[مالك عن بلاغ مالك ]

 السور المدنية جاءت للتشريع
في المجتمع المكي كان في البيت الواحد شاب مسلم ، وشاب مشرك ، فكان له ظرف خاص ، وخصوصية خاصة ، أما في المدينة فالمؤمنون مجتمعون في مكان واحد ، وتحت لواء واحد ، مع نبي واحد ، وقرآن واحد ، لذلك أول سورة نزلت في المدينة :

﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ﴾

[ سورة المطففين: 1 ]

 دخلنا في التشريع ، الآيات المكية فيها إشارات إلى الكون .

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 1-2]

﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾

[ سورة الفجر: 1-2]

﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى ﴾

[ سورة الضحى: 1-2]

﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة النبأ: 1-2]

 السور المكية تتحدث عن الإيمان باليوم الآخر ، وعن الكون كأكبر دليل على عظمة الله ، ولكن السّور المَدنيّة جاءت للتشريع .
 لذلك أيها الأخوة ؛ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِهِ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 توثيق أواصر الأخوة والجوار
كان الولاء أُسرياً وقَبلياً ، الولاء للأسرة ، والولاء للقبيلة ، فالنبي عليه الصلاة والسلام صَعّد هذا الولاء فجعله لله ، وجعله لدين الله ، ولرسول الله . لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين ، وسيدنا عمر صارحه ، فَعَن عَبْد اللَّهِ بْن هِشَامٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ، إِلَّا مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْآنَ يَا عُمَرُ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

 شيء آخر : يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِه ))

 في بعض الزيادات : ولا يؤمن أحدكم حتى يكره لأخيه ما يكرهه لنفسه .
 والأخوّة في هذا الحديث ما دامت غير مقيدة تعني الأخوة الإنسانية ، تقول : هذا أخي في الإيمان ، قيدته ، أخي في النسب ، أخي في الجوار ، أخوة مقيدة ، إن جاءت مطلقة فتعني الأخوة في الإنسانية ، لذلك :

(( لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسه))

توثيق الأخوّة والجوار :

 خطط النبي عليه الصلاة والسلام تعتمد على توثيق الأخوّة والجوار ، حتى تصل إلى أعمق الجذور التي تتغلب معها على حب غير الله ورسوله والمؤمنين ، فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاء يهودي اقترب من المئة اسمه شاس ، ودفع غلاماً يهودياً ، وأنشد قصيدة ، كان الأوس ينشدونها في حربهم مع الخزرج ، في يوم بُعاث ، أنشد لهم القصيدة فتأثروا ، واضطربوا ، وهاجوا ، وتكلموا ، وتلاسنوا ، فتماسكوا ، وسحبوا السيوف ، بلغ ذلك النبي فخرج عليهم وقال : أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟! لذلك نزلت آية كريمة يقول الله فيها :

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ﴾

[ سورة آل عمران : 101 ]

 فالله عز وجل عدّ الاختلاف بين المؤمنين كفراً ، لذلك قال :

(( لا تَرْجِعُوا بَعْدي كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْض ))

[متفق عليه عن جرير بن عبد اللّه رضي اللّه عنه ]

 كما تسمعون كل يوم في فلسطين ، وفي العراق ، وفي معظم بلاد المسلمين ، يخطط أعداؤنا إثارة الفتن الطائفية .
 عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))

[متفق عليه عن عائشة ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ ))

[مسلم عن أبي هريرة]

 ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالتعاون بين الجيران ، ونظم بينهم حقوق الارتفاق ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يَمْنَعْ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ ))

 قَالَ ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ :

(( مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ ؟ وَاللَّهِ لَأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ ))

 عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاجْعَلُوهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ ، وَمَنْ سَأَلَهُ جَارُهُ أَنْ يَدْعَمَ عَلَى حَائِطِهِ فَلْيَفْعَلْ ))

[أحمد عن ابن عباس]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ ))

[أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ]

 لقد أقطع النبي عليه الصلاة والسلام الأراضي ، وابتعد عن الأراضي المروية ، أقطع الأراضي الجافة لبناء المساكن ، ونسق بين أصحابه ، وأعطى هذه التوجيهات ليكون الإعمار إعمارين ، إعمار البناء ، وإعمار القلوب ، وليكون الولاء لا إلى الأسرة ، ولا إلى القبيلة بل إلى الله ورسوله والمؤمنين ، وليكون هذا المجتمع مجتمعاً نموذجياً .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018