فقه السيرة النبوية - الدرس : 50 - أهمية السيرة النبوية الشريفة في حياتنا - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 50 - أهمية السيرة النبوية الشريفة في حياتنا


2007-01-13

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

السنة النبوية من دعائم هذا الدين :

 أيها الأخوة الكرام ، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية
 سنة الرسول الكريم منهج للمسلمين
ذلك لأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أقواله ، وأفعاله ، وإقراره ، وصفاته ، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده ، لذلك أقواله سنة ، وأفعاله سنة ، وإقراره سنة ، وصفاته سنة أي منهج ، والله عز وجل قال :

﴿ وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت: 48]

 أي أن كل كلمة قالها النبي عليه الصلاة والسلام وحي غير متلو ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم: 3-4 ]

 أقواله تشريع ، لذلك هناك وحيان : وحي متلو ، ووحي غير متلو ، الأحاديث الشريفة وحي غير متلو ، وسلوكه وحي غير متلو ، وإقراره وحي غير متلو .
 تطبيق السنة النبوية جزء لا يتجزأ من تطبيق القرآن الكريم

لذلك أيها الأخوة ؛ أعداء المسلمين لا يستطيعون إلغاء هذا الدين ، إنه كالطود الشامخ ، ولكنهم يحاولون أن يقوّضوا دعائمه من الداخل ، والسنة النبوية من دعائم هذا الدين .

(( أوتيت القرآن ومثله معه ))

[ يزيد بن هارون عن المقدام بن معد يكرب الكندي ]

 وهناك من يقول : يكفينا القرآن الكريم ، مع أن القرآن الكريم يقول :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7]

 المؤمن يقتدي برسول الله ويسير على طريقه
فالذي يكتفي بالقرآن الكريم يلغي القرآن الكريم ، لأن القرآن الكريم يأمرك أن تأخذ ما آتاك النبي ، وأن تنتهي عما عنه نهاك ، والقرآن الكريم يبين أن مهمة النبي لتبين للناس ما نزّل إليهم ، فكأن القرآن الكريم قانون ، وكأن السنة شرح لهذا القانون ، فإذا ألغينا الشرح ألغينا القانون .
 لذلك أيها الأخوة ؛ لا بد من أن نحتفي بسنة رسول الله قولاً ، وعملاً ، وإقراراً ، وصفات ، وأؤكد لكم أنه لو لم يكن إلا السيرة بين أيدينا لكانت منهجاً كافياً لنا ، إن أفعاله تشريع، وكما تعلمون أن كل واحد من الناس في حياته شخصية يكونها ، وشخصية يكره أن يكونها ، وشخصية يتمنى أن يكونها ، وهذا الدرس وهذه السيرة لمن ؟ قال تعالى :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 إذاً : أن تحتفي بمواقف النبي ، بإنسانية النبي ، برحمة النبي ، بعدل النبي ، بتواضع النبي ، بإنصاف النبي ، وأن تجعل نفسك تطمح أن تكون على طريقه ، وعلى خطاه فأنت مؤمن، أما إذا كنت لا تعنيك السيرة إطلاقاً فأنت تبحث عن شيء آخر ، أنت إذاً لا ترجو الله واليوم الآخر ، لأن الله عز وجل يقول :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

محبة النبي صلى الله عليه وسلم عين محبة الله :

 أريد في هذا الدرس أن أقف قليلاً عند أهمية هذه السيرة النبوية العطرة ، الحقيقة هناك مثالية نجدها في الكتب ، قد نقرؤها ، ونعجب بها ، ولكنها لا تكفي لتحفيزنا إلا أن نطبقها، ما الذي يحفزنا إلى تطبيق السيرة ؟ حينما ترى أنك إنسان بشر .

(( إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ، وأغضب كما يغضب البشر ))

[ مسلم من حديث أنس وله من حديث أبي هريرة ]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( أوذيت في الله وما يؤذى أحد ، وأخفت في الله وما يخاف أحد ، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال ))

[ أحمد في مسنده والترمذي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه عن أنس]

 رسول الله سيد البشر
إذاً : هو بشر ، ولأنه بشر ، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر ، فما لم تكن طموحاتك ورغباتك متوجهة إلى أن تمشي على خطا النبي ففي الإيمان خلل ، وفي الإيمان ضعف ، وتكفيكم هذه الآية :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 بل إن الله جل جلاله لن يقبل دعوى محبته إلا بالدليل ، قال تعالى :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

 معنى ذلك أن الذي لا يفكر أن يتبع سنة النبي العملية ، ولا يفكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة له في حياته فهو بنص القرآن الكريم لا يحب الله :

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

[ سورة آل عمران : 31 ]

 محبة رسول الله من محبة الله تعالى
بل إن العلماء قالوا : إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم عين محبة الله ، وإن محبة الله عز وجل عين محبة النبي ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾

[ سورة التوبة : 62]

 بضمير المفرد ،

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ ﴾

 بحسب قواعد اللغة ترضوهما ، لأن الله قال :

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوه ﴾

 قال العلماء : إرضاء الله عز وجل عين إرضاء النبي ، وإرضاء النبي عليه الصلاة والسلام عين إرضاء الله ، ومحبة الله عين محبة النبي ، ومحبة النبي عين محبة الله ، لذلك محبة النبي فرع من محبة الله ، فالذي لا يحب النبي لا يحب الله ، والذي يحب النبي يحب الله .

(( يا عمر كيف أصبحت ؟ قال : والله با رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي وولدي والناس أجمعين إلا نفسي التي بين جنبي ، قال : يا عمر لم يكمل إيمانك ، بعد حين جاءه وقال : الآن يا رسول الله أصبحت أحبك أكثر من أهلي ، وولدي ، ومالي ، حتى نفسي التي بين جنبي ، فقال عليه الصلاة والسلام : الآن يا عمر ))

الصلاة معراج المؤمن :

 أيها الأخوة ؛ يقول بعض الصحابة الكرام ، وهو سيدنا سعد بن أبي وقاص : ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، وكلمة رجل في القرآن لا تعني أنه ذكر ، وفي السنة لا تعني أنه ذكر ، بل يعني القرآن بكلمة رجل أنه بطل .

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ﴾

[ سورة النور: 37]

﴿ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ﴾

[ سورة التوبة: 108]

 فكلمة رجل لا تعني أنه ذكر ، تعني أنه بطل ، سيدنا سعد بن أبي وقاص استخدم هذا المعنى فقال : ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس - ما هذه الثلاثة ؟ - يقول هذا الصحابي الجليل : ما صليت صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها .

(( الصلاة عماد الدين ))

[ البيهقي في شعب الإيمان عن عمر]

 من أقامها فقد أقام الدين ، ومن هدمها فقد هدم الدين ، والصلاة معراج المؤمن .

(( الصلاة ميزان ، فمن أوفى استوفى ))

[ابن المبارك في الزهد عن ابن عباس]

 من وفى الاستقامة حقها استوفى من الصلاة ثمراتها .
 أن تتابع المسلسلات ليلاً ثم تقوم كي تصلي العشاء تقف وتكبر تكبيرة الإحرام ، وتقرأ الفاتحة وسورة ، وتركع وتسجد ، لكن لا تستطيع أن تقبل على الله ، لأنه قيل :

شكوت إلى وكيع سوء حفظي  فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأنبأني بأن الــــعــــــــــلم نــــــــــور  ونـور الله لا يُهدى لعاصـــي
***

 الصلاة عماد الدين
الصلاة نور ، الصلاة حبور ، الصلاة طهور ، الصلاة ميزان ، الصلاة عقل ، الصلاة معراج المؤمن ، الصلاة قرب ، الصلاة ذكر ، الصلاة عماد الدين .
 ولكن ورد في بعض الآثار القدسية أنه :

(( ليس كل مصلّ يصلي ، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكف شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلماً ، والظلمة نوراً ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم علي فأبره ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنى ثمرها ولا يتغير حالها ))

[ الديلمي عن حارثة بن وهب]

النبي الكريم أسوة لنا :

 كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
قال سيدنا سعد : ثلاثة أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس ، ما صليت صلاةً فشغلت نفسي بغيرها حتى أنصرف منها ، ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول - ونحن قبل هذا الدرس صلينا على أحد الموتى المسلمين ، هل فكر واحد منا أنه لا بد من يوم يكون في نعش ، ويدخل إلى المسجد لا ليصلي ، بل ليصلى عليه ؟ وبعدها تذهب هذه الجنازة إلى مقبرة ، وبعدها يوضع في القبر ، ويحاسب عن كل شيء ؟- ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها .
 ورد في بعض الآثار أن الميت ترفرف روحه فوق النعش ، تقول : يا أهلي ، يا ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي ، جمعت المال مما حلّ وحرم ، فأنفقته في حله وفي غير حله ، فالهناء لكم ، والتبعة عليّ .
 ورد في بعض الأحاديث : علينا أن نتخذ من الموت عبرة لنا ونعمل لآخرتنا

(( فو الذي نفس محمد بيده ما من بيت إلا وملك الموت يقف فيه في اليوم خمس مرات ، فإذا رأى أن العبد قد انقطع رزقه ، وانقضى أجله ، ألقى عليه غمّ الموت فغشيته سكراته ، فمن أهل البيت الضاربة وجهها ، والصارخة بويلها ، والممزقة ثوبها ، يقول لهم ملك الموت : فيمَ الفزع ؟ ومم الجزع ؟ ما أذهبت لواحد منكم رزقاً ، ولا قربت له أجلاً ، وإني لي فيكم لعودة ، ثم عودة ، حتى لا أبقي منكم أحداً ، فوالذي محمد بيده لو سمعوا كلامه ، ورأوا مكانه ، لذهلوا عن ميتهم ، ولبكوا على أنفسهم ))

[ورد في الأثر]

(( لو تعلمون ما أنتم لاقون بعد الموت ما أكلتم طعاماً على شهوة أبداً ، ولا شربتم شراباً على شهوة أبداً ، ولا دخلتم بيتاً تستظلون به ، ولمررتم إلى الصعدات تلدمون صدوركم ، وتبكون على أنفسكم ))

[ابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 ولا سرت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها - ولكن الشاهد في الثالثة ، هنا الشاهد - ولا سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى .

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7]

 المؤمن الصادق إذا قرأ سيرة النبي كيف إذا دخل بيته ألقى على أهله السلام ، وكيف إذا دخل بيته كان بسّاماً ضحّاكاً وكيف يقول عن النساء :

(( أكرموا النساء ، فوالله ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً))

 كيف كان عليه الصلاة والسلام في مهنة أهله ، يخصف نعله ، ويرفو ثوبه ، ويكنس بيته ، وكان في مهنة أهله .
 أنت كمؤمن يجب أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام قدوة لك ، أسوة لك وهو في بيته ، وهو مع زوجاته ، وهو مع أولاده ، كان يقول عليه الصلاة والسلام :

(( علموا ، ولا تعنفوا ، فإن المعلم خير من المعنف ))

[ الحارث ابن عدي ، والبيهقي عن أبي هريرة]

 المؤمن يحسن معاملة أهل بيته اقتداءً برسول الله
كان يسلم على الصبيان ، كان يداعبهم ، كان يقبلهم ، كان يحملهم وهو يصلي ، مرة كان على المنبر رأى ابن ابنته الحسين رضي الله عنه يتعثر في مشيته ، فنزل من على المنبر وحمله بيده ، وصعد به إلى المنبر ، هكذا كان مع الصغار .
 هكذا كان مع النساء مرة غضبت عائشة ، كسرت طبقاً على الأرض جاءها من صفية ، أصابتها الغيرة ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( غضبت أمكم ، غضبت أمكم ))

[ أحمد ]

 كان زوجاً ناجحاً ، كان أباً ناجحاً ، كان صديقاً وفياً ، كان جاراً .
 إن لم يكن النبي الكريم قدوة لنا فنحن على الطريق الخاطئ
أيها الأخوة ؛ أردت بهذا الدرس أن نعرف أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته ، في بيته ، مع أخوانه ، في مسجده ، ما لم يكن قدوة لنا فلسنا على ما ينبغي .
 صلى أعرابي وراء النبي ، أحد أصحابه أصابه عطاس ، فقال له في الصلاة : يرحمك الله ، فالصحابة الكرام ضربوا على أرجلهم بأيديهم ، أن هذا لا يكون ، فخاف هذا الأعرابي ، خاف أن يلقى تعنيفاً شديداً ، أو خاف أن يُضرب بعد الصلاة ، فأوجس خيفة ، فلما انتهى النبي من صلاته قال : تعال يا عبد الله ، إن هذه الصلاة لا يصلح لها شيء من كلام الناس ، فقال هذا الأعرابي : بأبي هو وأمي ، والله ما عنفني ، ولا كهرني ، فقال له : اللهم ارحمنا ومحمداً ، ولا ترحم معنا أحداً ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( يا أخي ، لقد حجرت واسعاً ))

[ البخاري ]

 المؤمن إنسان متواضع يحسن معاملة من حوله
كان لطيفاً ، كان متواضعاً .
 دخل عليه رجل أصابته رعدة ، فقال له :

(( هون عليك إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة ))

[ الترمذي]

 كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاة ، قال أحدهم : عليّ ذبحها ، وقال الثاني : عليّ سلخها ، وقال الثالث : عليّ طبخها ، فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب ، قالوا : يا رسول سلله نكفيك ذلك ، قال : أعلم أنكم تكفونني ، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
 إذاً : أريد من هذا اللقاء الطيب حقيقة دقيقة ؛ وهي أنه ما لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قدوة لك ، وأسوة لك في حياتك ، فلستَ متّبعاً له .

النبي الكريم قدوة لنا في فقره و غناه و قهره ونصره :

 في فقره : دخل عليه الصلاة والسلام بيته ، فقال :

(( هل عندكم من طعام ؟ ـ لا يوجد شيء إطلاقاً ـ قالوا : لا ، قال : فإني صائم ))

[ مسلم عن عائشة ]

 رأى زعيم قبيلة وادياً من الغنم لرسول الله فقال :

(( لمن هذا الوادي ؟ قال : هو لك قال : أتهزأ بي ؟ قال : لا والله هو لك ، قال : أشهد أنك رسول الله تعطي عطاء من لا يخشى الفقر ))

[ ورد في الأثر]

 هو قدوة لنا في فقره ، وقدوة لنا في غناه ، قدوة لنا في قهره ، في الطائف قهر والآن المسلمون يقهرون في العالم ، قال :

(( يا رب ، إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعف]

 سمح له أن ينتقم منهم ، جاءه ملك الجبال ، قال : يا محمد ، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك ، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين ، قال : لا يا أخي ، اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون .
 امتحن بالفقر فنجح ، امتحن بالغنى فنجح ، امتحن بالقهر فنجح ، امتحن بالنصر دخل مكة فاتحاً ، عشرة آلاف رجل يأتمرون بكلمة من شفته ، هؤلاء صناديد قريش الذين ناصبوه العداء عشرين عاماً ، وقتلوا أصحابه ، وحاربوه ثلاث مرات ، كان بإمكانه وهو القوي المنتصر أن يبيح المدينة لجيشه ، أو أن يلغي وجودهم ، فقال عليه الصلاة والسلام :

((ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء ))

[ السيرة النبوية ]

 رسول الله مثال للعفو والتسامح
نجح بالنصر ، ودخل مكة فاتحاً ، وكادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره تواضعاً لله عز وجل .
 الآن مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه ، قالوا : أتبكي ؟ قال :

((إن العين لتدمع ، وإن القلب ليخزن ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون ))

[ متفق عليه ]

 امتحن نجح بامتحان موت الولد ، طُلقت بنتاه ، فامتحن فنجح بالامتحان ، اتهمه المنافقون بأن زوجته زانية ، في حديث الإفك ، فصبر ، حتى برأها الوحي من فوق سبع سماوات، لما برأها الوحي كان عنده الصديق فقال لابنته : قومي فاشكري رسول الله ، السيدة عائشة قالت : والله لا أقوم إلا لله ، فتبسم عليه الصلاة والسلام ، وقال : عرفت الحق لأهله .
 أمسكه مرة أعرابي فظ غليظ من ثوبه حتى أثّر في عنقه الشريف ، قال : يا محمد هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك أعطني منه ، فقال : صدق إنه مال الله :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾

[ سورة الأحزاب: 21]

 المؤمن يجل الكبير ويرحم الصغير ويعرف للعالم حقه
تسأله السيدة عائشة : كيف حبك لي ؟ الآن معظم الأزواج الجهلاء ، يقول لك : قصيرة ، لا يبقي عيباً إلا ويعيرها به ، فتنهدم العلاقة بينهما ، تسأله السيدة عائشة : كيف حبك لي ؟ يقول لها : كعقدة الحبل ، تسأله من حين لآخر : كيف العقدة ؟ يقول : على حالها متينة .
 حدثته مرة السيدة عائشة عن قصة لزوجين مثاليين ، أبو زرع وأم زرع ، كان أبو زرع شهماً ، شجاعاً ، كريماً . . .إلخ ، لكنها في نهاية القصة قالت له متأسفة : غير أنه طلقها ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( كنتُ لك لأبي زرع لأم زرع ، غير أني لا أطلقك ))

[ أصله في البخاري بغير قوله : غير أني لا أطلقك ]

 ما لم تكن سيرة النبي في مخيلتنا ، ما لم تكن هذه الشخصية الفذة ، شخصية النبي بأخلاقه ، بشمائله ، بتواضعه ، برحمته ، بإنصافه ، بعدله أمامنا نبراساً لنا ففي الإيمان ضعف وخلل .
 أيها الأخوة الكرام ؛ كان إذا صلى صلاة الفجر كان يقرأ آيات كثيرة ، لكن مرة سمع غلاماً يبكي ، فاختصر الصلاة ، وسلم سريعاً ، تعجب أصحابه فقال : سمعت بكاء صغير ينادي أمه ببكائه ، فرحمتها .

(( ليس منا من لم يجل كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه ))

[ أحمد في مسنده والحاكم ، عن عبادة بن الصامت ]

 هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، فيا أيها الأخوة ، ليس القصد أن نستمع لهذه الأخبار عن سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام ، القصد أن تترجم هذه السيرة إلى واقع نعيشه .

معرفة سيرة النبي فرض عين على كل مسلم :

 ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض
لذلك النقطة الدقيقة جداً أن معرفة سيرة النبي فرض عين على كل مسلم ، السبب أن هناك قاعدة أصولية تقول : ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض ، الصلاة تتم من دون وضوء ؟ الصلاة فرض والذي لا يتم إلا به فهو فرض أيضاً ، الوضوء فرض ؟
 إذا قال الله لعباده المؤمنين :

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

 بصراحة كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة لنا إن لم نعرف سيرته ؟ كيف تعالج ضغطك المرتفع وهو القاتل الصامت إن لم تعرف أنك مصاب بالضغط ؟ تماماً معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم ، لأن الله يقول : معرفة سيرة رسول الله فرض عين على كل مسلم

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

 ولا يمكن أن يكون النبي أسوة لنا إلا إذا عرفنا ماذا فعل ، كيف أكل ، كيف نام ، كيف عامل زوجته ، كيف عامل أخوانه ، كيف عامل أولاده .
 لذلك أيها الأخوة ؛ معرفة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، كما أن معرفة سنة النبي القولية فرض عين على كل مسلم ، الدليل قوله تعالى :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

[ سورة الحشر: 7]

 كيف نأخذ ما آتانا إن لم نعرف ما آتانا ؟ وكيف ننتهي عمن عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي عنه نهانا ؟ فما لا يتم الواجب به فهو واجب ، وما لا يتم الفرض به فهو فرض ، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة .

ضرورة حضور دروس فقه السيرة لمعرفة أخلاق النبي الكريم :

 إذاً : حضور درس فقه السيرة النبوية للمؤمن ضروري جداً كي يعرف كيف كانت أخلاق النبي في بيته .
 أحيانا يخطب إنسان فيتحدث عن شخص له مكانة ، له منصب ، بجفاء ، بقسوة ، باسمه فقط ، ويظن أن هذا إيمان ، لا ، النبي أرسل رسالة إلى قيصر ملك الروم ، فقال :

(( من محمد بن عبد الله إلى عظيم الروم ))

[ أحمد]

 علينا أن نترجم مواقف النبي الكريم في حياتنا اليومية
هو قيصر ليس عظيماً عند النبي ، لكن هذا لقب ، فأنت حينما تكون قريباً تتبع سيرة النبي عليه الصلاة والسلام .
 أنا أريد أن أقول : يمكن أن تتعلم من السيرة كل شيء ، آداب الطعام والشراب ، ما رئي ماداً رجليه قط ، هو سيد الخلق وحبيب الحق ، ما رئي ماداً رجليه قط ، طبعاً أحياناً يكون الإنسان معذوراً ، هذا وضع آخر ، أما من دون عذر فما رئي كذلك .
 ما ذم طعاماً قط ، فإذا قدّم لك شخص دعوة لطعام ، وقد تعب في تحضيره ، فلا تقل له : الطعام ليس طيباً ، إنها منتهى الغلظة ، ومنتهى الفظاظة ، ما عاب النبي طعاماً قط أبداً .
 ما عامله أحد أصحابه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه ، هذه بطولة ، أبو بكر مني كالسمع والبصر ، وما ضرّ عثمان ما فعله بعد اليوم ، وخالد سيف الله ، وأبو عبيدة أمين هذه الأمة ، والزبير بن العوام حواري هذه الأمة ، ما من صحابي إلا وخصه بوصف ، لذلك ما عامله أحد من أصابه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه .

(( ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي ))

[الشيخان عن علي بن أبي طالب]

 هذا خالي فأروني خالاً مثل خالي .
 هذا من سيرته ، مع زوجاته الطاهرات كان زوجا ناجحاً جداً ، وكان يعدل بينهن ، وكان صادقاً ، كانت حينما تقول له السيدة عائشة وقد ضجرت من كثرة ثنائه على خديجة وقد توفاها الله ، قالت له : ألم يبدلك الله خيراً منها ؟ قال : لا والله ، صادق ، لا والله ، لا والله .
 يا أيها الـأخوة ، الذي أريده أن نترجم مواقف النبي في خصوصياته في بيته ، في بيعه ، في شرائه ، مع أخوانه ، مع أصحابه ، في الحرب والسلم إلى واقع نعيشه .

اعتماد سيرة النبي طريق خلاص المسلمين :

 سبب عذاب المسلمون اليوم ابتعادهم عن سنة رسول الله

لذلك أختم هذا الدرس بهاتين الآيتين ، وهاتان الآيتان تفسران لنا لماذا يعذب المسلمون اليوم قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال : 33]

 هذه الآية واضحة جداً في حياة النبي ، لكن ما معنى الآية بعد موت النبي ؟ أي يا محمد ما دامت سنتك قائمة بعد موتك في حياتهم ، وفي بيوتهم ، وفي أعمالهم ، وفي مساجدهم، وفي بيعهم ، وفي شرائهم ، وفي كسب أموالهم ، وفي إنفاق أموالهم ، وفي احتفالاتهم ، وفي مسراتهم ، وفي أحزانهم ، فهم في بحبوحة من عذاب الله .

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال : 33 ]

 إذاً : نحن حينما نقصر في تطبيق السنة ، ونستغفر فنحن في بحبوحة ، وحينما نطبق السنة فنحن في بحبوحة ، وطريق خلاص المسلمين الآن أن يعتمدوا سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ويطبقوها في حياتهم فلعل الله يرحمهم .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018