فقه السيرة النبوية - الدرس : 46 - المؤاخاة مع المودة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 46 - المؤاخاة مع المودة


2006-08-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

السنة النبوية أقوال وأفعال وإقرار:

 أيها الإخوة، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، وأحب أن أذكركم تكراراً أن السّنة النبوية هي أقوال النبي، وأن السّنة النبوية هي أفعال النبي، أقواله سُنة وأفعاله سُنة، وإقراره سُنة، إذا تكلم أحد أمامه كلمة وسكت النبي فهي صحيحةً.
إذاً أقواله، وأفعاله، وإقراره، أقواله في درس الحديث الشريف، أما أفعاله في درس السيرة النبوية.

أفعال النبي تجسيد لكلام الله: المثالية الواقعية:

 وأذكر مرة ثانية أن أفعاله أصدق في التعبير عن فهمه لكلام الله من أقواله، لأن أفعاله حدية، أما أقواله فتحتمل التأويل، فلذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

( سورة الحشر الآية: 7 ).

 هناك نقطة دقيقة جداً، هي أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي لم تكن أحداثا عادية، إنما هي مقصودة لذاتها، يأتي حدث فيقف النبي منه الموقف الكامل، موقفه تشريع ، هو شرع بأقواله، وشرع بأفعاله، بل إن أفعاله فيها مغزى، أنها تعبر عن حقيقة مع البرهان عليها، ذلك لأن هناك تهمة لمن يرشد الناس، يقول الذي يستمع إليك: هذا كلام مثالي، هذا كلام غير واقعي، لا يطبق، يصعب تطبيقه، ما كل أوامر الدين صالحة للتطبيق في آخر الزمان، هذا إن كانت أقواله، أما إن كانت أفعالا ففعل النبي ينطلق من حقيقة يؤكدها النبي بفعله، لكن الفعل جعل المثالية واقعاً، لذلك الدعاة مهمتهم أن يجعلوا الواقع مثالياً، وأن يعبروا عن مثالية واقعة، أن يعبروا عن مثالية قابلة للتطبيق.
مثلا: قد تقرأ عن أبي حنيفة النعمان ـ رحمه الله تعالى ـ أنه صلى أربعين عاماً الفجر بوضوء العشاء، هذه مثالية غير واقعية، هل تستطيع أن تبقى يومين بلا نوم ؟ يختل توازنك، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

 

(( أشدكم خشية لله أنا، أنام وأقوم، أصوم وأفطر، أتزوج النساء، آكل اللحم هذه سنتي فمن رغب عنها فليس من أمتي ))

 

( البخاري عن عائشة )

 أنا مع كامل التعظيم لأبي حنيفة النعمان، قد يكون هذا القول غير صحيح، لأنه خلاف الفطرة، النوم أساسي في حياتنا، لا تأتني بدين لا يصلح للتطبيق، أعطني منهجاً واقعياً، يمكنني أن أتزوج، وأن أسس عملا، وأن أربح، وأن أُنجب أولادا، أن أكون في أعلى درجة القرب من الله، هذا المنهج.
 لذلك اسمعوا هذه الكلمة: لما ضعف الاتصال بالله ظهر التصوف، كتعبير عن ضعف الاتصال بالله، ولما ضعف الانضباط العلمي ظهر المتشددون في النصوص، ولما ضعفت دنيانا، وأصبحنا في مؤخرة الأمم ظهرت العلمانية، فهذه الاتجاهات الثلاثة ظهرت لعدم تطبيق منهج الله تطبيقاً متوازناً كاملاً.
إذاً: قد يقول أحدكم: أنا أحضر درس سيرة وقعت قبل 1400 عام، هذه الأحداث التي وقعت أحداث نموذجية، كانت مقصودة من قِبل الله عز وجل، وقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم منها الموقف الكامل، فكان موقفه تشريعاً.
 مثلا: سيدنا عمر أراد أن يهاجر، وقف أمام المشركين في النهار، جهرة، ونهاراً وإعلاناً، وقال: " من أراد أن تثكله أمه فليحق بي إلى هذا الوادي "، وهاجر جهاراً عياناً نهاراً على جميع الخلق، يأتي سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم يهاجر مع أبي بكر سراً، باتجاه الساحل، باتجاه معاكس للمدينة، يقبع في غار ثور أياماً ثلاثة ليخف عليه الطلب، أيهما أشجع ؟ قد يقول قائل لا يعرف حقيقة النبوة: عمر، لأنه هاجر متحدياً جهاراً نهاراً، أما المتعمق في الدين فيقول: الأشجع رسول الله..
 سيدنا رسول الله كان الصحابة الكرام إذا حمي الوطيس كانوا يلوذون برسول الله، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام مشرع، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط، سيدنا رسول الله لو هاجر كعمر لعد اقتحام الأخطار واجباً، ولعد أخذ الحيطة حراماً، لهلكت أمته من بعده ، النبي مشرع، أما سيدنا عمر فيمثل نفسه فقط.
 لذلك أن يقول أبو حنيفة لا أدري ما إذا هذا قاله أم لم يقله، لكن ورد عنه، ولا أدري إن كان هذا واقعاً أو ليس بواقع، على كلٍ ليس في طاقة البشر أن يصلي أربعين عاماً بوضوء العشاء، فوق طاقتهم، قيام الليل وارد، أما أن لا ينام إطلاقاً فلا.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام في سيرته مشرع، وسيرته حدية، أي أصدق بالتعبير عن فهمه لكتاب الله من أقواله، لأن أقواله تحتمل التأويل، أما أفعاله فلا تحتمل شيئاً.

 

قصة النبي عليه الصلاة والسلام مع أهل الطائف:

 

 لذلك حينما كان عليه الصلاة والسلام في الطائف، وانتظر منهم أن يؤمنوا به، وأن يحموه، وقد أخرجته قريش، كيف استقبلوه ؟ بالتكذيب، بالسخرية، بل أغروا صبيانهم بإيذائه، حتى سال الدم من قدمه الشريفة، الآن دققوا، ماذا قال: قال:

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس ))

(أخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن جعفر )

 الآن الناس أليسوا هينين على بقية الأمم والشعوب ؟ الله عز وجل قال:

 

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

( سورة الشورى الآية: 40 ).

إذا أسيء إليهم بتوهمهم يكيلون الصاع ألف ضعف، نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الدعاء:
(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني ؟ إلى صديق يتجهمني ؟ أم إلى عدو ملكته أمري ؟ إن لم تكن غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي ))
ما من دعاء يحتاجه المسلمون اليوم كهذا الدعاء:

(( لكن عافيتك أوسع لي ))

 يعني يا رب، إذا كانت هذه الشدة، وذاك الإيذاء تعبيراً عن غضبك علي فأنا أستغفرك، وأتوب إليك، أما إن لم يكن هناك من علاقة بين هذه الشدة، وبين غضبك فأنا راضٍ عنك يا رب، هذا الموقف، لكن شدة ما بعدها شدة.
تصور إنسانا في أعلى مقام، بأعلى درجة من الكمال، بأشد الخلق صلة بالله عز وجل، يُهان، يُكذب، يُسخر منه، يُضرب، تعليق:

 

الإسراء والمعراج مكافأة بعد محنة الطائف:

 بعد هذا جاء الإسراء والمعراج، اسمعوا الآية:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا ﴾

( سورة الإسراء الآية: 1 ).

 إذا كانت محفوظات الرجل لكتاب الله ضعيفة جداً، وما تمكن أن يتذكر تمام الآية يقول أغلب الظن:

 

﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة الأحقاف ).

 لأنه أسرى به من مكة إلى بيت المقدس، ومن بيت المقدس إلى سدرة المنتهى، وفي الأعم الأغلب ﴿ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾، الآية ليست كذلك:

 

﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

( سورة الإسراء ).

 يعني يا محمد حينما وضع الله بين يديك إمكانية الانتقام، ملك الجبال قال له: يا محمد، أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، كُذب، وسُخر منه وضُرب، ثم أتيح له أن ينهي وجودهم، قال:

 

(( اللهم اهد قومي ))

 

( رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا )

 ما تخلى عن قومه، دعا لهم بالهدى، واعتذر عنهم:

 

(( فإنهم لا يعلمون ))

 

(رواه عبد الله بن عبيد بن عمير مرسلا )

 ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، هذه المحنة جاءت وراءها منحة، أنت يا محمد سيد ولد آدم.

 

﴿ عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ﴾

( سورة النجم ).

 بلغ درجة ما بلغها مخلوق في الكون.

 

﴿ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

( سورة النجم ).

﴿ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾

( سورة النجم ).

 هذا العطاء

﴿ إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

 يعني سمعنا دعاءك يا محمد في الطائف، وهذه المكافأة، هذه مكافأة السماء عن جفوة الأرض، هذه مكافأة ربك الذي دعوت إليه خالصاً عن تكذيب الناس.

 

مِن دروس الإسراء والمعراج:

1 ـ كل محنة المؤمن المستقيم وراءها منحة:

 لذلك هناك درس يستنبط من الإسراء والمعراج، الدرس أن كل محنة للمؤمن يأتي بعدها منحة من الله.

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة ).

كل محنة وراءها منحة، لكن لا بد من التحفظ:

 إذا أكل الجل مالا حراما، أو اعتدى على أعراض المسلمين، أو غشهم، فجاء عقاب إلهي، هذا الكلام الذي أقوله الآن لا ينطبق على هذه الحالة، هذه الشدة التي أصابتهم عقاب من الله، وليست ابتلاء، أنا أقول: لمؤمن مستقيم جاءته شدة، مستقيم، مصلٍّ، صائم، عابد، مطيع، له أعمال صالحة، هذا المؤمن إذا أصابته شدة، وليس في حياته مخالفة تسـتأهل العقاب نقول: هذه المحنة وراءها منحة، وهذه الشِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل، لذلك للمؤمن المستقيم كل محنة وراءها منحة، وكل شِدة وراءها شَدة إلى الله عز وجل، بعد الطائف عرف النبي أنه ولد سيد آدم، الأنبياء جميعاً في بيت المقدس اِئتموا به، إذاً هو سيد الأنبياء والمرسلين، بل هو سيد ولد آدم، بل هو أفضل الخلق، وحبيب الحق، بل الله عز وجل أقسم بعمره الثمين، فقال:

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر ).

 بل إن الله عز وجل ما ناداه باسمه أبداً، في حين أنه نادى أنبياءه بأسمائهم.

 

﴿ يَا يَحْيَى ﴾

( سورة مريم الآية: 12 ).

﴿ يَا زَكَرِيَّا ﴾

( سورة مريم الآية: 7 ).

﴿ يَا عِيسَى ﴾

( سورة آل عمران الآية: 55 ).

 ليس في القرآن كله يا محمد، في:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ ﴾

( سورة التحريم الآية: 9 ).

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ﴾

( سورة المائدة الآية: 41 ).

تكريماً له.
 أيها الإخوة، إذاً الإسراء والمعراج يعطي المسلمين هذا الدرس، إن كنا في شدة فلعل بعد هذه الشِدة شَدة إلى الله، إن كنا في محنة فلعل بعد هذه المحنة منحة من الله،

 

﴿ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

إسقاط على واقع المسلمين اليوم:

 لو أسقطنا هذه المعاني على ما يعانيه المسلمون اليوم من محن ومصائب في أفغانستان، في العراق، في لبنان، في فلسطين، هذه شِدة، والله عز وجل يقول:

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

( سورة السجدة ).

 لكن الذين شردوا عن الله عز وجل شروداً كاملاً، وليس فيهم ذرة خير قال عنهم:

 

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

( سورة الأنعام ).

 

ملاحظات حول عقد الإخاء:

 

 عندنا ملاحظات حول عقد الإخاء الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي.

1 ـ عدد المهاجرين والأنصار الذين آخى بينهم الرسول عليه الصلاة والسلام:

 إن عقد المؤاخاة اشتمل على 45 رجلاً من المهاجرين، و45 من الأنصار، تصور 90 رجلا، والمسلمون اليوم مليار و500 مليون.

 

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

( سورة إبراهيم ).

 أنت قد لا تعلم الخير الكثير الذي ينتج عن دعوتك إلى الله، قد لا تعلم، وأنت ضعيف، لكن الله عز وجل يمكن أن يجري على يديك من الأعمال الصالحة ما لم يوصف.
للتقريب: أحد الإخوة الكرام عنده بنت في البيت فاعتنى بها، اعتنى بدينها، بصلاتها بإيمانها، بأخلاقها، حتى زوجها من شاب مؤمن، هذه الأسرة أنجبت أولاداً نشؤوا في طاعة الله، نشؤوا في بيت مسلم، من يدريك أيها الأخ أن هذا الذي توجه إلى الله، وتزوج امرأة صالحة، وأنجب أولاداً صالحين أن هذا يوم القيامة يرى من نسله مليون إنسان مؤمن، وكل أعمالهم في صحيفته ؟ والدليل:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور ).

 45 رجلا نتج عنهم مجتمع من مليار و500 مليون، هذا الذي وصل بالإسلام إلى الصين، كل من أسلم في هذا البلد في صحيفته، والذي وصل بالإسلام إلى الغرب وشمالي إفريقيا.
والله مرة سافرت إلى اسطنبول، دخلت معهدا شرعيا، أقسم بذات الله أنني في دمشق توافق المسلمين مع بعضهم عجيب، إخواننا باسطنبول المؤمنون طلاب العلم الشرعي من جبلتنا، من مبادئنا، من قيمنا، من أخلاقنا، من أهدافنا، المسلمون وحدة.
لذلك كل ما عملت عملاً كهذا العمل في صحيفتك، هذا على موضوع أن الـ45 بـ 45 أصبحوا مليار و500 مليون.
ثم ينبغي أن نعلم أنه لن تقتصر المؤاخاة على مهاجرين قريش وعلى عقد المؤاخاة في دار أنس فقط، إنما ستستمر بين في كل مسلم كانت له أسبقية في العلم ز

 

2 ـ من كمال المؤاخاة أن لا تكون بين متماثلين :

 في الدرس الماضي بينت لكم أن المؤاخاة من كمالها لا أن تكون بين متماثلين، أن تكون بين إنسان له أسبقية، إنسان حديث، فالذي له أسبقية يعلم المبتدئ، وقد تكون بين غني وفقير، فالغني يرعى الفقير، وبين قوي وضعيف، وبين صحيح ومريض، وبين متزوج وشاب على طريق الزواج، يعطيه خبراته، افعل، لا تفعل، إياك أن تقول هذه الكلمة، عامل أهل زوجتك هكذا.
فلذلك المؤاخاة ليست مجرد لقاء اثنين، بل التعاون بين اثنين، فإذا كان هناك تفاوت بينهما كان هذا التعاون مثمرا، هكذا تخطيط النبي عليه الصلاة والسلام.
كان عليه الصلاة والسلام إذا أسلم رجل يقول لأصحابه: خذوا أخاكم، فقد أسلم، فعلموه الإسلام.

 

 

3 ـ المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية:

 أيها الإخوة، المؤاخاة في الإسلام مدرسة تربوية، وعهد دائم يلتزم به المسلم مدى الزمن، وتفقد بعضهم بعضاً، وما من شيء أحب إلى الإنسان من أخ في الله، الأخ في الله غالٍ جداً، الأخ في الله نوع متميز، يأخذ بيدك، وتأخذ بيده، ينصحك وتنصحه، يعاونك وتعاونه، يقرضك وتقرضه، يخدمك وتخدمه، من هنا قال عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

 

 

(( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون ـ يوم القيامة ـ والصديقون والشهداء ))

 

( أخرجه أحمد، والطبراني، والحاكم، عن عبادة بن الصامت )

4 ـ حاجة المسلمين اليوم إلى الحب في الله:

 ونحن أيها الإخوة، كمسلمين بحاجة إلى المحبة، مع مضي الأزمان قسا القلب، صار فينا خصومات، ومهاترات، وتراشق تهم، وعلاقات غير طيبة، لذلك:

 

﴿ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ﴾

( سورة الأنفال الآية: 46 ).

 نحن بحاجة إلى أن نحب.
أيها الإخوة، ماذا أقول لكم ؟:
 صحابيان صليا العشاء معاً في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام، وخرجا معاً إلى البيت، عند افتراقهما تعانقا، التقيا في الفجر، سبع ساعات، أربع ساعات، خمس ساعات، فتعانقا، وقال الأول للآخر: وا شوقاه يا أخي، ما هذه المحبة ؟! البارحة الساعة العاشرة كنت معه، صباحاً الساعة الثالثة والنصف تقول له: وا شوقاه يا أخي ؟! هذا الإسلام، هذا الحب، الإسلام محبة، الإسلام تواضع، الإسلام تضحية، الإسلام إيثار، حتى يحبا الله.
 فلذلك الذي لا يشعر بحاجة ماسة إلى أن يُحِب، أو إلى أن يُحَب ليس من بني البشر، الحب يشبه وردة طبيعية فواحة الرائحة، جميلة الألوان، والإسلام من دون حب وردة بلاستيك، لا طعم لها، إذا ألغي الحب من الدين الدين تصحر، وصار معلومات وأدلة، وأفكارا، الإنسان بعد هذا يمل منها، الأفكار نفسها، أما إذا كان هناك حب فهناك طاقة.
 والله أيها الإخوة، أحياناً يجلس مؤمن مع أخ عشر ساعات لا يشعرون بالوقت، والله الذي لا إله إلا هو مرة سافرت إلى بلد في الشمال لي أخوة كُثر فيه، والله الذي لا إله هو بدأت الحديث الساعة الخامسة مساء، أول مرة نظرت إلى الساعة، فإذا هي الساعة الواحدة ليلاً، ما شعرت بالوقت، لوجود المحبة، والمودة، والتناصح، والإقبال، نحن حياتنا متصحرة، حسد، غيرة، ليس هناك هذا الحب بيننا، هذا من أسباب ضعفنا.
 مرة عليه الصلاة والسلام كان في غزوة، وسأل عن صحابي واحد، فقيل له: يا رسول الله، شغله بستانه عن أن يجاهد معك، كان ثمة صحابي وفيّ لذاك الصحابي، قال له: لا والله يا رسول الله، لقد تخلف عنك أناس ما نحن بأشد حباً لك منهم، ولو علموا بأنك تلقى عدواً ما تخلفوا عنك، فابتسم النبي حتى ظهرت نواجذه، ابتسم لهذا الحب بين الأخوين.
يجب أن تدافع عن أخيك، يجب أن تخبره من حين لآخر: أين أنت ؟ اشتقنا لك، نحن قلقون عليك، الصحة طيبة إن شاء الله، تنعشه بهذا الاتصال.

 

التطبيق العملي للمؤاخاة:

 أنا أريد لهذا الدرس أن يترجم إلى واقع، كيف آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، ينبغي أن يأخذ الواحد منكم أخاً لله، خذ اسمه، وهاتفه، وعنوانه، وعمله، الدرس الثاني الاثنين ما جاء، أخبره، كم تكلفك هذه ؟ لا شيء، أحياناً يأتي إنسان إلى الدرس متأخر جداً، يدرك مع الشيخ صلاة العشاء، ما سمع ولا كلمة، يقول لك: والله انتعشت بهذه الصلاة، هذا معنى: الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.

(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))

(أخرجه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر )

(( وإنما يأكل الذئب القاصية ))

(أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي، وابن حبان، والحاكم في المستدرك عن أبي الدرداء )

 اتخذ لك أخاً في الله، هذه نصيحتي تطبيقاً لهذا الدرس، كيف آخى النبي الكريم بين المهاجرين والأنصار، أنت اختر أخا، تستطيع أن تعاونه، أو يعاونك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ ))

 

(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ )

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ ))

مودة، ابتسامة، وجه طلق، مصافحة، دعوة، ضيافة، بذل، هدية، هذا كله مودة، الهدية مودة، والدعوة مودة، والنصيحة مودة، والمعاونة مودة.
والله مرة أحد إخوتنا الكرام اشترى بيتا، فكلما جاء بالأثاث أحد جيرانه ينطلق لمعاونته، يعاونه بحمل الأثاث، يأتيه بضيافة بعد إيصال الأثاث إلى البيت، قال لي: والله أنا لا أعرفه، من حضرتك ؟ من أنت ؟ قال له: أنا بالجامع الفلاني، في جامعنا، هذا الأخ ما سبب انطلاقه إلى الدين ؟ قال له: أنا لي قريب في هذا المسجد، دعاني لحضور دروس مرات عديدة، قال له: أريد ألا أحضر، لكن من كثرة ما ضغط عليّ سايرته مرة، وذهبت معه إلى الدرس، فانتهى الدرس، الأخ القديم سلم عليّ، وقال لي: هذا ابن خالتي، هذا أول درس يحضره، أنا كلفتني العملية أن أصافحه بحرارة وبمودة، قلت له كلاما في تواضع: إن شاء الله الدرس أعجبك ؟ قال لي: أي والله الدرس جميل جداً، قلت لقريبه: عين على ابن خالتك، صافحته بمودة بالغة، هو فقير جداً، لما وجد هذه المودة والمصافحة حارة، وسألته عن الدرس، ووصيت فيه ابن خالته أقسم بالله أنه أتى للدرس مودة واحدة حتى يُسكت ابن خالته، فإذا هو في هذا الدرس إلى الآن، وما تركه.
آخِ أخاً لك في الله، اسأل عن صحته، عاونه، أقول لكم كلمة ثانية: أنا أعتقد أنك لا تُشد إلى الدين بسبب أفكار الدين، أفكاره رائعة، أفكاره عميقة، أفكاره متألقة، أفكاره دقيقة، أفكاره متناسبة، متسقة، أعطاك فكرة عن الكون والحياة والإنسان، لكن الذي شدك إلى الدين مجتمع المؤمنين بصفائهم، بصدقهم، بتواضعهم بخدمتهم، لذلك الجماعة رحمة، والفرقة عذاب.

(( يد الله مع الجماعة ))

( أخرجه الترمذي عن ابن عباس )

(( عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد ))

(( وإنما يأكل الذئب القاصية ))

هذا الحديث أيها الإخوة أصل في العلاقات بين المؤمنين.

(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ ، مَثَلُ الْجَسَدِ. إِذَا اشْتَكَىَ مِنْهُ عُضْوٌ، تَدَاعَىَ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسّهَرِ وَالْحُمّىَ ))

الإسلام دين اجتماعي :

 إخواننا الكرام، الإسلامي اجتماعي، الصلاة صلاة الجماعة تعدل صلاة الفرد بـ27 ضعفاً، الصيام جماعي، الحج جماعي، ديننا دين جماعي، والجماعة رحمة.
مرة قرأت كلمة أعجبتني، الكلمة: لست وحدك في الحياة، أنت لست وحدك في الحياة، الواحد للمجموع، والمجموع لواحد.
هناك أمثلة أيها الإخوة أمثلة كثير جداً، بعض الأمثلة:
 إنسان تزوج، ودخله محدود، وبحاجة إلى ألف حاجة، أصدقاءه وإخوانه في الله اجتمعوا وقرروا، وجمعوا مبالغ من المال جيدة، وأمّنوا له كل حاجاته الثانوية، يلزمه مروحة، يلزمه برادا، يلزمه غسالة، يلزمه غازا، أمّنوا له، كلما تزوج واحد منهم الكل يعاون بعضهم، هذا مجتمع التعاون، هذا مجتمع المؤمنين.
 فيا أيها الإخوة، لست وحدك في الحياة، حينما تنضوي مع مؤمنين صادقين الكل لك، وأنت للكل.
 تشريعات الإسلام جميعاً قائمة على بناء المجتمع الموحد المتماسك الصالح في بناء الأسرة، وحقوق كمل من الزوج والزوجة والأولاد وغير ذلك.
 الذي أتمناه عليكم أن ننطلق إلى تنفيذ هذه المؤاخاة، عندك أخ بالله، اثنان أحسن، ثلاثة أحسن، أربعة أحسن، كلما كان المؤمنون أكثر ولاءً، وتضحية، ومؤاثرة، وخدمة كانوا أقرب إلى الله عز وجل.
وفي درس قادم إن شاء الله نتابع هذا الموضوع.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018