فقه السيرة النبوية - الدرس : 45 - بناء الأخوة بين المسلمين في المدينة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

فقه السيرة النبوية - الدرس : 45 - بناء الأخوة بين المسلمين في المدينة


2006-08-14

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
أيها الإخوة الكرام، مع درس جديد من دروس فقه السيرة النبوية، ومع موضوع بدأت فيه منذ أسبوعين تقريباً، ألا وهو الطريقة التي بنا بها النبي صلى الله عليه وسلم مجتمع المسلمين الأول في المدينة، ونحن في أمسّ الحاجة إلى أن نتأسى بهذا النبي الكريم في بناء مجتمع المسلمين.

المؤاخاة أكبر أساس مجتمع المسلمين:

المؤاخاة من أسس المجتمع الإسلامي
الشيء الأكبر من أسس هذا المجتمع المؤاخاة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

( سورة الحجرات الآية: 10 )

وما لم يكن انتماءك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً.

(( المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ ))

(رواه الترمذي عن أبي هريرة )

المسلم في أي مكان، وفي أي زمان أخو المسلم.
والإسلام أيها الإخوة خاصة، والدين عامة حاجة الإنسان إليه كحاجته للهواء، والهواء لا يستطيع أحد أن يحتكره، الماء يحتكر، الأرض تحتكر، المحل يحتكر، أما الهواء فلا يحتكر، لذلك حاجة الإنسان إلى الدين كحاجته إلى الهواء، والهواء لا يحتكر، لا يمكن أن يحتكره قوم، ولا بلد، ولا إقليم، ولا مصر، ولا طائفة، ولا مذهب، الدين كالهواء.
فلذلك كل من يتوهم أن وحده على حق، وما سواه على باطل من دون دليل، من استقصاء فهو واهم، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام بدأ ببناء المجتمع الإسلامي عن طريق المؤاخاة، فما لم تشعر بأخوتك لهذا المؤمن، وما لم تشعر أن هذا المؤمن أقرب الناس إليك، وأحب الناس إليك، ما لم يكن انتماءك للمؤمنين فلست كامل الإيمان.
أما حينما نرى أن المؤمنين بعضهم يتهم بعضاً، بعضهم ينتقص من بعض ، بعضهم يشتم بعضاً، بعضهم يقاتل بعضاً، هذه وصمة عار بحق المسلمين

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

مؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار:

فقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك، وكانوا تسعين رجلاً، نِصفهم من المهاجرين، ونِصفهم الآخر من الأنصار، آخى بينهم على المواساة، يتوارثون بعد الموت، دون ذوي الأرحام، إلى حين غزوة بدر، في رمضان من السنة الثانية للهجرة، فلما أنزل الله عز وجل قوله:

﴿ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾

( سورة الأحزاب الآية: 6 ).

رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الأخوّة، ففي بداية الإسلام كان هناك أسر بعض الأبناء فيها مسلم، وبعض الأبناء مشرك، لذلك شاءت حكمة الله أن يكون التوارث بين الإخوة المؤمنين، ولكن بعد حين:

﴿ وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾

رُد التوارث إلى الرحم دون عقد الإخوة.
وكانت المؤاخاة في شهر رمضان من السنة الأولى للهجرة، أي بعد الهجرة بخمسة أشهر.

إسقاط مبد المؤاخاة على مجتمع المسلمين اليوم:

ولكن: ألسنا نحن بحاجة إلى هذه المؤاخاة ؟ لست وحدك في الحياة، أنت للكل، والكل لك، لست وحدك في الحياة، الحياة بالأخوة الإيمانية لا تبدو قاسية، والحياة مع الأخوة الإيمانية تبدو مسعدة، وما من إنسان أغلى على المؤمن من أخ له في الله، تنصحه وينصحك، تعينه ويعينك، تتفقده ويتفقدك، تعاونه في معضلات حياته ويعاونك.

الصورة الأولى للمؤاخاة اليوم:

اتخذ أخا مؤمنا تتعهده ويتعهدك
إذاً: لو أنّ كل واحد منا اتخذ أحد الإخوة أخاً له، وصافحه، وقال: أنا فلان، وأنت أخي في الله، هذا هاتفي، وهذا عنواني، وهنا بيتي، وأنشدك الله إن كنت مضطراً لشيء فأنا في خدمتك، وأعاهدك أنني إذا اضطررت إلى مساعدة سوف أطلب منك، فهذا جيد جداً، وإذا آخى اثنين، أو آخى ثلاثة فهو أفضل، وإذا آخى خمسة وتفقدهم، ما الذي يحصل أيها الإخوة ؟
يأتي أخ إلى المسجد يُسرّ بالدرس، تزل قدمه، يخجل من ربه فلا يأتي، ولا أحد يسأله: لمَ لم تأتِ، لا أحد يتفقده، يمضي أسبوع وأسبوع فينقطع كلياً عن المسجد، لو أن واحداً اتصل به، وسأله: كيف حالك ؟ إن شاء الله المانع خير ؟ لسُرّ، وانتعش فؤاده، وعاد إلى المسجد.
لذلك لو أن واحد منا آخى أخاً، وتعاهدا على أن يتناصحا، تعاهدا على أن يتفقد كل منهما الآخر، والأخ الثاني أفضل، والثالث أفضل، والرابع أفضل، لو أنك آخيت خمسة أشخاص لكانت الحياة الجنة.

 

الصورة الثانية للمؤاخاة اليوم:

المشروع الثاني: ما الذي يمنع إذا كنتم خمسة في حي واحد، أو في حرفة واحدة، أو في قاسم مشترك واحد، أو في قرابة واحدة، أحياناً القرابة تجمع، أحياناً السكن يجمع، أحياناً الحرفة تجمع، إما قرابة، أو زمالة، أو صداقة، أو جواراً، ما الذي يمنع أن نجلس كل أسبوعين، أو كل أسبوع، أو كل ثلاثة أسابيع، أو كل أربعة أسابيع، نجلس ساعة من الزمن نتحاور، نتداول، واحد منا استقى موعظة تأثر بها، فذكرها لإخوته، واحد منا حضر خطبة، تفاعل معها، فذكر مضمونها لإخوانه، قرأنا صفحة من كتاب الله، تدارسنا هذا الكتاب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

 

 

(( لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ))

 

( رواه مسلم )

الذين يذكرون الله في مجالسهم تحفهم الملائكة ويذكرهم الله

 

(( مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ وكانَ لَهُمْ حَسْرَةً ))

 

( رواه أبو داود وغيره عن أبي هريرة )

الحديث في الدنيا متعب، بينما الحديث عن الله مسعد.
لذلك أيها الإخوة، لو أردنا أن نترجم إلى سلوك عملي أن كل واحد يؤاخي أخاً في الله، طبعاً لا بد من تبادل العناوين تبادل الهواتف، تبادل فكرة سريعة عن الأخ، ماذا يعمل ؟ ويفضل أن يكون أقرب الناس إليه سكنا، أو إلى عملك، أو إلى قرابتك، هذا تنفيذ لمؤاخاة النبي عليه الصلاة والسلام، واحفظ هذه الكلمة: الكل لواحد، والواحد للكل، ولست وحدك في الحياة.

(( إن المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه ))

( رواه الترمذي عن أبي هريرة)

(( كُلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ عرْضُهُ ومَالُهُ وَدَمُهُ ))

( رواه الترمذي عن أبي هريرة)

من أغراض المؤاخاة:

1- ذهاب وحشة الغربة:

إذاً: ورد في بعض كتب السيرة أن الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة وصدقوا أيها الإخوة، أننا في غربة.

(( إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا، وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي ))

(الترمذي عن عمرو بن عوف بن زيد )

ما لم تشعر بالغربة ففي إيمانك خلل.

(( المسلم في آخر الزمان غريب، القابض على دينه كالقابض على الجمر أجرهم كأجر سبعين، قالوا: منا أن منهم ؟ قالوا: بل منكم، لأنكم تجدون على الخير معواناً ولا يجدون ))

( ورد في الأثر )

فما لم تشعر بالغربة ففي الإيمان خلل.
إذاً: الغرض من المؤاخاة ذاهب وحشة الغربة، ولا سيما بعد مفارقة الأهل والعشيرة.

2 - شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض:

ومن أغراض المؤاخاة شد أزر المؤمنين بعضهم ببعض، فلما أعز الله الإسلام، وجمع الشمل، وذهبت الوحشة، بطل التوارث، ورجع كل إنسان إلى نسبه ولذي رحمه.
في أيام الضيق، في أيام الشدة، في أيام الفتن، في أيام الطرقات مليئة بالنساء الكاسيات العاريات، في زمن الفضائيات، في زمن الانترنيت، في زمن الإباحية، ما من إنسان تألفه، وتأنس به، ويأنس بك، كالأخ في الله، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية:

(( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ، وحقت محبتي للمتباذلين فيّ، المتحابون فيّ، على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء ))

( رواه الطبراني عن عبادة بن الصامت )

وقد علمنا عليه الصلاة والسلام أنك إذا أحببت أخاً في الله أعلمه أنك تحبه، قل له: إني أحبك في الله، ينبغي أن يقول لك: أحبك الله كما أحببتني، والحب أحد أركان الحياة النفسية، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، فإذا أحببت أخاً في الله كان هذا الأخ لك معيناً، ورفيقاً، وناصحاً، ومحباً.

3 - حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين:

الآن للمؤاخاة أهداف أبعد، وأشمل من مجرد التوارث للأسباب التالية: حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين.
أحياناً أنت آخيت أخًا حديث عهد بالمسجد، وأنت لك في المسجد سنوات طويلة، تلقيت علماً غزيراً، عندك فضل علم، فإذا آخيت إنسانا مبتدئا، أعطيته من علمك، تدارست معه القرآن، تحاورت معه في الفقه، علمته ما في بعض السيرة، بينت له أجمل ما سمعت فه>ا من أهداف المؤاخاة.
إذاً المؤاخاة لها هدف آخر، لذلك قال الله تعالى:

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾

( سورة سبأ الآية: 46 ).

إذا جلست مع أخيك فتحاور حول هذا الدين، حول هذا النبي الكريم، حول سنته حول عظمة الإسلام.
إذاً أحد أسباب المؤاخاة، وهذا من بناء الرسول عليه الصلاة والسلام حاجة الأنصار إلى التفقه في الدين.

4 - القدوة الصالحة:

نحن بحاجة إلى القدوة الصالحة
شيء آخر، الدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، القدوة الصالحة حقيقة مع البرهان عليها، والإسلام لا يعيش إلا بالمثل، الإسلام لا ينمو وهو في الكتب، ينمو بمسلم تراه عينك ، لذلك كما أن الكون قرآن صامت، والقرآن كون ناطق، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي، ونحن الآن في أمسِّ الحاجة إلى مسلم يمشي على قدمين، ينبغي أن ترى أمانته ، وأن ترى صدقه، وأن ترى عفافه، وأن ترى محبته، وأن ترى إنصافه، وأن ترى غناه عما سوى الله.
إذاً الحاجة إلى التفقه في الدين، والدين يؤخذ بالقدوة الصالحة، وقد مضى العهد المكي، وما فيه من قرآن منزل وجهاد دعوي، وصبر على الأذى، وهجرة وصحبة ، وتربية نبوية، لا يحمله يوم الهجرة إلى هؤلاء المهاجرين إلا إخوانهم الأنصار، وليس من الممكن أن يعاود رسول الله صلى الله عليه وسلم لينقل إليهم أفراد وجماعات تلك العلوم التي عاشوها.
مرة حضر أمام النبي عليه الصلاة والسلام رجل تكلم فألحن ؛ أخطأ، فقال: أرشدوا أخاكم فإنه قد ضل، النبي عليه الصلاة والسلام علم أصحابه سنوات طويلة، الآن جاء إلى المدينة والأنصار لا يعلمون شيئاً، يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، لكن علمهم قليل، بهذه المؤاخاة جعل السابقين بالعلم يمنحون إخوانهم الأنصار العلم الذي تعلموه من رسول الله.
أيها الإخوة، لكن من الضروري أن يتم توزيع المهاجرين على عشائر الأنصار يعيشون معهم حياتهم بكل تفاصيلها، ليتمكنوا من صناعة القدوة الحسنة، والوحدة التربوية النبوية بين الجميع، ولا يمكن تحقيق ذلك بغير العيش المشترك الذي يتجاوز المصاعب التي تفرضها مشكلات السكن والعمل والصحبة، فبالمؤاخاة أصبح المهاجر أخاً لا يبعده عن أخيه الأنصاري العادات والتقاليد الاجتماعية، والدراسية وغيرها.
إذاً كما أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين أصحابه المهاجرين بالأنصار أصحابه الجدد، ينبغي أن القوي يؤاخي الضعيف، والغني يؤاخي الفقير.

 

ملمح جديد من ملامح المؤاخاة اليوم:

 

دعم طلبة العلم من ملامح المؤاخاة
الآن هناك ملمح جديد: إنسان ميسور إذا آخى طالب علم فأعانه، اقتراح أن أصحاب الفعاليات الاقتصادية وظفوا عندهم طالب علم بنصف دوام، وبنصف أجرة، تحل المشكلة، طالب العلم أحياناً يحتاج إلى دخل محدود جداً، يقيم أوده، فإذا تفضلت، وعينت طالب علم عندك بنصف دوام أتيح له أن يدرس، وبهذا الدخل القليل أتيح له أن يعيش، فإذا كبر هذا الطالب، وصار داعية كل عمله بصحيفة من كفله.
الآن دخلنا في موضوع جديد الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، والذي عنده حرفة يؤاخي من لا يتقن هذه الحرفة.
والله أعرف رجلاً عنده محل حلويات، دخل إليه إنسان من محافظة نائية في الشمال الشرقي، وهو غير مسلم، قال له: هل تعلمني صنع الحلويات ؟ قال له: حاضر، أدخله إلى المعمل، وصنع أمامه طبخة، وكتب التفاصيل، فلما انتهى قال: اصنع طبخة أنت أمامي، يقسم بالله العظيم مضى على هذا العمل ثلاثون عاماً، ما من عامل إلا ويأتيه من آخر الدنيا ومعه هدية ثمينة يقول له: لحم كتفي من خيرك.
ما الذي يمنع إن كنت صاحب حرفة أن تؤاخي إنساناً لا يتقن هذه الحرفة.

الغرب علمنا الجشع والشح:

الغرب يعلم الشح والجشع
إخواننا الكرام، الغرب علمنا الجشع، علمنا حبس المعلومات، علمنا أنك إذا أردت أن تفك محرك تقول للصانع: اخرج لئلا يتعلم، لئلا ينافسك، ما الذي يمنع هذا الصانع الذي يعمل بلا أجر من أجل أن يتعلم، ما الذي يمنع أن تعلمه هذه الحرفة ؟.

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر ).

غير مؤمن شحيح، يضن بمعلوماته، إذاً المؤاخاة تأخذ بعداً شديداً، غني وفقير قوي وضعيف، صاحب حرفة.
إنسان من بلد بعيد يقم هنا للدراسة، إذا آخيت أخاً مقيماً، وأنت مغترب، يعاونه هو من البلد، يعرف البئر وغطائها.
لذلك إذا كان هناك تباعد بالصفات فالأخوة أجدى.

لا عصبية ولا قبلية ولا طائفية في الإسلام:

العصبية ليست من الإسلام في شيء
الإسلام أيها الإخوة بحد ذاته لا يقوم على الأسس والقواعد العصبية، والقبلية، والعشائرية، والعرقية، اسمعوا مني هذا الكلام:
لا يضاف على كلمة مسلم ولا كلمة، أية إضافة على كلمة مسلم هذا يتجه نحو التعصب.

(( ليس منا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية ))

(أخرجه أبو داود عن جبير بن مطعم )

بعد كلمة مسلم لا يضاف ولا كلمة، لذلك الإسلام لا يقوم على أسس عصبية ولا قبلية، ولا عشائرية، ولا عرقية، لما كنا مسلمين في شتى بقاع الأرض كنا أمة واحدة، فلما قلنا: نحن عرب، قال الأتراك: ونحن أتراك، وقال الأكراد: ونحن أكراد، نطالب حكماً خاصاً، الإسلام أممي، كل من آمن بما نؤمن، وطبق ما نطبق، هو منا، ونحن منه ، له ما لنا، وعليه ما علينا.
وقد تستغربون إن ألقيت على مسامعكم أسماء علماء كبار جداً ليسوا عرباً، الإمام البخاري ليس عربياً، صلاح الدين الأيوبي ليس عربياً، ألا نفتخر به ؟ الشيء الصحيح أن يكون الإسلام أممياً، لا يمنع أن تكون أنت عربيا، لا يمنع أنك منتسب لهذه الأمة، لكن من دون تعصب، من دون أن تزدري الآخرين، أو من دون أن يزدرك أحد، لذلك لا بد من وضع أسس المجتمع الجديد بعيداً عن المؤثرات والمورثات الجاهلية، وليكون هذا المجتمع الجديد مثالاً صالحاً يحتذيه المسلمون على مر العصور.

صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة:

1ـ بين بلال الحبشي وأبي بكر الصديق:

أضع بين أيديكم أمثلة يصعب تصديقها، لكنها واقع: بلال الحبشي من الطبقة الدنيا، في مجتمع الجاهلية، ليس عربياً، وليس قرشياً، وليس من أرومة قريش، عبد أسود مملوك، يعذبه سيده لأنه آمن بمحمد، يأتيه الصديق ليشتريه بالثمن الذي طلبه، يقول سيد بلال: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، يقول الصديق: والله لو طلبت مئة ألف درهم لدفعتها لك، وأخذ بلالاً، ووضع يده تحت إبطه إشعاراً لسيده أنه أخوه في الإسلام، بلال إذا قدم المدينة يخرج عمر عملاق الإسلام لاستقباله ؟! هذا هو الإسلام، الصحابة الكرام إذا ذكروا أبا بكر، يقولون: هو سيدنا وأعتق سيدنا، يعني بلالاً.

(( فلا فضل لعربي على أعجمي، ولا أحمر على أسود إلا بالتقوى ))

(رواه الطبراني عن ابي سعيد )

(( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ))

(أخرجه العقيلي، والطبراني، عن أم أيمن )

ميزان الترجيح في الإسلام:الإيمان والعمل الصالح:

الإيمان والعمل الصالح سبب التمايز بين الناس في نظر الله
المجتمع يتقدم، الله لم يعتمد في الترجيح بين خلقه قيمتين العلم، العمل، قيمة العلم:

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

( سورة الزمر الآية: 9 ).

﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾

( سورة المجادلة الآية: 11 ).

وأما قيمة العمل:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام الآية: 123 ).

وما لم تعتمد الأمة هذين المرجحين فلن تقف على قدميها، لذلك هناك قيمة المال ، قيمة النسب، قيمة الحسب، قيمة الجمال، قيمة الذكاء، قيمة الأرومة، هذه قيم لم يعتمدها الإيمان إطلاقاً، بل اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل.

5 -: تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي:

التكافل الاجتماعي من أهداف المؤاخاة
الهدف الخامس من هذه المؤاخاة: تحقيق التكامل، والتكافل، والتعاون الاجتماعي في جميع الأحوال والمجالات، فالفرائض الإسلامية من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج نقوم بها جميعاً، والذي يشكل بمجموعه غاية المؤاخاة، الصلاة واحدة، والملك والخفير يصليان جنياً إلى جنب في المسجد، في الحج الخفير يطوف، والملك يطوف، والخفير يسعى، والملك يسعى، في مناسب الحج لا فرق بين أمير وخفير، ولا بين قوي ولا ضعيف، ولا بين غني وفقير.
لذلك العبادات كالصلاة، والصوم، والحج، مطبق على الجميع، من دون استثناء، ليس هناك مسعى خاص للكبراء، بالسلك الدبلوماسي، ولا طواف خاص لعلية القوم، مناسك الحج والعمرة، والصيام، والصلاة واحدة لدى الجميع.
لذلك.... أن يكون كل واحد من المؤمنين عوناً وسنداً للآخر، فمن للمهاجرين غير الأنصار، يسكنون إليهم، ويشاركونهم حياتهم، ومأكلهم، ومشربهم، وآلامهم وأفراحهم، وجهادهم، والذود عن حياضهم، ومن للأنصار غير المهاجرين يعلمونه الدين، ويفقهونهم فيه، ويقرئونهم القرآن ؟ أرأيت إلى هذه المصالح المتكاملة، أروع التكامل المضاربة.
لو فرضنا إنسانا معه مال، وهو متقدم في السن، ولا يحسن استثماره، لو أن شاباً مهندساً زراعياً مثلاً، طاقة كبيرة جداً، طاقة كبيرة ومثقفة، لكن ما معه مال، فعملوا مشروعاً، الأرباح مناصفة، هذا بماله، وهذا بجهده، المؤاخاة لها معنى واسع جداً، حتى شركات التجارة مؤاخاة، واحد بماله وواحد بجهده.
لذلك أيها الإخوة، من حكم المؤاخاة تكامل الأنصار والمهاجرين، أما صور هذه المؤاخاة فتبين السمو الذي بلغه الأنصار والسمو الذي بلغه المهاجرون، نذكر منها:

 

 

صور من الأخوة الصادقة بين الصحابة:

 

 

2ـ بين سعد بن الريع وعبد الرحمن بن عوف:

تميل النفس الإنسانية المهذبة المزكاة إلى المحبة الصادقة، والتضحية والإيثار، فكيف وقد عظم الإسلام مكانة المتحابين بالله، وعلى هذا الشعور الديني تقدم الأنصاري سعد بن الربيع إلى أخيه في الله عبد الرحمن بن عوف، فقال، الآن عندنا أنصاري، اسمه سعد بن الربيع، ومهاجر اسمه عبد الرحمن بن عوف، قال: إني أكثر الأنصار مالاً، أقسم لك مالي نصفين، عندي بستانان خذ أحدهما، عندي بيتان خذ أحدهما، عندي دكانان خذ أحدهما، قال عبد الرحمن بن عوف، والله لا أنساها هذه الكلمة: بارك الله لك في أهلك ومال، ولكن دلني على السوق، ما هؤلاء الأصحاب الذين رباهم النبي عليه الصلاة والسلام ؟ الأنصار أسخياء، والمهاجرون أعفّة.
الآن الغني الغنى الفاحش إذا استطاع أن يعالج في مستشفى مجاناً من حق الفقير لا يقصر، الأنصاري بذل نصف ماله، والمهاجر تعفف عن المال، بارك الله لك في مالك ولكني دلني على السوق.
المسألة تجلب الفقر
دلوه على سوق بني قينقاع، فما انقلب إلا ومعه فضل أقط وسمن، ثم تابع الغدو الأقط لبن مجفف، وسمن، أرباحه كانت غذاء، تابع الغدو إلى السوق، ثم جاء يوماً وبه أثر صفرة طيب لونه أصفر، جاء يوماً وبه أثر صفرة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما الأمر ؟ قال له: يا رسول الله تزوجت، دخل للسوق، وباع واشترى، وجمع مالا، وتزوج.
إخواننا الكرام، ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر.

(( مَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه ))

(رواه الطبراني، ورواه أبو الشيخ عن أبي الدرداء )

الشيء الذي يلفت النظر أنه كما أن الأنصاري سخي المهاجر عفيف، ما قبل أن يأخذ شيئاً، عرض عليه بيتاً، ودكاناً، وبستاناً، قال له: بارك الله لك بمالك دلني على السوق، تاجر وربح الإقط والسمن، ثم تاجر فتزوج، فلما رآه النبي عليه أثر صفرة قال له: ما الأمر ؟ قال: تزوجت يا رسول الله، قال: كم سقت إليها ؟ ما المهر ؟ قال: نواة من ذهب، يعني بحجم نواة ذهباً، أو وزن نواة من الذهب، قال: أَوْ لِم ولو بشاة، لذلك من السنة أن يكون في حفل عقد القران وليمة وطعام.

3 ـ مشاركة الأنصار مع المهاجرين في أشجار النخيل:

عمل المهاجرون في رعاية النخل مقابل نصف الثمر
الأنصار مثل آخر من أمثلة المؤاخاة: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم اقسم بيننا وبينهم النخل، الأنصار اقترحوا أن يكون نخل المدينة مشاركة مع إخوانهم المهاجرين، قالوا: لا، قال: تكفوننا المئونة، وتشاركوننا في التمر، الأنصاري عرض أن يتملك المهاجر نصف أشجار النخيل، قال: لا، نحن نعتني بهذه الأشجار بجهدنا، أعطونا بعض الثمار، ولتبق الأشجار لكم، أرأيتم إلى هذه العفة ؟! هذه مضاربة، وهذه أفضل شركة في الإسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام أول مضارب في الإسلام، هو بجهده والسيدة خديجة بمالها، ولعل أمانته، وعفته كانت سبب زواجه منها.
قالوا: تكفوننا المئونة، أي تعتنون بهذه الأشجار، وتشاركوننا في التمر، قالوا: سمعنا وأطعنا، وهذا يشبه شركات المضاربة اليوم، العامل بعمله، والمالك بماله، وكان حمزة بن عبد المطلب، وزيد بن حارثة أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضره القتال، نزل أبو بكر الصديق في المدينة على خارجة بن يزيد، ابن أبي زهير، وتزوج ابنته حبيبة، ولم يزل في بني حارث ابن الخزرج بالصلح حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق وخارجة بن زيد أخوين.
أنا أتمنى أن تترجم هذه الحقائق إلى سلوك عندكم، إلى مؤاخاة، تعلمنا شيئا جديدا، الذي معه مال، ولم يحسن استثماره ليؤاخ إنساناً خبيراً ليس معه مال، الغني يؤاخي الفقير، والقوي يؤاخي الضعيف، وصاحب الحرفة يؤاخي إنسانا لا يتقن هذه الحرفة، وبهذا تتكامل حياة المسلمين.

 

شكر المهاجرين واعترافهم بفضل الأنصار عليهم:

 

قدم هدية لمن قدم لك خدمة
قال المهاجرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ما رأينا مثل قومك، قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلاً في كثير، كفونا الموءنة وأشركونا في المهنة، أي في الخدمة، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، هم تكفلوا بالعناية بالشجر، وأعطونا نصف الثمر، قال: حتى خشينا أن يذهبوا بالأجر كله، فقال: لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتم له، أي إن ثناءكم عليهم، ودعاءكم لهم حصل منك به نوع من المكافأة.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أسدى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تستطيعوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه ))

( أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عمر)

الأصل أن إنساناً قدم لك خدمة، الكمال يقتضي أن ترد عليه بخدمة مثلها، قدم لك هدية، الكمال يقتضي أن ترد عليه بهدية مثلها، لكن إذا كان هو غنياً، وأنت فقير ، وأكرمك إكراماً كبيراً، ولا تملك أن تكافئه قل له: جزاك الله خيراً.

ثناء الله على المهاجرين والأنصار وروابطه الوثيقة:

لقد أثنى الله جل جلاله على المهاجرين والأنصار على هذه الروابط الطيبة التي بينهم، وبيّن فضل بعضهم على بعض ومكانتهم عند الله فقال:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر ).

لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( الأَنْصَارِ: لاَ يُحِبّهُمْ إِلاّ مُؤْمِنٌ وَلاَ يُبْغِضُهُمْ إلاّ مُنَافِقٌ. مَنْ أَحَبّهُمْ فَأَحَبّهُ اللّهُ وَمَنْ أَبْغَضَهُمُ فَأَبْغَضَهُ اللّهُ ))

( متفق عليه )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018