أحاديث متفرقة - الدرس : 124 - احتجت الجنة والنار فقالت النار فِيَّ الجبارون والمتكبرون ... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 124 - احتجت الجنة والنار فقالت النار فِيَّ الجبارون والمتكبرون ...


2005-07-31

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة و العلم، و من وحول الشهوات إلى جنات القربات,
 أيها الإخوة، لازلنا في إتحاف المسلم بما في الترغيب والترهيب من صحيح البخاري ومسلم، والحديث اليوم رواه الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: فِيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، قَالَ: فَقَضَى بَيْنَهُمَا إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَاكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا ))

[ مسلم، أحمد ]

  هذا الحديث أيها الإخوة الكرام منطلق لموضوع دقيق جداً، وهو: الناس يتميزون بماذا ؟ خذ ألف إنسان، فيهم قلة يتميزون إما بالقوة، أو بالغنى، أو بالعلم، القوى الأساسية في الحياة أن تكون ذا منصب رفيع بإمكانك بجرة قلم أن تحق حقاً، أو أن تبطل باطلاً، أو أن تكون ذا مال وفير، أو أن تكون ذا علم غزير ولا تنسى دائماً أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، هذا جانب، أو أن يكون الإنسان فقيراً ضعيفاً ليس ملماً بحقائق الحياة، إذا أردت أن تنخل الناس إلى زمرتين الأولى أقوياء وأغنياء وعلماء، والثانية ضعفاء وفقراء، ومحدودو العلم، والإنسان لو ابتعدنا عن موضوع الكسب والسعي قد يسعى الإنسان بأقصى جهده، وينتهي به الأمر إلى أن دخله محدود، فهو فقير، وقد يسعى الإنسان بكل ما أوتي من قوة، وقد ينتهي به السعي إلى أنه ضعيف مستضعف في الأرض، أو أن يكون قوياً غنياً، الدرس اليوم لأن المنطلق الجبارون والمتكبرون والضعفاء والمساكين، يا ترى بشكل صريح ونصوح أيهما أقرب لسعادة الإنسان أن يكون غنياً أم فقيراً ؟ قوياً أم ضعيفاً ؟ متفوقاً في العلم أو محدودو الثقافة ؟
 الشيء الذي يحير أيها الإخوة الكرام أن مئة فقير، أو مئة ضعيف، أو مئة إنسان ثقافته محدودة احتمال النجاة من هؤلاء الأصناف الثلاثة بالمئة سبعون أو ثمانون، أما أن تكون قوياً أو غنياً أو مطلعاً اطلاعاً مخيفاً فاحتمال النجاح قد يكون عشرة في المئة أو عشرين في المئة لماذا ؟ لأن القوة تغري، معك قوة فالذي يرفع رأسه أمامك تسحقه، لا تقبل ذماً، ولا نقداً، ولا لفت نظر، والغني يشتري بماله ضمائر الناس جميعاً، كل شيء يحل بالمال، وللعوام كلمة لا أطيق سماعها: الدراهم مراهم، فالإنسان إذا اعتمد على ماله ضل، وإذا اعتمد على قوته ذل، وإذا اعتمد على معلوماته أيضاً وقع في خطأ كبير، لذلك الضعف لعله أقرب إلى النجاة من القوة والكفاية، لا أقول: الفقر، كاد الفقر أن يكون كفراً، الكفاية أقرب إلى النجاة من الغنى الفاحش، والمعلومات التي تحتاجها لسلامتك في الدنيا أقرب إلى الإيمان من أن تكون مطلعاً اطلاعاً مخيفاً، وكل شيء عندك له تبرير، وكل شيء عندك له تعليل، وكدت بهذه الثقافة الواسعة جداً أن تستمرئ ما هم عليه أهل الدنيا من نعيم مقيم، لكن بالمقابل، بالمقابل كلما ارتقت مرتبتك في الدنيا قوة أو مالاً أو علماً اتسعت أمامك فرص العلم الصالح، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف ))

[مسلم]

  القوي كما قلت قبل قليل: بجرة قلم يحق حقاً، ويبطل باطلاً، يقر معروفاً، ويزيل منكراً، والغني له هيبة كبيرة، بماله يوفق بين زوجين، بماله يزوج الشباب، بماله يقيم مآتم، ينشئ ميتماً، يحل مشاكل اليتامى، بماله يؤلف بين القلوب، إذاً المال قوة، والعلم قوة، والمنصب قوة، فإذا كنت في هذه الثلاثة في أحدها، أو فيها كلها فأنت أمامك فرص للعمل الصالح كبيرة جداً، وهذا الذي قلته في بعض الخطب أن الممكنين في الأرض أتاح الله لهم من فرص العلم الصالح ما لم يتح للملايين المملينة من غيرهم، لذلك سيدنا يوسف قال تعالى:

 

﴿ قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) ﴾

 

[ سورة يوسف ]

  أنت من دون منصب، أو من دون مال، أو من دون علم لا تستطيع أن تفعل شيئاً، ولأن الآخرة أساسها العمل الصالح، فرص العمل الصالح تضعف، وتضعف، وتضعف إذا كنت فقيراً محتاجاً محدوداً ضعيفاً مغلوباً على أمره، لا تستطيع حركة ولا سكنة، ولا كلمة تنطقها في سبيل الله، إذاً النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( ما رزقتنا فيما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ))

[ورد في الأثر]

  إذا كنت قوياً، يا رب اجعل قوتي في سبيلك، إذاً أنت بالمال قد تنشئ ميتماً، قد تنشئ مستشفى، قد تنشئ داراً للمعاقين، قد تقوم بأعمال تلهج الألسنة بالدعاء لك بالمال,
 والله أيها الإخوة الكرام، لو يعلم الأغنياء كيف يمكن أن يصلوا إلى أعلى مرتبة في الجنة بأموالهم، المشكلة الكبيرة أن الذي أعطاه الله مالاً يظن واهماً أن هذا المال من أجل أن يبالغ في متعه الحسية، ومن أجل أن يشعر من حوله أنه فوقهم وأنه في مرتبة من النعيم والترف لا يطمحون إليها، وبالتعبير الآخر يكسر قلوبهم، أما إذا كان مؤمناً يجعل من المال أداة لحل مشكلات الأمة، هناك مشكلات أيها الإخوة الكرام في العالم الإسلامي مشكلات ما لم ننهض بحلها فالله لا يحبنا,
 إن فتاة تمشي في الطريق تخاطب الله، يا رب هذا المجتمع ظلمني، أنا أخاف منك، أنا محجبة، يا رب أنا أحبك، أنا أحفظ كتاب الله، هؤلاء الشباب يبحثون عن فتاة متفلتة تعرض بضاعتها في الطريق، تبحث عن شارٍ لها، لا تبحث عن إنسان يريدها، تبحث عمن يستمتع بها بلا قيد، ولا شرط، ولا تبحث عن رجل يكون أباً لأولادها,
 أيها الإخوة الكرام، أقول لكم من أعماق قلبي: ما لم يتحسس الإنسان بما يعانيه المسلمون فليس منهم هذا المتقوقع والمنهزم، والمنسحب، والذي لا يفعل شيئاً إلا أن يوزع ألقاب الصلاح والطلاح على الناس، هذا إنسان يمقته الله عز وجل,
 أقول لكم كلمة: ما لم تفكر في حل بعض مشكلات الأمة، عندك بيت زوج به شاباً مؤمناً، خذ منه أجرة معقولة، تلقَ الله بهذا العمل، يتعهد طالب علم تعطيه معاش موظف عندك من دون دوام، عنده ثلاثة موظفين صاروا أربعة، واحد طالب علم، قال له: تفرغ للدراسة، وكن داعية، و ادع إلى الله، ولعل الله يرحمني بك، دائماً نفكر بالرفاه، بتوسيع البيت، بتبديل السيارة، بالذهاب إلى أماكن جميلة، بزيارة المطاعم، بأكل الطعام الطيب، أما هؤلاء المسلمون الفقراء الضعفاء فلا تفكر فيهم، ألا تفكر بأولادهم ؟ والله هناك مآسٍ بالمجتمع يتفطر لها قلب الإنسان، والأغنياء، بعضهم، لا أقول جميعهم، بعضهم والله هناك أغنياء مؤمنون تشتهي الغنى منهم من تواضعهم، ومن أدبهم، ومن اعتدالهم في الإنفاق، ومن يدهم الكريمة على الفقراء، لكن أحياناً تجد الإنسان إذا زاد ماله قسا قلبه، وإذا اعتلى منصباً رفيعاً أصبح كالصخر، لا يرحم أحداً، ولا يحل مشكلة أحد.
 فلذلك أيها الإخوة الكرام،

(( احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: فِيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ ))

 ضعفاء في الدنيا، دائماً وأبداً احفظوا هذه القاعدة: من يضحك أولاً يضحك قليلاً، ومن يضحك آخراً يضحك كثيراً، ليست البطولة أن تضحك أولاً، البطولة أن تضحك آخراً، لأن الضحك الأخير يستمر إلى أبد الآبدين، قال تعالى:

﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) ﴾

[ سورة المطففين ]

  أما الذي شرد عن الله عز وجل فقال تعالى:

 

﴿ إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً (13) ﴾

 

[ سورة الانشقاق ]

﴿ إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) ﴾

[ سورة الانشقاق ]

  إذاً اجهد أن تضحك آخراً، يأتي الطفل إلى الدنيا وكل من حوله يضحك، وهو يبكي وحده، أما إذا وافته المنية فكل من حوله يبكي، إن كان بطلاً فليضحك وحده، إذاً الذي نستفيده من هذا الكلام أنك إذا كنت قوياً يجب أن توظف هذه القوة في إحقاق الحق، وإبطال الباطل، في نصرة المظلوم، في إنصاف الفقير، إعطاءه حقه، وإن كنت غنياً فينبغي أن تعلم علم اليقين أن هذا المال يمكن أن يرقى بك إلى أعلى عليين، قال تعالى:

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

 

[ سورة الروم ]

  كلام من هذا ؟ كلام الله كلام خالق الأكوان ماذا نستنبط منه ؟ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله من الذي سينتصر ؟ قال تعالى:

 

﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾

 

[ سورة الروم ]

  الروم هل كانوا مسلمين ؟ كانوا أهل كتاب، وكانوا مشركين، لماذا يفرح صحابة رسول الله وهم خير البشر، ماذا نستنبط ؟ الصحابة الكرام بنص هذه الآية يفرحون بنصر الروم على الفرس، الروم أهل كتاب، الفرس يعبدون النار، هذه الآية أصل في النسبية، إنسان ليس كما تريد، وليس كغيره من الأشرار، بل بين بَين، بينك وبينه قواسم مشتركة ينبغي أن تنفتح عليه، أما العزلة التي أحاط المسلمون أنفسهم عزلة شديدة، وتكفير الناس جميعاً، هذا ماذا سبب ؟ أن المسلم في الأرض اليوم هم عند أهل الأرض قاتل مجرم، العزلة الشديدة والبعد عن الاتصال، والبعد عن الأخذ بالنسبية جعل المسلمين في عزلة في العالم كله,
 وقد تعجبون أيها الإخوة أن اليهود في أمريكا لا يزيدون على ستة ملايين فقط، وسياسة هذه الدولة بأدق تفاصيلها بتوجيه اليهود كما ترون وتسمعون، أقول هذه: الكلمة دائماً أيها الإخوة الكرام، أعداء المسلمين يتعاونون، وبينهم خمسة بالمئة فقط من القواسم المشتركة، والمسلمون يتقاتلون، وبينهم خمسة وتسعون بالمئة من القواسم المشتركة، أقول لكم هذه الكلمة من أعماق قلبي: ما لم تتعاون مع المؤمنين، ما لم تجمد الخلافات الجزئية التي لا تقدم ولا تؤخر فلست مؤمناً، ما لم يكن انتماؤك إلى مجموع المؤمنين فلست مؤمناً، ما لم تتعاون فهناك شك في إخلاصك، الذي يحقق مكاسب من العمل في الحقل الديني هو يتاجر في الدين، وينتفع به، ويركب هذه الموجة، أما الذي يتعاون مع إخوانه فهذا دليل إخلاصه، أنت مخلص، إذاً متعاون، أنت تتنافس، وتبني مجدك على أنقاض الآخرين، هذا ينبئ بعدم إخلاصك لله عز وجل، وهذا الكلام أقوله أيها الإخوة الكرام لأننا في أمسّ الحاجة إليه، قلت في الخطبة كلاماً له صلة بهذا الموضوع، قلت: من هم أعداء المسلمين ؟ نحن جميعاً نتوهم العدو التقليدي من ليسوا مسلمين، والحقيقة قالوا بعد انهيار الكتلة الشرقية: لم يبق أمامنا من عدو إلا الإسلام، تصريح رسمي لشخصيات في أعلى المناصب في العالم الغربي، لم يبق أمامنا من عدو إلا الإسلام، مع أنهم أعداء، لكنهم مكشوفون، أعداء لكنهم يعملون في وضح النهار، أعداء لكننا محصنون منهم، لأن خططهم مكشوفة، خطرهم محدود، أنت مهيأ أن هذا الإنسان عدو مبين، ويريد أن يبني مجده على أنقاضك، أنا أرى العدو الذي يعمل على هدم هذا الدين هو الذي فهم الإسلام فهماً معيناً، وأصر عليه، وكفّر من كل من خالفه في هذا الرأي، وهذا الذي جعل وحدة المسلمين مستحيلة، ومادامت وحدة المسلمين مستحيلة فعدونا يتاجر بتفرقنا، ويبني قوته على أشلائنا وتفرقنا، فلذلك يمكن أن تأخذ هذه الآية:

 

﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾

 

[ سورة الروم ]

 نصر من ؟ نصر أهل الكتاب، وهم مشركون، بينهم قواسم مشتركة، فأنت لما تفتح حوارًا مع الأطراف، وتكتفي بالقواسم المشتركة، وتنميها، وتتعاون أما أن تعزل نفسك، وأن تبقى في قوقعة، وفي قمقم، وأنت تتوهم أنك في العلياء، وكل من حولك في الحضيض، هذا وهم في وهم، وهذا لا يقدم ولا يؤخر,.
 أيها الإخوة الكرام، أن تكون قوياً هذه نعمة ومزلق، وأن تكون غنياً هذه نعمة ومزلق، وأن تكون مطلعاً على علوم أهل الأرض اطلاعاً واسعاً هذه نعمة ومزلق، واحتمال النجاح مع القوة والغنى أقل من احتمال النجاح مع الضعف والفقر، هذا كله يؤكده قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما عرض عليه جبريل أن يكون نبياً ملكاً، أو أن يكون نبياً عبداً، قال: بل نبياً عبداً أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره، قريب من هذا الكلام أنه إذا جاء شخص من طبقة فقيرة من أسرة حظها من المال قليل، لكن فيها قيم، والله الذي لا إله إلا هو أرى أسراً تشتهي أن تكون في دخلهم المحدود على أخلاقهم العالية، وعلى اتصالهم بالله عز وجل، وعلى قربهم من الله، وعلى سعادتهم التي أضفاها الله على حياتهم، فنحن هنا في هذا المسجد من أجل أن نتلمس طريق السلامة والسعادة، أن نتلمس العلة التي من أجلها جئنا إلى الدنيا، أن نتلمس المهمة التي أنيطت بنا في الدنيا، اخرج من ذاتك، اخرج إلى خدمة الخلق تكون حبيب الحق، اخرج إلى خدمة الخلق يلقِ الله محبتك في كل إنسان، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾

 

[ سورة طه: 39]

  يعني أحبك عبادي، وما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو له بالمودة و الرحمة، بعد ذلك مسكين فقير فقط حوالي أربعين أو خمسين سنة في حياته، ما قيمة هذه السنوات أمام الأبد ؟ طبعاً يوجد أفكار مجردة يصعب أن نتمثلها، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سيد الفصحاء، سيد البلغاء، كلامه أفصح كلام، تصويره، نحن عندنا عبارة مباشرة، عندنا عبارة غير مباشرة، العبارة غير المباشرة هي العبارة التصويرية، فقد تقول مثلاً: تكاثرت عليّ المصائب، كلام فصيح بلغة صحيحة، بلغة فصحى، تكاثرت عليّ المصائب، لكن بعض الشعراء قال:

بلاني الدهر بالأرزاء حتـى         فؤادي في غشاء من نبـــال

فكنت إذا أصابتني ســهام          تكسرت النصال على النصـال

 أي بلاني الدهر بالأرزاء، أي بالمصائب حتى فؤادي في غشاء من نبالي، فكنت إذا أصابتني سهام لم يعد هناك مكان من كثرة المصائب، لم يبق مكان,
 شخص ذهب إلى جريدة لينشر نعوة، فأبلغ أنه لا يوجد أماكن، الأماكن كلها ملئت، اتصل بالمدير العام فكتب لمدير التحرير تنشر هذه النعوة إن بقي مكان هكذا العبارة، فهذا كتب النعوة، وآخر شيء في النعوة أدخل الله الفقيد فسيح جنته، بعد ذلك إن بقي مكان، عبارة لغوية فصيحة تكاثرت عليّ المصائب، يوجد عبارة أدبية، النبي عليه الصلاة والسلام هل استخدم أسلوب التصوير ؟ قال:

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر ))

[ورد في الأثر]

  اذهب إلى البحر، واركب قارباً من طرطوس إلى أرواد، وأمسك بإبرة، واغمسها بماء البحر، واسحبها، كم من الماء حملت ؟ هذا الذي تحمله الدنيا من الآخرة، فالذي عاش في الدنيا فقيراً، و نجا إيمانه عاش في الدنيا ضعيفاً، و كان مؤمناً صادقاً، و مات مؤمناً، ماذا بقي له ؟ الأبد، وهو في جنات تجري من تحتها الأنهار، وهذا الذي استطاع أن يأخذ معشار هذه القطرة، ويستمتع بها في الدنيا، وانتهى، بقي أمامه النار إلى أبد الآبدين، من هو الرابح ؟ إياك، ثم إياك، ثم إياك أن توازن بين شخصين دون أن تدخل الآخرة على كل منهما، يوجد بالدنيا أغنياء، يوجد بالدنيا أقوياء، يوجد أصحاب وسامة رائعة، يوجد أصحاب طلاقة لسان، أصحاب ذكاء، و قد قيل: إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين.
 فنحن إذا قرأنا الأحاديث الشريفة نجد أحياناً تصويراً رائعاً جداً

(( ما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس بمياه البحر ))

  أيها الإخوة الكرام، إذاً اعلم علم اليقين الآن إذا كنت ذا دخل محدود فأنت ممتحن به، وإذا كنت ذا دخل غير محدود فأنت ممتحن به، إن كنت قوياً أنت ممتحن بالقوة، وإن كنت ضعيفاً أنت ممتحن بالضعف، إن كنت طليق اللسان أن ممتحن بطلاقة اللسان، وإن كنت ضعيف البلاغة والإلقاء فأنت ممتحن بها، اعتقد يقيناً أن امتحانك في شيئين، فيما أعطاك الله، وفيما زوى عنك.
 الآن النجاح في الامتحان السلبي، النجاح بالضعف، أو النجاح بالفقر، إذا انتهى بك إلى الجنة فأنت في أعلى عليين، والرسوب في الغنى والرسوب في القوة إذا انتهى بالإنسان إلى جهنم وبئس المصير فهو في أسوأ حال، فالبطولة أن تنجح في الامتحان، وربما كان النجاح في امتحان الفقر أهون من النجاح في امتحان الغنى، وربما كان النجاح في امتحان الضعف أهون من النجاح في امتحان القوة، القوة تغر، وتضر، وتمر، والدنيا كلها تغر، وتضر، وتمر، ولكن الآخرة هي العطاء الحقيقي، ولا يليق بكرم الله أن يكون عطاؤه في الدنيا، الدنيا زائلة، عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يحكم فيه ملك عادل.
 أيها الإخوة الكرام، قضية الحظوظ، الحظوظ موزعة في الدنيا توزيع ابتلاء، أنت كيف إذا كان عندك شهادة ثانوية، عندي كيمياء، وفيزياء، ورياضيات، عندي علوم، ترى هذه المواد شيئًا صارخًا، والله موادك مع الله أخطر من هذه المواد، امتحنك بالصحة، إذا كان الواحد صحيحًا يقدر أن يفكر، أن يصلي، يقدر أن يقرأ القرآن الكريم، يقدر أن يأتي إلى الجامع، يقدر أن يعمل عملاً صالحاً، يقدر أن يرعى أيتاماً، مادمت صحيحاً فكل شيء ممكن، فلما قال الله عز وجل:

 

﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) ﴾

 

[ سورة التكاثر ]

  بعضهم قال: الماء البارد، هذا سوف نسأل عنه، لكن بعضهم قال: نعيم الصحة، هذا نعيم، ونعيم الفراغ، هناك أعمال ثماني عشرة ساعة، تشعر بدوام ثقيل إلى درجة لا تحتمل، الذي عنده بعد الظهر فراغ يجلس في جامع مع إنسان يحبه، يعمل عملاً صالحاً، يطالع كتاباً، يقرأ القرآن، يخدم إنساناً، يعمل عملاً صالحاً، هذا إنسان سعيد جداً,
 يا أيها الإخوة الكرام، النعيم الفراغ، والنعيم الصحة، والنعيم الأمن، ليس ملاحقًا، الملاحق لو كان مختفياً في بيت، وطرق باب البيت ينخلع قلبه، أما أنت افتحوا الباب، تسافر، تقيم، تغادر، تبقى، تمشي في الطريق، لا أحد يلاحقك، فنعمة الأمن، ونعمة الصحة، ونعمة الفراغ، ونعمة الكفاية، عندك دخل يغطي مصروفك من دون الأشياء الثانوية، عندك دخل يغطي أساسيات حياتك.
 أيها الإخوة الكرام، نعيد الحديث مرة ثانية، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( احْتَجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتْ النَّارُ: فِيَّ الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ: فِيَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَمَسَاكِينُهُمْ، قَالَ: فَقَضَى بَيْنَهُمَا إِنَّكِ الْجَنَّةُ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَإِنَّكِ النَّارُ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكِلَاكُمَا عَلَيَّ مِلْؤُهَا ))

[ مسلم، أحمد ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018