أحاديث متفرقة - الدرس : 072 - الترغيب في الرفق والحلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 072 - الترغيب في الرفق والحلم.


1997-03-23

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: تعلمون أن من أجل كتب الحديث الشريف كتاب الترغيب والترهيب، فقد صنفه المؤلف رحمه الله تعالى على الترهيب في فصول كثيرة من أشياء تهلك الإنسان، وعلى الترغيب في أعمال كثيرة تقرب الإنسان من الله.
 النبي عليه الصلاة والسلام ما من شيء يقربك إلا الله إلا أمرك به، وما من شيء يبعدك عنه إلا نهاك عنه، السعادة وكل السعادة أن تصل إلى الله، الطمأنينة والتوفيق والنجاح والفلاح لذلك أي شيء يقربك أمرك به، وأي شيء يبعدك نهاك عنه.
 فالعبرة أن تصل إلى الله، وأن تسعد به، نقول نحن التفكر، ويكون التفكر في خلق السماوات والأرض من أجل أن نصل إلى الله، التفكر وسيلة، نقول العمل الصالح، الإنسان يعمل صالحاً من أجل أن يصل إلى الله، نقول بر الوالدين من أجل أن تصل إلى الله، كل العبادات والمعاملات والآداب من أجل أن تصل إلى الله، وكل المكروهات التنزيهية والتحريمية، وكل المحرمات حرمت وكرهت لأنها تبعدنا عن الله عز وجل.
 ليس من عادتي أن أفتح الكتاب لا على التعيين، ولكن سبحان الله فتحته هكذا فإذا موضوع التغريب في الرفق والأناة والحلم، ورد أن الحليم كاد أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق.
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتِ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ، قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ: قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ))
(صحيح البخاري)
((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ))

 الدليل انظر إلى هذا الطفل الصغير كيف ينزع سنه تلقائياً من دون ألم ! أي طبيب مهما كان حاذقاً لا بد من أن يخدره، ولا بد من التخدير من ألم، أما هذا السن حينما ينزع دون أن يشعر، الله عز وجل رفيق، أحياناً الإنسان يؤمن وفيه مليون علة، ممكن أن يقبله الله ويتجلى عليه ! وكل فترة يطهره من علة، فإذا اصطلح الإنسان مع الله وتاب له، أليس معنى هذا أن نفسه طهرت كلياً ؟ كل فترة يظهر منه عيب، الله عز وجل أظهره له، وانزعج من هذا العيب، وعالجه له بمشكلة، ثم تاب عليه، ثم ارتقى به لمشكلة ثانية.
 الله عز وجل حليم ورفيق، ينقلنا شيئاً فشيئاً من حال إلى حال، وكل منا له مع الله تجربة، كيف الله عز وجل حلم وصبر عليه، وهو يرتكب المعاصي والآثام ويمده ويعطيه ويقويه، ثم اصطلح مع الله، هناك عيوب يطهره منها عَيباً عيباً !

((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ ))

 إخواننا الكرام: أثمن شيء على الإطلاق أن يحبك الله ! يروى كما سمعت أنه في أحد السنوات العجاف شحّت السماء إلى درجة أن الناس كادوا يهلكون، فالعلماء دعوا الله في خطبهم، وصلوا صلاة الاستسقاء، والسماء لا تزال شحيحة، قال رجل صالح دعا الله وقال: يا رب بحق حبك لي أن تنزل الماء علينا من السماء ! ما أتم هذه الكلمات حتى فتحت أبواب السماء كأفواه القرب ! رجل سأل هذا الرجل الذي دعا هذا الدعاء: كيف عرفت أن الله يحبك ؟ قال: إقرأ قوله تعالى:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
(سورة المائدة)
 اعتمد على أصل الآية:
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
 أنت موجود في الدنيا لأن الله يحبك، المحبوبية أساس الوجود والخلق، خلق الله الإنسان.
﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
 بدا بأنه يحبهم وثنى بأنهم يحبونه، لذلك إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، قصة تروى للموعظة: سيدنا إبراهيم جاءه ضيفاً فقال: أنتما موحدان ؟ قالا: لا، فطردهما ! فعاتبه الله عز وجل، قال: يا إبراهيم أنا أطعمهما من خمسين عاماً، أنت لم تتحملهم ولا مرة واحدة إن لم يكونوا موحدين ؟ الحديث القدسي (( لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي، لم أخالفك في رزقك، وعزتي وجلالي إن لم ترضى بما قسمته لك فلأسلطن عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية ثم لاينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي، وكنت عندي مذموماً، أنت تريد وأنا أريد فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد))
 إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، إذا قلدت الله عز وجل في رفقه ترقى عنده، الذي ذكرته قبل قليل أن هناك أشخاص لا تستطيع أن تصل إليهم مستحيل، أما ربنا عز وجل جعل لك طرائق كي تصل إلى حبه، والشيء بسيط جداً، إقرأ القرآن الكريم: إن الله يحب الصادقين، إن الله يحب المحسنين، إن الله يحب الصابرين، إن الله يحب التوابين، إن الله يحب المحسنين، إن الله يحب المتوكلين، اثنا عشرة آية مع حذف التكرار طبعاً، اثنا عشر طريق سالك إلى الله إلى محبته، فأحد الطرق المؤدية إلى محبة الله عز وجل أن تكون رفيقاً.
 النبي عليه الصلاة والسلام ضرب في الطائف، جـاءه جبريل قـال:

((فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد ظللتني، فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني، فقال: إن اللّه قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال وسلم عليَّ، ثم قال: يا محمد إن اللّه قد سمع قول قومك لك، وقـد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين ))
(مختصر تفسير ابن كثير )
((قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ))
(صحيح البخاري )
 هذه الرحمة، فإن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله، ضمن البيت وخارجه وفي عملك وسفرك وفي إقامتك وحربك وسلمك، حتى إذا قتلت حيواناً، إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتل، لا تعذب حيواناً.
 هذه رواية البخاري، في رواية لمسلم:
((عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ))
(صحيح مسلم)
 بعض علماء هذا الحديث فسر الحديث تفسير رائع، النتائج التي تحصلها بالرفق لا تستطيع أبداً أن تحصلها بالعنف، لأنه:

((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))

 الأسلوب الإيجابي فعال جداًَ، يعطي من الخير والعطاء والتوفيق ومن تأليف قلوب الناس، يعطي من المحبة طريق الرفق مالا يعطيه طريق العنف.
لذلك ورد أيضاً:
((علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف))
(الإصدار لجلال الدين السيوطي)
(( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ ))
 ما سوى العنف ؟ موقف ليس فيه عنف، لكن لا يوجد فيه رفق، الشيء الدقيق أن الله عز وجل قال:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
(سورة النحل)
 كما أنت مأمور بالعدل مأمور بالإحسان.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾
 فالقضية التي لا تجري معك على العدل تجري معك على الإحسان.
 إخواننا الكرام: ليس في الدين إلا هذه المراتب الثلاث: مرتبة الإسلام، ومرتبة الإيمان، ومرتبة الإحسان، الأولى والثانية تؤكدها آية كريمة، قال تعالى:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾
(سورة الحجرات)
 أنت لن تكون مسلماً إلا إذا خضعت لأمر الله بقبضه وقضيته، بكل تفاصيله، مشكلة المسلمين أن الأوامر اختزلت ونسخت إلى خمس أوامر: يصلي ويصوم، يحج ويزكي، ويشهد أنه لا إله إلا الله، وانتهى كل شيء ! هو في الأصل لم ينته شيء، كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، كل أمر للنبي عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب، أنت أمام مجموعة أوامر كثيرة جداً، وأضيف إلى هذا أنك أمام مجموعة مواقف.
 لي صديق توفيت ابنته في سن صغير، في الثالثة عشرة من عمرها وهي ابنته الوحيدة، وهو متعلق بها أشد التعلق، في التعزية ماذا أقول له ؟ قلت له: إن النبي عليه الصلاة والسلام جعله أسوة لنا، ليكون أسوة لنا أذاقه الفقر، فيكون بذلك أسوة للفقراء، دخل إلى بيته قال:
((بَاب إِذَا نَوَى بِالنَّهَارِ صَوْمًا وَقَالَتْ أُمَّ الدَّرْدَاءِ: كَانَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: عِنْدَكُمْ طَعَامٌ ؟ فَإِنْ قُلْنَا لا، قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ يَوْمِي هَذَا ))
(صحيح البخاري)
 وأنا أقسم بالله أنه ما منكم واحد إلا وفي بيته شيء يؤكل، هل أحلس بهذا اليمين ؟ لا يوجد أحد من الحاضرين إلا وفي بيته شيء يؤكل، أما أن يدخل النبي إلى بيته فلا يجد شيئاً يأكله، قال: فإني صائم !
 أذاقه الغنى، لمن هذا الوادي ؟ قال: هو لك ! قال: أتهزأ بي ؟ قال: لا والله، قال: اشهد أنك رسول الله، فأذاقه النصر.
 لا يوجد قائد ينتصر في المعركة إلا ويأخذه العجب ويتيه على الناس، تأخذه الغطرسة ويأخذه الكبر، دخل مكة التي أخرجته، وذكرت بأصحابه، وائتمرت على قتله، وناصبته العداء عشرين عاماً، دخل مكة مطأطئ الرأس تواضعاً لله عز وجل، أذاقه القهر في الطائف.
((اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، لمن تكلني إلى عبد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك))
(الإصدار للإمام القرطبي)
 وأذاقه موت الولد، الولد غالي جداً، قال:
((وروينا في صحيح البخاري، عن أنس رضي اللّه عنه؛
أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل على ابنه إبراهيم رضي اللّه عنه وهو يجود بنفسه، فجعلتْ عينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تذرفان، فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسولَ اللّه؟! فقال: "يا بْنَ عَوْفٍ! إِنَها رَحْمَةٌ" ثم أتبعها بأخرى فقال: "إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))

(الإصدار للإمام النووي)
 أذاقه الله أن يقول الناس عن زوجته أنها زانية ! هل يحتملها أحد منكم ؟ حديث الإفك، أذاقه تطليق بناته، طلقت ابنته، الله عز وجل جعله أسوة، فلذلك النبي كان رفيق.
((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ )) من عطاء ومن خير وتأليف قلوب ومن اجتماع الناس حول إنسان ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه.
 الإنسان بنيان إذا جرحته وهدمته الله لا يرضى عنك، أنت ممكن أن تفعل شيء صنعة، أحياناً البنات يعملن في الصوف، ممكن أن تعمل البنت كنزة من الصوف خلال شهر، وتأتي أنت بخمس دقائق وتنزعها لها ؟ معقولة ؟ الإنسان بنيان الله، ملعون من هدم بنيان الله.
((إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ))
 إذا كان هناك موقف لا فيه رفق ولا عنف هذا أيضاً غير مطلوب، المطلوب أن تكون مرفق.
((عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ ))
(صحيح مسلم)
 هذه كلها أحاديث وردت في البخاري ومسلم، أنا سمعت عن ملك رحمه الله جمع رؤساء القبائل لوليمة، أحد رؤساء القبائل لم ينتبه، يوجد وعاء ماء لغسل الفاكهة، شرب منه ! طبعاً المدعوين ابتسموا ابتسامة سخرية، ما كان من هذا الملك إلا أن أمسك بإناء آخر مشابه وشرب منه، ستراً لحال هذا الذي سخر الحاضرون من عمله !
 هذا العمل فيه ذكاء بالغ وخلق عالي، النبي الكريم قال: لا تحمر الوجوه، لا تخجل إنسان ولا تضيق عليه وتحرجه، لا تحمر وجه إنسان إن أردت أن يحبك الله.
لذلك

((إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))

  سمعت أن أحد الأشخاص كان يتوضأ أمام الحسن والحسين رضي الله عنهما،وارتكب أخطاء فادحة في الوضوء، فبأسلوب لطيف جداً سألاه أن يكون حكماً بينهما في الوضوء، وتوضأ كل منهما، قال: والله أنا المخطئ
 الله عز وجل ألهم الإنسان أساليب كثيرة جداً لتنبيه الناس لأخطائهم، لكن أسلوب لا يجرح، النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يواجه أحد بما لا يكره من رحمته ورقته وحرصه لمحبة الناس له، لا يواجه أحد بما يكره، ماذا يفعل ؟ هو مكلف بأن يربي أصحابه، كان يصعد المنبر ويقول:
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَةُ تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الْوَلاءُ لِي، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَّرْتُهُ ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا فَإِنَّمَا الْوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَلَيْسَ لَهُ وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ))
(صحيح البخاري)
 العبد الفقير أحياناً أجد فيه خطأ في المسجد غير معقول وغير محتمل، لا أعالجه في نفس اليوم حتى لا يشار إلى صاحبه، أقول في درس آخر في بعد المساجد لا يوجد تربية عالية، أحدهم يجلس هكذا، أنا أقصد إنسان في جامعي يجلس هكذا، عندما غيرنا الجامع يعني هذا أنه لم يعد هناك حرج للمخطئ، فممكن أن توجه توجيه صحيح وأن تلفت النظر إلى أخطاء كثيرة جداً دون أن تجرح الناس، وهذا أسلوب.
((إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ عابه))
((إن الله ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا محبة الله تعالى))

(الإصدار للحافظ العراقي)
 الخرق أي الحمق، يقابل الرفق الحمق.
((وعن جرير بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق، وإذا أحب الله عبدا أعطاه الرفق، ما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرمو))
(الإصدار للحافظ الهيثمي)
((عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق))
 مر معنا في الأحاديث السابقة أن الرفق يقابل العنف، في هذا الحديث الرفق يقابل الخرق، والخرق يعني الحمق، وإذا أحب الله العبد أعطاه الرفق وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير.
 الملاحظ أن الناس في هذا العصر من بعدهم عن الله عز وجل سلكوا طريق العنف، بالمناسبة كان هناك كتاب مقرر للشهادة الثانوية، الكتاب قصة شعوب مضطهدة في أفريقيا ناضلت من أجل الخلاص من الاستعمار، لكن هذا الكتاب مبين على محور واحد، هذا المحور أن العنف لا يلد إلا العنف أبداً، سلسلة لا تنتهي، تقف موقف عنيف تجد موقف عنيف مقابله، العنف لا يلد إلا العنف، أما الرفق والود..
 مثلاً إنسان أخطأ، لو قال أخطأت انتهى كل شيء، أخ كريم شكى لي عن أخ آخر، أردت أن أعاتب الآخر، قال لي: أنا أخطأت، لم أتمكن من أن أقول كلمة واحدة ! انتهى الأمر، أخطأت وسأعتذر منه.
 فإذا كان الإنسان واقعي ومنصف، ووقف موقف لطيف أو موضوعي، إخواننا الكرام: الموضوعية جزء من الدين، وهي أن تقول ما حدث فعلاً
 مرة كنت عند طبيب، أكبرت هذا الطبيب، أصبح هناك خطأ بالمعالجة، فقال: أنا أخطأت، وأنا لا أستطيع أن أكشف خطأه أبداً ! معلوماتي لا تسمح لي أن أكشف خطأه، وبإمكانه أن يعزو الخطأ بشيء آخر بكل بساطة، وأنا لن أعرف ذلك، لكن أنا أكبرت في صدقه، قال لي: أنا أخطأت، حصل خطأ مني، تعلقت به أكثر لأنه موضوعي.
 إخواننا الكرام: الحياة أساسها القيم الأخلاقية، فإذا الإنسان كان موضوعي وصف ما حدث، أصبح عالم، أما إذا وصف الواقع بغير ما هو لم يعد عالم.
((إن الله عز وجل ليعطي على الرفق ما لا يعطي على الخرق))
((وإذا أحب الله العبد أعطاه الرفق وما من أهل بيت يحرمون الرفق إلا حرموا الخير))

 يوجد أجواء لطيفة مودة ومحبة ومسامحة وأجواء اعتذار وتطيب قلب وجبر خاطر، هذه أجواء مسعدة، الإنسان قد يأكل أخشن الطعام، وقد يرتدي أخشن الثياب، وقد يسكن بأصغر بيت، لكن مع الجو اللطيف شيء مريح، وقد تطعمه أطيب الطعام مع العنف لا يحتمل.
 طرفة سمعتها: زوج ابنته قال للعريس: أريد النقد منك تقسيطاً، كل يوم دفعة، قال هذا: سنعيش مع بعضنا ثلاثين أو أربعين سنة كيف سأدفع لك كل يوم دفعة ؟ قال لا: أريد النقد مقسط على أيام العمر، الكلمة الطيبة اللفتة اللطيفة، الكلمة المواسية، الاعتذار احياناً، تطيب القلب، هذا المهر
((عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ))
(سنن الترمذي)
 أنا كنت أقول أن هناك في الدعوة إلى الله طريقان طريق تأليف الكتب، وطريق تأليف القلوب.
 إخواننا الكرام: عشرات ولا أبالغ، بل مئات المواقف السابقة الخيرة الحكيمة الذكية تشد الإنسان إليك، موقف واحد عنيف ينفر الناس منك، فلذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:
))عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْرِ، وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الْخَيْر((
 الآن الرفق قابله النبي بالعنف، والرفق قابله النبي بالحمق، والآن الرفق ساواه النبي مع الخير، ومن حرم الرفق حرم الخير كله، رواه الترمذي، وقال هذا حديث حسن صحيح.
((عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ يَرْفَعُهُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ))
(موطأ مالك)
 معونة الله عز وجل تتأتى من الرفق، فإذا سلكت طريق العنف تأتيك معونة الله عز وجل.
 مر معنا في الحديث أن من كظم غيظه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً، إذا أنت عفوت عن إنسان أصبح موالي لك تنام مرتاح، مهما بدا لك الإنسان ضعيفاً أمامك لو قسوت عليه يقلقك، أحياناً يتكلم عنك كلام غير صحيح، أنت لا تستطيع أن تكذب، الخبر السيئ يسري، أحياناً الإنسان ينتقل بكلام غير صحيح، فلذلك تأليف القلوب شيء يحتاج إلى حكمة بالغة جداً.
((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ ))
(مسند الإمام أحمد)
 فالرفق أحد أساب الخير الذي تناله، أسمع قصص بين الأزواج غير معقولة إطلاقاً عنف ما بعده عنف، أخت كريمة اتصلت بي قبل يومين أن زوجها حلف عليها يمين طلاق ألا تزور أهلها، إلا إذا جاء أبوها، أبوها لا يأتي، قلت لها: إذا جاء في غياب زوجك دقائق معدودة، قالت: لا يأتي أبداً ! سنتان تخاف أن تزور أبوها فتطلق من زوجها، والأب لا يزور صهره ولا زيارة شكلية، الصهر أخذ موقف، والأب أخذ موقف والضحية الفتاة، هذا عنف.
 أحياناً تطلق المرأة لأسباب تافهة لعنف وقد يخسر الإنسان امرأته لأسباب تافهة، فالعنف كما قال عليه الصلاة والسلام: لا يأتي بالخير.
((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أَدْخَلَ عَلَيْهِمُ الرِّفْقَ))
 يوجد بيوت جوها مريح وعفوي، لا يوجد تكلف أو تدقيق، أنا عندي قاعدة إذا وقعت المحبة رفعت الكلفة، الحياة مع التكلف لا تطاق، حياة مع القنص وأساسها النقض لا تطاق، الحياة فيها مودة وتسامح، النبي الكريم قال

((لتمس لأخيك عذراً ولو سبعين مر))

 نحن ولا مرة، قال: ولو سبعين مرة.
((عن عائشة قالت: "قال النبي صلى الله عليه وسلم: الرفق يمن، والخرق شؤم، وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم باب الرفق))
(الإصدار لجلال الدين السيوطي)
 الشؤم يسبب الشر، واليمن يسبب الخير، الخير معقود بالرفق، والشر معقود بالعنف، الرفق يمن، والخرق شؤم أي الحمق.
 أحياناً تنهار إنجازات كبيرة من عدم الرفق، سمعت عن مشروع تقريباً من أندر مشروعات الشرق الأوسط، مشروع دوائي، وقع خلاف بين الشركاء على أسباب تافهة جداً، كان من الممكن أن يعود هذا المشروع بالخير الكبير الكبيرِ الكبير على المنطقة كلها، وعلى الشركاء وكل العاملين في أمور الطب لأسباب نفسية مبعثها العنف بين الشركاء، صفي المشروع والآن يوجد خسارات كبيرة جداً.
 العنف يهدم شركات ومنجزات أحياناً.
((ما أعطي أهل بيت الرفق إلا نفعهم))
(الإصدار لجلال الدين السيوطي)
 أخ سألني: وجدت رسالة من ابني إلى فتاة، هل أطرده من البيت ؟ أضربه ؟ أقنعه لا تكن قنعياً، كن مقنعاً، بالإقناع، بين له منهج الله، ومحاذير هذا.
 أنا ذكرت لكم أني كنت في العمرة في الفندق الذي أنا فيه أمام المصعد يوجد كتب كثيرة جداً موضوعة بشكل لطيف مكتوب فوق: خذ الكتاب اقرأه ,أعده إلى مكانه، وجدت كتاب مكتوب عليه شريط بالفيديو، لفت نظري فأخذته وقرأته في الغرفة، القصة مؤثرة جداً، القصة تعد نموذجيه لمخالفة حديث رسول الله: فتاة جامعية هكذا تقول: هي أساس القصة رسالة جاءت من السجن إلى دار النشر، هذه الدار طبعت هذه الرسالة على شكل كتيب من أربعين صفحة، وعنوان الكتاب شريط الفيديو، ملخص هذه الرسالة أن فتاة جامعية أرسلت قصتها إلى هذه الدار تقول: أنا فتاة جامعية خرجت من بيتي مرة تبعني شاب، أسمعني كلمات إطراق وما شاكل ذلك، فانزعجت أشد الانزعاج وارتجفت، ثم عنفته وتابعت سيري، تابع الكلام مرتين أو ثلاثة، عدت إلى البيت إذا هو يتصل بي هاتفياً ‍ويعتذر منها لعله أزعجها، إلا انه قال: إنني أريد الزواج منك، وأنا راقبتك أسابيع كثيرة، وجدت الأدب والكمال والعفة والحرص وما إلى ذلك.
 تقول هذه الفتاة: هذه الكلمات أسعدتني كنت إذا خرجت من البيت وأنا أتمنى أن أراه في الطريق، اختلف الوضع، وكنت إذا عدت إلى البيت أنتظر أن يتصل بي، نشأت علاقة بين هذا الشاب وهذه الفتاة إلى درجة أنه استطاع أن يستدرجها إلى بيت ‍!
((عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ: اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ))
(مسند الإمام أحمد)
 ولكن في هذا البيت لعله سقاها قهوة أو شاي وفيهما مادة مخدرة، والذي أراده منها حصل، فلما صحت ورأت أنها انقلبت من فتاة إلى امرأة صرخت مذعورة، قال: إطمأني أنا سأتزوجك، هذه الكلمة سكنت من روعها، وتابعت العلاقة به إلا انه في أحد الأيام تجهم في وجهها، قال لها: أنا معي شريط، قالت: ما الشريط ؟ قال: اذهبي لأريك مضمون الشريط، ذهبت معه، فإذا الذي تم بينه وبينها على شريط الفيديو، قال: هذا الشريط بإمكاني أن أجعل أهلك يذبحونك، فإن لم تنصاعي إلى أمري أطلعت أهلك عليه، صار يجمعها مع الرجال، كل يوم مع رجل، ويتقاضى من هؤلاء مبالغ طائلة، ولا يعطيها شيئاً أبداً، كل يوم تأتي جعلها عاهرة، هي خائفة من الشريط، ترضخ لأوامره من الشريط، ثم فجأة خطر له أن يؤجر الشريط، صار الناس يداولونه إلى أن وصل إلى ابن عمها، أعلم أهلها فهربت من البيت، الأهل باعوا البيت وانتقلوا إلى بلدة أخرى خوفاً من العار، وحدث بين الأهل ما لا تحمد عقباه، وتابع هو استغلالها إلا ان أرادت أن تقتله وقتلته، طعنته بالسكين، حكموا عليها ثلاثين عاماً، أرسلت هذه الرسالة إلى السجن، أنا قلت حينما قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا))

  هذا كلام النبي، لو علمنا الفتيات لا يمكن أن تدخل فتاة بيت لا تعرفه فهذا منهج رسول الله، لماذا الدين ضروري ؟
 قال: يا بني العلم يحرسك وان تحرس المال.
 مرة سائق تكسي ركبت معه امرأة قال لها: إلى أين يا أختي ؟ قالت: إلى حيث تريد، فهم مرادها وعد هذا غنيمة كبيرة وانتهى به الأمر إلى رسالة أعطته إياها، قالت له في هذه الرسالة: مرحباً بك في نادي الإيدز، نقلت له هذا المرض، أعطته خمس آلاف دولار مزورة، دخل من أجلها السجن، لماذا يجب أن نحضر مجالس العلم ؟ كي نعرف أمر الله،
إخواننا الكرام: الله ضمان لسلامتنا، وليس حداً لحريتنا، أنا اضرب مثل دائماً: إذا كنت في حقل، وقد رأيت لوحة انتبه حقل ألغام، هل تتابع السير ؟ هل تحقد على من وضع اللوحة؟ لا بل تشكره، هل تعد هذه اللوحة تقليداً لحريتك ؟ لا إنها ضمان لسلامتك.
 لذلك إذا فهمت أمر الله ونهيه أنه ضمان لسلامتك فأنت فقيه في الدين، هذا هو فقه الدين.
 تصور هذه الأسرة التي دمرت والتي فضحت، وهذه الفتاة كان من الممكن أن تكون زوجة إنسان لامع جداً، كان من الممكن أن تكون امرأة شريفة فاضلة لأنها ما عرفت منهج الله، وغرها الشيطان، وانساقت وراء كلماته المعسولة، فأصبحت مومس، أصبحت فتاة عاهرة، والمجتمع يلفظها.
((عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ، رِفْقٌ بِالضَّعِيفِ، وَشَفَقَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِحْسَانٌ إِلَى الْمَمْلُوكِ))
(سنن الترمذي)
 الآن نريد من رسول الله موقف عملي، هذه كلها أحاديث نظرية، العملي قال:
((عَن أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))
(صحيح البخاري)
 ممكن إنسان أن يسبب أذى لمسجد ؟ بال في المسجد، والأصحاب الكرام لغيرتهم على هذا المكان الطاهر أرادوا أن يقعوا فيه.
 وذات مرة أحد علماء الشام المشاهير كان مع إخوانه في بستان، وكان البستان قد سقي من الماء، فأصبح الطريق فيه وحلاً، جاء إنسان يركب دابة ولا يهتم بأمر الناس، والطين يتطاير من أقدامها، فصاحوا به كثيراً ولم يرتدع حتى أصاب الطين الشيخ وإخوانه، فيمكن أن أحد الأخوان لم يستطع التحمل فقام ووقع فيه، فقال هذا الشيخ الجليل: ما أفلح قوم لا سفيه لهم. فقام هؤلاء الصحابة الكرام يقعوا فيه، فقال عليه الصلاة والسلام:
((دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ))
 تطبيق عملي:
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا))
(صحيح البخاري)
((عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: ما خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا، كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا))
(صحيح البخاري)
 ما انتقم لنفسه إطلاقاً ! ولا اختار إلا الأسهل إلا أن يكون إثماً، هذا من رفق رسول الله، هذه السنة العملية.
((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ ؟ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ ؟ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ))
(سنن الترمذي)
 المؤمن يألف ويؤلف، فلا خير في من لا يألف ولا يؤلف.
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا أَشَجُّ إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمَ وَالتُّؤَدَةَ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَشَيْءٌ جُبِلْتُ عَلَيْهِ أَمْ شَيْءٌ حَدَثَ لِي ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَلْ شَيْءٌ جُبِلْتَ عَلَيْهِ))
(سنن ابن ماجة)
 هناك قاعدة: أحياناً يغضب الإنسان، أنا أنصح الأخوة جميعاً أن لا تتخذ قراراً وأنت غضبان، أرجئ القرار لبعد أسبوع دائماً، عندما تجد أن الأمور قد هدأت، وارتاحت أعصابك، وأصبح تفكيرك صحيح، الميزان اصبح دقيق، المتراجحات أصبحت واضحة، إياك أن تتخذ قراراً وأنت غاضب.
فذلك

((تَحْرُمُ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْل ))

  التأني من الله، والعجلة من الشيطان، الشعور بالندم لا يطاق ولا يحتمل
((عن علي بن الحسين رضي الله عنهم قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد أيكم أهل الفضل ؟ فيقوم ناس من الناس؛ فيقال: انطلقوا إلى الجنة فتتلقاهم الملائكة؛ فيقولون إلى أين ؟ فيقولن إلى الجنة؛ قالوا قبل الحساب ؟ قالوا من أنتم ؟ قالوا أهل الفضل؛ قالوا وما كان فضلكم ؟ قالوا كنا إذا جهل علينا حلمنا وإذا ظلمنا صبرنا وإذا سيء إلينا عفونا؛قالوا ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملي))
(الإصدار للإمام القرطبي)
((حديث علي "إن الرجل المسلم ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وإنه ليكتب جبارا عنيدا ولا يملك إلا أهل بيته))
(الإصدار للحافظ العراقي)
((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَثَّرَتْ بِهِ حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَذْبَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ))
(صحيح البخاري)
 لو كان مع غيره لكان قد ذهب، أمر له بالعطاء.
((عن عائشة "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وجبت محبة الله على من أغضب فحلم))
(للإمام جلال الدين السيوطي)
 الحديث الذي قبل الاخير:((بتغوا الرفعة عند الله، تحلم عمن جهل عليك، وتعطي من حرمك))
(الإصدار للمتقي الهندي)
 في الجاهلية كان في شيء آخر وهو: ألا لا يجهلن أحد علينا، فنجهل فوق جهل الجاهلين، هذا سلوك جاهلي.
 الحديث الأخير:
((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ))
(صحيح البخاري )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018