الكلمة الطيبة - الدرس : 3 - الزكاة تطهر نفس الغني من البخل ، ونفس الفقير من الحقد والحسد - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠34برنامج الكلمة الطيبة - قناة المنار
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الكلمة الطيبة - الدرس : 3 - الزكاة تطهر نفس الغني من البخل ، ونفس الفقير من الحقد والحسد


2008-09-03

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين ، أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

ارتقاء الإنسان بالشهوات صابراً و شاكراً :

الله عز وجل يقول : ليس في الإسلام حرمان، فهو دين الحياة

﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة آل عمران الآية : 14 )

معنى ذلك أن الله أودع فينا الشهوات ، لكن بعض الناس يتوهمون أنه لولا الشهوات لما هلك الإنسان ، والحقيقة عكس ذلك ، لولا الشهوات التي أودعها الله فينا ما ارتقى الإنسان إلى رب الأرض والسماوات ، الإنسان يرتقي بالشهوة التي أودعت فيه مرتين يرتقي مرة إلى الله صابراً ، ويرتقي مرة إلى الله شاكراً ، فإذا أودع الله في الإنسان حبّ المال إذا امتنع عن كسب المال الحرام يرقى صابراً ، وإذا كسب المال الحلال وانتفع به يرقى إلى الله شاكراً .
لذلك لولا الشهوات ما ارتقينا إلى رب الأرض والسماوات ، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، ليس في الإسلام حرمان ، هذا توهم الجاهلين ، الإسلام دين الحياة .

 

الإسلام هو الحياة والإسلام دين الفطرة :

مرة ثانية : ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها ، أودع الله في الإنسان حب المرأة ، فإذا تزوج ارتقى إلى الله شاكراً .
مرة التقيت بعالم من علماء دمشق ، قال لي : أنا عندي 38 حفيداً ، عدد كبير منهم من حفاظ كتاب الله ، وعدد كبير منهم أطباء ، قلت : هذا الجمع الكبير من الأبناء والبنات ، والأحفاد ، والأصهار ، والكنائن ، هذا الجمع الغفير أساسه تلبية حاجة الجنس ، لكن ارتقى بها إلى أعلى عليين ، وفي أي بيت دعارة تتم في هذا البيت علاقة جنسية وفيها يسقط الإنسان .
فالشهوة حيادية ، سلم نرقى بها ، أو دركات نهوي بها ، لكن الحقيقة الدقيقة التي أؤكد عليها أنه ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا جعل لها قناة تسري خلالها ، فالإسلام هو الحياة ، والإسلام دين الفطرة .

من اتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه :

بل إن الله عز وجل حينما قال :

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾

( سورة القصص الآية : 50 )

ما معنى ذلك ؟ عند علماء الأصول هناك المعنى العكسي ، المعنى المخالف ، أي أن الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه ، لذلك هناك آية دقيقة جداً ، قال تعالى :

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

( سورة الفجر )

جاء الرد الإلهي بكلمة ردع ونفي ، قال :

﴿ كَلَّا ﴾

( سورة الفجر الآية : 17 )

أن يا عبادي ليس عطائي إكراماً ، ولا منعي حرماناً ، عطائي ابتلاء ، وحرماني دواء ،

﴿ الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

يقول هو ، يتوهم أن المال المحض ، أن المال على إطلاقه إكرام ، لا ،

﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾

جاء الجواب

﴿ كَلَّا ﴾

هذا المال ليس نعمة ، وليس نقمة ، موقوف على طريقة كسبه وإنفاقه .
فلذلك الشهوة حيادية ، وما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها .

 

التناقض بين الطبع والتكليف ثمن الجنة :

لهذا نقول هناك طبع في الإنسان ، وهناك تكليف ، فالطبع يقتضي أن تأخذ المال ، والتكليف ينبغي أن تنفقه ، الطبع يقتضي أن تبقى نائماً ، والتكليف يقتضي أن تستيقظ على صلاة الفجر ، الطبع يقتضي أن تملأ عينك من محاسن المرأة ، والتكليف يقتضي أن تغض البصر .
فلذلك هذا التناقض بين الطبع والتكليف ، تغطيه الآية الكريمة :

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

( سورة النازعات )

لذلك أنت حينما تنهى نفسك عن شهوة لا ترضي الله ، وتتبع الحيز الذي سمح الله به ترقى إلى الله شاكراً .

 

فرضية الزكاة :

هذا تقديم لموضوع الزكاة ، الله عز وجل يقول :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 103 )

الآية أصل في فرضية الزكاة ، كلمة خذ ، الله يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم لكن بعض علماء الأصول يقولون : لا يخاطب الله النبي في هذه الآية ، على أنه نبي الأمة يخاطبه على أنه ولي المسلمين ، فالزكاة ليست قضية مزاج تدفع أو لا تدفع ، ينبغي أن تؤخذ من المسلم ، ينبغي أن تؤخذ ،

﴿ خُذْ مِنْ ﴾

﴿ مِنْ ﴾

تقتضي التبعيض ، يغني خذ بعض أموالهم ، لا تأخذ كل أموالهم ، ليس في الإسلام مصادرة المال كله ،

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

خذ بنسبة لا تزيد عن اثنين ونصف بالمئة ،

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

أما كلمة

﴿ أَمْوَالِهِمْ ﴾

جاءت جمعاً ، لأن الزكاة في جميع الأموال ، ما أنتجته الأرض ، الأنعام ، مقدار الذهب والفضة ، أي مال بالمقياس المعاصر هو مال ، القطن مال ، خامات المعادن مال ، البترول مال ،

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾

معنى صدقة ، هنا سميت الزكاة صدقة في هذا المقام للتأكيد على أنها تدل على صدق الإنسان ، هناك عبادات لا تكلف شيئاً لكن هناك عبادة تكلف أن تنفق شيئاً تحبه ، أن تنفق شيئاً تتمنى أن يبقى معك .

 

الإنسان حينما يؤدي زكاة ماله يؤكد صدقه في محبة الله عز وجل :

لذلك الإنسان حينما يؤدي زكاة ماله يؤكد صدقه في محبة الله عز وجل ،

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

من ماذا ؟ قال علماء التفسير : تطهر الغني من الشح ، والشح مرض خبيث ، بمعنى كيف أن هناك مرض ينتهي بالموت ، كالورم الخبيث ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

( سورة الحشر )

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

تطهر الغني من الشح ، وتطهر الفقير من الحقد ، حينما يحقد الفقير ، حينما يكون الفقير محروماً ، يحقد على المجتمع ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح :

(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]

هذا الضعيف إن أطعمته إن كان جائعاً ، كسوته إن كان عارياً ، عالجته إن كان مريضاً ، زوجته إن كان غير متزوج ، آويته إن كان مشرداً ، علمته إن كان جاهلاً ، أنصفته إن كان مظلوماً ، هذا الضعيف حينما لبيت حاجته وأنت قوي ، وبإمكانك أن تهمله يكافئك الله مكافأة من جنس عملك فينصرك على من هو أقوى منك .
لذلك إنما أداة قصر وحصر ، إنما تنصرون بضعفائكم ، إنما تنصرون ، وفي رواية :

(( وتُرزقُونَ بضعفائكم ))

فلذلك

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

تطهر الغني من الشح ، وهو مرض خبيث ، تطهر الفقير من الحقد ، تطهر المال من تعلق حقّ الغير به ،

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ ﴾

الزكاة تطهر نفس الغني و تزكيها :

الآن

﴿ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾

فالغني حينما يرى عمله الطيب انعكس بسمة على وجوه من حوله ، حينما يطعم الجائعين ، حينما يلبي حاجات الفقراء ، حينما يوفر فرص عمل لهؤلاء المساكين ، حينما يكون في خدمة مجتمعه ، حينما يسخر ماله لخدمة المسلمين ، حينما يقوي بماله المسلمين ، حينما يهيئ فرص عمل ، حينما يقوم بمشاريع ، مشاريع استثمارية تؤمن فرص عمل ، مشاريع خيرية ، مأوى للعجزة ، دار للأيتام ، معاهد شرعية ، هذا الغني يشعر أنه مهم جداً في المجتمع ، تنمو نفسه ، صار في قلوب الآلاف ، في قلوب عشرات الألوف .
لذلك فضلاً عن أن الزكاة تطهر نفس الغني ، تزكي نفس الغني ، أي تنمو به وكذلك الفقير ، حينما يرى حاجاته أُمنت ، جاؤوا له بالطعام ، والشراب ، والمأوى ، وضعوا أولاده في المدارس ، أعانوه على حلِّ مشكلاته في الدنيا ، يشعر بقيمته في المجتمع ، يشعر أنه عضو في الأسرة ، وليس منبوذاً محتقراً .

 

من يؤدي زكاة ماله ينمو ماله مرتين ؛ مرة بآلية اقتصادية و مرة بطريقة إلهية :

الزكاة تُنمّي المال بآليةٍ اقتصادية وعنايةٍ إلهية
لذلك تنمو نفس الفقير أيضاً ، نفس الغني تنمو ، ونفس الفقير تنمو ، والمال ينمو ، قال العلماء : ينمو بإحدى طريقتين ، إما أنه ينمو بآلية اقتصادية ، فالفقير إذا أعطيته مالاً أصبح بيده قوة شرائية ، ماذا يفعل بهذا المال ؟ لابدّ من أن يشتري طعاماً ، وشراباً ، وكساءً ، إذاً هو أصبح قوة شرائية سببت ربحاً لهذا الغني الذي أنفق من ماله الزكاة ، إذاً المال ينمو بآلية اقتصادية طبيعية .
ولكن هناك رأي آخر أنا يسرني ، أن هذا المال ينمو أيضاً بآلية أخرى ، أنا أسميها العناية الإلهية ، فهذا الغني حينما أنفق ماله ، وأدى زكاته ، الله عز وجل بعناية خاصة يبعده عن كل صفقة خاسرة ، ينمي ماله ، يقنع الناس ببضاعته ، إذاً ينمو ماله مرتين ينمو مرة بآلية اقتصادية ، وينمو مرة بطريقة إلهية .
لذلك :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

 

المؤمن القوي خير وأحبّ إلى الله لأن فرص العمل الصالح أمامه لا تعد ولا تحصى :

 

أيها الأخوة ، هناك حقيقة لابدّ منها ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

المؤمن القوي ، لماذا ؟ طبعاً النبي كما يقولون في اللغة الدارجة جبار خواطر قال :

(( وفي كلّ خير ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

جميع المؤمنين على العين والرأس ، لكن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله لماذا ؟ قال : لأن فرص العمل الصالح أمام المؤمن القوي لا تعد ولا تحصى ، لأن الإنسان خلق للعمل الصالح ، والدليل أنه حينما يأتيه ملك الموت لا يندم إلا على عمل صالح فاته .

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

( سورة المؤمنون )

المؤمن القوي متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح للضعيف ، والقوة قوة مال ، والقوة قوة العلم ، والقوة قوة المنصب ، قوي المنصب بجرة قلم يحق حقاً ويبطل باطلاً ، قوي المنصب بجرة قلم ، يقر معروفاً ويزيل منكراً ، قوي المال يحل مشكلات الشباب ، يزوج الشباب ، ينشئ دور المأوى للعجزة ، دور للأيتام ، معاهد شرعية ، مستشفيات مستوصفات ، يشق الطرق ، يحل مشكلات الأمة .

 

القوة في الحياة ذات اتجاهات ثلاثة ؛ قوة العلم وقوة المال وقوة المنصب :

لذلك حينما يكون طريق قوة المال سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون غنياً لأن المؤمن الغني متاح له من الأعمال الصالحة ما لم يتح للفقير .
وحينما يكون طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً ، لأنه بقرارٍ تحق حقاً ، وتبطل باطلاً ، وحينما يكون طريق العلم سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون عالماً ، لأن القوة في الحياة ذات اتجاهات ثلاثة ، قوة العلم ، وقوة المال ، وقوة المنصب .
لذلك إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله ينبغي أن تكون قوياً .

(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

لذلك يقول الإمام علي كرم الله وجهه : قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه ، في هذا الحديث الذي نسب للإمام علي رضي الله عنه تتمة ، قال :
فإذا ضيع العالم علمه ، أي لم يطبق علمه ، فإذا ضيّع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم ، لماذا يتعلم ؟! ليخالف علمه ؟ وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره .
فلذلك أيها الأخوة قوام الدين والدنيا أربعة رجال ، عالم مستعمل علمه ، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم ، وغني لا يبخل بماله ، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه .

 

الزكاة الحجر الأساس في الاقتصاد الإسلامي :

الزكاة هي حجر الأساس في الاقتصاد الإسلامي
أيها الأخوة ، الزكاة تعد الحجر الأساس في الاقتصاد الإسلامي ، لكن هذا الوهم الساذج أن تعطي دريهمات لفقير يمد يده إليك ، ينبغي أن تغني الإنسان لعام ، أو مدى الحياة بتوفير حرفة له ، أو آلة يعمل عليها ، أو طريق لكسب رزقه .
فلذلك أفضل زكاة ما حولت قابض الزكاة إلى دافع الزكاة ، يجب أن نعطي الزكاة وأن نُشعر هذا الفقير أن كرامته محفوظة ، يجب أن نعطيه عطاءً يكفيه عاماً .
هناك بعض الآراء الفقهية : أو أن نعطيه عطاءً يكفيه مدى العمر عن طريق تأمين حرفة له ، أو عن طريق آلة يعمل بها ، أو محل تجاري ، ينبغي أن تجعله منتجاً ، وأن تبعده عن أن يمد يده .

 

الزكاة فرض و الصدقة تؤكد محبة الإنسان لله عز وجل :

 

أيها الأخوة الكرام ، نقطة دقيقة جداً ، قال تعالى :

﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 177 )

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

قال علماء التفسير :

﴿ وَآَتَى الْمَالَ ﴾

مع أنه يحبه ، يحب كنزه بحسب طبعه ،

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

وقال بعضهم :

﴿ وَآَتَى الْمَالَ ﴾

بسبب حبه لله عز وجل ، هذا هي الصدقة ، والدليل :

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

فإيتاء الزكاة شيء ، ودفع الصدقة شيء آخر ، والإنسان حينما يؤدي زكاة ماله يؤدي فرضاً فرضه الله عليه ، أما حينما يؤدي صدقة وينفع بها الأمة معنى ذلك أنه يؤكد محبته الزائدة لله عز وجل ،

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ﴾

ثم قال :

﴿ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

الهالك من أنفق كل ماله أو لم ينفق شيئاً من ماله :

أيها الأخوة الكرام ، آية ثانية ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 195 )

قال علماء التفسير : إنكم تهلكون بإحدى حالتين ، إن أنفقتم مالكم كله ، أو لم تنفقوا من أموالكم شيئاً ،

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

أي أن تهلك أيها الإنسان بعدم الإنفاق ، أو أن تهلك بإنفاق المال كله .

 

الاتصال مع الله عز وجل يمنع الإنسان من الخوف و البخل :

لابدّ من التنويه إلى أن الإنسان فيه نقاط ضعف في أصل خلقه ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

شديد الهلع ، ما معنى شديد الهلع ؟ قال :

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

( سورة المعارج )

يعني إذا كان معه مال طبعه يقتضي ألا ينفقه ، أن يخزنه ، أن يكنزه .

﴿ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ ﴾

( سورة التوبة الآية : 34 )

يكنزونها ، فإذا أفقه عاكس طبعه ارتقى عند الله ، فلذلك :

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

﴿ إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

( سورة المعارج )

هنا ، المصلي ينجو من الهلع ، وينجو من البخل ، لذلك ورد في بعض الآثار القدسية :

(( ليس كل مصلٍّ يصلي ، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي ، وكفّ شهواته عن محارمي ، ولم يصر على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المصاب ، وآوى الغريب ، كل ذلك لي ، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوء عندي من نور الشمس على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلمة نورا ، يدعوني فألبيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليّ فابره ، أكلأه بقربي ، وأستحفظه ملائكي ، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ، ولا يتغير حالها ))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018