الكلمة الطيبة - الدرس : 1 - حقيقة العبادة ، تعريفها وأقسامها ومستوياتها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠34برنامج الكلمة الطيبة - قناة المنار
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الكلمة الطيبة - الدرس : 1 - حقيقة العبادة ، تعريفها وأقسامها ومستوياتها


2008-09-01

بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الإسلام مثلث مقطع إلى أربعة أقسام ؛ العقائد و العبادات و المعاملات و الآداب :

أيها الأخوة ، إن صحّ أن الإسلام مثلث ، مقطع إلى أربعة أقسام ، فالقسم الأول هو العقائد ، وأخطر ما في الدين العقيدة ، فإن صحت صحّ العمل ، وإن فسدت فسد العمل ، والقسم الثاني العبادات ، والقسم الثالث المعاملات ، والقسم الرابع الآداب ، فما العبادات ؟
العبادات أيها الأخوة ، حتى نفهما على حقيقتها لابدّ من مثل :
إنسان سافر إلى بلد ، نزل في أحد الفنادق ، وفي صبيحة اليوم الأول سأل : إلى أين أذهب ؟ نسأله نحن : لماذا أتيت إلى هنا ؟ إن جئت طالب علم اذهب إلى المعاهد والجامعات ، وإن جئت سائحاً اذهب إلى المقاصف والمتنزهات ، وإن جئت تاجراً اذهب إلى المعامل والمؤسسات .
ماذا يعني هذا الكلام ؟ يعني هذا الكلام أنه لا تصح حركتك في مكان ما إلا إذا عرفت سرّ وجودك ، وغاية وجودك ، لو أردنا أن نكبر هذا المثل ، لماذا نحن في الأرض ؟ ما سرّ وجودنا ؟ وما غاية وجودنا ؟ إذا عرفنا سرّ وجودنا وغاية وجودنا تصح حركتنا .

العبادةعلة وجودنا :

لذلك لو فتحنا القرآن الكريم لقرأنا هذه الآية :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

( سورة الذاريات )

العبادة علّة وجودنا
فعلة وجودنا العبادة ، العبادة بأوسع معانيها ، قد يتوهم المسلمون أن العبادة أن تؤدي الصلاة ، والصيام ، والحج ، والزكاة ، وانتهى كل شيء ، نقول لم ينتهِ كل شيء ، العبادة منهج تفصيلي ، يبدأ من اشد العلاقات خصوصية ، يبدأ من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية .
إذاً العبادة منهج تفصيلي من عند الخالق ، من عند الخبير ، من عند العليم ، من عند الرحيم ، من عند القوي ، من عند الغني ، منهج جاءنا من وحي السماء .

 

معرفة الله أصل الدين :

لذلك حينما قال الله عز وجل

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

من أدق تعريفات العبادة أنها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
هذا التعريف الدقيق ، الجامع ، المانع ، فيه كتل ثلاث ، أو فيه كليات ثلاث ، فيه كليه معرفية ، فالذي يعبد الله لابدّ من أن يعرفه ، ومعرفة الله أصل الدين ، هذا الكلام قاله الإمام علي رضي الله عنه ، لابدّ من أن تعرفه ، تصلي لمن ؟ تصوم لمن ؟ تحج لمن ؟ تغض البصر لمن ؟ تنفق مالك لمن ؟ لابدّ من أن تعرف الله ، ولابدّ من أن تلتزم ، لابدّ من أن تخضع حركتك في الحياة لمنهج تفصيلي دقيق عميق متناسق ، ملخصه افعل ولا تفعل ، فلابدّ من معرفة الله أولاً ، ولابدّ من تطبيق لأمره ثانياً .

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

( سورة فصلت الآية : 30 )

ثم أوقعوا حركتهم في الحياة وفق منهجه ، إذاً طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية .

 

العبادة طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية :

أولاً : هي طاعة ، طاعة تختلف عن طاعة الأقوياء ، الأقوياء يطاعون قسراً لكن الله سبحانه وتعالى أرادنا أن نطيعه محبة ، أرادنا أن نأتيه بمبادرة منا ، أراد أن تكون العلاقة بيننا وبينه علاقة حب ، قال تعالى :

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾

( سورة المائدة الآية : 54 )

هي طاعة طوعية ، ولا قيمة للطاعة القسرية ، الطاعة القسرية لا ترقى بالإنسان ، لابدّ من طاعة طوعية ، هذه الطاعة الطوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أي أنه ما عبد الله من أطاعه ولم يحبه ، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطيعه .

تعصي الإله وأنت تظهر حب ه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته إن المـحب لمن يحب يطيع
* * *

العبادة في أدق تعريفها :

إذاً العبادة في أدق تعريفها طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية .

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

( سورة فاطر الآية : 28 )

إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم ، لكن العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، ويظل المرء عالماً ما طلب العلم ، فإذا ظنّ أنه قد علم فقد جهل .
إذاً هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .

فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمة لــمت غريباً واشتياقاً لقربنا
ولو لاح مـن أنوارنا لك لائح تــركت جميع الكائنات لأجلنا
* * *

الدين على اختلاف عباداته وأوامره ونواهيه يسوق الإنسان إلى الاتصال بالله :

يتضح أيها الأخوة الكرام ، أن العبادة فيها كليات ثلاث فيها كلية معرفية ، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه ، فيها كلية سلوكية ، فيها كلية جمالية ، الكلية السلوكية هي الأصل ، لأن الدين كله على اختلاف نشاطه ، وعباداته ، وأوامره ، ونواهيه ، ينبغي أن يسوقك إلى الاتصال بالله ، بسبب استقامتك على أمره ، فإن لم تستقم لن تقطف من ثمار الدين شيئاً ، فالأصل هي طاعة طوعية ، لكن أساسها معرفة يقينية ، نتائجها تفضي إلى سعادة أبدية ، نعيد التعريف مرة ثالثة : هي طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية .

العبادة التعاملية يؤكدها سيدنا جعفر حينما قابل ملك الحبشة :

أيها الأخوة الكرام ، الآن لو اتضح لنا أن هناك عبادة شعائرية ، وأن هناك عبادة تعاملية ، العبادة التعاملية يؤكدها سيدنا جعفر رضي الله عنه ، حينما قابل ملك الحبشة النجاشي ، وسأله عن الإسلام ، قال :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

هذه الجاهلية ، وهذه الجاهلية الأولى ، وفي قوله تعالى :

﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 33 )

إشارة إلى جاهلية تأتي في آخر الزمان يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى ولا يستطيع أن يغير ، يوسد الأمر إلى غير أهله .

(( حتى يكون الولد غيظاً والمطر قيظاً وتفيض اللئام فيضاً ويغيض الكرام غيضاً ))

[أخرجه الطبراني عن عائشة أم المؤمنين ]

أركان الأخلاق :

في آخر الزمان :

(( كيف بكم إذا لم تأمروا بالمعروف ، ولم تنهوا عن المنكر ، قالوا : أوكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ، ونهيتم عن المعروف ، قالوا : أوكائن ذلك يا رسول الله ؟ قال : وأشد منه سيكون ، قالوا : وما أشد منه ؟ قال : كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً ، والمنكر معروفاً ؟ ))

[ ابن أبي الدنيا وأبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي أمامة بسند فيه ضعف ]

أركان الأخلاق: الصدق والأمانة والعفّة
فالجاهلية الأولى كما قال الإمام جعفر رضي الله عنه :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ـ وما أكثر الأصنام في هذا الزمان ـ ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، فكنا على ذلك ، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

هذه أركان الأخلاق ، إن حدثك فهو صادق ، وإن عاملك فهو أمين ، وإن استثيرت شهوته فهو عفيف .

(( حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ـ الآن أيها الأخوة دققوا في تعريف العبادة التعاملية ـ وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]

العبادة التعاملية و العبادة الشعائرية :

إذاً العبادة التعاملية أن تكون صادقاً ، أن تكون أميناً ، أن تكون عفيفاً ، أن تكون منصفاً ، أن تكون رحيماً ، أن تكون عفواً ، أن تكون لطيفاً ، أن تكون رؤوفاً ، مكارم الأخلاق ، حتى قال أحد كبار العلماء : الإيمان هو الخلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان ، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام :

(( بُنِي الإسلامُ على خَمْسٍ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]

الخمس شيء ، والإسلام شيء آخر ، الإسلام مجموعة قيم أخلاقية .

(( إنما بعثت معلما ))

[ أخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو ]

(( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ))

[ أخرجه أحمد عن أبي هريرة ]

لذلك العبادة التعاملية الصدق ، والأمانة ، والاستقامة ، والإنصاف ، والوفاء بالوعد ، وإنجاز العهد ، هذه العبادة التعاملية ، أما العبادة الشعائرية :

(( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمر ]

وما إلى ذلك ، فالعبادة التعاملية مكارم الأخلاق ، والعبادة الشعائرية الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة .

 

العبادة الشعائرية لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادة التعاملية :

الحقيقة الخطيرة الأولى : أن العبادة الشعائرية لا تصح ، ولا تقبل ، إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، طالبوني بالدليل :
يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه :

(( تَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لَا لَهُ دِرْهَمَ وَلَا دِينَارَ وَلَا مَتَاعَ قَالَ الْمُفْلِسُ مِنْ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يَأْتِي بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُقْعَدُ فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم و الترمذي عن أبي هريرة]

إذاً لن نستطيع أن نقطف من الدين شيئاً إن لم نستقم على أمره ، أو العبادة الشعائرية ، ومنها الصلاة ، والصوم ، والحج ، والزكاة ، لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العبادة التعاملية ، هذه الصلاة ، حديث آخر :

(( يؤتى برجال يوم القيامة ، لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا قيل يا رسول الله جلهم لنا ، قال : إنهم يصلون كما تصلون ، ويأخذون من الليل كما تأخذون ، ولكنهم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

إذاً لن نقطف من الصلاة ثمرة واحدة إن لم نستقم على أمر الله ، الصوم :

(( رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ))

[أخرجه الحاكم عن أبي هريرة ]

يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ ، فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ ))

[أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

انتهى الصوم ، ما لم نستقم على أمر الله في شهر الصوم لا قيمة لهذا الصيام ولن نقطف منه ثمرة واحدة ، الحج :

(( من حج بمال حرام فقال : لبيك اللهم لبيك ، قال الله له : لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))

[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]

ذهب الحج ، بقيت الزكاة :

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

الحقيقة الخطيرة التي في هذا اللقاء الطيب : أن العبادات الشعائرية ومنها الصلاة والصيام ، والحج ، والزكاة ، لا تصح ولا تقبل إلا إذا صحت العبادات التعاملية ، هذه حقيقة نحتاجها جميعاً ، ونحن نؤدي العبادات ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 45 )

هذه حقيقة .

 

مستويات العبادة :

1 ـ عبادة الهوية :

ننتقل أيها الأخوة إلى موضوع دقيق جداً ، هذا الموضوع متعلق بأن العبادة لها مستويات ، كما أن لها أنواعاً عبادة تعاملية وعبادة شعائرية لها مستويات ، فكل إنسان بحسب هويته ، أنت من ؟ أنت غني عبادتك الأولى إنفاق المال ، أنت قوي ؟ عبادتك الأولى إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، إذا كنت بجرة قلم تحق حقاً ، وتبطل باطلاً ، تقر معروفاً وتزيل منكراً ، إذاً العبادة الأولى إحقاق الحق ، وإبطال الباطل ، أنت من ؟ عالم ؟ إلقاء العلم ، وألا تأخذك في الله لومة لائم ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 39 )

أنتِ امرأة :

(( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ))

[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقى في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]

فكل واحد منا له هوية اجتماعية ، قد يكون قوياً فعبادته الأولى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، وقد يكون غنياً ، فعبادته الأولى إنفاق المال في سبيل الخير ، وحلّ مشكلات المسلمين ، وإن كان عالماً عبادته الأولى إلقاء العلم من دون خوف أو وجل ، لأن كلمة الحق لا تقطع رزقاً ، ولا تقرب أجلاً ، وإن كنت امرأة فعبادتك الأولى رعاية الزوج والأولاد .

2 ـ عبادة الظرف :

أيها الأخوة ، هذه عبادة الهوية ، فما عبادة الظرف ؟ أن تعبد الله في ظرف وضعت فيه ، عندك أب مريض تأتي بعض الفرائض البديهية أن تعتني بهذا الأب ، فهذا جزء من عبادتك ، عندك ضيف أن تعتني بهذا الضيف ، عندك ابن ، أن تبالغ في تربيته ، لأنه لا يمكن أن نواجه القنبلة الذَرية في المستقبل إلا بالقنبلة الذُرية ، ولم يبقَ في أيدي المسلمين من ورقة رابحة إلا أولادهم ، الأطفال يعنون المستقبل ، الأولاد رجال الغد ، أمل الأمة .
فلذلك ينبغي أن يربي المسلم ابنه تربية إيمانية ، وأخلاقية ، وعلمية ، ونفسية ، واجتماعية ، وجسمية أيضاً ، هذا الذي ينبغي أن يفعله المسلم ، لأن :

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]

حينما يربي ابناً يكون في أعلى درجات العمل الصالح ، لأن الإنسان كما تعلمون جُبل على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى حبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، سلامة وجوده في طاعة الله ، وكمال وجوده في العمل الصالح ، واستمرار وجوده في تربية أولاده ، فالعبادة الثانية عبادة الظرف ، عندك ابن صغير تربيته تأتي في المقام الأول ، عندك قريب مريض الاعتناء به يأتي في المقام الأول ، عندك طالب عليه امتحان عام العناية به تأتي في المقام الأول ، عندك ضيف إكرامه يأتي في المقام الأول .

3 ـ عبادة الوقت :

العبادة التي تلي تلك العبادة عبادة الوقت ، فإن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار ، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل ، وقت الفجر :

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

( سورة الإسراء )

4 ـ عبادة العصر :

وأخيراً عبادة العصر ، إن أراد الطرف الآخر إفقارنا استخراج الثروات وتطوير الصناعات عبادةُ العصر
فاستخراج الثروات وتطوير الصناعات ، واستصلاح الأراضي ، وإنشاء السدود ، وتأمين رزق للعباد ، تأمين منتجات زراعية ، ومساكن للشباب ، وحل مشكلات الأمة ، هذه عبادة العصر ، لأن الطرف الآخر أراد إفقارنا ، إن أراد إضلالنا ترسخ المبادئ والقيم ، إن أراد إفسادنا حفظ شبابنا وشاباتنا في دور للرعاية ، تعطيهم مناشط إسلامية ، تلبي رغباتهم دون أن تفسد أخلاقهم ، إن أرادوا إذلالنا أن نضحي بالغالي والرخيص ، والنفس والنفيس .

 

الشباب هم أمل الأمة فعلينا تأمين حاجاتهم الأساسية :

أيها الأخوة الكرام ، عبادة العصر تعني أن ننهض بالأمة ، أن نبني أمتنا ، أن نستصلح أراضينا ، أن نستخرج ثرواتنا ، أن نوفر فرص عمل لكل شبابنا ، أن نوفر لهم فرص زواج ، لأن شبابنا كما أقول دائماً : قنبلة موقوتة ، إن لم نحقق لهم حاجاتهم الأساسية من زواج ، وعمل ، ومسكن تنازعتهم اتجاهات عديدة ، إما أن يقعوا في التطرف الديني ، فيكفرون ويفجرون ، وإما أن يقعوا في التطرف التفلتي فيلغون القيم ، يسلكون سبيل الإباحية ، أما حينما نرعى مصالحهم ، ونؤسس لهم أعمالاً ، نبني لهم مساكن ، نزوجهم ، نكون قد وضعناهم في مكانهم الصحيح ، فلعل الله سبحانه وتعالى يعيد لهذه الأمة دورها القيادي عن طريق الشباب ، هم الأمل الكبير للأمة ، ونحن نواجه كما قلت قبل قليل القنبلة الذَرية بقنبلة الذُرية .
لذلك العبادة طاعة طوعية ، ممزوجة بمحبة قلبية ، أساسها معرفة يقينية ، تفضي إلى سعادة أبدية .
وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018