الخطبة : 0767 - رقائق - كلمات مؤثرة ترقق القلب - ثبات خلايا الدماغ . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0767 - رقائق - كلمات مؤثرة ترقق القلب - ثبات خلايا الدماغ .


2000-11-03

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيّته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظر أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومَن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين.

التفكر في الموت يردع الإنسان عن المعاصي :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن في عصرٍ الشهواتُ فيه مستعرة، و الشبهات منتشرة، نحن في عصرٍ عَجز معظمُ المسلمين عن أنْ يؤدُّوا حقَّ عبادتهم، يقول عليه الصلاة والسلام، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال:

((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّه))

[الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]

 أرأيت إلى هذا النموذج الثاني: " أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني " هذا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عاجز، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّه))

[الترمذي عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ والمؤمن في طريقه إلى الله قد تعتوره حالة، حالة الضعف، الضعف في إيمانه، ما الذي يردعه ؟ و ما الذي يحفزه ؟ ما الذي يوقظه ؟ و ما الذي يهزُّه ؟ ما الذي يزلزله ؟ التفكر في الموت، ما من حدث واقعيٍّ في حياتنا كهذا الحدث، لأن كل مخلوق يموت، و لا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت، و الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر:

وكلُّ ابْنِ أُنثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلاَمَتُه  يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
فَإِذَا حَمَلْتَ إِلَى القُبُورِ جَنَــــــــــازَةً  فَاعْــلَمْ بِأَنَّكَ بَعْدَهَا مَحْمُـــــولُ
***

حِكم ترقِّق القلب و تذكِّر بالآخرة :

 موضوع الخطبة اليوم موضوع فريد، يأتي في بعض الآثار الإسلامية تحت عنوان الرقائق، هي قصص وحِكم ترقِّق القلب، تذكِّر بالآخرة، تذكر بالله، تحفز إلى طاعة الله، تلجِم النفس عن معصية الله، إنها الرقائق، يقول عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه:

(( أيها الناس، إن الأيام تُطوى، والأعمار تفنى، والأبدان تبلى، وإن الليل والنهار يتراكضان كتراكض البريد، يقربان كل بعيد، و يخلقان كل جديد - ثوب خلِق، أي مهترئ، الخَلق شيء، و الخُلُق شيء، و الخَلِق شيء، هذه من خلِق أي اهترأ - و يخلقان كل جديد، وفي ذلك عباد الله ما ألهى عن الشهوات، و رغّب في الباقيات الصالحات ))

 و يقول بعض العلماء: "كم من مستقبِلٍ يومًا وليس يستكمله "حدّثني أخٌ كريم فقال: صليت الفجر في أحد مساجد دمشق، و كان أحد المصلين ذا دعابة، بعد أن نخرج من المسجد لا بد من أن يلقي طرفةً، قال: رأيته ظهرًا عند موقف سيارة عامة، و أقسم بالله العظيم أنه صلى عليه العصر، قال: " كم من مستقبِلٍ يومًا وليس يستكمله، ومنتظرٍ غدًا وليس من أجله " ورد أنه " منْ عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبة الموت " من عدَّ غدًا، قال: أنا غدًا سأدفع هذه الفاتورة، غدًا سأنجز هذا العمل، " من عدَّ غدًا من أجله فقد أساء صحبةَ الموت "، " فكم من مستقبِلٍ يومًا وليس يستكمله، ومنتظرٍ غدًا و ليس من أجله، لو رأيتم الأجل و مسيرَه لأبغضتُم الأمل و غروره ".
 عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ"

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَكْيَسُ؟ قَالَ: أَكْثَرُهُمْ لِلْمَوْتِ ذِكْرًا وَأَحْسَنُهُمْ لِمَا بَعْدَهُ اسْتِعْدَادًا أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ ))

[ ابن ماجه عَنْ ابْنِ عُمَرَ]

 و قال بعضهم:" إنكم تنامون كما تموتون، و تُبعثون كما تستيقظون " و قال عليُّ بن أبي طالب كرَّم الله وجهه: "أيها الناس اتقوا الله، الذي إنْ قلتم سمع، وإن أضمرتم علِم، و بادروا الموت، الذي إن هربتم منه أدرككم، و إن أقمتم أخذكم " وقال بعضهم: " ليس قبل الموت شيء إلا و الموتُ أشدُّ منه، و ليس بعد الموت شيء إلا والموتُ أيسرُ منه ".

 

نصوص تُصنف تحت باب الرقائق و تحفزنا على الطاعات :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه نصوص تُصنف تحت باب الرقائق، ينبغي أن يرقَّ القلبُ لها، ينبغي أن تلجمنا عن المخالفات، وأن تحفزنا إلى الطاعات، ينبغي أن يتحرّك القلبُ، لأن الذي يطول عليه الأمد يقسو قلبُه، فلا يتأثر بموعظة، ولا تهتزُّ مشاعرُه لقصّة، ولا يندم على ما فات. أيها الأخوة الكرام، أخطر ما يصيب القلب أن يكون القلبُ قاسياً، إن الاستمرار على المعاصي يقسِّي القلب، إن متابعة المخالفات تجعل على القلب الران:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

[سورة المطففين: 14]

 قال بعضهم: "السعيد لا يركن إلى الخُدَع، و لا يغتر بالطمع " وقال بعضهم: " إن بقاءك إلى فناء، و فناءك إلى بقاء، فخُذ من فنائك الذي لا يبقى لبقائك الذي لا يفنى".
 أيها الأخوة ؛ كل امرئ يجري بعمره إلى غاية تنتهي إليها مدَّةُ أجله، وتنطوي عليها صحيفةُ عمله، فخذ لنفسك من نفسك، وقس يومك بأمسك، وكفَّ عن سيئاتك، وزد في حسناتك قبل أن تستوفي مدة الأجل، ولا يُسمَح لك في الزيادة في العمل.
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من وقفة مع الذات من حين إلى آخر، والأفضل أن تكون كل يوم وقفة مع الذات متأنية، ماذا بعد؟ جمعت المال، ثم ماذا ؟ وصلت إلى هذا المكان الرفيع، ثم ماذا ؟ تزوجت، ثم ماذا ؟ أنجبت الأولاد، ثم ماذا ؟ زوجت أولادي، ثم ماذا ؟ هيَّأتُ دخلاً كبيراً، ثم ماذا ؟ ما الذي بعد ماذا ؟ بعد ماذا الموت، ثم ماذا ؟ اسأل نفسك هذا السؤال، لا تكن مستهلَكًا، لا تسمح للدنيا أن تستهلكك، لا تسمح لشهواتها أن تستحوذ عليك، لا تسمح لمشكلاتها أن تنسيك هدفك الكبير، كن مع ذاتك من حين لآخر، لا بد من جلسات مع ذاتك، لابد من خلوة مع ربك، لا بد من مراجعة الحسابات، لا بد من تفحص الأعمال، لا بد من ضبط البيت، لا بد من ضبط الدخل، لا بد من إنفاق المال.
 أيها الأخوة الكرام ؛ وعظ النبيُّ رجلاً فقال: " أقلِل من الدنيا تعش حرًّا ".
 قال بعضهم: " استغن عن الرجل تكن نظيره- ولو كان قويًّا أو غنيًّا " مهما كان غنياً أو قوياً - وأحسن إليه تكن أميره، واحتج إليه تكن أسيره "، وروي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( أقلِل من الدَّين تعش حرًّا، وأقلل من الذنوب يهن عليك الموت، وانظر حيث تضع ولدك، فإن العرق دسّاس ))

[ كنز العمال عن ابن عمر]

 أي اختر زوجة صالحة، لأنها ستكون أم أولادك، وقال بعضهم: " مَن عمِل للآخرة أحرزهما معًا - أي الدنيا و الآخرة - ومَن آثر الدنيا حُرم الدنيا و الآخرة " وقال بعض الصلحاء: " اغتنم تنفسَّ الأجل - ما دام هناك نفَس، ما دام القلب ينبض، وما دام هناك شهيق وزفير فباب التوبة مفتوح، باب الإصلاح مفتوح - اغتنم تنفس الأجل، وإمكانَ العمل، واقطع ذكر المعاذير و العلل، فإنك في أجل محدود، ونفَس معدود، وعمُرٍ غير ممدود ".

 

باب التوبة مفتوح و كل شيء يُصحَّح و يُعدَّل مادمت حيّاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ بيت من الشِّعر:

مَا مَضَى فَاتَ، وَالمُؤَمَّلُ غَيْبٌ  وَلَكَ السَّاعَةُ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا
***

 لا جدوى من الحديث عن وقت مضى، مضى بخيره و شره، و لا جدوى لتطلُّع إلى الغد، لأن الغد لا تملكه.
 أيها الأخوة الكرام، واللهِ كنت مع شخص حدَّثني في ساعة عن مشاريعه إلى عشرين سنة قادمة، غريب، حدثني كيف سيذهب إلى بلد كذا و كذا، و يمضي فيه سنوات خمساً، و يعود إلى بلده و يُحال إلى التقاعد، و يؤسِّس محلاً تجارياً يبيع فيه التحف، يكبر أولاده و يزوِّجهم، استرسل استرسالاً عجيباً، استرسل لعشرين سنة قادمة، و واللهِ الذي لا إله إلا هو قرأت نعوته في اليوم نفسه، في اليوم نفسه، مادام هناك نفَس، ما دام هناك قلب ينبض، فباب التوبة مفتوح، و كل شيء يُصحَّح، و كل شيء يُعدَّل، و كل شيء يُتلافى، و كل ذنب مهما كان كبيراً يُغفر، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر: 53 ]

 هذا الذي قتل تسعة وتسعين رجلا، تاب الله عليه، مهما كانت ذنوبك، اللهُ عز وجل أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، و الظمآن الوارد، والعقيم الوالد.
 يُروى عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال لأبي ذر: " نبِّه بالتفكر قلبَك، و جاف عن النوم جنبك، و اتق اللهَ ربَّك.... " وقال عمر: " ارض بالقوت، و خَفْ من الفَوْت " خف أن يفوتك عمل صالح، خف أن يفوتك طلب علم، خف أن تفوتك طاعة، الناس يخافون على الدنيا، خف على الآخرة، " ارض بالقوت، و خَفْ من الفَوْت، واجعل صومَك الدنيا و فطرك الموت " و قال بعض الخلفاء: " ما رأيت يقيناً لا شكَّ فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقين فيه " ما رأيت يقيناً - وهو الموت- لا شكَّ فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقين فيه " الناس حينما يعيشون و يتحركون كأنهم لا يموتون، يخطِّطون، سمعت عن رجل يؤسِّس ملهى وهو في السبعين، كأنه لن يموت، " ما رأيت يقينا لا شكَّ فيه أشبهَ بشكٍّ لا يقين فيه".
 أيها الأخوة ؛ نهارك ضيفك، أحسِن إليه فإنْ أحسنتَ إليه ارتحل بحمدك، وإن أسأتَ إليه ارتحل بذمِّك، وكذا ليلتك، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزوَّد مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة، وقد كتب بعضُ الأدباء أنْ: " يا ابن آدم لو رأيت يسيرَ ما بقي من أجلك لزهدت في طويل ما ترجو من أملك، ولرغبتَ في الزيادة من عملك، ولقصرت من حرصك و حيلك".

 

الموت ينبغي ألاّ يغادر أذهاننا :

 أيها الأخوة ؛ حينما حضر بِشرَ الموتُ فرِح، فقيل له: أتفرح بالموت ؟ فقال: " أتجعلون قدومي على خالق أرجوه كمقامي مع مخلوق أخافه " قال تعالى:

﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾

[ سورة آل عمران: 158 ]

 وقال تعالى:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف:32]

 الإنسان أحياناً يبحث عن رزقه، أما إذا تجاوز هذه المرحلة فيبحث عن الجمع فقط، يجمع الملايين المملينة، يقول الله عز وجل:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾

[ سورة الزخرف:32]

 قالوا: " من ذَكَر المنيةَ نسي الأمنية " وقالوا:" اكسَب طيِّبًا واعمل صالحا، واسأل الله تعالى رزقَ يومٍ بيومٍ، واعدُد نفسَك من الموتى" الموت ينبغي ألاّ يغادر أذهاننا، وليس معنى هذا أن تقعد عن العمل، لا بل عليك أن تؤسس عملاً، و تبحث عن رزق و تتزوج، و لكن دون أن تعصي الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة النور: 37]

 هم يتاجرون و يبيعون، و لكن هذه التجارة لا تلهيهم عن ذكر الله عز وجل.
 قالوا: "السعيد من اعتبر بأمسه، والشقيّ من جمع لغيره، و بخِل على نفسه، وأندمُ الناس رجلٌ دخل الناسُ بعلمه الجنة، و دخل هو بعلمه النارَ " أندم الناس غنيٌّ دخل ورثتُه بماله الجنة، ورثوا مالاً حلالاً فأنفقوه في طاعة الله، فدخلوا به الجنة، وهو دخل بماله النار، يُروى أن روح الميت ترفرف فوق النعش وتقول: " يا أهلي، يا ولدي، لا تلعبنّ بكم الدنيا كما لعبتْ بي، جمعتُ المالَ مما حلّ و حرُم، فأنفقته في حلِّه وفي غير حلِّه، فهنيئًا لكم، والتبِعةُ عليَّ " وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض خطبه:

(( العبد المؤمن بين مخافتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فو الذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب، ولا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار))

[ البيهقي في الشعب من رواية الحسن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم]

الحكمة من تقديم الله الموت على الحياة :

 لماذا قدَّم الله الموت على الحياة ؟ قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾

[ سورة الملك: 2 ]

 أي أن الإنسان حينما يولد أمامه خيارات لا تُعدّ ولا تُحصى، أما حينما يأتيه الأجل فإما إلى جنة يدوم نعيمها أو إلى دار لا ينفذ عذابها، " فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ".

 

الدنيا ساعة اجعلها طاعة :

 أيها الأخوة ؛ قال بعض العلماء: "الدنيا ساعة "، أي تمضي كأنها ساعة، كل واحد منا له عمر، كيف مضى هذا العمر، كيف مضت الثلاثون؟ أو الأربعون؟ أو الخمسون؟ أو الستون؟ أو السبعون؟ كيف مضت ؟ كلمح البصر:

﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾

[ سورة المؤمنون:113]

 الدنيا تمضي سريعاً و كأنها ساعة، فاجعلها طاعة، وقال بعضهم: " رتعنا في الدنيا جاهلين، وعشنا فيها غافلين، وأُخرجنا مكنها كارهين " وقال بعضهم: " عجبا لمن يخاف العقاب كيف لا يكفُّ عن المعاصي، وعجبًا لمن يرجو الثواب كيف لا يعمل " وقال بعض الحكماء: " المسيء ميِّتٌ وإنْ كان في دار الحياة، والمحسن حيٌّ وإنْ كان في دار الممات " ، " يا بني مات خُزَّانُ المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، و المال تنقصه النفقة، و العلم يزكو على الإنفاق ".
 من أروع ما قاله سيدنا عمر بن عبد العزيز قال: " الليل و النهار يعملان فيك" ائتِ بصورة قبل عشرين عاماً، أو قبل ثلاثين عاماً، أو قبل أربعين عاماً، أو قبل خمسين عاماً، شاب فتيٌّ وسيم، انظر إلى صورتك وأنت في هذا السنُّ، من فعل هذا بك ؟ الليل و النهار، تقدم العمر، الليل و النهار يعملان فيك، كيف تردّ عليهما ؟ قال: " فاعمل فيهما" الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وهو من أكبر المصائب، غِنًى مُطْغِيًا، أي مال وفير حملك على معصية الله، عدَّه النبي مصيبة، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ.

 

العاقل من يأخذ من دنياه لآخرته :

 أيها الأخوة ؛ اعملوا لآخرتكم في هذه الأيام التي تسير وكأنها تطير، عشنا عام السبعين، واحد وسبعون، اثنان وسبعون، مضى عقد السبعين، جاء عقد الثمانين ثم التسعين ودخلنا في الألفين، الأيام تسير و كأنها تطير، وقالوا عن الوقت: إنه سريع الانقضاء، فخذ من دنياك لآخرتك، عباد الله الحذرَ الحذرَ، فوالله لقد ستر حتى لكأنه غفر، وقد أمهل حتى كأنه أهمل، وقال آخر: "الأيام صحائف أعمالكم فخلِّدوها أجمل أفعالكم "، و قد روي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وقال بعضهم:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة يونس: 62]

 من هم ؟ الذين نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، هو ينظر إلى هذا القبر الذي مأواه الأخير و مثواه الأخير، وهم ينظرون إلى البيوت الفارهة والعمارات الشاهقة و السيارات الكبيرة، نظروا إلى باطن الدنيا حين نظر الناسُ إلى ظاهرها، ونظروا إلى آجل الدنيا حين نظر الناس إلى عاجلها، فأماتوا منها ما خشوا أن يميت قلوبهم، و تركوا منها ما أيقنوا أنه سيتركهم، قال سيدنا عمر: "إذا رأيتم طالب الآخرة فنافسوه فيها، وإذا رأيتم طالب الدنيا فارفضوها في نحره، فربما أدرك الذي يطلبه، فهلك بما طلب " سيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه قال:" يا أهل الشام اسمعوا قول أخٍ ناصحٍ، ما لي أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم بنوا فشيَّدوا، وأمَّلوا بعيداً، و جمعوا كثيراً، فأصبح أملهم غروراً، و جمعهم ثبوراً، ومساكنهم قبوراً".
 واللهِ أعرف رجلاً اشترى بيتين متجاورين في أرقى أحياء دمشق، لم تعجبه كسوة البيتين، كسَّر كل شيء في بيته، قلع البلاط و أزال النوافذ، لم يُبق في البيتين إلا الهيكل، واستغرق العملُ سنتين متكاملتين، وافته المنية بعد انتهاء الكسوة بيوم، إنكم تبنون ما لا تسكنون، و تجمعون ما لا تأكلون، و قال بعض الحكماء: "ما أنصف نفسَه من أيقن بالحشر و الحساب وزهِد بالأجر و الثواب " وقال آخر: "بطول الأمل تقسو القلوب، و بإخلاص النية تقلُّ الذنوب " و قال آخر: " إياك و المُنى فإنها بضائع الحمقى " أن تعيش في أمل الدنيا، تشتري و تبيع و تتاجرو تجمع ثروة، هذا الذي يعيش في الأمل أملُه بضائع الحمقى، و قال آخر: "قصِّر أملك فإن العمر قصير، وأحسن سيرتك فالبرُّ يسير " وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال في بعض خطبه: "أيها الناس كأن الموت فيها على غيرنا كُتِب، وكأن الحق فيها على غيرنا وجب، وكأن الذين نشيِّع من الأموات سفر عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم، ونأكل تراثهم، كأننا مخلَّدون بعدهم قد نسينا كل واعظة، وأمنّا كل جائحة، طوبى لمن شغله عيبُه عن عيب غيره، وأنفق من مالٍ كسبه من غير معصية، ورحم أهل الدين و المسكنة، و خالط أهل الدين والحكمة، طوبى لمن أدّب نفسه و حسنت خليقته، و صلحت سريرته، طوبى لمن عمل بعلم، وأنفق من فضلٍ، وأمسك من قوله، ووسعته السُّنة ولم تستهوه البدعة " و قد روي عن النبي صلى الله عليه و سلم أن: " زوروا القبور تذكروا بها الآخرة، وغسِّلوا الموتى، فإن معالجة الأجساد الخاوية موعظة بليغة " الربيع بن خثيم حفر في داره قبراً، فكان إذا وجد في قبره قسوةً جاء فاضطجع في القبر، فمكث ما شاء ثم يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * عَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 ثم يرد على نفسه فيقول: قومي لقد أرجعناكِ.

 

القبر موعظة كبيرة :

 أيها الأخوة ؛ قال بعض العلماء: " كفتك القبورُ مواعظَ " فالقبر وحده فيه موعظة كبيرة، و النعوات فيها مواعظ كبيرة، وفي دمشق الشام يموت في اليوم أكثر من مئة إنسان يومياً، من ثمانين إلى مئة، و الجنائز تمشي أمامنا، والنعوات تمشي أمامنا، و البيوت فيها تُقبل التعازي، وكأن هؤلاء الأموات يموتون و نحن لا نموت، يقول لك: مسكين مات، و أنت أيضاً مسكين، لأنك أيضا سوف تموت، و كل مخلوق يموت.
 في بلدة يُكتب على شواهد القبور حِكَم، فمما كُتب على قبر من هذه القبور: " قهرْنا مَن قهرنا، فصرنا للناظرين عبرة " وكتب آخر: " من أمّل البقاء وقد رأى مصارعنا فهو مغرور " وقال بعضهم: " من لم يتّعظ بالموت لم يتعظ بقول أحد " و قال بعضهم: " ما نقصت ساعة من أمسك إلا ببضعة من نفسك " هذا ما قاله الحسن البصري:" الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى منه يوم انقضى بضعٌ منه " و قد مات بعضهم و كان كبيراً في نظر الناس فقال: " في الأمس كنتَ أنطقَ منكَ اليوم، وأنت اليوم أوعظ منك في الأمس " الميت كان حيًّا يتكلم، بعد أن مات سبب موعظة بليغة.
 أيها الأخوة الكرام ؛ قلت لكم في البداية موضوع هذه الخطبة رقائق، أي كلمات مؤثرة في الحياة الدنيا و في الآخرة، فينبغي في هذه الكلمات أن تحفزنا إلى التوبة، وأن تحفزنا إلى الطاعة، وأن تحفزنا إلى مراجعة الذات، و أن تحفزنا إلى خلوة مع الله، وأن تحفزنا إلى ترتيب أوراق البيت الداخلي، وأن تحفزنا لمراجعة الأمور، وأن تحفزنا لضبط البيت، وضبط العمل، أن تحفزنا للصلح مع الله، هذه مهمة الرقائق.
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده و رسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلّ وسلِّم و بارك على سيدنا محمد، وعلى آله و صحبه أجمعين.

ثبات خلايا الدماغ نعمة لا تقدر بثمن :

 أيها الأخوة الكرام، ثبات الشخصية نعمة لا تُقدّر بثمن، و قلّ من ينتبه إليها ، ذلك أن خلايا الجسم، الخلايا العظمية و النسج و العضلات والأجهزة حتى الشعر، وأيّة خلية في الجسم تتبدل كل خمس إلى سبع سنوات، أنت بعد سبع سنوات إنسان آخر، ليس في جسمك خلية واحدة قديمة، أنا كنت أعلم أنها خمس سنوات، وهنا وجدت أنها سبع سنوات، كل شيء في الإنسان يتبدّل في سبع سنوات، ليس في جسمك خلية واحدة إلا وهي جديدة، حتى خلايا العظام، عظمك يتبدل، وجلدك يتبدل، وشعرك يتبدل، هناك خلايا تتبدل في ثمان و أربعين ساعة، أقصر عمر خلية في جسمك خلية بطانة الأمعاء الزغابات، هذه تتبدل كل ثمان و أربعين ساعة، أي أنت كل ثمان و أربعين لك زغابات جديدة، وأطول هذه الخلايا تعيش سبع سنوات، أو خمس سنوات، معنى ذلك أنك تتبدل تبدلاًجذرياً كل سبع سنين على أرجح الأقوال، فإذا تبدل دماغك نسيت اختصاصك، و نسيت حرفك، و نسيت معارفك، و نسيت أولادك، و نسيت خبراتك، و نسيت ذكرياتك، و نسيت سبب رزقك، ولا تعرف من هي زوجتك، ولا من هم أولادك، فلحكمة بالغة خلايا الدماغ لا تتبدل، لأنها لو تبدلت لكانت طامة كبرى، واللهِ كنتُ طبيباً ففقدتُ اختصاصي، وكنتُ مهندساً، وكنت خطيباً، وكنت تاجراً، لو أن هذا التبدل يقع في الدماغ تذهب شخصية الإنسان، وهذه حكمة بالغة، ثبات شخصية الإنسان، هناك نَعمٌ قد نغفل عنها، وهناك نَعمٌ لا تعدُّ ولا تُحصى، نحن عنها غافلون، قال تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾

[سورة يوسف: 105]

 وقال تعالى:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[ سورة يوسف : 106]

 أيها الأخوة الكرام ؛ كلما تفكرت في نِعم الله ازددت حبًّا له، " يا رب أيُّ عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ قال: أحبُّ العباد إلي نقي القلب، تقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني، وحبَّبني إليّ خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحبّبك إلى خلقك ؟ قال: ذكِّرهم بآلائي و نعمائي وبلائي " ذكِّرهم بآلائي كي يعظِّموني، وذكِّرهم بنعمائي حتى يحبوني، ذكِّرهم ببلائي كي يخافوني.
 وأنا أتمنى عليكم أن تسعوا إلى أن يجتمع في قلبكم تعظيم لله، من خلال النظر في آياته، و محبة له من خلال النعم الظاهرة و الباطنة، وخوف منه من خلال رؤية المصائب التي تصيب الناس، فالمصيبة تجعلك تخاف، والنعمة تجعلك تحب، و الآية تجعلك تعظِّم، و لا بد من أنْ تعظِّم و أن تخاف و أن تحبَّ.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولَّنا فيمن تولَّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هبْ لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل، أو نزِل أو نزَل، أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا، يا رب العالمين، ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب، يا رب العالمين، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، يا رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018