ومضات قرآنية - الدرس : 07 - العمل الصالح - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠23برنامج ومضات قرآنية - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

ومضات قرآنية - الدرس : 07 - العمل الصالح


2009-09-21

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

العمل الصالح :

 أيها الأخوة الكرام ، أحياناً يكون هناك كتل كبيرة في الدين ، أساسيات الدين ، كليات الدين ، منها معرفة الله ، منها الاتصال بالله ، منها الاستقامة على أمر الله ، منها العمل الصالح تقرباً إلى الله ، فالحديث اليوم عن العمل الصالح ، لكن هناك من يتوهم أن العمل الصالح هو الاستقامة ، أو من يتوهم أن الاستقامة هي العمل الصالح ، ولكن هناك فرق دقيق بينهما ، إلا أنني سأورد مثالاً تمهيدياً ، الله عز وجل ذكر الفقراء في قرآنه ، وذكر المساكين، وذكر الفقراء والمساكين معاً ، قال علماء التفسير : الفقراء والمساكين إذا اجتمعا تفرقا وإذا تفرقا اجتمعا ، أي إذا قلنا : الفقراء يعني الفقراء والمساكين ، وإذا قلنا : المساكين يعني الفقراء والمساكين ، إذا قلنا : الفقراء والمساكين ، الفقراء هم الذين لا تكفيهم دخولهم ، لهم دخل لكن لا يكفي ، أما المساكين ليس لهم دخل إطلاقاً .

الفرق بين الاستقامة و العمل الصالح :

 كتمهيد للاستقامة والعمل الصالح ، إذا قلنا : استقامة نعني بها الاستقامة على أمر الله والعمل الصالح ، وإذا قلنا : العمل الصالح نعني به الاستقامة على أمر الله والعمل الصالح، أما إذا قلنا : الاستقامة والعمل الصالح ، الاستقامة شيء والعمل الصالح شيء آخر ، الاستقامة امتناع ، يقول لك المستقيم أنا ما كذبت ، ما غششت المسلمين ، ما اغتبت ، ما افتريت ، ما فعلت ، ما تركت ، كل هذه الكلمات مسبوقة بما ، إذاً الاستقامة امتناع ، بشكل أو بآخر ، طريق إلى الله ممتلئ بالصخور والعقبات والأكمات ، فالاستقامة تعني أن تزيل كل هذه العقبات عن هذا الطريق ليكون سالكاً إلى الله ، فكل معصية تعد عقبة كأداء في طريق الوصول إلى الله ، فإذا استقمت على أمر الله ، تركت الغيبة ، والنميمة ، والكذب ، والاحتيال، والغش ، وما إلى ذلك ، تركت كل المحرمات فأنت مستقيم ، أما العلم الصالح هو الحركة على هذا الطريق إلى الله ، العمل الصالح عطاء ، أعطيت من مالك ، أعطيت من علمك ، أعطيت من جاهك ، أعطيت من حكمتك ، العمل الصالح بذل وتضحية ، الاستقامة عمل سلبي ، والعمل الصالح عمل إيجابي ، ولأن الإنسان جُبل على حبّ وجوده ، وعلى حبّ سلامة وجوده ، وعلى جبّ كمال وجوده ، وعلى حبّ استمرار وجوده ، فالإنسان باستقامته على أمر الله يسلم ، وبالعمل الصالح ، بالعطاء ، والبذل ، والتضحية ، وإنفاق المال ، وإنفاق الوقت يسعد ، بالاستقامة تسلم وبالعمل الصالح تسعد ، وأنت مجبول أيضاً على استمرار وجودك ، وبتربية أولادك ، بغرس حقائق الإيمان عندهم ، بحملهم على طاعة الله ، يستمر وجودك ، فإذا كان هناك حاجات أساسية مطبقة في كل إنسان على وجه الأرض أن يسلم ، وأن يسعد ، وأن يستمر ، فالسلامة في استقامته ترك ما نهى الله عنه ، والسعادة في عمله الصالح واستمراره في تربية أولاده .

حجم كل إنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 لذلك نحن اليوم في العمل الصالح ، العمل الصالح جهد تقدمه ، مال تبذله ، خبرة تؤديها ، نصيحة تقدمها ، ولاء تعتنقه ، العمل الصالح عطاء ، العمل الصالح إيجابي ، العمل الصالح هو حجمك عند الله :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا(132)﴾

( سورة الأنعام)

 العمل الصالح هو الذي ينفع الإنسان بعد الموت ، العمل الصالح هو الذي ينزل مع الإنسان في القبر ، إن كان كريماً أكرمه ، وإن كان لئيماً أسلمه ، ألا وهو عمله ، لذلك قال تعالى :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 أي خير ما برأ الله قاطبة ، هذا كلام خالق الأكوان ، كلام القرآن ، كلام الواحد الديان .

 

الإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾

 ومن اللطيف أن نذكر أن كلمات الذين آمنوا في القرآن الكريم اقترنت بالعمل الصالح في أكثر من مئتي موضع ، الذين آمنوا وعملوا الصالحات ، والإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً :

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾

( سورة الأنفال الآية : 72 )

 ما لم تتحرك ، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلبك حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق ، لا يوجد مؤمن سكوني ، مؤمن سلبي ، مؤمن عنده إعجاب بالإسلام سلبي ، مؤمن يشيد بالإسلام ولا يفعل شيئاً ، هذا ليس مؤمناً ، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق ، لذلك اقترنت بالعمل الصالح في أكثر من مئتي مرة .

 

من أراد أن يكون من خير البرية فليؤمن بالله و ليعمل صالحاً :

 أول آية :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

( سورة البينة )

 فإذا أردت أن تكون من خير البرية ، إذا أردت أن تكون من خير ما برأ الله ، فآمن بالله واعمل صالحاً :

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

( سورة فصلت الآية : 30)

 كأن الآية الأولى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ﴾

 تتعلق بالاستقامة ، وكأن الآية الثانية :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً ﴾

  تتعلق بالعمل الصالح .

 

المؤمن يقذف الله في قلبه نوراً يريه الحق حقاً والباطل باطلاً :

 الله عز وجل يقول :

﴿ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ(11)﴾

( سورة الطلاق)

 غير المؤمن في عمى :

 

﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾

( سورة النحال الآية : 21 )

﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)﴾

( سورة الحج )

 المؤمن يقذف الله في قلبه نوراً يريه الحق حقاً والباطل باطلاً :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28)﴾

(سورة الحديد)

 هذا النور هو الذي يسبق العمل ، لماذا قال سيدنا يوسف ـ عليه وعلى نبينا أفضل السلام ـ حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال ، دعته إلى نفسها وهو غير متزوج ، وغريب ، وقد عدد العلماء أكثر من عشرة أسباب تدعوه إلى أن يوافق ، لماذا قال : معاذ الله؟ لأنه رأى نتائج الزنا ، هذه الرؤية التي يملكها المؤمن ، هذا النور الذي يقذفه الله في قلبه من خلال النص القرآني :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ (28)﴾

(سورة الحديد)

الحق لا يتعدد أما الباطل فلا تنتهي أنواعه :

﴿ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ (11)﴾

( سورة الطلاق)

 وهناك ملمح دقيق ؛ الظلمات جاءت جمعاً ، والنور جاء مفرداً ، لأن الحق لا يتعدد ، أما الباطل فلا تنتهي أنواعه ، تماماً كنقطتين لا يمر بينهما إلا خط مستقيم واحد ، فالحق لا يتعدد لكن يمر من هاتين النقطتين ملايين الخطوط المنحنية والمنكسرة ، أما المستقيم فخط واحد ، لذلك من الظلمات إلى النور :

 

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 153 )

المؤمن له مودة مع خالق السماوات و الأرض :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

( سورة مريم )

 شيء سهل أن يكون لك مودة مع الله :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

( سورة مريم )

 أن يكون لك صلة بإنسان قوي تتيه بهذه الصلة ، تذكرها لكل الناس ، تريهم صورته معك ، تريهم رقم هاتفه ، إنسان قوي أعطاك بطاقته ، أو تصورت معه ، تذكرها للناس آلاف المرات ، فكيف إذا كنت على مودة مع خالق الأرض والسماوات ؟

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

( سورة مريم )

من يستقيم على أمر الله يستخلفه الله في

 الأرض ويُمكن له ويمنحه الطمأنينة :

 ثم قال تعالى :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

 دقق آمنوا منكم وعملوا الصالحات :

 

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

 حينما يستقيم الإنسان على أمر الله ، حينما يؤمن بالله ويعمل صالحاً ، يستخلفه الله في الأرض كما استخلف الذين من قبله ، ويمكنه في الأرض ، ويمنحه الطمأنينة ، هذه ثمار يانعة للإيمان ، فلذلك هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله ، إذا أقاموا أمر الله في حياتهم ، إذا آمنوا الإيمان الذي يحملهم على طاعته ، إذا عملوا الأعمال الصالحة ، يستحقون هذه الوعود وما أعظمها !

 

من آمن بالله و عمل صالحاً لن يندم على ما فات و لن يخاف مما هو آت :

 أيها الأخوة الكرام :

﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 الماضي مغطى بعدم الحزن والندم ، والمستقبل مغطى بعدم الخوف والقلق ، وأنت من خوف الفقر في فقر ، وفي خوف المرض في مرض ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها:

 

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ﴾

( سورة التوبة الآية : 51 )

 هذه الآية دقيقة جداً :

 

﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 هذا من عطاءات الله للمؤمن الذي أكد إيمانه بالعمل الصالح :

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (42)﴾

( سورة الأعراف)

من استخدم عقله لمعرفة الله والتقرب منه يكون في أعلى عليين :

 الله عز وجل حينما كلفنا أن نؤمن ، وحينما كلفنا أن نستقيم ، وحينما كلفنا بالعمل الصالح ، هذه الأشياء ضمن وسع الإنسان ، لأن الله عز وجل هو الخبير ، هو يعلم ، ماذا نستطيع أن نفعل ، ودائماً وأبداً الشيء الذي تتوهم أنك لا تستطيع أن تفعله هو الشيء الذي لا تريد أن تفعله ، الإنسان عنده طاقات عظيمة جداً ، عنده طاقات كبيرة جداً ، حينما أعمل عقله ركب الطائرة ، ووصل إلى أطراف الدنيا ، ونقل الصورة الملونة ، ونقل الصوت ، ونقل النص عبر الفاكس ، حينما استخدم عقله ، وصدق فحقق إنجازات مذهلة ، فإذا استخدم عقله لمعرفة الله والتقرب منه يكون في أعلى عليين .

الله عز وجل مع المؤمنين ينصرهم ويوفقهم ويحفظهم ويعلي قدرهم :

 أيها الأخوة الكرام ، الآن :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ (9)﴾

( سورة يونس )

 هناك متابعة من الله عز وجل ، هناك ملائكة تلهمك الخير ، هناك تسديد لخطاك، هناك توفيق :

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

 قال العلماء : هذه معية خاصة ، أي معية التوفيق ، معية النصر ، معية النجاح ، معية التفوق ، معية التألق :

 

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة الأنفال )

 معية خاصة ؛ ينصرهم ، ويوفقهم ، ويحفظهم ، ويعلي قدرهم :

 

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾

( سورة الحديد الآية : 4 )

 هذه معية عامة مع كل إنسان بعلمه ، لذلك أيها الأخوة الكرام :

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ (9)﴾

( سورة يونس )

 يسوقهم إلى طرق سعادتهم .

 

المؤمن متميز بمعاملة خاصة من الله تعالى :

 شيء آخر وهذه الآية مهمة جداً :

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية : 21 )

 صدقوا أيها الأخوة من سابع المستحيلات بل زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، المؤمن متميز بمعاملة خاصة :

 

﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية : 21 )

 في دنياهم ، في بيوتهم ، في زواجهم ، في صحتهم ، في تربية أولادهم ، في نجاحاتهم ، في أعمالهم :

﴿أ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ ﴾

 الدنيا قبل الآخرة :

 

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

بطولة الإنسان لا أن يعيش الماضي مفتخراً بل يعيش المستقبل :

 أيها الأخوة الكرام ، الإنسان حينما يأتيه ملك الموت لا يندم إلا على شيء واحد، يندم على ساعة مضت لم يكن فيها عمل صالح يقربه إلى الله :

(( صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم خير له من كل دنياكم ))

[ ورد في الأثر ]

 البطولة لا أن تعيش الماضي مفتخراً ، ولا أن تعيش الحاضر منهمكاً ، بل أن تعيش المستقبل ، والمستقبل فيه أخطر حدث وهو مغادرة الدنيا ، في بعض البلاد إذا كتب على الجواز مغادرة من دون رجوع لا يستقر قراره ، فإذا كان الموت مغادرة من دون عودة ما الذي يحصل ؟
 فلذلك البطولة أن تعيش المستقبل ، وحينما تعيش المستقبل تستثمر الوقت استثماراً ولا تستهلكه استهلاكاً ، استثمار الوقت أن تفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد مضي الوقت ، لذلك المؤمن يبحث عن الحقيقة ، يبحث عن مدارج السالكين ، عن إيمان المؤمنين ، يعمق إيمانه بالله موجوداً وواحداً وكاملاً ، يعمق فهمه لأسماء الله الحسنى ، يعمق فهمه لمنهج الله ، المؤمن يبحث عن أسباب سعادته ، فلذلك الإنسان ديدنه بل حجمه عند الله بحجم عمله الصالح .

 

أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ :

 أيها الأخوة الكرام ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يطمئننا ويقول :

(( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

 فالبطولة الثبات ، والثبات كما يقولون نبات ، إذا صليت قيام الليل فليكن هذا العمل دائماً ، إذا تصدقت من مالك فلتكن هذه الصدقة مستمرة ، إذا حضرت مجلس علم فليكن هذا الحضور مستمراً ، إذا وصلت أقاربك فلتكن هذه الصلة مستمرة :

 

(( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))

 

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

أعظم كسب المسلمين أولادهم وتربية الأبناء من أعظم الأعمال :

 لكن الآن هناك حديث :

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 توقف عمله لكن التعليق المخيف ويل ثم ويل ثم ويل لمن ليس له عمل ينقطع عند الموت .
 غرق في الدنيا ، غرق في شهواتها ، غرق في مباهجها ، غرق في الملهيات ، غرق في المسلسلات ، وابتعد عن خالق الأرض والسماوات ، فهذا إذا جاءه ملك الموت ليس معه عمل ينقطع ، أنا أتصور مؤمنا كبيراً له أعمال كالجبال :

 

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ : إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 ولم يبق في أيدي المسلمين من ورقة رابحة إلا أولادهم ، وأعظم كسب المسلمين أولادهم ، وتربية الأبناء من أعظم الأعمال ، ويمكن أن نواجه القنبلة الذَّرية بقنبلة الذُّرية :

 

(( أفضل كسب الرجل ولده ))

 

[الطبراني عن أبي بردة بن نيار ]

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (21)﴾

( سورة الطور)

 أيها الأخوة الكرام ، مرة ثانية حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، ولكن هذا العمل الصالح يكون عظيماً جداً إذا استمر بعد الموت ، لذلك كم من عالم جليل تذاع دروسه بعد موته لسنوات وسنوات وكأنه لم يمت ، وكم من منحرف دخيل تذاع سقطاته بعد وفاته ، فلذلك البطولة أن يستمر العمل بعد الموت هذا هو العمل الذي لا ينقضي .

 

من مقومات العمل الصالح اتساع الرقعة وامتداد الأمد وقوة التأثير :

 شيء آخر أيها الأخوة الكرام ، الآن كلما اتسعت رقعة العمل فشملت أعداداً كبيرة من البشر كان العمل أعظم عند الله ، النبي عليه الصلاة والسلام جاء بهذه البعثة فعمّ الهدى معظم بلاد الأرض ، ربع سكان الأرض من المسلمين ، كلما اتسعت رقعة العمل كان هذا العمل أعظم عند الله ، وكلما امتد أمده كان هذا العمل أعظم عند الله ، أي ألف وأربعمئة سنة هذا الإسلام باق وسيستمر كالطود الشامخ ، وكلما عمق التأثير كان هذا العمل أعظم عند الله ، فاتساع الرقعة ، امتداد الأمد ، قوة التأثير ، هي من مقومات العمل الصالح ، ومرة ثانية حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

( سورة الكهف الآية : 110 )

 في الدنيا وفي الآخرة .

 

العمل الذي يرضى الله عنه ما كان خالصاً وصواباً :

 لكن لا بد من التنويه أن هذا العمل قيمته بالإخلاص ، لذلك قال الفضيل بن عياض : ما العمل الذي يقبل عند الله ؟ ما كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة ، وكلاهما شرط لازم غير كاف ، فإن لم يكن وفق منهج الله لا يقبل هذا العمل ، وإن كان وفق منهج الله ولم يكن خالصاً لا يقبل هذا العمل ، العمل الذي يقبل عند الله :

﴿ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ ﴾

( سورة النمل الآية : 19 )

 العمل الذي يرضى الله عنه ما كان خالصاً وصواباً ، خالصاً ما ابتغي به وجه الله وصواباً ما وافق السنة ، أرجو الله أيها الأخوة الكرام ، أن تنقلب هذه الحقائق ، وهذه الدروس القرآنية ، والأحاديث النبوية ، إلى واقع ، إلى عمل صالح يعمله المسلمون ، ليرقوا عند الله ، وليكون هذا العمل سبباً لدخولهم الجنة ، فحجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح:

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

( سورة الأنعام الآية : 132 )

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ (10)﴾

(سورة فاطر)

 وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

 

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018