الخطبة : 0758 - إهمال المسنين . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0758 - إهمال المسنين .


2000-08-25

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارا بربوبيته ، وإرغاما لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ، رسول الله ، سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه ، وعلى ذريته ، ومن والاه، ومن تبعه ، إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما نفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول ، فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإنسان في التشريع الإسلامي هو المخلوق الأول والمخلوق المكرم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ظاهرة اجتماعية ظهرت قبل عقدين من الزمن ، بسبب ضعف الإيمان في نفوس المسلمين ، وضعف التزامهم بمنهج الله عز وجل ، ألا وهي إهمال المسنين، فالأسرة أيها الأخوة في التشريع الإسلامي هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع ، وبقدر ما تكون قوية ، متناسقة ، متضامنة ، متعاونة ، بقدر ما يكون المجتمع الإسلامي قوياً متماسكاً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا يغيب عن بالكم أن الإنسان في التشريع الإسلامي هو المخلوق الأول ، والمخلوق المكرم ، لقول الله عز و جل :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[ سورة الإسراء : 70]

 ومن دلائل هذا التكريم أن الله سبحانه وتعالى سخر لهذا الإنسان ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه ، فالمسخَّر في خدمة المسخَّر له ، المسخَّر له هو الإنسان ، والمسخَّر هو الكون بأكمله ، قال تعالى :

﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[ سورة الجاثية : 13]

عناية الإسلام بالأسرة عناية تفوق حدّ الخيال :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ من خصائص الإنسان أن الله جعله اجتماعياً بطبعه ، لأنه لا يكون مكرماً إلا إذا كان ضمن جماعة ترعاه ، وتحبه ، وتحميه ، وتقدم له كل أنواع الرعاية المادية ، والمعنوية ، وتتفاعل معه ، فتأخذ منه وتعطيه ، لأن كل إنسان عاجز في ذاته عن تحقيق كل حاجاته ، يسر الله له حرفة ، يسر الله له اختصاصاً ، يسر الله له قدرة ، يسر الله له مهارة ، وأعوزه إلى مليار حاجة ، إذًا لا بد من أن يكون في مجتمع ، هكذا شاء الله عز وجل ، وعن طريق هذا المجتمع يُكرِّم ويُكَرَّم ، يُقدِّم ويُقدَّمُ له ، يعتني ويُعتَنى به ، يُؤثر ويكون محطَّ الإثارة ، يعطي ويأخذ .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لعل أضيق مجتمع فيه خاصية شديدة هو مجتمع الأسرة ، هذه الأسرة اعتنى بها الإسلام عناية فائقة ، اعتنى بها عناية لا حدود لها ، لأن أساسَ تماسكِ المجتمعِ تماسكُ الأسرة ، والله عز وجل من خلال أنه فطرنا على أن نكون مع الآخرين ، ومن خلال أنه ألجأنا إلى أن نعيش في مجتمع ، ومن خلال فطرتنا الاجتماعية ، جعل هذه العلاقات الاجتماعية مناط خير أو مناط شر ، إما أن يخلص أو لا يخلص ، يقدم أو لا يقدم ، يعتني أو لا يعتني ، يرعى أو لا يرعى ، يجازي على الإحسان إحساناً أو لا يجازي ، قال تعالى :

﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة التوبة : 105 ]

 أيها الأخوة الكرام ؛ روي أن أحد الأعراب كان يلازم مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يغادره ، فسأل النبي أحد أصحابه قائلاً : من يكفي هذا مؤونته ؟ أي من يطعمه؟ من يقدم له حاجاته ؟ فقالوا له : أخ له يسعى في طلب الرزق ويكفيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : أخوه خير منه ، الذي يعمل ويكسب المال ويقدم خير من هذا الذي قبع في المسجد، ولا عمل له ، بل هو عالة على الناس ، وقال عليه الصلاة والسلام :

(( الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ، فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ))

[ البخاري عن ابن عمر ]

الشيخوخة قدر البشر مهما كانت مكانتهم و هويتهم :

 وبعد أيها الأخوة فسندخل في الموضوع ، حكمة الله جلّ جلاله جعلت الإنسان عاجزاً عن القيام بالأعمال الجادة في سن معينة ، هذه طبيعة الشيخوخة ، فالإنسان إذا تقدمت به السن ، ضعف عن بعض الأعمال التي كان يعملها في شبابه ، وهذه السن أيها الأخوة وإن كانت تختلف من إنسان لآخر ، إلا أنها في الجملة محددة بسن الشيخوخة ، هذا ما لم يصب الإنسان قبل ذلك بحادث ، أو مرض يضعفه عن العمل ، أو يعيقه عنه في سن مبكر ، هكذا شاءت حكمة الله ، يولد الطفل لا يعلم شيئاً ، يكتسب المعارف ، والمهارات من خلال تفاعله مع البيئة ، ثم يبلغ ، ثم يكون شاباً قوياً ، ثم يكون كهلاً ، ثم يميل خطه البياني نحو النزول إلى أن يصل إلى سن الشيخوخة ، وهذا قدر جميع البشر ، مهما كانت مكانتهم ، أو مهما كانت هويتهم، يقول الله عز وجل :

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾

[ سورة النحل : 70]

 إذاً لابد من سن الشيخوخة ، لابد من سن يضعف فيها الإنسان عن أعماله الجادة التي كان يعملها في شبابه ، لابد من سن يميل عندها إلى الراحة ، لا بد من سن يضعف عندها فيه الجانب الاحتياطي من قوته .
 أيها الأخوة ؛ ولكن الشيء الذي يلفت النظر أن حاجات هذا الإنسان الذي دخل سن الشيخوخة لا تتوقف في هذه السن ، بل تستمر إلى أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، أي أنه يضعف عن العمل إلا أن حاجاته مستمرة ، بل العكس إن حاجات هذا الإنسان الذي دخل في سن الشيخوخة تزداد وتتضاعف ، شأنه شأن الطفل الصغير ، كان ضعيفاً يحتاج إلى مزيد من الرعاية ، ثم صار شاباً قوياً منتجاً ، ثم رجع ضعيفاً يحتاج إلى مزيد من العناية والرعاية .

واجب الإنسان تجاه والديه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما هو الواجب الذي يحتم على كل مسلم أن يقابل به قريباً أو أباً أو عمًّا أو خالاً أو إنساناً تقدمت به السِّنُّ ؟ ولنكن واقعيين ، ما واجب الإنسان تجاه والديه ؟
 هناك أربعة حلول منطقية؛ الحل الأول : أن يُترك هذا الإنسان العاجز لعجزه وضعفه وشيخوخته ، يعاني مرارة الحرمان والوحدة ، وربما يعاني مرارة الفقر والفاقة ، إذا لم يكن له رصيد من مالٍ يكفيه بقية حياته ، بل يعاني ما يعاني ، ولا يعبأ به أحد ، هذا حل ، بأن يُترك هذا الإنسان لحاجاته ، وهمومه ، وهناك اتجاه في العالم الغربي والعياذ بالله يقطعون عنه الدواء كي يموت ، لأنه إنسان غير منتج ، إنسان لا يعطي شيئاً للمجتمع ، أصبح عبئًا عليه ، فهناك اجتهادات شخصية ، واتجاهات كثيرة لا تزال موضع مناقشة وحوار ، وهذا هو الحل الثاني ، أما الحل الثالث فأن يُسجن في مصحة أو دار للرعاية ، يُقدم له فيها فتات الموائد ، وربما بعض ما يحتاج إليه من الغذاء والدواء ، مما يحفظ عليه حياته حتى وفاته ، دون عناية أو التفات إلى كرامته ورعاية نفسه ومشاعره التي لا يكون إنساناً إلا بها من قبل أهله وأفراد مجتمعه ، الذين ضحى بالكثير من أجلهم ، وبذل الغالي والرخيص من أجل سعادتهم ، وتنشئتهم ، فالحل الثالث إذًا هو الرعاية الاجتماعية ، أما الحل الرابع فأن يبقى في أسرته الصغيرة التي ضحى من أجلها فيستمرَّ فيها القائد ، والموجه ، وصاحب الكلمة النافذة ، ومحل الرعاية والعناية ، والحنان والحب من أفرادها ، على ضعفه ، ووهنه ، وحاجته للرعاية والخدمة في كثير من الأحوال ، فتُحفظ له بذلك كرامته ، وتُصان إنسانيته ، ويكون ذلك درساً للأجيال اللاحقة ، فتحسن معاملة من سبقوها، هذا هو الحل الرابع ، كما يكون بذلك درسًا لذرياتهم لتحسن إليهم إذا شاخوا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا شك أن الحل الأول والثاني مرفوضان جملة وتفصيلاً ، أن يُترك لهمومه ، وفقره ، وحاجاته ، ومعاناته ، أو أن يجتهد المجتهدون وهو على وشك مرض عضال أن تُنزع عنه الرعاية ، أو أن يمنع عنه الدواء كي يموت لأنه كائن غير منتج ، هذان الحلان ، والحمد لله رب العالمين بعيدان كل البعد عن عالمنا الإسلامي ، بقي الحل الثالث والرابع ، الحل الثالث أن يُوضع في دار الرعاية الاجتماعية ، وله أولاد ، وله أصحاب ، وله بنات ، وله أقارب ، وهذا الحل أيها الأخوة يحطمه ، لأن الشيخ الوقور لا يعيش للطعام والشراب، يعيش لمشاعره ، يعيش لمكانته ، يعيش لقيمه ، فإذا أسلمه أهله لمثل هذه الدور فقد أساؤوا إليه أيّما إساءة .
 أيها الأخوة ، فَرَضًا ، وهذا شيء وقع الآن ، هناك دور للرعاية ، تسمى في عرف المجتمع بخمس نجوم ، تُقدم فيها حاجات هذا الشيخ الفاني بشكل لا يُصدق ، طبعاً مقابل رسوم باهظة جداً ، طعام ما بعده طعام ، رعاية ما بعدها رعاية ، مكان جميل ، كل وسائل التسلية في غرفته ، وكل أسباب الخدمة عنده ، ومع ذلك يُحطم ، لأن هذا الإنسان في هذه السن لا يهتم بحاجاته المادية ، يهتم بحاجاته الاجتماعية ، يهتم بحاجاته الإنسانية ، يهتم بمكانته في أسرته ، لذلك استيقظت مرة أمٌّ ، فإذا بها في دار الرعاية الاجتماعية ، فجاءت بكاتب العدل ، وأفرغت كل ما تملك للجمعيات الخيرية ، وحرمت أولادها كل شيء ، لأنها لم تحتمل هذا الموقف .
 بهذه الأفعال نحن نقلد الأجانب ، ويا للأسف ، هذا ما يفعله الأجانب ، الإنسان إذا تقدمت به السن ، وأصبح إنساناً ليس منتجاً ، وضعوه في الرعاية الاجتماعية ، ماذا أقول أيها الأخوة ؟ ! مثل بسيط : بنت تعيش في قرية متخلفة جداً ، حياة فقر مدقع ، بكوخ حقير ، تُؤخذ إلى أفخر بيت في دمشق ، ترفض أن تبقى في هذا البيت ، حاجات هذه الطفلة إلى أمٍّ وإلى أبٍ تفوق كل هذه المغريات المادية ، كذلك الكبير ، حاجاته إلى أن يرى ابنه أمامه ، إلى أن يرى زوجته أمامه ، إلى أن يسمع كلمة حب ، وكلمة رعاية ، وكلمة إيناس ، خير له من كل هذه العناية ، التي تفوق حدّ الخيال ، ما ذكرت هذا إلا لأن هناك فئة من المسلمين إرضاء لزوجاتهم آثروا أن يضعوا آباءهم ، أو أمهاتهم ، في دور المسنين ، من دون حاجة إلا هرباً من المسؤولية ، وهرباً من مشكلات قد تنشأ إذا كان أبوهم عندهم ، أو أمهم عندهم يعيشان إلى جوار أبنائهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لكن التشريع الإسلامي العظيم ، وإنه تشريع الله عز وجل اتّجه إلى الحل الرابع ، لأنه يحفظ للشيوخ والضعفة من الأمة كرامتهم ، ومكانتهم في المجتمع ، ويضمن لهم استمرار الحياة العادية ، بعدما قدموا للأسرة والمجتمع عمرهم ، وحياتهم ، وخبراتهم، ولم يضنوا بشيء كانوا يستطيعون تقديمه ، مع كامل الرغبة في التحسين والتجويد ، قدر الوسع والإمكان .

الكرامة و الإحسان أساس حياة كل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بقاء للإنسان بغير كرامة ، ولا حياة له بغير إحسان ، لأنه يرغب أن يكون محبوبًا ، ومبجلاً ، ومرغوبًا في حياته عند الآخرين ، أعني أولاده الذين بذل زهرة عمره من أجلهم .
 أما الأبناء الذين يقدرون على رعاية والديهم في سن الشيخوخة ، ويضعونهم في مأوى العجزة ، فهؤلاء بحق آبائهم وأمهاتهم مجرمون ، لأنهم أفقدوهم أثمن شيء يعتز به الأب : أولاده ، وزوجته ، الذين ضحى من أجلهم ، وبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس من أجل تنشئتهم وتربيتهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ قلت لكم : إن الشرع الإسلامي العظيم هو الذي كرّس الاتجاه الرابع ، أن يبقى الإنسان في بيت أولاده ، في بيته الأساسي ، لذلك طمأن الشارع الحكيم الشيوخ والعجائز ، وكل من أصابه الضعف والوهن لسنه ، أو مرضه ، أو أي حادث طارئ بأنه ما زال في رضا الله سبحانه وتعالى ، وبين أولاده وذويه ، فقد روى كعب بن مرة ، قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :

(( مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[الترمذي عن كعب بن مرة]

 وروى حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ :

(( قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ ))

[البخاري عن حَارِثَةُ بْنُ وَهْبٍ الْخُزَاعِيُّ]

تعلق ميزان الشرع بإيمان الإنسان وعمله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ التشريع الإسلامي يزن الإنسان لا بشبابه ، ولا بقوته ، ولكن بإيمانه ، وعمله الذي قدمه ، وبخلقه الكريم ، مرّ رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأراد النبي أن يعلمنا ، فسأل النبي الكريم أحد أصحابه :

((عَنْ سَهْلٍ قَالَ" مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ" مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا : حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ يُسْتَمَعَ ، قَالَ : ثُمَّ سَكَتَ فَمَرَّ رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ : مَا تَقُولُونَ فِي هَذَا ؟ قَالُوا : حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْتَمَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -الآن دققوا- هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الْأَرْضِ مِثْلَ هَذَا - أي الأول - ))

[ البخاري عن سهل ]

 كم حجم الإنسان ؟ نصف متر مكعب ، خُمسة أمتار مكعبة ، كم حجم الأرض ؟ فقال عليه الصلاة والسلام عن هذا الفقير : هذا خير من ملء الأرض من هذا ، فميزان الشرع لا يتعلق لا بالشباب ، ولا بالكهولة ، ولا بالشيخوخة ، ولا بالإنتاج ، ولكن يتعلق بإيمان الإنسان، وبعمله العظيم الذي قدمه لأسرته ، ومجتمعه ، ثم أخلاقه الفاضلة .

 

المكانة الخاصة التي حباها الله للمسنين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ للشيوخ المسنين مكانة خاصة عند الله تعالى ، وفاء بحقهم ، وتكريماً لهم على ما قدموه في سابق أيامهم ، النبي عليه الصلاة والسلام فيما روى البخاري :

((عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ انْطَلَقَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ زَيْدٍ إِلَى خَيْبَرَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ صُلْحٌ فَتَفَرَّقَا فَأَتَى مُحَيِّصَةُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَهْلٍ وَهُوَ يَتَشَمَّطُ فِي دَمِهِ قَتِيلًا فَدَفَنَهُ ثُمَّ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةُ وَحُوَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَهَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَتَكَلَّمُ فَقَالَ كَبِّرْ كَبِّرْ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ فَسَكَتَ فَتَكَلَّمَا فَقَالَ : تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ ؟ قَالُوا : وَكَيْفَ نَحْلِفُ وَلَمْ نَشْهَدْ وَلَمْ نَرَ ؟ قَالَ : فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ ، فَقَالُوا : كَيْفَ نَأْخُذُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ؟ فَعَقَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِهِ ))

[ البخاري عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ ]

 أي اختر الكبار في السن ، وقد روى الترمذي :

(( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ، قَالَ : فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ]

 إذًا الشارع الحكيم يأمر كل مسلم أن يقدم كل عون لكل مسلم ، صغيراً كان أو كبيراً، رجلاً أو امرأة ، قادراً أو عاجزاً ، قريباً أو غريباً ، على قدر طاقته ، وهذا من أجلّ الواجبات الدينية ، التي يأثم الإنسان بتركها .

 

برّ الوالدين من أجلّ الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل :

 أيها الأخوة دققوا في هذه الآية ، قال تعالى :

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء : 23]

 لقد رُفع الإحسانُ إلى الوالدين إلى مستوى رفيع سامٍ ، فعطفه على عبادة الله عز وجل ، والعطف في اللغة يقتضي المشاركة ، رُفع الإحسانُ إلى الوالدين إلى مستوى عبادة الله عز وجل ، عن طريق واو العطف :

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾

[ سورة الإسراء : 23]

 ماذا يقول الأب عن أولاده ؟ عندي أربعة أطفال ، أما إذا كبر الأب كثيراً وسكن عند ابنه ، يقول : عندي والدي ، فرق كبير بين أن تقول : عندي أولاد أو أن تقول : عندي والدي ، إما يبلغن عندك ، هم عندك ، لو أن لأب عدداً من الأولاد ، الولد الذي يسكن عنده له أجر كبير ، أما الذي يأتيه كل أسبوع فهناك إذًا مشكلة ، إذْ ليس هناك احتكاك مباشر والعلاقة واهية ، أما حينما يكون أبوك عندك في البيت فالعلاقة وشيجة والأجر عظيم .

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾

[ سورة الإسراء : 23]

 لو أن الأب شابٌّ في ريعان قوته وذكائه الاجتماعي ولباقته أيضاً ، فلا مشكلة إطلاقاً ، أما حينما تتقدم السن بالإنسان تضعف ملكاته ، وينسى كثيراً ، ويتدخل فيما لا يعنيه ، وهو عند ابنه ، فالأمر حرج ، ولا بد عندئذ من إحسان له ورأفة به .

﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾

[ سورة الإسراء : 23]

 وهذه والله أيها الأخوة من أجلِّ الطاعات ، أن ترعى الأب الذي رعاك عمراً مديداً ، أن ترعى الأم التي رعتك عمراً مديداً ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ

(( سَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ ؟ قَالَ : الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، قَالَ : ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ : الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

[ البخاري َعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ]

 بر الوالدين من أجلّ الأعمال التي يتقرب بها الإنسان إلى الله عز وجل ، هذا الذي يضع أباه ، وهو قادر على رعايته في البيت ، فيقذف به إلى مأوى العجزة قد يُهان ، قد يضرب أحياناً ، قد يجوع ، هذا إذا كانت الدارُ مأوى عاديًا ، أما إذا كانت الدار خمس نجوم ، فيفقد الإنسان هناك أولاده ، ويفقد زوجته ، ويفقد أقرباءه ، ويفقد الأنس بهم ، ليس هذا هو الحل ، الحل أن يبقى عندك في البيت ، وأن تكتسب عملاً صالحاً لا يقدر بثمن .

 

إكرام الله لكل إنسان أكرم والديه :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ -أيّ شيخ -إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ

((

[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 أيّ شيخ ، فكيف إذا كان هذا الشيخ أباك الذي أنجبك ؟ والذي كان سبب وجودك، والذي جاع لتأكل ، والذي خاف لتطمئن ، والذي أفنى حياته في سبيلك ، رَوَى أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِي أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ ))

[ أبو داود عن أَبُي مُوسَى الأَشْعَرِي ]

 إذا أكرمت شيخاً شاب في الإسلام ، هذا إكرام لله عز وجل ، إكرام للواحد الديان ، ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ الْقَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 أجل هذه درجة الساعي على الأرملة والمسكين .

(( وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ ))

[ أحمد عن عبادة بن الصامت ]

 وقد ورد في صحيح البخاري :

((عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ رَأَى سَعْدٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم ))

[البخاري عَنْ مصعب بن سعد ]

 وكم من شابٍّ أغناه الله وأكرمه بسبب إكرامه لوالديه ؟

 

نوع البر الذي يأمرنا الشرع به تجاه والدينا :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الوقائع والأحداث حول هذا الموضوع لا تعد ولا تحصى ، كم من شابٍّ أصبح غنياً بعد أن كان فقيراً لأنه أكرم أباه و أمه ؟ وبعدُ فما نوع البر الذي يأمرنا الشرع به ؟ قد تستغربون ، قد يقول قائل : إعطاؤهم حاجاتهم المادية؛ من الطعام ، والشراب ، والكساء ، والدفء ، والتبريد ، كل حاجاته ، أقول لكم : بملء فمي ، أقول لكم مؤكداً : إن كل هذه الحاجات المادية هي حاجات ثانوية ، أما الحاجات الأساسية فأن تحترمهم ، وأن تُشعرهم أن وجودهم ثمين في الحياة ، أن تُشعرهم أنهم محل الرعاية والتكريم ، أن تُشعرهم أن مَنْ لا كبير له لا قيمة له ، أن تُشعرهم أنك مفتقر إلى حكمتهم ، مفتقر إلى توجيههم ، أن تُشعرهم أنهم سبب هذه الأسرة ، كلمات يقولها الابن من أعماقه ، تفوق كل الرعاية المادية التي يرعى بها أباه.

برّ الوالدين في حياتهما و بعد مماتهما :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ملمح لطيف في قوله تعالى :

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

[ سورة الإسراء : 23]

 الإحسان في اللغة العربية يتعدى بحرف إلى ، أما في الآية فقد تعدى بحرف الباء، والباء تفيد الإلصاق ، أي الإحسان للوالدين لا يقبل بالواسطة ، أن تقول للسائق : أعط هذه الفاكهة لوالدي ، خذ أبي نزهة ، لا يُقبل منك ، إلا أن تخدمه بذاتك ، إكراماً له ، أن تلبي حاجاته بنفسك أنت .
 أيها الأخوة الكرام :

(( عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ قَالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا ؟ قَالَ : نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا ، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا ))

[أبو داود عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ السَّاعِدِيِّ]

 هناك بر بالأب والأم بعد موتهما ، إكرام صديقهما ، صلة الرحم التي لم تكن لها صلة إلا بهما ، إنفاذ عهدهما ، الصلاة عليهما ، الدعاء لهما .

 

الأجر و الخير العميم لمن يرعى والديه و يحسن إليهما :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ماذا أقول ؟ هذا الذي يرعى والديه ، ويكرم أباه وأمه ، ويحتمل ما يحتمل ، قد تكون الخدمة شاقة جداً ، ولكن لها أجر لا يعلمه إلا الله ، وقد تكون الجريمة كبيرة جداٌ حينما تضع أباك في دار العجزة ، لكن قد تجد عاجزاً لا أسرة له ، فهذه الدور من أجل هؤلاء المقطوعين فقط ، أما له أبناء وله أصهار وله أولاد وله إخوة ويوضع في مأوى العجزة من أجل تحطيم مشاعره فهذا الذي لا يرضاه الله ، ولا يقبله مسلم ، فالحل الرابع أن يبقى المتقدم في السن في بيته ، ولو كانت الخدمة شاقة ، فلا يعلم إلا الله وحده كم من الخير و الأجر سيعود على الأولاد في نهاية المطاف بتمام الإحسان لوالديهم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

قصص من الواقع عن إهمال المسنين و عدم العناية بهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنا لا أبحث عن موضوعات من فراغ ، بل أحاول إنْ شاء الله تعالى ، وأرجو توفيقه أن أضع يدي على جراح المسلمين ، فلولا أنني سمعت قصصاً عديدة من أناس يرتادون بيوت الله ، وهم محسوبون على المسلمين ، وأنهم يضعون آباءهم من دون ضرورة في دور العجزة ، وقد تألم هؤلاء الآباء أشدّ الألم ، لما كانت هذه الخطبة .
 ياأيها الأخوة ؛ إليكم قصتين ، أو أكثر ، زارني طبيب وقال لي : أنا مزمع على أن أعود إلى بلدي دمشق ، وأنا الآن أعمل في بريطانيا طبيبًا لامعًا جداً ، ولي دخل كبير ، قلت : ما السبب ؟ قال : أسكن في بلدة في ظاهر لندن ، في بناء من ستة طوابق ، وهناك رجل يسكن في الطابق الأخير ، البرد شديد هناك في لندن في فصل الشتاء ، مات ذلك الرجل ومضى على موته ستة أشهر ، وهو في البيت دون أن يعلم بموته أحد ، وله خمسة أولاد ، لم يفكر واحد من أولاده أن يزوره في هذه الأشهر الستة ولو لمرةٍ واحدة ، فرأى مصيره إن بقي هناك ، وكذلك لي صديق آخر من إخوة المسجد ، سافر إلى ألمانيا ، فسكن عند امرأة ، ولمنزلها حديقة لا تُصدق لروعة جمالها ، وإنها تُعدها ليوم واحد في العام ، حينما يأتي أولادها إليها ، من شدة محبتها لهم وهم معرضون عنها ، زينت لهم هذه الحديقة ذات يوم وصنعت لهم طعاماً نفيساً ، وكان الوقت المحدد ، وهذا الأخ يسكن في بيتها ، ثم فوجئت أنهم اعتذروا عن المجيء ، فبكت بكاء كادت تموت من البكاء ، الأم و الأب مهملان إهمالاً شديداً في ديار الغرب ، أي إذا تكرم الابن واتصل بأمه هاتفياً أو قام بزيارتها في العام مرة واحدة فهذا ابن بار ، لذلك هم بحاجة إلى عيد الأم ، أما نحن والحمد لله ، فلابد من أن يزور الابن أمه وأباه كل يوم، ويقدم لهم الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، نحن عندنا منهج عظيم ، نحن لا نحتاج إلى مثل هذه الأعياد ، لأن عيد الأم نحياه كل يوم ، كل يوم ، فقصص كثيرة لا تُعد ولا تُحصى من هذا القبيل .
 مرةً رجل ذهب إلى فرنسا ، والتقى بشاب ، قال له : ماذا تشتهي ؟ قال له : أتمنى أن أقتل أبي ، قال له : لماذا ؟ قال له : أحبُّ فتاة فأخذَها مني ، أي أنّ العلاقة غير مقدسة هناك بين الأب وابنه ، وكنت قد ذكرتُ لكم قبل أسبوعين أنّ أبًا في شرق آسيا يبيع ابنته لتكون في دور الدعارة بثلاثمئة دولار ، وقال الذي اشتراها منه : لو طلب ثمنها ثلاثة آلاف لدفعتها له ، سأربح الملايين منها ، أما عند المسلم فالابن مقدس ، والأب مقدس ، والبنت مقدسة ، والذي نراه من المسلمين العاديين من حسن معاملتهم لوالديهم شيء لا يُصدق ، وأنا أقول مرة ثانية وأكرِّر : لستُ أبحث عن هذه الموضوعات من فراغ ، إنما من واقع ، فهناك مسلمون محسوبون على المسلمين ، يرتادون بيوت الله ، يضعون آباءهم أو أمهاتهم في دور العجزة وهم قادرون على رعايتهم ، والشيء العجيب أن أحد الأخوة الأطباء حدثني أنه كان بفرنسا فرأى ندوة حول دور العجزة ، فهذا الذي يجري المقابلة سأل أول إنسان عاجز : ماذا تتمنى ؟ قال : الموت ، سأل الثاني ، ماذا تتمنى ؟ قال : الموت ، أقسم بالله أن مدير الندوة مرّ على عدد من العجائز في هذه الدور الذين تُقدم لهم كل ألوان الطعام الطيبة ، وكل الرعاية الصحية ، سأل كل واحد : ماذا تتمنى ؟ فيقول : الموت ، لذلك الإنسان إذا تقدمت به السن يحتاج إلى إحساس بكرامته ، إحساس بقيمته ، إحساس بحظوته ، أما إذا أُهمل ، ووُضِع في غرفة وحده ، وجاء الأقارب ، وسهروا معاً ، فهذا تحطيم له ، فلابد من أن تنتبهوا أيها الأخوة لهذه الحالة ، فلا يوجد بيت ليس به متقدم بالسن ، فكلما كنت أقرب إلى الله عز وجل كنت أكثر رعاية لهذا المتقدم بالسن ، وإذا عاملته هكذا فسوف يعاملك ابنك كما عاملت أباك ، والوقائع التي تُشير إلى هذه الحقيقة لا تُحصى ولا تُعد .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ، ولا يُقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك اللهم ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنَّا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تُؤمنَّا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تُنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بِكَ من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحبه وترضاه ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018