الدرس : 33 - سورة البقرة - تفسيرالآيات83 - 86، معرفة المنهج الدقيق لله افعل و لا تفعل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 33 - سورة البقرة - تفسيرالآيات83 - 86، معرفة المنهج الدقيق لله افعل و لا تفعل


1999-04-02

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثالث والثلاثين من دروس سورة البقرة.

العهد والميثاق الذي أخذه الله تعالى على عباده في عالِم الذر:

 مع الآية الثالثة والثمانين وهي قوله تعالى :

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) ﴾

 ذكرت في درسٍ سابقٍ أيها الأخوة أن كلمة

﴿ إذ ﴾

 تعني اذكروا حين:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا (83) ﴾

 أي اذكروا حين أخذنا منكم الميثاق الغليظ:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (83) ﴾

 الميثاق هو العهد، والبشريَّة جمعاء حينما خُلِقوا في عالَم الذَر قال لهم الله تعالى:

﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾

( سورة الأعراف الآية: " 172 " )

 أخذ الله على خلقه العهد أن يأتوا إلى الدنيا ليطيعوه، وليتعرَّفوا إليه، وليتعرَّفوا إلى منهجه، وليعملوا الصالحات لتكون الصالحات ثمناً لجنَّةٍ أبديَّة، هذا هو العهد، نحن في الدنيا من أجل أن نعرفه، ومن أجل أن نطيعه فنسلم، ومن أجل أن نعمل الصالحات فنسعد، ومن أجل أن تكون هذه المعرفة وتلك الطاعة وهذا العمل الصالح ثمن الجنَّة، خُلِقْنا لجنَّةٍ عرضها السماوات والأرض:

(( أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة رضي الله عنه ]

سبب مجيئنا إلى الدنيا:

 العهد أن نأتي إلى الدنيا فنتعرف إلى الله من خلال الكون، والكون كلُّه ينطق بأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أن نأتي إلى الدنيا وأن نستخدم العقل الذي أودعه الله فينا، وأن نصغي إلى صوت الفطرة التي فُطرنا عليها، وأن نستخدم حريَّة الاختيار في اختيار الخير، وأن نستخدم الشهوات كقوَّى محرِّكة لا قوى مدمِّرة، وأن نجعل من الشرع منهجاً لنا، من أجل هذا جئنا إلى الدنيا، وهذا هو العهد الذي عاهدنا ربنا عليه، وهذا مضمون قوله تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ ﴾

(سورة الأحزاب الآية: " 72 " )

 وقال:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ﴾

 كلمةٌ جامعةٌ مانعةٌ هي الـدين كلُّه: لا تـعبدوا إلا الله، يجب أن نؤمن به إلهاً واحداً موجوداً كاملاً وأن نعبده، وأن نعبده وفق ما أمر لا وفق أمزجتنا، تسألك إحداهن: هل من الممكن أن نعمل عقد زواج صوري ليكون هذا الزوج الصوري محرم لي في الحج ؟ عجيب، تريدين أن تعبدي الله وفق مزاجك، ليس هناك محرم فأنتِ لستِ مستطيعةً، استطاعت المرأة أن يكون لها محرم تحجُّ معه، طبعاً ضربت هذا المثل عَرَضَاً، يريد أُناسٌ كثيرون أن يعبدوا الله وفق أمزجتهم، لا يُعبد الله عزَّ وجل إلا بما شَرَّع:

﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ﴾

تعريف بالعبادة:

 الطاعة لله وحده، والعبادة ـ كما أقول دائماً وأعيد هذا كثيراً ـ طاعةٌ طوعيَّةٌ ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّةٍ أساسها معرفةٌ يقينيَّةٌ تفضي إلى سعادة أبديَّة، معرفة، طاعة، سعادة:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ(25) ﴾

( سورة الأنبياء )

 فحوى دعوة الأنبياء جميعاً :

﴿ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

( سورة المؤمنون الآية: " 32 " )

 وردت هذه الآية عشرات المرَّات

﴿ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ(56)﴾

( سورة الذاريات )

قَرَنَ الله الإحسان إلى الوالدين بعبادته تعظيماً لقدر الوالدين:

 لا يُعْبَد إلا الله، وحينما تعبد الله تعبده وفق ما شرَّع:

﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ُ﴾

 الوالدان هما سبب وجودك:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) ُ﴾

 قَرَنَ الله الإحسان إلى الوالدين بعبادته تعظيماً لقدر الوالدين، ولو أن في اللغة كلمةً أقلَّ من (أفّ) لقالها الله عزَّ وجل:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) ُ﴾

 طبعاً هذه الآية افعل، والآية التي بعدها لا تفعل:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ﴾

مضمون منهج الله عزَّ وجل:

 لقد تضمّنت هذه الآية العديد من العبادات بالإضافة إلى العبادة الاعتقادية في مطلبها، عبادات شعائريَّة:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (83) ُ﴾

 عبادات قوليَّة:

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾

 عبادات تعامليَّة:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ (83) ُ﴾

 عبادة اعتقاديَّة:

﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ُ﴾

 هذا مضمون منهج الله عزَّ وجل: عبادة اعتقاديَّة، وعبادة شعائريَّة، وعبادة تعامليَّة، وعبادة قوليَّة.

 

الفرق بين الأمر التكليفي والأمر التكويني :

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ُ﴾

 الذي حصل أن هناك تولِّي، هناك تقصير، هناك إعراض، أنت مخيَّر، كل الخَلق عدا الإنس والجن مسيَّرون، الشر لا وجود له إلا في عالَم الإنس والجن لأنه مخيَّر، الأمر التكليفي غير التكويني، هناك أمرٌ تكليفيٌّ وهناك أمرٌ تكويني، الأمر التكليفي طريق سالك ؛ لكن في أوله لوحةٌ كُتِبَ عليها ممنوع المرور، فأنت إما أن تسير وتخالف وتدفع الثمن الباهظ، وإما أن تأتمر فتسلم وتسعد، فالأمر تكليفي لك أن تطيع، ولك ألا تطيع، أما الأمر التكويني ليس لك خيار، الله عزَّ وجل له أمر تكليفي وله أمر تكويني، خلقك من فلان وفلانة هذا تكويني، خلقك بشكل معيَّن تكويني، خلقك بعصر معيَّن تكويني، بزمنٍ معيَّن، بمكان معيَّن، بقدراتٍ معيَّنة كلَّه تكويني، قال لك: صلِّ، هذا تكليفي، اصدق تكليفي، كن أميناً تكليفي، اعدل تكليفي، غضَّ البصر تكليفي، هناك أمر تكويني هو فعل الله، وهناك أمر تكليفي هو أمر الله، فهذا أمرٌ تكليفي:

﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ُ﴾

 أيمكن أن تعبد غير الله ؟ ممكن لأن الأمر تكليفي:

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) ُ﴾

 أيمكن أن يكون الإنسان ابناً عاقاً ؟ ممكن:

﴿ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ (83) ُ﴾

 أيمكن أن يبني مجده على نهب أموال هؤلاء..؟ ممكن:

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾

 أيمكن أن تقول سوءاً للناس ؟ أمر تكليفي تفعل أو لا تفعل:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ (83) ُ﴾

 يمكن أن لا تصلي، أنت مخيَّر، فالتخيير يثمِّن العمل، لولا الاختيار ما كانت هناك جنّة في الأساس.

 

مقوِّمات التكليف:

 الجنة لأنَّك مخير، يقدم الإنسان فحصاً فينجح، يقام له احتفال تكريمي، لماذا التكريم ؟ لأنه درس وطالب آخر ما درس، الأول لأنه اجتهد والطالب الآخر ما اجتهد، الأول لأنه نجح والآخر ما نجح، هو مخيَّر يدرس أو لا يدرس، فالذي درس واجتهد ونجح يُقام له حفل تكريمي، والذي رسب يوبَّخ، فأنت مخيَّر، لا تنس أن مقوِّمات التكليف هي الكون، والعقل، والفطرة، والشهوة، والاختيار، والشرع:

﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) ﴾

 هذه الآية افعل، أما لا تفعل فإليك الآية :

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ُ﴾

الله عز وجل يحبنا أن نكون منتظمين ومتعاونين كالجسد الواحد:

 مما يلفت النظر في هذه الآية :

﴿ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ (84) ﴾

 مجتمع المؤمنين مجتمع واحد، وحدة، مجتمع المؤمنين في الأصل كما أراد الله عزَّ وجل كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى، أنت حينما تأخذ مال أخيك ضَعَّفته، وإذا ضعَّفته ضعَّفت المؤمنين، وإذا صُنْتَ مال أخيك قوَّيته، وإذا قويته قويت المؤمنين، وأنت من المؤمنين، فأنت حينما تأكل مال أخيك ضعَّفت نفسك.
 هذا مثلٌ أوضح: الآن لو أن أسرة مؤلَّفة من خمسة شباب، أعانوا أخاهم حتى صار طبيباً، وصار دخله كبيراً، هذا الدخل عاد على أخوته، أما لو جعلوا العصي في العجلات، منعوه من الدراسة، لبقي فقيراً، وصار عبئاً عليهم ـ الفكرة واضحة ـ هذا الأخ له خمسة إخوة، إذا دعموه وساعدوه وصار ذا مهنة دخلها كبير، دخلها الكبير عاد إليهم، أما إن أخذوا ماله، ومنعوه من الدراسة، بقي فقيراً، وصار عبئاً عليهم ، فعلى مستوى خمسة إخوة أنت إن أخذت مال أخيك فقد أخذت من مالك وأنت لا تدري، إن أضعفتَه أضعفت نفسك، وإن قويَّته قوَّيت نفسك، إذا دللته على القواعد الصحيَّة وعاش صحيح البدن فأنت ارتحت، إذا كان أخوك بخير فأنت بخير، أما إذا أهملت توجيهه الصحي فارتكب أخطاء صحيَّة كبيرة وأصابه مرض عضال فأنت المسؤول، أنت مكلَّف بمعالجته، هذا شيء واضح جداً في الأسرة.
 إذا أهمل الإنسان صحة أولاده سيتكلَّف أموالاً طائلة في معالجتهم، لأنه مسؤول عنهم، لو انتبه لصحة أولاده لارتاح، فكأن الله عزَّ وجل يقول لنا: أنتم بمثابة الجسد الواحد فإن أكلتم أموالكم ضعَّفتم أنفسكم، إن سفكتم دماءكم ضَعَّفتم أنفسكم، إن أخرجتم أخوانكم من بيوتهم ضعَّفتم أنفسكم، أي أن الله عزَّ وجل أرادنا أن نكون جماعة، وأرادنا أن نكون متعاونين، متباذلين، متناصرين، متضامنين، متناصحين، ولا يحبُّنا الله عزَّ وجل إلا بهذا النظام والتعاون، قال تعالى:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

(سورة المائدة الآية: " 2" )

التناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنَّة:

 أخواننا الكرام، الإنسان له طبعٌ وله تكليف، طبعه فردي، والتكليف تعاوني، أمرك الله أن تتعاون مع أخيك، فأنت بقدر إيمانك بالله وبقدر طاعتك له تتعاون، وبقدر ضعف إيمانك وبقدر تفلُّتك تتنافس، فالمتعاون مؤمن والمتنافس عاصٍ، لأن التعاون تكليف والفرديَّة طبع، والتناقض بين الطبع والتكليف هو ثمن الجنَّة، مثل هذه الآيات في القرآن :

 

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ُ﴾

( سورة البقرة الآية: " 188 " )

 طبعاً ليس معنى الآية أن تأخذ من جيبك الأيمن مبلغاً من المال تضعه في جيبك الأيسر، لا ليس هذا هو المعنى، هذا المال مال أخيك هو مالك من زاويةٍ واحدة، من زاوية ضرورة الحفاظ عليه، فلأن تمتنع من أكله من باب أولى، إذا أعارك أخوك سيَّارته فهي سيارتك بمعنى أنه يجب أن تقودها بعنايةٍ فائقة، وكأنها سيارتك، هي ليست لك بل هي له، ولكن سنقول مؤقتاً هي سيارتك، أي عامِلْها كأنها سيارتك، اعتنِ بها، قُدها بلطف، بعناية فائقة، فإذا قلنا: هذه السيارة سيارتك ليس المعنى أنها سيارتك، المعنى أنه ينبغي أن تقودها وكأنَّها سيارتك، من زاوية العناية بها، فإذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ُ﴾

(سورة البقرة الآية: " 188 " )

 أي لا تأكلوا مال أخوانكم، ولكن سُمِّيَ مال أخيك مالك من زاوية وجوب العناية به والحفاظ عليه وكأنَّه مالك، هذه نقطة دقيقة جداً، إذا كان الشيء ليس لك فقد تكسِّره، تهمله، تتلفه، تحطِّمه، هذا سلوك الكفَّار ؛ أما المؤمن مال أخيه هو ماله، من زاوية الحفاظ عليه، يعتني بحاجات أخوانه، يعتني بآلاتهم، ببيوتهم، لو أسكَّنوك في بيت وكأنه بيتك، ولو أعاروك مركبة وكأنَّها مركبتك، أعطاك مالاً كي تستثمره وكأنَّه مالك، لا تجعل مالك دون ماله ـ الفكرة دقيقة ـ فلو أن تاجراً أتاه مال للاستثمار، وكان صنف البضاعة غير معروف، فوضعه في هذا الصنف المجهول، فهل يربح ؟ أم لا يربح ؟ يقول لك: إذا ربح أُدْخِل رأس مالي الشخصي، أما إذا لم يربح فيمسك ماله لنفسه، ويقول: ما في نصيب، يقول لك: لم أشارك بمالي لأنه ما في نصيب، وهذا ترتيب الله سبحانه، أشار النبي إلى هذه الناحية فقال: " ولا تجعل مالك دون ماله ".

يجب أن تتعامل مع مال أخوانك وكأنه مالك وذلك من زاوية وجوب الحِفاظ عليه وصونه:

 لا تجعل مال الإنسان اليتيم وسيلةً تجسُّ بها نبض السوق، لا، بل يجب أن تتعامل مع مال أخوانك وكأنه مالك، وذلك من زاوية وجوب الحِفاظ عليه وصونه، طبعاً فلأن تمتنع عن أكله من باب أولى، من باب أولى ألف مرَّة، فاحذر:

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ُ﴾

(سورة البقرة الآية: " 188 " )

 وقال:

﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ﴾

(سورة الحجرات الآية: " 11" )

 لن تجد إنساناً يحتقر نفسه لكنه يحتقر أخاه، يطعن بأخيه، فإن طعنت بأخيك طعنت بنفسك، أنا أضرب أمثلة للتوضيح ـ لو أن إنساناً يجلس في لقاء يحوي خمسين أو ستين شخصاً، وقال: أبي فعل كذا أمراً قبيحاً، وأبي خالٍ من الأخلاق، وأبي قليل الدين مثلاً، فقد طعن بنفسه من دون أن يشعر، إذا كان هذا حال أبيك فأنت على هذه الشاكلة، فإذا ذمَّ الإنسان أقرب الناس له كأنه ذمَّ نفسه وهو لا يشعر.

 

بعض مما يحبه الله عز وجل:

 قال تعالى:

﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ﴾

(سورة الحجرات الآية: " 11" )

 لم يقل: ولا تلمزوا أخوانكم، ولكنه قال: هذا أخوك سمعته من سمعتك لذلك :

(( من أساء بأخيه الظن فقد أساء بربه ))

[ كنز العمال عن عائشة ]

 و:

((من أكرم أخاه المؤمن فإنما أكرم الله ))

[رواه الأصبهاني عن جابر والعقيلي عن أبي بكرة]

 الله عزَّ وجل يحب السَتر، يحب التعاون، يحب التضامن، التكاتف، التناصر، التسامح، يحب التزاور، هذا الذي يحبُّه الله عزَّ وجل، أنا آتيكم بأمثلة:

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: " 188 " )

 وقال:

﴿ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ ﴾

(سورة الحجرات الآية: " 11" )

 وقال:

﴿ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ (84) ُ﴾

 أربع آيات أو خمس آيات في القرآن الكريم فيها استفهام كبير، بالظاهر لأنه لا يوجد إنسان يقتل نفسه، أما إذا قتلت أخاك تُساق إلى المحكمة فيُحْكَم عليك بالإعدام، معنى هذا أنت قتلت نفسك وأنت لا تدري، وقد قيل: " القتل أنفى للقتل ".

ينطلق المؤمن من حقيقة كبرى أنّ كلّ الخلق عيال الله:

 عندما نقتل القاتل فقد ردعنا ألف إنسان مجرم كان كل منهم ينوي أن يقتل، فالمعاني دقيقة جداً، أول آية افعلوا، الآية الثانية لا تفعلوا:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ (84) ُ﴾

 اذكروا أيضاً:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ (84) ُ﴾

 إذاً يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، أي إذا عاش الإنسان حياة مديدة ولم يصدر عنه أذى لإنسان هذا وسام شرف كبير، طبعاً القتل فما دون، تجريح، أو غيبة، أو نميمة، أو ابتزاز أموال، أو طعن بالأعراض، أو بالأنساب، أي أن تكون بعيداً عن إيذاء الخلق، وقد ورد في الحديث:

(( اثنان لا تقربهما ؛ الشرك بالله والإضرار بالناس ))

[ سلسلة الأحاديث الضعيفة]

 تصوَّر أباً له أولاد، فالذي يعتدي على أحد أولاده كأنه اعتدى على الأب، أن تعتدي على ابن هو عدوان على الأب، لذلك ينطلق المؤمن من حقيقة كُبرى كل هؤلاء الخلق عيال الله، فبقدر محبَّتك لله تنفع عياله، بقدر محبَّتك لله تُحسن إليهم، بقدر محبَّتك لله تلقي في قلوبهم الأمن والسكينة، بقدر محبَّتك لله تسعدهم، بقدر محبَّتك لله تعطيهم.
 الإنسان الآخر ـ الطرف الآخر ـ بقدر بعده عن الله يبتزُّ أموالهم، بقدر بعده عن الله يُرْعِبُهم، بقدر بعده عن الله يخوِّفهم، بقدر بعده عن الله يطعن بهم.

 

الإنسان يحجب عن رب العباد عندما يؤذي العباد وذلك أكبر عقاب من الله للإنسان:

 خدمة الخلق قربى إلى الرب وإيذاء الخلق بعدٌ عن الله عزَّ وجل، إنني أعتقد أن إنساناً يرى طفلاً في الطريق فيصفعه صفعاً شديداً ثمَّ يلتقي بأبيه في البيت التالي فإنه سينتابه خجلٌ شديدٌ، وخاصة إذا كان الطفل لم يفعل شيئاً، إنك لا تستطيع أن تتصل بالله إذا آذيت خلق الله عزَّ وجل، والحقيقة الإنسان يحجب عن رب العباد عندما يؤذي العباد وذلك أكبر عقاب من الله يعاقب به الإنسان، أكبر عقاب على الإطلاق:

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

( سورة المطففين )

 أنت حينما تؤذي عباد الله، حينما تبتزُّ أموالهم، حينما تحتال عليهم، حينما تنتهك أعراضهم، حينما تلقي في قلوبهم الخوف، حينما تحمِّر وجوههم، حينما تسحقهم، حينما تبني ثروتك على إفقارهم، حينما تبني مجدك على أنقاضهم، حينما تبني عزَّك على إذلالهم، أنت عندئذٍ أخذت أكبر عقاب من الله وهو أن الله عزَّ وجل حجبك عنه وطردك من رحمته، فكن عبد الله المظلوم إذا كان الطريق إلى الله سالكاً ولا تكن عبد الله الظالم إذا كان الطريق إلى الله مقطوعاً، أيهما أفضل أن يكون الطريق إلى الله سالكاً ولك حقٌ عند أخيك ؛ أم أن تأخذ ما ليس لك والطريق إلى الله مسدود ؟ الإيمان يحل هذه المشكلة، المؤمن يعد للمليون قبل أن يأخذ ما ليس له، قبل أن يحتال على إنسان آخر، قبل أن يخيف إنساناً ما، قبل أن يسبِّب الأذى لإنسان، قبل أن يُحرج إنساناً، قبل أن يفضح إنساناً، قبل أن يكون سبباً في هلاك إنسان.

 

هنيئاً لمن كان مفتاحاً للخير والبر والويل لمن كان مفتاحاً للشر:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ُ﴾

 أخذ ربنا عزَّ وجل العهد على بني إسرائيل أن يعبدوه، وأن يحسنوا إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين، وأن يقولوا للناس حسناً، وأن يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، وأخذ عليهم العهد أيضاً ألا يسفك بعضهم دماء بعض، ورد في بعض الأحاديث أنه من علامات قيام الساعة موتٌ كعقاص الغنم لا يدري القاتل لمَ يقتل ولا يدري المقتول فيما قُتِل.
 ما معنى أن يخرج ربع مليون إنسان من بلدهم خوفاً على دمائهم ؟ هذا الذي يجري في العالم الآن:

(( تُمْلَأُ الْأَرْضُ جَوْراً وَظُلْماً، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي يَمْلِكُ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَعَدْلاً ))

[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 تقوم القيامة ولا تقعد من أجل جندي أو جنديين، ومن أجل مئات بل ألوف بل بضعة ملايين يُقْتلون، يموتون جوعاً، يُطردون من ديارهم لا يحرِّك أحد ساكناً أبداً:

قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر  وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
***

 هكذا تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، هنيئاً أيها الأخوة، هنيئاً لمن كان مفتاحاً للخير، هنيئاً لمن كان مفتاحاً للبر، والويل لمن كان مفتاحاً للشر، هذا الذي ينام وفي رقبته جرائم القتل والتشريد والجوع كما يفعل أعداؤنا، ينامون والشعوب تئنُّ من الجوع، والشعوب تئنُّ من الظلم، والشعوب تئنُّ من ضيق ذات اليد وهم ينفقون على كلابهم ألوف الملايين، يطعمون كلابهم من اللحم ما لا تأكله شعوب بأكملها، لذلك:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾

( سورة إبراهيم )

سلاح من الله تعالى لمواجهة كيد الكافرين :

 يجب أن أقول هذه الآية شفاءً للصدور:

﴿ وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)﴾

( سورة إبراهيم )

 الله يُبَيِّنُ عِظَم مكرهم، أعطاك سلاحاً في مواجهة كيدهم، فقال:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران الآية: " 120 " )

 هذا قرآن، كلام الواحد الديَّان، كلام خالق الأكوان:

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران الآية: " 120 " )

 متى وصل إلينا مكرهم ؟ وصل عندما لم نتقِ ولم نصبر، لم نتقِ الله ولم نطعه ولم نصبر على ترك منتجاتهم أبداً، نحن متعلِّقون بمنتجاتهم، لو امتنعنا عن شراء حاجاتهم، لو صبرنا واتقينا الله عزَّ وجل لكفَّ الله عنا كيدهم

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

 آية قرآنيَّة.

 

 

 

كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله:

 قال تعالى:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ُ﴾

 أخواننا الكرام، هناك مقولة أتمنَّى أن تكون واضحة عندكم: كفاك على عدوِّك نصراً أنه في معصية الله، فالحياة تنتهي بالموت، هنيئاً لمن مات طائعاً لله، والويل ثمَّ الويل ثمَّ الويل لمن مات عاصياً لله.
 ذكرت لكم من قبل أن رجلاً من الناس كان يطوف حول الكعبة وهو يقول: ربي اغفر لي ذنبي ولا أظنُّك تفعل، وكان وراءه رجل فقال له: يا هذا ما أشدَّ يأسك من رحمة الله، قال له: ذنبي كبير، لو أنك تعرف ذنبي، قال له: ما ذنبك ؟ قال له: كنت في حملة قمع فتنة ـ هذه القصَّة قديمة وقعت في العصور العبَّاسيَّة ـ فلمَّا قُمِعَت أبيحت لنا المدينة، قال: فدخلت أحد البيوت، فرأيت فيه رجلاً وامرأةً وولدين، فقتلت الرجل، وقلت لامرأته: اعطني كل ما عندكِ، فأعطته كل ما عندها، فقتل غلامها الأول، قال: فلما رأتني جاداً في قتل الثاني أعطتني درعاً مذهبة ؛ من الذهب، أعجبتني، ودهشت بها، فإذا عليها بيتان من الشعر قرأتهما، فوقعت مغشياً عليّ، مكتوب على هذه الدرع المذهبة:

إذا جار الأمير وحاجباه  وقاضي الأرضِ أسرف في القضاءِ
فويلٌ ثـمَّ ويلٌ ثـم ويلٌ  لقاضي الأرض من قاضي السماءِ
***

 يقول لك: تطهير عرقي، تقتل إنساناً بلا سبب فقط لأنه مسلم !! هذا الإنسان ميِّت، ضميره ميت، قال

 

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) ﴾

 

( سورة التكوير)

 روى رجل في الجاهليَّة للنبي الكريم قصَّة عندما كان جاهلياً، وصف له ابنته الجميلة جداً في ريعان الصِبا، أخذها بيده إلى مكان بعيد ثم دفنها وهي حية:

﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9) ﴾

( سورة التكوير)

أدلة من القرآن الكريم عن انتقام الله تعالى:

 إذا كان الإنسان قادراً على إيذاء الناس، هؤلاء الذين يُقَتِّلون المسلمين والله لا تجد مسلماً إلا وهو يتألَّم ألماً شديداً، مستحيل أن تجد مسلماً ولا يتألَّم، بل يتألَّم ألماً لا يحتمل وهو يسمع الأخبار، هؤلاء الذين يهجِّرونهم، يشرِّدونهم، يجيعونهم، يقتلونهم غدراً، لذلك:

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

( سورة إبراهيم )

 وقال:

﴿ فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾

( سورة إبراهيم )

 وقال:

﴿ لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ(196)مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(197) ﴾

(سورة آل عمران)

 وقال:

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً(15)وَأَكِيدُ كَيْداً(16)فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً(17) ﴾

(سورة الطارق )

 هنيئاً لمن كان مفتاحاً للخير، أيها الأخوة طيبوا نفساً، إذا نمت مساءً وما من إنسان متعلِّق بك، لست متسبِّباً بإيذاء إنسان، ولا بقتل إنسان، ولا بإفقار إنسان، ولا بإذلال إنسان، ولا بفقد حريَّة إنسان، لست متسبِّباً بالأذى لأحد، فإنك لو أكلت أخشن الطعام فأنت أسعد الناس، لو سكنت في أضيق بيت فأنت أسعد الناس، لو عانيت لا سمح الله كل الأمراض أنت أسعد الناس بشرط ألا تكون متسبِّباً بإيذاء مخلوق، ولا بإفقار مخلوق، ولا بإخافة مخلوق، ولا بالإساءة لمخلوق.

واقع اليهود:

 واقع اليهود قاتلهم الله:

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ﴾

 اليهود في عهد النبي عليه الصلاة والسلام وهم بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فريقٌ منهم عاهدوا الأوس، وفريق كانوا مع الخزرج، لخطَّةٍ رسموها من أجل أن تكون العداوة دائمة بين الفريقين، ومن أجل أن يعيشوا على عداوة الفريقين، انحاز بعضهم إلى الأوس وبعضهم إلى الخزرج، وكانوا في الوقت نفسه يثيرون الأوس على الخزرج، والخزرج على الأوس، يعيشون على أنقاض الأوس والخزرج، مكر شديد جداً، فريق من اليهود مع الأوس، وفريق مع الخزرج، وكل فريق يُحَمِّس الطرف الآخر لقتال صاحبه، فإذا نشبت حربٌ بين الأوس والخزرج مع حلفائهم من اليهود، ووقع بعض اليهود أسرى، يعمدون إلى فدائهم، حيلة ماكرة جداً في محاولة إفناء الفريقين الأوس والخزرج وبسط سيطرتهم على محيطهم.

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ (85) ﴾

 إنهم متفقون اتفاقاً، نصفهم مع الأوس ونصفهم مع الخزرج، ويبثون الحراس بين هؤلاء لقتال هؤلاء وبين هؤلاء لقتال هؤلاء، فإن نشب القتال، طبعاً الأوس قاتلوا مع أنصارهم اليهود والخزرج قاتلوا مع حلفائهم اليهود، فإذا نشب قتال بين اليهود قتلوا أنفسهم، قتلوا أبناء جلدتهم، فمن لم يُقْتَل أخذوه أسيراً ثمَّ افتدوه بعد أن يكونوا قد وصلوا إلى مآربهم في الوقيعة بين الفريقين العربيين.

من أخطر أمراض اليهود أنه يعجبهم من الدين ما هو يسير:

 قال تعالى:

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ (85) ﴾

 بالمعركة القذرة التي أججتموها أنتم بين الأوس والخزرج:

﴿ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ (85) ﴾

 يقول لك: تكتيك، خطَّة ذكيَّة، الخطَّة الذكيَّة تسمَّى ذكيَّة إذا كانت وفق منهج الله فإن لم تكن وفق منهج الله فهي خطَّة قذرة:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ (85) ﴾

 هذا من أخطر أمراض اليهود وأنا أؤكِّد لكم أن المسلمين وقعوا في هذا المرض، يعجبهم من الدين ما هو يسير، الشيء الجميل، مثلاً السفر، الحفلات، الاحتفال بذكرى المولد، الشيء السهل، أما الانضباط ؛ ضبط الشهوات فلا يعجبهم، كسب المال الحلال فلا يعجبهم، يريد كسب مال كثير ولو من طريق مشبوه، فالذي يعجبه يأخذ منه، أحياناً يصوم في يوم عاشوراء، أو الخامس عشر من شعبان، وهو تارك لأشياء مهمَّة جداً في الدين، ومرتكب مخالفات كبيرة جداً في الدين، فقضية صيام يوم في السنة سهل جداً، قضية سفر إلى العمرة سهل أيضاً، مع أن العمرة واجبة مرة في العمر، لكن إذا لم يكن منضبطاً إطلاقاً لا قبل ولا بعد فلا جدوى من العمرة، أما ركوب طائرة، وطواف سبع أشواط فقضية سهلة جداً، فإذا أخذ الإنسان من الدين ما يعجبه، وأخذ الشيء اللطيف المريح، ذكرى مولد يا أخي، يقول لك: كم كان هناك من التجلي في المولد يا أخي، لكن البيت عنده ليس منضبطاً إسلامياً، ولا الدخل منضبط، ولا العلاقات منضبطة، ولا يوجد التزام إطلاقاً يقول لك: صار هناك تجلِّ كثير، أي تجلٍّ هذا ؟

 

الذي يأخذ من الدين ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه هذا وقع في مرض من أمراض اليهود:

 قال تعالى:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ (85) ﴾

 تأخذ من الدين ما يعجبك وتدع ما لا يعجبك، يقول لك: الزواج سُنَّة يا أخي، أعجبه الزواج من الدين كله، أنا أقبلت على الزواج لأنه سُنَّة يا أخي، الشيء المريح الذي يعجبه أخذه، وبالغ به، وأثنى عليه ؛ أما إذا قلت له: غض بصرك، فإنه يقول لك: أين أذهب بعيوني ؟ وإن قلت له: هذا الدخل فيه شبهة اتركه، فإنه يقول لك: هذا الدخل كبير ويصعب تركه، أحد الأشخاص عنده مطعم يبيع فيه الخمر قال لي: إن شاء الله الإثم والوزر برقبة شريكي وليس ذنبي أنا ؟ أنا لا أقعد في المحل ولكن شريكي هو الذي يبقى فيه ويديره، يعجبه دخل كبير من مطعم يبيع خمراً مع أنه يصلي في المسجد، وأنا أضرب أمثلة وهي ليست على سبيل الحصر وقد يكون هناك آلاف من الأمثلة الأخرى، هذا الذي يأخذ من الدين ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه، هذا وقع في مرض من أمراض اليهود:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ﴾

 وقع المسلمون في هذا المرض.

 

سبب خسارة المسلمين وخذلانهم:

 مليار ومئتا مليون مسلم ليست كلمتهم هي العُليا، وليس أمرهم بيدهم، وأعداؤهم لهم عليهم ألف سبيلٍ وسبيل، هذا هو السبب:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ﴾

 إذا لم يُقِم المسلم الإسلام في بيته، ولم يضبط بناته، ولم يضبط أولاده، وإذا لم يحرَّر دخله، وإذا لم يكن عمله صحيحاً مشروعاً، ومهنته شريفة منطبقة على الشرع والمنهج، فكيف يسمي نفسه مسلماً ؟! أعجبه من الدين الصلاة، الصلاة سهلة جداً، أعجبه من الدين الصيام، طبق الأمور الشعائريَّة بحذافيرها، صلَّى وصام وحجَّ وزكَّى لكن حياته غير إسلاميَّة، بيته غير إسلامي، عمله غير إسلامي، دخله غير إسلامي، إنفاقه غير إسلامي، بيته غير منضبط، بناته غير منضبطات، فما قيمة هذا الذي أخذه مما هو هينٌ عليه، والذي تركه مما هو شاقٌ عليه ؟!!

 

الخاسر في النهاية هو من كسب الدنيا الفانية وضيَّع الآخرة الباقية:

 قال تعالى:

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ﴾

 وقال:

﴿ أُولَئِكَ (86) ﴾

 هؤلاء الذين كُلِّفوا ولكنهم لم يفعلوا ما كلِّفوا به، ونُهوا لكنهم فعلوا ما نهوا عنه:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ (86) ﴾

 الآخرة تعني الأبد، والحياة الدنيا تعني سنوات معدودة، اشترى الحياة الدنيا بملاذِّها وشهواتها بالآخرة الأبديَّة:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)﴾

 أفضل كلمة تقال لمن كسب الدنيا فقط: كسب الدنيا الفانية وضيَّع الآخرة الباقية، الآن أعداء المسلمين في العالَم كله كسبوا الدنيا، أقوياء جداً، أغنياء جداً، الأمور كلها بأيديهم، كسبوا الدنيا تماماً ؛ لكنَّهم ضيَّعوا الآخرة، فما دامت الآخرة حقاً فالمؤمن على ما يعاني أفضل عند الله ألف مرَّة من هؤلاء الذين كسبوا الدنيا وخسروا الآخرة :

﴿ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾

( سورة الزمر الآية: " 15 " )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018