الخطبة : 0757 - القاعدة الإيمانية الأخلاقية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0757 - القاعدة الإيمانية الأخلاقية .


2000-08-18

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به و كفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ، رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

القاعدة الإيمانية الأخلاقية الصلبة تجعل الإنسان يتحمل الضغوط و الصعوبات :

 أيها الأخوة الكرام ؛ متى يكون الواحد كألف ؟ و متى يكون الألف كأفٍّ ؟ لماذا انتشرت رايات أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم قلة في الآفاق و انتقلوا من رعاية الغنم إلى رعاية الأمم ؟ لماذا أصبح المسلمون اليوم هكذا وهم يزيدون عن مليار ومئتي مليون إنسان و ليست كلمتهم هي العليا وليس أمرهم إليهم ؟ هذه المفارقة الحادّة أيها الأخوة ما تفسيرها ؟ في هذه الخطبة سأحاول أن أتلمس بعض الجراح التي تعاني منها أمة الإسلام .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا تحتاج الأمة إلى من يبرهن لها على ضرورة التمسك بالقيم الأخلاقية ، هي ليست بحاجة إلى من يقنعها بالأخلاق ، هذا شيء مسلّم به ، وهذا شيء في أصل فطرة الإنسان ، و لكن هذه الأمة تفتقر إلى قاعدة إيمانية أخلاقية ، تتحمل بهذه القاعدة الإيمانية الأخلاقية الضغوط الكبيرة للحياة المعاصرة ، و تتحمل الصعوبات الحياتية التي تواجه كل من يرفض المساومة على مبادئه و قيمه ، الحياة المعاصرة معقدة جداً ، فيها ضغوط شديدة جداً ، شيء واحد يجعل المرءَ يتحمل هذه الضغوط ، و يتحمل هذه الصعوبات؛ أن يمتلك الإنسان قاعدة إيمانية أخلاقية صلبة .

 

النبي الكريم هو النموذج الأسمى لاجتماع المبدأ والسلوك :

 أيها الأخوة الكرام ؛ النبي صلى الله عليه و سلم هو النموذج الأسمى لاجتماع المبدأ والسلوك ، مبدأ تعتقده و سلوك تمارسه ، وأعظم المسلمين قرباً من النبي صلى الله عليه و سلم في حياته و بعد مماته هو الذي ضاقت عنده المسافة بين السلوك و المبدأ ، كل من ضاقت المسافة بين مبدئه و سلوكه هذا أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة و السلام ، وكلما بعُدت المسافة بين ما يعتقد المرءُ وبين ما يفعل كان هذا الإنسان بعيداً عن أن يكون متبعاً للنبي صلى الله عليه و سلم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ روى البخاري و مسلم في صحيحيهما عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو يُحَدِّثُنَا إِذْ قَالَ :

((لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا ، وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا ))

[البخاري عَنْ مَسْرُوقٍ]

 وفي حديث آخر رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا ))

[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

ظواهر تعيق تقدم الأمة في مضمار الحق :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ في مطلع سورة البقرة وصف الله المؤمنين بخمس آيات ، ووصف الكفار بآيتين ، لكن المنافقين وُصفوا بثلاث عشرة آية ، فظاهرة النفاق أيها الأخوة التي تحدث عنها القرآنُ ، والتي وردت أوصافها في السنة أساسها خلل في مطابقة الأقوال مع المعتقدات ، كم من الناس يتكلم بما لا يعتقد ، يتكلم بما لا يقتنع ، يتكلم بما لا يؤمن ، هذه المفارقة الحادة ، هذه المسافة المديدة بين الأقوال وبين المعتقدات هي ظاهرة خطيرة في حياة الأمة ، هي النفاق الاعتقادي ، أن تقول شيئاً لا تؤمن به ، أن تقول شيئاً لا تعتقد به ، أن تقول شيئاً لست قانعاً به ، إذًا سقطت الكلمة ، فالكلمة التي جاء بها الأنبياءُ وعمّ خيرُها الأرجاء سقطت عندئذ قيمتها عند أهل النفاق ، لأن هناك كلاماً كثيراً و كثيراً جداً يقال ، و القائل لا يقنع به و لا يؤمن به ، و لا يقبله في الأساس ، هذه أول ظاهرة تعيق تقدم الأمة في مضمار الحق ، و مضمار الدين ، النفاق الاعتقادي ، ثم إن هناك نفاقاً عملياً ، هو التباينُ بين الأقوال والأفعال ، فلو قلت قولاً تعتقده ، لو قلت قولاً تؤمن به ، لو قلت قولاً تقبله ، ثم إذا راقبنا السلوك رأينا بوْناً شاسعاً بين ما تعتقد و بين ما تفعل ، فمعظم الناس يؤمن باليوم الآخر ، فإذا دقّقت في حركاته اليومية تراه ليس مؤمناً باليوم الآخر ، يرى ذكاءه و فلاحه في أكل مال الآخرين ظلماً و عدواناً ، يرى ذكاءه في الاعتداء على أعراض الآخرين ، و يرى أن هذه فرصة أُتيحت له ينبغي أن يغتنمها .
 الحقيقة أن كل الناس من دون استثناء ، وكتوضيح أيها الأخوة لمحور هذه الخطبة أقول: الناس منهم - مِنْ دون أن تنظر إلى أيِّ مؤثرات أخرى- مَن يحلو له أن يعزوَ كل مشكلة إلى الاستعمار ، دعك من كل المؤثرات الخارجية ، هذا المسلم الذي يعيش في بلد إسلامي يعالج الآن مشكلته بعيداً عن أيّ ضغط آخر .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما منا واحد إلا و يبحث عن سعادته ، وعن سلامته ، و عن رغد عيشه ، أما السعادة الحقيقة فإنها تتأتّى من انسجام سلوك الإنسان مع معتقده ، و مع هدفه ، فإذا كان هناك تباينٌ كبير بين السلوك و الاعتقاد فهذا الإنسان بدقة التعبير اختل توازنه، فإذا اختل توازنُه ليس سوياً ، لا في حركاته ، و لا في سكناته ، و لا في ردود فعله.

السعادة الحقيقية شعاع من نور يولد و يكبر في داخل الإنسان :

 يا أيها الأخوة ؛ لو أَحَطْت نفسك بكل الملذات ، لو غرقت في نعيم الدنيا ، لو سُمح لك أن تفعل كل شيء ينعكس لذّة على جسمك ، لن يسعد قلبك ، الملذات لا يمكن أن تخترق غشاء القلب ، بل لا تستطيع أن تحوم حوله ، بل إن مبدأ اللذة نفسه قد ينقلب إلى مبدأ ألمٍ ، الإنسان حينما ينكب على الشهوات ، حينما يغرق في النعيم المادي ، حينما يأكل ما يشتهي ، حينما يملأ عينيه من الحرام ، حينما يتكلم على سجيته ، من دون ضبط لكلامه ، هذه اللذائذ المادية في الأقوال والأفعال و ما إلى ذلك ، لا يمكن أن تثمر سعادة ، قد تثمر لذة حسية طارئة متناقصة تعقبها كآبةٌ ، و أما السعادة الحقيقية فحينما ينسجم عملك مع هدفك ، حينما تضيق المسافة بين أقوالك و أفعالك ، حينما تقول ما تعتقد ، و تفعل ما تقول ، حينما تضيق هذه المسافات و يكون التوحُّد ، عندئذ تشعر براحة لا يعرفها إلا من ذاقها .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ السعادة الحقيقية لا تُجلب من الخارج ، لا من طعام و لا من بيت و لا من مركبة ولا من منصب و لا من أي شيء آخر ، السعادة الحقيقية التي تليق بنا ، و التي أرادها الله لنا ، و التي خُلقنا من أجلها تنبع من الداخل ، إنها شعاع من نور يولد و يكبر في داخل الإنسان .

القاعدة الإيمانية الأخلاقية تتحمل الأثقال الناتجة عن طبيعة الحياة المادية :

 وحديثي اليوم عن القاعدة الإيمانية الأخلاقية ، القاعدة الإيمانية الأخلاقية في أي مجتمع هي التي تتحمل الأثقال وما أكثرها اليوم ، هذه الأثقال التي نتجت شئنا أم أبينا عن طبيعة الحياة المادية و الاجتماعية المعقدة ، و عن بعض الانتكاسات التي تصاب بها الأمة ، هذه الضغوط الناتجة عن تعقيد الحياة المادية و الاجتماعية ، وعن بعض النكسات التي لا يتحملها إلا من أوتي قاعدة إيمانية أخلاقية صلبة متينة . فيا أيها الأخوة ، من دون هذه القاعدة يتحلل الناس ، وينحرفون ، إذا جاءت ضائقة اقتصادية شديدة ، وهذه قدّرها الله على كل الشعوب والأمم تأديباً و فرزاً و رعاية و تربية ، هذه الضائقة الاقتصادية الشديدة لا يصمد لها إلا إيمانٌ قوي ، و قاعدة إيمانية أخلاقية متينة .
 يا أيها الأخوة ما الذي يدفع الناسَ إلى إغاثة الملهوف ؟ إلى إطعام الجائع ؟ إلى الصبر على المدين المعسر ؟ ما الذي يدفع الناس إلى التماسك الشخصي و عدم الرضوخ لمقتضيات الظروف الصعبة ؟ إنه الإيمان ، الحرة تجوع و لا تأكل بثدييها ، فإذا لم تكن هناك قاعدة إيمانية أخلاقية تجد آلافاً مؤلفة من النساء يأكل بأثدائهن ، طمعاً بالمال و الثراء والثياب الأنيقة و ما إلى ذلك ، والأمة الآن تفتقد هذه القاعدة الإيمانية الأخلاقية الصلبة ، ما الذي يمنع المسلم أن يغش أو أن يكسب المال الحرام إلا هذه القاعدة الصلبة ؟ فإن لم تكن هذه القاعدة متمكنةً فما أكثر الدخل الحرام ، وما أكثر الدخل المشبوه ، و ما أكثر عدوان الناس على أموال بعضهم بعضاً .

اعتماد الأمم على القاعدة الإيمانية الأخلاقية لترميم شخصيتها و حياتها :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ إن هذه القاعدة الإيمانية الأخلاقية هي الرصيد الاحتياطي الضخم الذي تعتمد عليه الأمم في ترميم العديد من جوانب شخصيتها و حياتها ، ما من عمل يسيء إلى أمة الإسلام كأن تهمّش القيم الأخلاقية ، كأن تهمش عقائد الدين الأصيلة التي هي حارس أمين عند الإنسان التائه في حياته الدنيا .
 مَن هؤلاء الذين نكنُّ لهم الاحترام العظيم ؟ ليس أولئك الذين يملكون كثيراً من المال ، أو الدهاء ، أو المكر ، أو القوة الجسدية ، أو القدرة على السيطرة على الآخرين ، الإنسان بفطرته السليمة لا يكنُّ الاحترام العظيم إلا لهؤلاء الذين يملكون خلق التسامي و الترفُّع عن سفاسف الأمور ، هؤلاء الذين انتصروا على التحديات داخل أنفسهم ، أولئك الذين يملكون قوة الانتظار ، انتظار الفرج و التضحية بالعاجل في سبيل الآجل ، إنهم يملكون الإيثار مع مسيس الحاجة إلى المادة ، ما الذي يجعل الناسَ هكذا ؟ إيمانهم بالله و قاعدتهم الإيمانية الأخلاقية ، ما الذي يجعل الناس يعرضون عن حطام الدنيا و يتعلقون بالآخرة ؟ هذه فضيلة الانتظار ، الإنسان الشارد يعيش لحظته ، أينما وجد شهوة اقتنصها ، أينما وجد مكسباً و لو حراماً أخذه بينما المؤمن يتحلى بفضيلة الانتظار ، ينتظر وعد الله عز وجل ، ينتظر ثواب الله عز وجل .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ سألتُ طلاباً مرة أن يذكروا لي اسم رجل ثريٍّ عاش عام ألف وثمانمئة وثلاثةٍ وستين ، و انتظرتهم طويلاً ، ووعدتهم بعلامة تامة ، فلم يستطع أحد أن يجيب عن هذا السؤال ، أما هؤلاء الذين ملؤوا الدنيا علماً ، و ملؤوا الدنيا خلقاً ، و ملؤوا الدنيا قيماً ، هؤلاء أسماؤهم على كل لسان ، و على كل شفة ، فالناس في الحقيقة لا يحترمون أولئك الذين يملكون كثيراً من المال ، أو كثيراً من الدهاء و المكر ، أو قوة جسدية ، أو قدرة على السيطرة ، لكنّ هؤلاء الذين يعيشون بقيم و يضحُّون بمصالح من أجل مبادئهم ، هؤلاء هم الذين ينتزعون إعجابنا انتزاعاً حقيقياً .
 يا أيها الأخوة ، يقول أحدكم : هذا إنسان راق بمجرد أن تراه ذا مظهر معين ، بينما طابع الرقي الحقيقي هو طابع أخلاقي ، قد تسكن في أكبر منزل ، و قد تقتني أفخر مركبة ، و قد تملك دخلاً خيالياً ، ولست راقياً ، حياة بهيمية بمستوى مادّي راقٍ ، أما الذي تقول عنه : إنسان راق ، هو الذي عنده رقيٌّ أخلاقي ، لذلك أيها الأخوة القرون الأولى خير القرون ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ))

[ البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 ليس عندهم لا كهرباء ، و لا مركبات ، و لا طائرات ، و لا حواسيب ، و لا هواتف متنقلة ، ليس عندهم شيء من هذا ، حياتهم خشنة ، و لكن هؤلاء الذين عاشوا في القرون الأولى لهم جاذبية عجيبة ، أنت في أيِّ مجلس إن حدّثتنا عن صحابي جليل ، عن تابعي جليل ، عن عالم عظيم ، ترى أن الجو كله تعطّر ، ترى أن النفوس تحمّستْ ، ما السبب ؟ كانوا راقين رقيًّا أخلاقياً لا رقياً مادياً ، الرقي المادي لا قيمة له إطلاقاً ، هذا ينتهي عند الموت ، الموت ينهي كل شيء ، ينهي قوة القوي ، و ضعف الضعيف ، ووسامة الوسيم ، و دمامة الدميم ، وغنى الغني ، وفقر الفقير ، ينهي كل شيء ، ينهي صحة الصحيح ، و مرض المريض ، ينهي كل هذه المخترعات ، ينهي كل هذه المنجزات ، ينهي كل هذه الوسائل المادية الرائعة ، السيطرة عن بُعد ، التحكُّم عن بُعد في كل شيء ، هذا لا يسمو بالإنسان ، لكنَّ الذي يسمو بالإنسان أن يتعرف إلى الله ، و أن يلتزم منهج الله ، و أن يؤثر مبدأه على شهوته .
 أيها الأخوة الكرام ؛ ما دام الإنسان المسلم يرى أن الغرب هو القدوة ، وأن ما عند الغرب هو النهاية النهائية ، هكذا ينبغي أن يكون في بيته ، في منزله ، في مركبته ، في تجارته ، في أناقته ، إذا كان الإنسان الغربي الجاهل دينياً المتفلت أخلاقياً ، الذي يعيش للدنيا فقط ، إذا كان هذا الإنسان هو النموذج فاقرأ على هذه الأمة السلام .

 

استعلاء المسلم على المعطيات المادية وإثراء حياته بوسائل لا تحتاج إلى المال :

 اطّلعتُ في موقع معلوماتي مدهش عن أن شاحنة لنقل البضائع فُتحت فإذا فيها ثمان و خمسون جثّة ، إنهم من الصين ، دفع كل واحد منهم ثلاثين ألف دولار كي يدخل إلى بريطانيا خفية ، من دون وثائق رسمية ، لأن بعض التجار يذهبون إلى الصين ويطلعون أهلها على صور ملتقطة لإنسان صيني عاش في بلاد الغرب ، فكانت حياتُه فارهة في قصره ، وفي مسبحه ، و في مركبته ، فهؤلاء يجمعون من كل أهل القرية هذا المبلغ و يرسلون واحداً منهم ، فيأخذهم أولئك التجار إلى مكان بعيد و يطلبون فدية مثلها عن طريق الهاتف ، وهم تحت التعذيب ، ما هذه الحياة ؟ إنسان يبيع أرضه ، و يبيع بيئته ليكون إنساناً غربياً ، هذه التبعية للغرب هي مشكلة المشكلات ، لن نستطيع أن نلحقهم ، لا بد من أن نكفر بمنجزاتهم ، لا بد من أن نعود إلى ديننا ، لا بد أن نعرف لماذا خلقنا الله عز وجل ؟ ما هو الهدف من خلقنا ؟ لماذا نحن في الدنيا ما دمنا نتعلق بالنموذج الغربي ؟ فذاك الذي يقضي عطلة الأسبوع في النوادي الليلية ، و هذا الذي يقضي عطلة أخرى على البحر ، وامرأته شبه عارية، وآخر يكسب المال الحرام ، و أمواله كلها في البنوك ، ويعيش لذاته ، و له زوجة وعشرات العشيقات ، هذا هو النموذج الغربي ، وما دام أمام كل مسلم فاقرأ على هذه الأمة السلام ، لا بد من أن يكون أصحاب النبي الكرام ، و التابعون الأجلاء ، و هؤلاء الذين كانوا قمم البشر ، هؤلاء قدوتنا .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من أن يستعلي المسلم على المعطيات المادية للوضع الحضاري الراهن ، لا بد من أن يثري حياته بوسائل لا تحتاج إلى المال ، مع أن المال قوام الحياة .

المجتمع الفاضل أساسه القاعدة الإيمانية الأخلاقية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ وبعد؛ فإن علاقة الإنسان بربه ، وعلاقته بأخيه الإنسان أساسها قاعدته الإيمانية الأخلاقية ، فإن سقطت هذه القاعدة فانظر ماذا يحدث ، إن ضعفت هذه القاعدة ولم تصمد أمام الشهوات ، وأمام المغريات ، وأمام الضغوط فما الذي يحدث ؟ يتحول هذا الإنسان من عبادة ربه إلى عبادة ذاته ، اجلس معه ساعات طويلة ، يقول لك : أنا، أنا فعلت ، و أنا تركت ، و أنا خاصمت ، و أنا أعطيت ، وأنا منعت ، لا تفارقه كلمة " أنا " تحوّل من عبادة الله إلى عبادة ذاته وشهواته ، أما علاقته بالآخرين فبينما تكون الرحمة هي الأصل أصبحت القوة هي الأصل ، وبينما كان التفاهم هو الأصل صار التعانف هو الأصل ، كان المرءُ ينصرف إلى العناية بروحه ، فصار ينصرف إلى العناية بجسده ، أي الآلات التي تقوِّم الجسد تباع بأرقام خيالية ، العناية بالجسد فقط ، كان الإنسان يهتم بالمبدأ ، فصار يهتم بالمصلحة ، و هكذا مع رسوخ هذه القيم المادية ، و مع التعلق بالغرب ، و مع جعل الإنسان الغربي الذي لا يتقيد بشيء إلا بلذاته ، ومصالحه ، و كسب ماله ، و الانغماس في الشهوات المحرمة ، هذا الإنسان الغربي الذي يجعله المسلمون هو النموذج ، و الذي يرونه في الإعلانات ، هذا الإنسان أيها الأخوة يجعل المجتمع يتحوّل إلى غابة ، كل واحد فيها من حقه أن يفترس الآخرين ، كما أنه من الممكن أن يكون فريسة لأي واحد آخر ، مجتمع الغابة ، إما أن تفترس و إما أن تُفترَس ، أما مجتمع الإيمان فهو مجتمع آخر ، مجتمع متألق جداً ، إنه مجتمع يجعل الناس يعيشون في جنة ، و لو كانت حياتهم خشنة ، بينما حياة أهل الدنيا هي حياة مجتمع الغابة ، ولو كانت حياتهم بالمقياس المادي راقية .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ حقيقة دقيقة جداً ، ليس بإمكان أعظم النظم الاجتماعية ، و لا بإمكان أقصى العقوبات الصارمة أن تقوِّم الاعوجاج ، لو جئت بنظام دقيق جداً ، لو أصدرت القوانين ، إن لم يُربَّ هذا الإنسان تربية إيمانية تُفرّغ كلُّ القوانين ، تضعف كل النظم، فإنه يُتحايل على أقصى العقوبات ، الحل ليس في سنّ قانون ، والحل ليس في فرض عقوبة صارمة ، الحل في تربية الإنسان تربية إيمانية صحيحة .
 ومِن ثَمّ فأعظم النظم الاجتماعية و أشدّ العقوبات الصارمة لا يمكن أن تقوِّم الاعوجاج ، ولا أن تملأ الفراغ الناشئ من ذبول الروح و انحطاط القيم ، أي الإنسان حينما تذبل روحُه و يبتعد عن منابع الحق ، منابع الخير ، منابع الجمال ، منابع السعادة ، يصبح عنده تصحُّر ، فكل هذه الآلات الحديثة ، والمكتسبات ، وهذه الأجهزة ، والاتصالات ، وهذه القنوات لا تملأ فراغه ، و لا تسعد روحه ، بل تزيده شقاءً .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه النظم المحكمة من صنع بشر ، فالذي وضعها ذكي ، و قد يكون الذي وُضِعت له أذكى ، فيتحايل عليها ، و حالات التحايل على القوانين لا تُعد و لا تُحصى ، لا نظمٌ محكمةٌ ، و لا عقوباتٌ صارمةٌ تخلق مجتمعاً فاضلاً ، المجتمع الفاضل أساسه القاعدة الإيمانية الأخلاقية ، سيدنا عبد الله بن عمر امتحن راعياً فقال له : بِعني هذه الشاة وخذ ثمنها ، قال : ليست لي ، قال : خذ ثمنها ، قال : واللهِ إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها ، و لو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدّقني ، فإني عنده صادق أمين ، و لكن أين الله ؟ هذا الراعي وضع يده على جوهر الدين ، هذا الراعي عرف حقيقة الدين ، إذا قلت: أين الله ؟ فأنت مسلم ، أما إذا درست و تعلمت و اقتنيت الكتب و اقتنيت الأشرطة وكنتَ تستمع إلى القنوات الفضائية و تلتقي مع العلماء ، و تحيا بينهم ، و لا تقول : أين الله؟ فكل هذا العلم لا ينفعك ، لأنه كفى بك علمًا أن تخشى الله ، و كفى بك جهلاً أن تعصيه ، وهذا مَثَلٌ ، وإن كان صارخاً وحاداً جداً فلا بأس من ذكره : إنسان عنده مئتا مؤلّف ، وهذا شيء نادر ، و يحمل أعلى الشهادات ، و له اسم متألق في سماء المعرفة ، فلو أن صحفية متبرجة متفلتة التقت به و ملأ عينيه من محاسنها ، ولم يرعَ حق الله عز وجل في غض البصر ، وكان عنده حاجب على تقوى ، وعلى ورع ، والتقى بالصحيفة ذاتها فغضّ بصره عنها ، من هو العالم عند الله ؟ هذا الذي غض بصره عن هذه المرأة المتبرجة ، كفى بك علمًا أن تخشى الله ، و كفى بك جهلاً أن تعصيه . اضلساسه ال الإيمانية

المستقبل لمن تمسك بالأخلاق القائمة على الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ تيار الشهوات و النزوات الجارف لا يمكن أن يقابل إلا بتيار روحي متدفِّق من المشاعر و الأحاسيس الإيمانية ، وظيفة العقل أن يدلَّك على الطريق ، ولكن الطاقة الحقيقية هي الطاقة الروحية ، تجد إنساناً لا يمكن أن يأكل درهماً حراماً ، و لو فرَّمته ، فماذا عند هذا ؟ و تجد إنساناً يتحايل ليأخذ كل ما ليس له ، فالأول عنده طاقة روحية ، وعنده يقين ، وعنده مبادئ ، وعنده إيمان ، وعنده خلق ، بينما الآخر خواء من كل هذه المقومات الإيمانية والأخلاقية ، بل لجأ إلى عقله الذي أعانه على الاحتيال .
 أيها الأخوة الكرام ؛ هؤلاء الشباب التائهون المتفلتون الذين جرفهم تيارُ الجنس والمجون والخلاعة ، لم يكونوا في ساعة من ساعات حياتهم بحاجة إلى من يقنعهم أن العفة أفضل ، والاستقامة أفضل ، لكنهم بحاجة إلى شيء من المعاني التي تفيض على القلب بسبب تذوُّق طعم العبودية الحقّة لله عز وجل ، يحتاجون إلى البديل ، يحتاجون إلى تذوق معنى القرب من الله عز وجل ، أمّا أن تقنعهم أنّ العفة أفضل فهذا شيء بديهي ، ولكنهم في عمى وصمم .
 وبعد فقد صار جليا أنّ المستقبل لمن تمسك بالأخلاق ، و هل يُعرف فضل الماء إلا عند اشتداد الظمأ ، نحن اليوم بحاجة إلى أخلاق أساسها الإيمان ، نحن بحاجة إلى تجديد الإيمان، نحن بحاجة إلى أن نصطلح مع الله ، نحن بحاجة إلى أن نقبع في غرفة و نتأمّل ، من نحن ؟ من خلقنا ؟ لماذا خلقنا ؟ ماذا بعد الموت ؟ حياتنا جارفة ، أي الإنسان ينتقل من لقاء إلى لقاء ، إلى مشكلة ، إلى حلّ مشكلة ، حياته مفرغة من مضمونها ، لا معنى لحياته ، لا بد من أن نعود إلى التأمل ، من نحن ؟ لماذا خُلقنا ؟ من أين جئنا ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما علة وجودنا ؟ من ربُّنا ؟ ماذا يريد منا ؟

مرجع المسلمين الكتاب و السُّنة و مرجع الغربيين العقل فقط :

 أيها الأخوة الكرام ؛ المسلم في الوقت المناسب يمكن أن يصحح المسار ، قبل أن يرتطم بقاع الهاوية ، أي هذه الغواصة ارتطمت بقاع الهاوية ، فلا مجال إلى إنقاذها ، أما قبل ذلك فهناك مجال واسع لإنقاذ أنفسنا ، يجب أن نصحح مسارنا قبل أن نصل إلى القاع ، و قبل أن نصطدم بالقاع ، و قبل أن تنتهي فرصُ النجاة ، و ينبغي أن نتحول من الخسارة إلى الربح ، قبل أن يصبح الرصيدُ صفراً ، ما دام القلبُ ينبض ، و ما دام في الحياة بقيةٌ يمكن أن تحوِّل خسارتك إلى ربح ، والإسلام أعطاك المرجعية ، الوحيان هما المرجعية ، الحسن ما جاء به الوحي إقراراً و إباحة و أمراً ، و القبيح ما نهاك عنه الوحيان ، هذا هو الحسن و القبيح ، أما في العالم الغربي فالمرجعية هي العقل ، لذلك قد تزور مدينة ثلاثة أرباعها شاذُّون جنسياً ، العقل قَبِل ذلك ، فالخطورة في المرجع ، ما هو المرجع ؟ أي ما هو المصدر الذي نستمد منه الحكمَ على الشيء أحقٌّ هو أم باطل ؟ أخير هو أم شر ؟ المصدر الذي نستمد منه القدرة على الحكم على الشيء صحيح أم خطأ ، جميل أم قبيح ، مقبول أم مرفوض ، خير أم شر هذا هو المرجع .
 وهناك شيء آخر: المرجع هو الجهة التي تتولّى الإثابة أو العقوبة ، مرجع المسلمين الوحيان؛ الكتاب و السُّنة ، مرجع الغربيين العقلُ فحسب ، فالعقل قد يقرُّ الشذوذ ، و قد صدر قانون يقرُّ الشذوذ ببريطانيا ، هناك مسيرة خرج فيها مئات الألوف من الشاذِّين في هولندا ، يطالبون بحقوقهم المدنية ، شركات الآن بأمريكا تعطي الشاذ حقًّا كحق التزوج ، تعطيه تعويضاً عائلياً ، و تعطيه إذنَ سفر له و لشريكه الجنسي ، إن جعلت العقل هو المرجع فالقضية فَناءُ الأمم وانتهاؤها ، العقل تابع للمصلحة ، العقل تابع للشهوة ، العقل تابع للملذات ، العقل تابع للأهواء ، المشكلة أن المرجع هو الوحي ، هذا حرام ، هذا حلال ، وعندئذ فالعقل يدلّك على الطريق ، العقل يدلُّك على المنهج ، العقل يفهم المنهج ، أما أن يكون المرجع هو العقل فهذا شيء خطير .

العولمة أكبر خطر على المسلمين :

 وهناك أيضاً شيء آخر أيها الأخوة ؛ نعبد إلهاً هو التقدم الاقتصادي ، ولو على حساب قيمنا ، ومبادئنا ، نريد دخلاً ، نريد عملة صعبة ، بأية طريقة ، عن طريق شيء لا يرضى الله عنه ، هذا التقدم الاقتصادي و التنمية نعبدها من دون الله .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ أعجبني مثلٌ قرأته؛ إنسان عنده طعام نفيس ، وعنده ماء صافٍ ، وهناك خلاّط كبير ، وُضع هذا الطعام النفيس ، وهذا الماء الصافي في خلاّط كبير، ووُضِعَ في الخلاط الكبير طعامٌ متفسخ ، و ماء قذر ملوَّث ، ثم دار هذا الخلاط ، فقيمة هذا الطعام النفيس تلاشت ، وهذا الطعم السيئ أصبح في كل لقمة تأكلها من هذا الخلاط ، وبعدُ فإنّ هذه المعلوماتية وإن هذا التواصل بين العالَم كالخلاّط ، خلط ما عند الشعوب من قيم منحرفة ، من تفسُّخ أخلاقي ، من تحلُّل ، من تشرُّد ، من انهيار الأسرة ، عمّمها على كل شعوب الأرض ، وهذا ما يُسمّى بالعولمة ، العولمة أكبر خطر على المسلمين، نحن عندنا منهج : فهذا أخ كريم وصف لي حادثاً تقشعرُّ منه الأبدان؛ إنسان في شرق آسيا يبيع ابنته بثلاثمئة دولار ، يبيعها لتكون في بيت دعارة ، فالذي اشتراها قال : لو طلب لها ثمناً ثلاثة آلاف دولار لاشتريتها منه ، فالإنسان في ظل المادة يصل إلى هذا المستوى ، فما هي العولمة ؟ أن تُعمِّم على الأرض كلها ثلاثة نماذج للأسرة؛ رجل مع امرأة نموذجًا تقليديًا منبوذًا ، وامرأة مع امرأة ، و رجل مع رجل ، مؤتمرات عُقدت في مصر وفي بكين تطالب بهذه النماذج ، نحن عندنا منهج إلهي ، عندنا عقيدة رائعة ، هناك من يعبد الجرذان في الهند، هناك من يعبد النار ، هناك من يعبد الأحجار ، هناك من يعبد البقر ، نحن نعبد إلهًا واحداً ، نحن عندنا مبادئ و قيم ، نحن لا تنفعنا العولمة ، نحن لسنا بحاجة أن نأخذ تفسّخ الآخرين ومشكلاتهم .

سعادة الإنسان تكون بالعودة إلى الدين و التمسك بالمنهج القويم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أنا أريد من هذه الخطبة أن تكون حافزاً لنا على التمسُّك بهذا الدين القويم ، على التمسك بهذا المنهج القويم ، على الصلح مع الله ، على أن تعرف من أنت ، أن تعرف هويتك ، أنت إنسان ، نعم أنت إنسان؛ مخلوق أول ، خلقك الله عز وجل كي تسعد بقربه في الدنيا والآخرة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ مع تصور المنهج الغربي و النموذج الغربي ، و تحكم العقل في كل شيء ، و المرجعية العلمية فقط ، ومع التنمية الاقتصادية ، مع هذه المبادئ التي استوردناها من الغرب أصبحت الأخلاق كما يصوِّرها الفكر الحديث سذاجة و بساطة ، وتثير شكًّا في صدق موقف الشخص ، بل يُدفع إلى أن يُتهم اتِّهامات ما أنزل الله بها من سلطان ، الإنسان الأخلاقي يبدو ساذجًا ، أي يقول بعضهم لك : درويش إذا كان أخلاقيًا ، إذا كان على قيمه حريصًا ، و يتحلّى بالوفاء ، طبعاً الإنسان الماكر الذي يعرض عن شرع الله ، والذي يتحكّم في الآخرين ، والذي يعتدي عليهم هو الذي ينتزع إعجاب الآخرين ، أما الإنسان الأخلاقي فالذي يعيش حياة بسيطة لأن دخلَه بسيط ، و دخلُه بسيط لأنه أخلاقي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ لا بد من أن نعود إلى ديننا ، لا بد من أن نضع اليد على جراحاتنا ، لا بد من أن يكون الصحابة الكرام و التابعون الأجلاء هم قدوتنا ، لا بد من أن نعرف سرَّ وجودنا ، و غاية وجودنا ، لا بد من أن نعمل للآخرة ، لا بد من أن ننقل اهتماماتنا إلى الآخرة ، وإلا فهذه الحياة تطحننا طحناً الشيء العجيب أنك كل يوم تسمع عن إنسان مات في الثلاثين بجلطة ، مات في الأربعين ، أو في الثلاثين بالأمراض الخبيثة التي ارتفعت نسبتها إلى درجة لا تُصدّق ، كله من الضغط النفسي ، من الشّدة النفسية ، من ضغوط المجتمع ، إغراءات المادة ، ترى كل شيء على الشاشة و لا تملك ثمن كل هذه الأشياء ، أشياء مغرية جداً تراها فتجتر لعابك ، يعيش الإنسان مع زوجته حياة راقية هادئة فيها الوفاء ، يقتني صحناً فيشاهد فتيات ما أنزل الله بأحوالهنّ من سلطان ، فيزهِّدنه في زوجته ، و يصرفنه عن زوجته ، البيوت جحيم ، أيها الأخوة ؛ هذه الصحون جعلت البيوت جحيماً ، لا بد من أن يكون بيتنا يُتلى فيه القرآن ، يُكتفى فيه بالحلال ، هذا الذي أتمناه على كل أخ مسلم أن يعرف سرّ وجوده ، و غاية وجوده .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنّا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء ، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل أو نزِل أو نزَل ، أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا ، يا رب العالمين ، ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا في من تحب ، يا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، يا رب العالمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018