الدرس : 32 - سورة البقرة - تفسير الآيات80 - 85، طرق استعادة التوازن - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 32 - سورة البقرة - تفسير الآيات80 - 85، طرق استعادة التوازن


1999-03-19

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الثاني والثلاثين من دروس سورة البقرة.

الإنسان له جبلة وله تشكيل نفسي متوافق مع المنهج الإلهي:

 مع الآية الثمانين وهي قوله تعالى، الآية السابقة :

 

﴿ وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) ﴾

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان له جِبِلَّة، له فطرة، له تشكيل نفسي، هذه الجبلَّة، أو الفطرة، أو الخصائص، أو التشكيل النفسي متوافقٌ مع منهج الله، بمعنى أن الله فطرك على حبِّ العدل وأمرك أن تعدل، النفس البشريَّة مفطورة على أن ترحم وأمرك أن ترحم، مفطورة على التواضع وأمرك أن تتواضع، فالإنسان حينما يطبِّق منهج الله عزَّ وجل يصطلح مع نفسه، ترتاح نفسه، هناك سعادةٌ يقطفها الإنسان من طاعة الله لا توصف بسبب أن بنيتك النفسيَّة متوافقةٌ مع المنهج الإلهي، والدليل على ذلك:

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾

( سورة الشمس )

 أنت من دون معلِّم، من دون موَجِّه، من دون مرشد، حينما تخرج عن منهج الله تعذِّبك نفسك، تحاسبك فطرتك، هذه المحاسبة، وهذا التعذيب سَمِّهِ عقدة نفسيَّة، سمه شعور بالذنب، سمه كآبة، على كلٍ أنت مؤلَّف، مُبرمج، مفطور، مجبول، مُشَكَّل وفق منهج الله.

 

الإنسان بعقله يتعرَّف إلى الله وبفطرته يكتشف خطأه:

 ضربت اليوم مثلاً، لو جئنا بخريطة لسوريَّة، الخريطة نافرة ـ مجسَّمة ـ وجعلنا حولها إطاراً، وصببنا جبس سائل، بعد أن يجف هذا الجبس صار عندنا خريطة وقالب، توافق القالب مع الخريطة توافق مئة بالمئة، يمكن أن تقول: الخريطة هي النفس، والقالب هو المنهج الإلهي، توافق المنهج الإلهي مع فطرة النفس توافق عجيب، لمجرَّد أن تصطلح مع الله، وأن ترجع إليه، وأن تقف عند الحق، وأن تعطي، وأن ترحم، وأن تنصف، وأن تتواضع تشعر براحة غريبة، ما هذه الراحة ؟
 كما لو أن سيارة مصمَّمة للطريق المُعَبَّد، سرت بها في طريق وعر فسمعت صوتاً، وسمعت اضطراباً، تعطيل، فلمَّا سارت على الطريق المعبَّد شعرت براحة لأنها مصمَّمة على هذا الطريق، الفكرة الدقيقة أنه أنت بعقلك تتعرَّف إلى الله، وبفطرتك تكتشف خطأك، الخطأ تكتشفه ذاتياً، الآية الأوضح:

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً (30) ﴾

( سورة الروم الآية: " 30 " )

 أن تقيم وجهك للدين أن تعطيه كل اهتمامه، كما لو أن إنساناً معه ضغط مرتفع وفحص ضغطه، تجد عيناه على المؤشِّر، متى يسمع الصوت ؟ متى يختفي الصوت ؟ تكاد عيناه تخرجان من محجريهما ليرى مكان المؤشِّر، كذلك الإنسان

﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾

 أن تقيم وجهك للدين، أن تعطيه كلَّك، أن تتجه إليه بكل كيانك هذا يتوافق مع فطرتك

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾

 أنت هكذا مبرمج، هكذا مؤلَّف، هكذا مجبول، هكذا مشكَّل، أسماء المُسَمَّى واحد، في بنية جسميَّة؛ لك طول، لك ارتفاع، أعضاء، لون، حركات، مفاصل، قلب، رئتين، معدة، أمعاء، كبد، بنكرياس، أمعاء دقيقة، أمعاء غليظة، جلد، شعر، دماغ، هذا التشكيل المادي لك، أما أنت تنطوي على نفس، هذه النفس لها خصائص؛ تحب من أحسن إليها، تبغض من أساء إليها، تستحي بخطئها، تذوب إذا فُضِحَت:

 

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) ﴾

( سورة الشمس )

 بنية النفس إذا خَرَجْتَ عنها تكشف لك خطأك .

 

الإنسان حينما يعصي الله يختلُّ توازنه:

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان حينما يعصي الله ـ دقِّق الآن هذا تمهيد ـ يختل توازنه، حدَّثني أخ فقال لي: رجل في بيروت ينطلق بمركبته بسرعة عالية جداً في الساعة الواحدة في الليل، فدهس طفلاً، الطفل أرسله أبوه ليأتيه بشيء من البقالية، طبعاً ما عرف أحد الفاعل، كُتِبَت ضد مجهول، يقول هذا الإنسان: أنه بقي أربعين يوماً لا ينام الليل، ذهب إلى طبيب نفسي، فقال له: لا بد من أن تدفع الديَّة لأهل الطفل دون أن يعلموا من الدافع كي تنام، معنى ذلك أن عند الإنسان فطرة عالية، وربنا عزَّ وجل أقسم بهذه النفس فقال:

 

﴿ لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ(1)وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ(2) ﴾

( سورة القيامة)

 لولا أن الله فطرك فطرةً عالية ما كنت تشعر بشيء حينما تعصيه، قد تقول لي: هناك من يعصيه ليلاً نهاراً، هذه حالة مرضيَّة نادرة، حينما تُطْمَسُ فطرة الإنسان، أما في الأصل الفطرة السليمة تحاسب ذاتها حساباً دقيقاً.
 هذا التقديم لفكرةٍ خطيرة هي: أن الإنسان حينما يعصي الله يختلُّ توازنه، يشعر بانهيار داخلي، يشعر أنه مكشوف، أنه خرج عن فطرته عن وعي أو عن غير وعي، قد يكون عن غير وعي، يقول لك: متضايق، لماذا أنت متضايق ؟ منقبض الدنيا لا تسعني، معي كآبة، حينما تخرج عن منهج الله لأن فطرتك متوافقةٌ مع منهج الله تشعر باضطراب، تقريباً إلى حدٍ كبير هذه السيارة مصمَّمة أن تمشي على الزفت، فإذا سرت بها في الطريق الوعر آلمتك الأصوات، وآلمتك العقبات، وقد تقف، وقد ينكسر شيء فيها، لأنها لم تُصمَّم لهذا الطريق.الإنسان حينما يعصي الله، حينما يرتكب إثماً، حينما يعتدي، حينما يخرج عن منهج الله لأن فطرته متوافقة مع منهج الله يختل توازنه.

 

لاستعادة التوازن هناك ثلاث وسائل:

 الإنسان حينما يعصي الله، حينما يرتكب إثماً، حينما يعتدي، حينما يخرج عن منهج الله لأن فطرته متوافقة مع منهج الله يختل توازنه.
 الآن كيف نستعيد هذا التوازن ؟ هناك ثلاث وسائل كي تستعيد هذا التوازن؛ وسيلتان غير مشروعتين ووسيلة صحيحة.

 

1ـ الوسيلة الصحيحة كي تستعيد التوازن أن تصطلح مع الله:

 الوسيلة الصحيحة كي تستعيد هذا التوازن أن تصطلح مع الله، وأن تتوب إليه، وأن تأتيه تائباً مطيعاً، مباشرةً تشعر براحة، لذلك التائب يشعر براحة لو وزِّعَت على أهل بلدٍ لكفتهم، حينما يشعر الإنسان أن الله يحبٌّه، أن الله راضٍ عنه، أنه وفق منهج الله، أنه مطيعٌ لله، أنه عبدٌ لله، هذا الطريق السليم الصحيح كي تستعيد توازنك مع نفسك.

 

 

2ـ الطريق الآخر أن تتعلَّق بعقيدةٍ فاسدة تُغَطِّي انحرافك:

 الطريق الآخر تتعلَّق بعقيدةٍ فاسدة تُغَطِّي انحرافك، فاليهود ـ بنو إسرائيل ـ حينما كذَّبوا أنبياءهم، وحرصوا على دنياهم، وأكلوا أموالهم بالباطل، ونقضوا عهد الله الذي عاهدوه عليه، اختلَّ توازنهم، فبحثوا عن عقيدةٍ فاسدةٍ تُغَطِّي انحرافهم وقالوا:

 

﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً (80) ﴾

 نحن شعب الله المختار:

﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً (80) ﴾

 الله عزَّ وجل ردَّ عليهم :

 

﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) ﴾

 إذا سُرِقْ قلم في صف وصاحب القلم اشتكى إلى الأستاذ، والأستاذ أغلق الباب، وفتَّش الطلاَّب طالباً طَالباً، ثمَّ أخرج هذا القلم من جيب أحد الطلاب، قبل أن يعاقبه، قبل أن يضربه، قبل أن يطرده، قبل أن يوَبِّخه لماذا يمتقع لونه ؟ يقول لك الإنسان أحياناً: تمنيت أن تُشَقَّ الأرض وتبتلعني، ذبت من الخجل، لماذا ؟ لأن هذه الفطرة، فيه بقية فطرة، بقية حياء، فالإنسان هكذا فُطِر، فعندما يعصي الله، يرتكب إثماً، معصية، شهوة، أو حينما يعتدي على الآخرين يختل توازنه الداخلي، يجب أن يستعيده بالصلح مع الله، بالتوبة إليه، بطاعته، هناك من يستعيده بأن يتعلَّق بعقيدةٍ زائغة.

 

الأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل وقع بها المسلمين:

 كما أن بني إسرائيل توهَّموا أنه لن تمسَّهم النار إلا أياماً معدودة، والمسلمون قالوا: نحن أمَّة محمّد تنالنا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلَّم، يفهمون الشفاعة فهماً مغلوطاً، فهماً ساذجاً، افعل ما شئت والنبي يشفع لك، هذه عقيدةٌ مشابهةٌ لعقيدة بني إسرائيل، والأمراض التي وقع بها بنو إسرائيل وقع بها المسلمين، والردُّ على ذلك:

 

﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنقِذُ مَنْ فِي النَّارِ(19) ﴾

(سورة الزمر)

(( يا عباس عم رسول الله، يا فاطمة بنت محمد، أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

(( من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

(( لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 الطريق الثاني هو أن تتعلَّق بعقيدةٍ زائغة، وذكرت في الدرس الماضي فيما أذكر طالب مقصِّر لا يدرس، وأبوه يسأله: كيف دراستك يا بني ؟ يقول له: إنني أدرس جيداً، وهو لا يدرس، يؤثر اللعب، والنُزهات، والسهر مع أصدقائه على دراسته، فلمَّا قصَّر في واجبه اختل توازنه، تضايق، قال له أحد الطلاب الكُسالى: الأستاذ يمكن أن يعطيك الأسئلة مقابل هديَّة، هذه الفكرة رائعة، هذه الفكرة أراحته، استعاد توازنه، القضيَّة سهلة، يبقى كما هو عليه وقبل أيام يأخذ الأسئلة وينجح، فهذا الوهم المريح استعاد به توازنه.
 كنت أقول لكم أيها الأخوة: الحقيقة المرَّة أفضل ألف مرَّة من الوهم المريح، لا تتعلَّق بالأوهام ولكن تعلَّق بالحقائق، ولو أن الحقيقة مرَّة واجهها بشجاعة، هناك إنسان يهرب من واقعه، يكون مريضاً فيكذِّب هذا المرض، فلا يذهب للفحص، يتفاقم المرض، أما لو أنه قَبِلَ الحقيقة المُرَّة وعالجه في البدايات كان خيراً له ألف مرة من أن ينكر وقوع هذا المرض ثمَّ يفاجأ بحالة مستعصية.

 

3ـ الأسلوب الثالث في أن تستعيد التوازن أن تطعن بالمؤمنين:

 الأسلوب الثالث في أن تستعيد التوازن أن تطعن بالمؤمنين، انتبه، المنحرف إما أن يطعن في المؤمنين، وإما أن يتعلَّق بعقيدة زائغة فاسدة كي يستعيد توازنه المنهار، وكل إنسان يعتدي أو يقع بالإثم يختل توازنه الداخلي، لأنه مفطور على الكمال.

 

 

الفرق بين الفطرة والصِبغة:

 النقطة الدقيقة أن تكون رحيماً هذه صبغة، وأن تحبَّ الرحيم هذه فطرة، أنت مبرمج، مفطور على أن تحبَّ الرحمة، وأن تحبَّ العدل، وأن تحبَّ اللطف، وأن تحبَّ التواضع، هكذا فطرتك، فإن كنت رحيماً، حليماً، عادلاً هذه صبغتك، الصبغة خُلُقٌ حقيقي أصيل جاءك من خلال اتصالك بالله:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: " 159 " )

 الفطرة شيءٌ فطري ليس كسبياً، هكذا فُطِرْت، فلو أن اللصوص سرقوا سرقةً كبيرة وأرادوا أن يقتسموها يقول له: اعدل، هو أساساً عمله كلّه غير مشروع، أما حينما يقتسم مع زملائه أفراد العصابة يتمنون العدل بينهم، هذه فطرة الإنسان، مرَّة سألوا امرأة تعمل بالفن بأوروبا: ما شعوركِ وأنتِ على خشبة المسرح ؟ قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يكون بين الزوجين، وفي غرفٍ مغلَّقة، هذه الفطرة، الكمال يعرفه الإنسان بالفطرة؛ ولكن إما أن يتخلَّق بهذه الصفات من خلال اتصاله بالله، وإما أن تبقى رغبةً وشعوراً وإعجاباً.

 

الله عزَّ وجل ما كلَّفنا إلا بما نطيق:

 إذاً أول طريق كي تستعيد توازنك أن تصطلح مع الله، الطريق الثاني أن تتعلَّق بعقيدةٍ زائغة، والطريق الثالث أن تطعن بالمؤمنين، كأن تقول: لا أحد جيِّد، الناس هكذا جميعاً، فكل إنسان مقصِّر يقول لك: كل الناس فاسدين:

((إذا قال الرجل هلك الناس، فهو أهلكهم ))

[الإمام مالك عن أبي هريرة]

 يقول لك: الناس هالكين لكي يرتاح، كما لو سُئل طالب مقصِّر في الوظيفة: أين وظيفتك يا بني ؟ يقول له: أستاذ لم نكتب الوظيفة، أنت كم واحد ؟ لمَ قلت لم نكتب ؟ الطالب الكسول يحب أن يوسِّع دائرة التقصير كي يرتاح، فكل إنسان يعصي الله يوسِّع الدائرة، أخي الناس كلها فسدت، هذا عصر غير طبيعي، فسق وفجور ماذا نفعل هكذا الله خلقنا، نحن حظنا في هذا العصر، كلَّما وسَّع التقصير، وسَّع الفسق والفجور يرتاح، مع أن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة الآية: " 233 " )

 الله عزَّ وجل ما كلَّفنا إلا بما نطيق، وكل إنسان يقول: لا أستطيع أن أستقيم، هذا يردُّ القرآن الكريم، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا ﴾

 فالشرع كلُّه في وسع الإنسان، إذاً:

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ (79) ﴾

 يزوِّرون، يغيِّرون، يبدِّلون، يلوَّون أعناق النصوص لمصلحتهم، يرتكبون جريمة أحياناً، التضليل، التزوير، التغيير، يجرّون الآية لمصلحتهم، إذا كان مرابياً يقول لك: الله ما حرَّم الربا لكنَّه حرَّم النِسَبَ العالية، والدليل:

﴿ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً ﴾

( سورة آل عمران الآية: " 130 " )

 يجر الآية لمصلحته.

كل مقصر يلوي عنق النصوص ليغطي تقصيره ويبرره:

 من لا يصلي يقول لك:

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ ﴾

(سورة الحج الآية: " 41 " )

 يلوي عُنَقَ النصوص، فإما أن تصطلح مع الله كي تستعيد توازنك، وإما أن يعتقد الإنسان عقيدة زائغة فاسدة، حتى الكتب التي تدَّعي أنها تقرأ القرآن قراءة معاصرة، وأنها تحل للمسلم كل شيء، أي أن السلوك الإباحي مغطَّى في هذه القراءات، هذا الكتاب طُبِع أربع طبعات، عليه إقبال شديد لأنه مريح، تبقى على ما أنتَ عليه من تقصير وفسق وفجور، وأنت مغطَّى بتفسيرات مضحكة للقرآن الكريم، فإما أن تصطلح مع الله، وإما أن يتعلَّق الإنسان بعقيدة فاسدة أو تأويل باطل ما أنزل الله به من سلطان، وإما أن يطعن بالمؤمنين، لو تتبعت سلوك أهل الدنيا، كلَّما ذُكرِ إنسان بخير لا يصدِّق، له مأرب، له أهداف بعيدة لا تعرفها أنت، يطعن دون أن يعلم، يقول بما لا يعلم، يطعن كي يرتاح، كالطالب الكسول يتمنَّى أن يقصِّر كل الطلاب كي يستأنس، الكل مقصِّرين، الكل غير متفوِّقين، أو أن يصطلح مع الله، عندئذٍ يستعيد توازنه، فهؤلاء:

 

﴿ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً (80) ﴾

كل إنسان في عالَم الذَر أخذ الله منه عهداً موثَّقاً:

 هذه العقيدة الزائغة التي تعلَّقوا بها كي يستعيدوا توازنهم النفسي:

 

﴿ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82) وَإِذْ ﴾

 أينما وردت كلمة

﴿ إِذْ ﴾

 في القرآن الكريم تعني اذكروا

﴿ إِذْ ﴾

 أخذنا ميثاقكم، اذكروا

﴿ إِذْ ﴾

 حين:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (83) ﴾

 الميثاق هو العهد الموثَّق، وكل إنسان في عالَم الذَر أخذ الله منه عهداً موثَّقاً:

 

﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(172) ﴾

( سورة الأعراف)

الإنسان عاهد الله حينما خلقه ذرَّةً قبل أن يخلقه إنساناً أن يكون مع الله:

 نحن عندنا في عالَم الذَر وعالَم الصور، عالَم الصور في الدنيا وعالَم الذر في الآخرة:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا(72) ﴾

( سورة الأحزاب)

 الإنسان عاهد الله حينما خلقه ذرَّةً قبل أن يخلقه إنساناً أن يكون مع الله، وألا ينسى الله عزَّ وجل، طبعاً هذا عهد لكل البشر، ما دمت أنت من بني البشر عُرِضَت عليك الأمانة وقَبِلْت حملها، والآية كما قلتها قبل قليل :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولا(72) ﴾

( سورة الأحزاب)

 وقال:

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ﴾

 هذه فحوى دعوة الأنبياء جميعاً:

 

﴿ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ ﴾

( سورة المؤمنين الآية: " 32 " )

 وقال:

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِي(25) ﴾

( سورة الأنبياء)

 وقال:

 

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ (83) ﴾

الله عزَّ وجل هو الخالق، والأب والأم كانا سبب الوجود فالعبادة لله والإحسان للوالدين :

 الله عزَّ وجل هو الخالق، والأب والأم كانا سبب الوجود، الله هو الموجد، والسبب أمُّك وأبوك، إذاً:

﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً (83) ﴾

 هناك من يخطئ، فيعبد والديه لو أمراه بمعصية، العبادة لله والإحسان للوالدين:

 

﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً﴾

( سورة لقمان الآية: " 15 " )

 وقال:

 

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

( سورة الإسراء الآية: " 23 " )

 مهما بالغت بالإحسان للوالدين فأنت تحت مظلَّة الله، أما إذا عبدتهما من دون الله، أمراك بمعصية، فهذا تجاوزٌ للحدود، الإله يُعْبَد والأب والأم يُحْسَنُ إليهما:

 

﴿ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى (83) ﴾

على المؤمن إما أن يحسن وإما أن ينطق بالكلمة الطيِّبة:

 أقرب الناس؛ الأم، الأب، الأخ، الأخت، العمَّة، الخالة وهكذا:

 

﴿ وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى (83) ﴾

 الذي لا أبَ له ولا أم:

 

﴿ وَالْمَسَاكِينِ (83) ﴾

 المسكين هو الفقير:

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾

 أي إن لم تحسن قل لهم كلاماً طيِّباً، لا تنهرهما، إما أن تحسن وإما أن تنطق بالكلمة الطيِّبة:

 

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) ﴾

منهج الله عزَّ وجل فيه كلمتان: افعل ولا تفعل:

 منهج الله عزَّ وجل فيه كلمتان: افعل ولا تفعل، هنا افعل، اعبد الله، أحسن إلى والديك، أحسن إلى ذوي القُربى، أحسن إلى اليتامى، إلى المساكين، وإن لم تحسن ليكن كلامك طيِّباً:

 

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾

 ولن تستطيع هذا إلا إذا أقمت الصلاة، لأنك بهذا الاتصال بالله تكتسب الكمال:

﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ (83) ﴾

 يمكن أن يُجْمَعَ الدين بكلمتين؛ حركةٍ نحو الله عزَّ وجل اتصالاً، وحركةٍ نحو الخلق إحساناً، وقد قال الله عزَّ وجل على لسان سيدنا عيسى:

 

﴿ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً﴾

( سورة مريم)

 الدين كلِّه بمجموعه لا يزيد عن كلمتين: اتصال بالخالق، وإحسان إلى المخلوق، كلَّما أحسنت إلى المخلوق صار الطريق إلى الله سالكاً، وكلَّما تَعَمَّقَ الاتصال بالله عزَّ وجل صار الدافع للإحسان بالخلق قوياً، اتصال بالخالق وإحسان للمخلوق.

 

الآية التالية حول ما ينبغي أن نفعل وما أمرنا الله به:

 هذه الآية حول ما ينبغي أن نفعل، واذكروا:

 

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) ﴾

 أما:

 

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (83) ﴾

 الكلمة الطيِّبة صدقة، الكلمة الرحيمة، الكلمة المؤْنسة، الكلمة التي فيها اعتذار، من عدَّ كلامه من عمله نجا، الكلمة الطيِّبة صدقة، أنت بالكلمة الطيبة تؤلِّف القلوب، بالكلمة الطيبة تُلقي فيها الطمأنينة، بالكلمة الطيبة يجتمع الناس حولك، لأنه:

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية: " 159 " )

 بما استقرَّ في قلبك من الرحمة كنت ليناً لهم، فلمَّا كنت ليناً لهم التفوا حولك وأحبوك، واستفادوا منك، وارتقيت بهم وارتقوا بك؛ لو كنت منقطعاً عن الله عزَّ وجل لكان قلبك قاسياً، والقسوة في القلب تنعكس غلظة وفظاظة، والغلظة والفظاظة تجعل الناس ينفضّون من حولك، معادلة رائعة جداً، اتصال، رحمة، لين، التفات، يقابلها انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، معادلة متوازنة، فلذلك الكلمة الطيِّبة صدقة، الكلمة الطيبة وراءها رحمة، وراءها تواضع، وراءها عدل، وراءها خوف، وراءها لطف.
 أيها الأخوة الكرام، منهج الله عزَّ وجل افعل ولا تفعل، وهذه الآية افعل، اعبد الله، أحسن إلى والديك، إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين، ليكن كلامك طيِّباً فيه تأليفٌ للقلوب وتطييبٌ لها، لن تستطيع هذا إلا إذا اتصلت بالله عزَّ وجل، منعكس الصلاة الإحسان للخلق:

 

﴿ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ (83) ﴾

 عن هذا المنهج:

 

﴿ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83) ﴾

الآيات التالية حول ما ينبغي ألا نفعل وما نهانا الله عنه:

 الآن منهج الله عزَّ وجل لا تفعل:

 

﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ (85)﴾

 وقال:

 

﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) ﴾

 أيها الأخوة، هذا مرضٌ خطير أن نؤمن ببعض الكتاب وأن نكفر ببعض، أن نفعل شيئاً وأن ندع أشياء، أن نعتقد بشيء وأن ننكر أشياء، أن نأخذ من الدين ما يروق لنا، ما هو هينٌ ليِّن، ما يعجبنا، وأن نردَّ ما لا يعجبنا، أو ما لا نرتاح إليه، أو ما يعيقُ شهواتنا، عملية الأخذ والترك، أن تصطفي وألا تصطفي، هذا مرضٌ خطير وقع به بنو إسرائيل فاستحقوا الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة .

 

منهج الله عزَّ وجل كامل ينبغي أن نأخذه كلَّه لا أن نأخذ ما يعجبنا ونترك ما لا يعجبنا :

 الآن انظر إلى المشكلة، يصلون، فالصلاة لا تكلفهم شيئاً لكنهم لا يغضون أبصارهم، يتاجرون لكنهم لا يتورَّعون عن أكل المال الحرام، يأخذون من الدين ما يعجبهم قضية احتفال، عيد مولد، أداء صلوات، صيام، أحياناً يعمل عمرة، فيركب الطائرة، وينزل في فندق فخم، يأكل ويشرب، ويطوف حول الكعبة عدة مرَّات وانتهت العمليَّة، ويحضر معه الهدايا، فالشيء الخفيف اللطيف يفعله المسلمين، أما أن تعطي حقوق الآخرين، أن تضبط شهواتك، فهذا وضع ثاني.
 لذلك حينما نأخذ ما يعجبنا وندع ما لا يعجبنا، حينما نأخذ ما هو هينٌ علينا وندع ما ليس بهينٍ علينا، أخذنا بعض الكتاب وكفرنا ببعض، عملية انتقاء، هذه مهلكة، منهج الله عزَّ وجل كامل ينبغي أن نأخذه كلَّه، أما هناك أشياء لطيفة لا تقدِّم، يقول لك: الزواج سُنَّة يا أخي، طبعاً الزواج سنَّة، الزواج مريح، فالشيء الذي يتوافق مع رغبته يتمثَّل فيه، موضوع احتفال لو أننا مدحنا النبي عليه الصلاة والسلام، والله هو أعظم إنسان في الكون، لكن لو مدحناه ليلاً ونهاراً ونحن نخالف سُنَّته هل نستفيد شيئاً ؟ مستحيل.

 

تطبّيِق منهج الله بكامله في كسب المال وإنفاقه وضبط الشهوات قضيَّة تحتاج إلى إرادة قويَّة :

 أب من أعلى درجة في العلم، وله ابن معجب به إلى درجة مذهلة، لو أمضى هذا الابن كل حياته في مدح والده، ولم يطلب العلم، يبقى الابن جاهلاً والأب عالماً، فالمديح لا يُقَدِّم ولا يؤخِّر، أن نفتخر بالماضي، فأساساً الإنسان حينما يفلِّس في الحاضر يفتخر بالماضي، العبرة أن تجعل الحاضر كالماضي، العبرة أن تجعل الحاضر استمرار للماضي، نحن نفتخر أننا أمَّة عظيمة، نحن كنَّا أمَّة عظيمة:

 

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾

( سورة آل عمران الآية: " 110 " )

 لكن الآن يوجد تخلُّف، تخلُّف عن ديننا وتخلُّف عن حضارة العصر، فلذلك القضيَّة أن نأخذ ما يعجبنا، الأشياء الهيِّنة اللطيفة، الفلكلوريَّة، العادات، التقاليد، إنشاد، ولائم، نزهات، موالد، هذا أمر سهل، أما أن نطبِّق منهج الله بكامله في كسب المال، وفي إنفاق المال، وفي ضبط الشهوات، هذه قضيَّة تحتاج إلى إرادة قويَّة، فهنا الآية الكريمة:

 

﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾

 أخطر شيء في الدين أهل الرأي، رأيهم مقدَّمٌ على عقيدتهم، يأخذون من الدين ما يوافق رأيهم، ويرفضون ما لا يوافق رأيهم، لهم دين خاص، يأخذ من النصوص ما يعجبه، ويرد ما لا يعجبه، أو يؤول ما لا يعجبه، يريد أن يوفِّق بين الدين وبين الدنيا، أن يجعل الدين مطيَّة لمصالحه، عملية الاختيار وأخذ ما يروق وترك ما لا يروق، أخذ السهل وترك الصعب، هذا انحراف خطير في الدين وقع فيه بنو إسرائيل فاستحقوا الهلاك.

 

من أجل أن تصل إلى الله لابدّ من أن تستكمل منهج الله عزَّ وجل:

 المسلمون الآن دينهم أصبح فلكلورياً، مساجد، يرتدي الثوب الأبيض في الصيف، يتعطَّر، مسبحة في يده، يأتي إلى المسجد، لكن أين يسهر ؟ علاقاته كيف ؟ كسب ماله كيف ؟ فالدين عندما اختصرناه إلى صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، ونسينا أنه مئة ألف أمر ونهي، منهج كامل، تركناه منهجاً وأخذناه عبادةً جوفاء، آمنا ببعض الكتاب، وكفرنا ببعض:

 

﴿ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)﴾

 هذا الدين منهج كامل، فهذه المركبة من أجل أن تمشي، أن تسير، تحتاج إلى محرِّك، وإلى عجلات، وإلى وقود، وإلى مُقْلِع، وإلى مقود، وإلى بوق، وإلى كهرباء، وإلى فرش، وإلى إضاءة، قد يتطلب عملها أربعين شرطاً، أما إذا الإنسان اشترى رفراف فقط، هذا الرفراف ليس سيارةً، هذا جزء من السيارة، اشترى مصباح فقط، مقعد فقط، عجلة، هذه أشياء لا تفيد، لا تُسَمَّى المركبة سيارة إلا إذا استوفت كل الشروط، فمن أجل أن تطير إلى الله لا بد من أن تستكمل منهج الله عزَّ وجل.

 

الله عزَّ وجل ذكر أمراضاً نحن مرشَّحون أن نقع فيها وفي الأعم الأغلب وقعنا فيها:

 سلسلة هذه الدروس لها محور، أن الله عزَّ وجل حينما ركَّز على بني إسرائيل، وذكر أمراضهم وانحرافاتهم، وذكر تعنُّتهم وتكذيبهم أنبياءهم، هذا أسلوب الحكيم، لأن الله عزَّ وجل ذكر أمراضاً نحن مرشَّحون أن نقع فيها، وفي الأعم الأغلب وقعنا فيها، وكل درس أضعُ بين أيديكم حقيقة من واقع المسلمين تتوافق مع ما يعتقده بنو إسرائيل ومع ما يفعلونه، لكن الآية تحتاج إلى شرح طويل في درسٍ قادمٍ إن شاء الله لأن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ (85) ﴾

 هم يقتلون غيرهم، أما الآية :

 

﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ (85) ﴾

 في آية ثانية :

﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ ﴾

( سورة النور الآية: " 61 " )

 في آية ثالثة:

 

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾

( سورة البقرة الآية: " 188 " )

 آيات عديدة جداً: لا تأكل مالك، ما معنى هذه الآية ؟ لا تقتل نفسك ؟ هذه تحتاج إلى بحث لطيف محوره أن جماعة المؤمنين بمثابة الجسد الواحد، فأي عدوانٍ على أفرادها عدوان على الذات بشكل أو بآخر.

 

المؤمنون بمثابة الجسد الواحد:

 على كلٍ المرض الخطير هو أن نأخذ من الدين ما يعجبنا وأن ندع ما لا يعجبنا، أن نأخذ ما هو هينٌ ليِّن وأن ندع ما هو صعبٌ شاق، أن نأخذ ما يتوافق مع رغباتنا وأن ندع ما يعاكس رغباتنا، أن نأخذ ما يكلِّفنا شيئاً وأن ندع ما يكلفنا كل شيء، هذه النظرة؛ أن تختار ما تشاء، أن تأخذ ما تشاء، هذه نظرةٌ خطيرةٌ في الدين، خطيرةٌ جداً، فلن يصبح الدين منهجاً كاملاً، من يسمي الرفراف سيارة ؟ مستحيل، من يسمي المحرِّك فقط سيارة ؟ من يسمي العجلات سيارة ؟ هذه قطع غيار، أما السيارة فيها كل شيء، وكذلك ـ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى ـ المنهج كامل إما أن نأخذه كلَّه؛ في كسب أموالنا، في تجارتنا، في أفراحنا، في أتراحنا، في بيوتنا، في علاقاتنا، في تربية أولادنا، في عباداتنا، في علاقاتنا بأخوتنا، أو أن نأخذ ما يعجبنا وندع ما لا يعجبنا، عندئذٍ لا نقطف ثمار الدين إطلاقاً، لذلك قيل: " العلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلَّك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ".
 في درسٍ قادمٍ إن شاء الله نزيد في شرح هذه الآية الكريمة التي تعلِّمنا الشيء الكثير عن أن المسلمين وأن المؤمنين بمثابة الجسد الواحد:

﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ ﴾

( سورة البقرة الآية: " 188 " )

 وقال:

 

﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ﴾

(سورة النساء الآية: " 29 " )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018