الخطبة : 0754 - محبة الله أصل الدين - مواعظ من التاريخ : موقف شيخ صالح مع الخديوي إسماعيل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0754 - محبة الله أصل الدين - مواعظ من التاريخ : موقف شيخ صالح مع الخديوي إسماعيل .


2000-07-28

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به و كفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ، رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

من أجرى الله الخير على يديه ينبغي ألا يقصر أو يتراجع :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله جلّ جلاله يقول في كتابه العزيز في سورة المائدة :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حالات موجودة في العالم ، بل في العالم الإسلامي ، أن يسير الإنسان في طريق الحق ثم ينتكس ، أن يتقدم ثم يتأخر ، أن يعتقد ثم ينقض عقيدته ، أن يعمل صالحاً ثم يتراجع عن هذا العمل الصالح ، أن يدعو إلى الله ثم يندم على هذه الدعوة ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 قد يكون الارتداد حادًّا ، و قد يكون مبطّناً ، قد يكون تراجعاً ، و قد يكون تقصيراً ، على كلٍّ يقول الله عز وجل :

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

[ سورة محمد : 38]

 من أقامه الله على طاعة ، من أقامه الله على عمل صالح ، من أقامه الله على تعليم القرآن ، من أقامه الله على نشر للحق ، من أقامه اله على رعاية أيتام ، من أقامه الله على رعاية مساكين ، من سمح الله له أن يعمل الصالحات ، من سمح الله له أن يعمل في الحقل الديني ، من سمح الله له أن يجري الخيرُ على يديه لا ينبغي أن يتراجع ، و لا ينبغي أن يقصّر ، و لا ينبغي أن يندم على ما فعل ، لأنه إن فعل هذا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم .

 

أفضل الأعمال أدومها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن أفضل الأعمال أدومها و إن قلَّت ، حالات كثيرة ؛ إنسان يسلك طريق الإيمان ، يفور ثم يخمد ، يتقدم ثم يتراجع ، يلازم دروس العلم ثم يدعها ، ينفق من ماله ثم يمسك ، يقبل على ربه ثم يفتر ، يتلو القرآن الكريم ثم يعرض عنه و يهجره ، قال تعالى:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾

[ سورة محمد : 38]

 لعل مفهوم الآية الواسع أن كل تقصير ، وأن كل نكوص ، وأن كل ندم على عمل صالح مغطًّى بهذه الآية :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 يشبه هذه الآية قوله تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ﴾

[ سورة محمد : 25]

 الهدى واضح وضوح الشمس ، الحق بيِّن ، النبي عليه الصلاة و السلام تركنا على بيضاء نقية ، ليلها كنهارها ، الأمور واضحة جداً ، كل ما في الكون يدل على الله ، و كتاب الله بين أيدينا ، و سنة رسول الله الصحيحة بين أيدينا ، والأمثلة من بني البشر تحت سمعنا و بصرنا ، ما الذي يعيقنا عن أن نتحرك إلى الله ؟ عن أن نفر إلى الله ؟ عن أن نلتزم أمر الله ؟ عن أن نعقد الصلح مع الله ؟ عن أن نتوب إلى الله ؟ قال عز وجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 استنبط بعض العلماء أن الذي يحب الله و رسوله لا يمكن أن يرتد عن دين الله ، و سأفصِّل هذا بعد قليل ، الآية الثانية ، قال تعالى :

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾

[ سورة محمد : 32]

 وكما ورد في الحديث القدسي الصحيح:

(( يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ ))

[ مسلم عن أبي ذر ]

أصل هذا الدين مبني على المحبوبية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ أما عن قوله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 أصل هذا الدين بُني على المحبوبية ، كان من الممكن أن يقهر الله الناسَ جميعاً على الهدى ، الآيات واضحة جداً ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾

[سورة يونس : 99]

 أول آية ، وقال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

[ سورة هود : 118]

 و قال تعالى :

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

[سورة السجدة : 13]

 قسراً ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾

[ سورة الأنعام : 35]

 هذا الهدى الذي يتأتى قهراً و قسراً لا يسعد صاحبه ، الله عز وجل يريدنا أن نحبه ، أن نأتيه محبين ، أن نبادر إلى طاعته ، لذلك جعل الأنبياء ضعافاً ، يقولون عنه : شاعر و مجنون و ساحر ، وهم مرتاحون ، و لا أحد يمسهم بالأذى ، يمر النبي عليه الصلاة و السلام و أحد أصحابه يُعذّب ولا يستطيع أن ينقذه لضعفه ، لماذا كان الوضعُ هكذا ؟ كي يكون الإيمان بهذا النبي عن قناعة تامة ، لا عن دنيا يصيبها ، و لا عن عقاب يخافه ، ليس عنده شيء يغري ، و لا شيء يخيف ، جعله ضعيفاً ليكون الإيمانُ به صادقاً ، ليكون الإيمان به خالصاً لوجه الله عز وجل ، هذا الهدى القسري لا يسعد صاحبه ، قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾

[سورة يونس : 99]

 و قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

[ سورة هود : 118]

 و قال تعالى :

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

[سورة السجدة : 13]

 و قال :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾

[ سورة الأنعام : 35]

 لكنه أراد أن نحبه ، أن نطيعه مع المحبة ، أن نطيعه مختارين ، أن نطيعه مبادرين ، أن نطيعه عن قناعة ، أن نطيعه و نحن قانعون بهذه الطاعة ، أن نطيعه دون خوف من شيء ، أن نطيعه دون رجاء لشيء ، أن تكون الطاعة خالصةً لوجهه الكريم .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله عزوجل :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 يحبهم ، هذه المحبة الأصلية ، أحبهم فخلقهم ، أما إذا أطاعوه فأحبّهم محبة ثانية.

 

سعادة المؤمن بمعرفة الله سعادة لا توصف :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ كيف نحب الله عز وجل ؟ بل ما هي المحبة ؟ المحبة ميل النفس إلى شيء ممتع ، قد يكون هذا الممتعُ يُذاق كالطعام الطيب ، و قد يكون هذا الشيء الممتع منظراً جميلاً ، أو وجهاً صبوحاً ، و قد يكون هذا الشيء الممتع ناعم الملمس ، وقد يكون هذا الشيء الممتع طيب الرائحة ، و قد يكون هذا الشيء الممتع نغماً تطرب له ، هذه المتع الحسية ، طعام و صورة و ملمس و شم و سمع ، هذه المتع الحسية تُسمّى اللذائذ ، لكن متعاً أخرى ينعم بها الصفوة من البشر ، إنها نِعَمٌ يدركها العقل ، كنعمة العلم ، و نعمة الرؤية الصحيحة ، و نعمة المعرفة .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ نسمي المتع الحسية لذائذ ، ونسمي المتع العقلية سعادة ، و لكن هذه السعادة تتناسب مع الباعث ، و الباعث يتناسب مع الطرف الآخر ، فكلما كان الطعامُ طيِّباً كان الميلُ إليه أشدّ ، و كلما كان المنظر جميلاً ، كان الميلُ إليه أشدَّ ، و كلما كان الملمس ناعماً كان الميل إليه أشدّ ، و كلما كانت الرائحة عطرة كان الميلُ إليها أشدّ ، و كلما كان النغم صافياً متناسقاً كان الميلُ إليه أشدّ ، أما المتع العقلية فكلما كان المعلومُ عظيماً كانت السعادة به أشدّ ، أنت إن كشفت حقيقة في الفيزياء تبقى أشهرًا تنعم بهذه الحقيقة ، فكيف لو عرفتَ خالق الأرض و السموات ؟ المعلوم إذا كان من خلق الله شيء ، وإذا كانت ذات الله عز وجل شيء آخر ، لذلك تجد المؤمن يسعد بمعرفة ربه سعادة لا توصف ، هذه السعادة تتجاوز كلّ عقبة أمامه ، تمتص كل مشكلة تحيط به ، يقفز على كل صارف يصرفه عن هدفه ، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَأَيُّكُمْ مِثْلِي ؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ : لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ كَالتَّنْكِيلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 لذلك كان الصحابة الكرام في سعادة لا توصف ، بذلوا الغالي و الرخيص ، و النفس و النفيس ، امرأة تخرج إلى ساحة المعركة و قد بلغها أن النبي قُتل ، ترى أباها مقتولاً تقول : ما فعل رسول الله ؟ ترى ابنها مقتولاً تقول : ما فعل رسول الله ؟ ترى زوجها مقتولاً تقول : ما فعل رسول الله ؟ ترى أخاها مقتولاً تقول : ما فعل رسول الله ؟ إلى أن اطمأنت عليه ، و قالت " يا رسول الله كل مصيبة بعدك جلل " هذا هو الحب ، هذا الدين أساسه الحب، هذا الدين مبني على المحبوبية ، لو أن الله أرادنا أن نؤمن به قسراً لآمنا به جميعاً ، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

[سورة السجدة : 13]

 قسراً ، وقال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾

[ سورة الأنعام : 35]

 و قال تعالى :

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

[ سورة هود : 118]

 و لكن أرادنا أن نحبه ، أرادنا أن نطيعه عن حب ، أن نأتيه مبادرين ، أن نطيعه مختارين ، إذا ألغيت عنصر الاختيار فَقَدْ فَقَدَ الدين حقيقته ، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثوابُ ، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقابُ ، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة .

 

محبة الله للعبد ثابتة و محبة العبد لله عز وجل محبة حقيقية :

 أيها الأخوة الكرام ؛ محبة الله للعبد ثابتة ، و لكنها بلا كيف ، نثبتها بلا كيف و لا تأويل و لا تعطيل ، أما محبة العبد لله عز وجل فمحبة حقيقية على الحقيقة ، العبد يميل إلى الله عز وجل ، و هناك من فسّرها بالعمل الصالح ، و قد ردوا عليه ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ ))

[البخاري عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 النبي أقرّه على هذه المقولة ، لأن الحب شيء و العمل شيء آخر ، لا بد أن ينسجما ، لا بد أن يتوافقا ، و لكن الحب شيء و العمل شيء آخر ، قد يكون الأبُ في أعلى درجات الحب لابنه و لا يستطيع أن ينقذه مما هو فيه .

 

الإحسان هو ثمن محبة الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هؤلاء الذين يحبهم الله عز وجل ماذا فعلوا ؟ بمراجعة بسيطة لآيات القرآن الكريم تعرفون ثمن محبة الله ، قال تعالى :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

[ سورة المائدة : 42]

 المطلق على إطلاقه ، محسن إلى أهلك ، إلى أولادك ، إلى جيرانك ، إلى زملائك، إلى أصدقائك ، محسن و أنت تذبح الحيوان ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ ))

[ مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ ]

 محسن في مهنته ، محسن في عمله ، في أيّ حركة يتحركها المؤمن فهو محسن ، لذلك :

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران :134]

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 222]

 كثيرو التوبة ، وإن الله يحب المتقين الذين يتقون معصيته و يتقون غضبه و سخطه :

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران : 146]

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾

[ سورة آل عمران:159 ]

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾

[ سورة المائدة : 42]

 المنصفين . قال تعالى :

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾

[سورة التوبة : 108]

 هذه الآيات في القرآن الكريم تشير إلى ثمن محبة الله ، محسن ، متق ، صابر ، توّاب ، متوكل ، مقسط ، متطهِّر ، لو أن الإنسان كتب هذه الكلمات السبع ، وجعلها منهجاً له في الحياة ، ما الذي يحصل ؟ يمتلك أثمن شيء في الوجود ، يمتلك محبة الله عز وجل ، إن النبي عليه الصلاة و السلام يقول :

(( دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكُمْ ، قَالَتْ عَائِشَةُ : فَفَهِمْتُهَا ، فَقُلْتُ : وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ ، قَالَتْ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قَدْ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ ))

[البخاري عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ]

 علموا و لا تعنفوا ، كن هادئاً ، كن حليماً ، أقنع ، لا تقمع ، لا تكن عنيفاً ، لا تبطش ، إن الله يحب الرفق كله ، إن الله كريم يحب الكرماء .

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه . . . . )

[الجامع الصغير عن عائشة]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ : رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؟ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ ))

[ مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ]

((أصلحوا رحالكم ، و حسنوا لباسكم ، حتى تكونوا شامة بين الناس . . . . ))

[ أحمد عن سهل بن الحنظلية]

 إن الله رحيم يحب الرحماء . . . إن الله محسن يحب المحسنين . . إن الله يحب الأتقياء الأخفياء ، بلا ضجيج ، بلا ظهور ، بلا عرض عضلات ، بلا إعلان عن الرتب وعن المقامات ، أكثر السلف الصالح إذا ألّفوا كتاباً " الفقير إليه تعالى" .

 

أصل الدين محبة الله :

 أيها الأخوة الكرام ؛ افتح كتب السنة و ابحث عن " إن الله يحب . . . " تجد أحاديث لا تنتهي ، من الذي يحبه الله ؟ و في القرآن :

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران :134]

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾

[ سورة البقرة : 222]

 كثيرو التوبة ، وإن الله يحب المتقين الذين يتقون معصيته و يتقون غضبه و سخطه :

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

[سورة التوبة : 4]

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة آل عمران : 146]

 و المتوكلين و المقسطين و المطهرين .
 يا أيها الأخوة الكرام ؛ أصل الدين محبة الله ، فإذا أحببته فعلت كل شيء ، وضحَّيت بكل شيء ، و قدّمت أثمن شيء ، و ضبطت كل شهواتك ، و إذا لم تحبه تفنّنتَ في البحث عن الفتاوى الضعيفة للتفلُّت من أمره و نهيه ، أصل هذا الدين أن تحب الله ، فإذا أحببته ألقى محبتك في قلوب الخلق ، وهذا معنى قوله تعالى :

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾

[ سورة طه : 39]

 إذا أحببته ألقى محبتك في قلوب الخلق ، وإذا لم تحبه ألقى بغضك في قلوب الخلق ، يبغضونك بلا سبب ظاهر ، السبب الحقيقي أن الله ألقى بغض هذا الإنسان الذي لا يحب الله في قلوب الخلق ، وإذا أحبّ العبدُ ربَّه ألقى محبته في قلوب الخلق ، ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تهفو إليه بالمودة و الرحمة .

 

صفات المؤمنين الذين يحبون الله و يحبهم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هؤلاء المؤمنون الذين يحبهم الله عز وجل و يحبونه ما صفاتهم؟ قال تعالى :

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 متواضعون ، رحماء ، الرحيم قد يكون ذليلاً أحياناً ، الأم الرحيمة تبكي طوال الليل بكاءً شديداً لمرض ابنها ، وكأنها أُذِلت بهذا المرض ، فـ "أذلة" هنا تعني الرحمة ، و تعني العطف ، وتعني الشفقة ، تعني التواضع:

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 و لئلا نتوهم أن هذه الذلة من طبعهم ، لا ، هم أعزة على الكافرين ، بقدر ما هم أذلة على المؤمنين هم أعزة على الكافرين :

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قال :

(( أمرني خليلي صلى الله عليه و سلم بسبع ؛ أمرني بحب المساكين ، والدنو منهم ، و أمرني إلى أنظر إلى من هو دوني ، و لا أنظر إلى من هو فوقي ، و أمرني أن أصل الرحم و إن أدبرت ، و أمرني ألاّ أسأل أحداً شيئاً ، و أمرني بأن أقول بالحق و لو كان مرًّا ، و أمرني ألاّ أخاف في الله لومة لائم ، و أمرني أن أكثر من قول " لا حول و لا قوة إلا بالله : فإنهم من كنز تحت العرش . . . ))

 وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة و السلام :

(( أَلَا لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ رَهْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا رَآهُ أَوْ شَهِدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَرِّبُ مِنْ أَجَلٍ وَلَا يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ أَوْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]

 و في حديث ثالث يقول عليه الصلاة و السلام:

((لا يحقرن أحدكم نفسه أن يرى أمر الله فيه مقال ثم لا يقوله ، فيقول الله : ما يمنعك أن تقول فيه ؟ فيقول : رب ، خشيت الناس . فيقول : فأنا أحق أن يخشى))

[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]

 وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ :

((بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ ))

[ البخاري عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ]

 هذه صفات الذين يحبهم الله عز جل .

 

من ارتدّ عن دينه يندم عند الموت ندماً لا حدود له :

 قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 قال بعض علماء التفسير : إن هذه الآية فيها إعجاز إخباري ، فقد ارتد عن دين الله بعد نزول هذه الآية إحدى عشرة فرقة ، في عهد النبي ارتدّ ثلاث قبائل ، و في عهد الصديق ارتد سبع ، وفي عهد عمر ارتد بنو غسان ، و فيهم جبلة ، و جبلة كما تعلمون ملك الغساسنة ، جاء النبيّ مع رهط من وجهاء القوم مسلمين ، فرحّب به عمر أشدّ الترحيب ، و فرح بإسلامه ، ثم انتقل من المدينة إلى مكة المكرمة ليطوف حول البيت ، في أثناء الطواف داس بدوي من فزارة طرف ردائه فانزاح عن كتفه ، فضربه ضربة هشم أنفه ، فاتصل هذا البدوي بعمر ، وشكا إليه جبلة بن الأيهم ، استدعاه عمر وقال : أصحيح ما ادّعاه هذا الفزاري الجريح، قال : لستُ ممن يكتم شــيًا أدَّبت الفتى أدركت حقي بيدي ، قال : أرضِ الفتى ، لا بد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه ، أو يُهشمن الآن أنفُك ، وتنال ما فعلته كفُّك ، قال : كيف ذاك يا أمير ، هو سوقة ، وأنا عرش و تاج ، كيف ترضى أن يخرّ النجم أرضًا ؟ فقال عمر : نزوات الجاهلية ، و رياح العنجهية قد دفنّاها ، أقمنا فوقها صرحًا جديداً ، و تساوى الناسُ أحراراً لدينا و عبيداً ، فقال جبلة : كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ ، أنا مرتد إذا أكرهتني ، فقال عمر : عنق المرتد بالسيف تُحزّ ، عالم نبنيه ، كل صدعٍ فيه بشبا السيف يُداوى ، و أعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى ، فقال : أمهلني ليلة واحدة- عرض عليه العفو من قِبل هذا البدوي أو القصاص ، فالبدوي لم يعف عنه ، فلا بد من القصاص- وفي الليل رحل جبلة مع قومه إلى بلاد الشام ، سيدنا عمر كتب كتاباً إلى أهل الشام ، قال : إن جبلة ورد إليّ في سراة قومه ، فأسلم فأكرمته ، ثم سار إلى مكة فطاف ، فوطئ إزاره رجل من بني فزارة ، فلطمه جبلة فهشّم أنفه ، و كسر ثناياه ، فاستعدى الفزاري على جبلة إليّ ، فحكمتُ إما بالعفو ، وإما بالقصاص ، فقال : أتقتص مني و أنا ملِك وهو سوقة ؟ فقلت : شملك و إياه الإسلام فما تفضله إلا بالعافية ، فسأل جبلة التأخرَ إلى الغد ، فلما كان الليل ركب مع بني عمه و لحق بالشام مرتدًّا "
 ذكرت هذا التعليق أو هذه الرسالة من عمر لأن فيها ثلاثة أبيات قالها جبلة قبل أن يموت ، قال :

تنصرتُ بعد الحق عارًا للطمـــةٍ  ولم يك فيها لو صبرتُ لها ضـــررْ
فأدركني فيها لَجاجُ حميّـــــــــــــــةٍ  فبِعتُ لها العينَ الصحيحة بالعَـوَرْ
فيا ليت أمي لم تلدني و ليتني  صبرتُ على القول الذي قاله عمرْ
***

 هذا الذي يدع دينه أو يقصّر ، أو ينتكس ، أو ينقض التوبة ، أو يترك عملاً صالحاً ، أو يترك إنفاقاً أو دعوةً إلى الله ، حينما يأتيه ملَك الموت يندم ندماً لا حدود له ، فهؤلاء الذين يحبهم الله عز وجل ، أولاً : أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ، و شيء آخر : يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ، و قد ذكرت لكن كيف أنهم لا يخافون لومة لائم ، من خلال توجيهات النبي عليه الصلاة و السلام .

 

فضل الله لكل الناس و ثمنه مبذول لكل إنسان :

 ثم يقول الله عز وجل :

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾

[ سورة الحديد : 21]

 هذا الفضل لكل الناس ، لكل من شاءه ، لكل من أراده ، لكل من طلبه ، لكل من دفع ثمنه ، قال عز وجل :

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحديد : 21]

 أن تكون ممن يحبهم الله و يحبونه ، أن تكون من سعداء الدنيا و الآخرة ، ذلك فضل الله الحقيقي ، هذا هو الفضل ، أما أن يُؤتى الإنسان الدنيا ، الدنيا لا قيمة لها:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 و كل من أعرض عن الله يُترف في الحياة الدنيا ، كفروا و أترفناهم في الحياة الدنيا ، لم يسمِّ الله الدنيا فضلاً منه ، إنها متَع زائلة ، إنها عرض حاضر يأكل منه البر و الفاجر ، بينما الآخرة وعد صادق يحكم فيه ملِك عادل ، قال تعالى :

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة الحديد : 21]

 من يشاء ، من يدفع ثمنه ، ثمنه مبذول لكل واحد منكم:

﴿ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ ﴾

[ سورة الحديد : 21]

 أن تكون ممن يحبهم الله و يحبونه ، قال تعالى :

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة المائدة : 54]

 قد يقول لك الإنسان : لا يوجد شواغر ، الشواغر محدودة ، و قد امتلأت ، اعذرنا، أو لا أستطيع ، لكن :

﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة المائدة : 54]

 فضله لا ينتهي .
 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

مواعظ من التاريخ :

 ماذا يمنع أن أنقل إليكم بعض ما في كتب التاريخ من مواعظ ؟ فهذه تنفعنا إن شاء الله .
 يقول بعضُ المؤرخين : لما وقعت الحرب بين مصر و الحبشة ، وتوالت الهزائم على مصر ، بوقوع الخلاف بين قواد جيوشها ضاق صدرُ الخديوي لذلك ، فركب يوماً مع شريف فأراد أن يفرِّج عن نفسه ، فقال للشريفُ : ماذا تصنع حينما تلمُّ ملمة تريد أن تدفعها ؟ قال: إن الله عوّدني إذا حاق بي شيء من هذا ألجأ إلى صحيح البخاري ، يقرأه لي علماء أطهار ، فيفرِّج الله عني ، هكذا كان شائعاً في مصر ، إذا ألّمت ملمة ، إذا نزلت كارثة ، إذا حاق بالمسلمين عدوٌّ كان العلماءُ في الأزهر الشريف يقرؤون صحيح البخاري .
 أيها الأخوة ؛ فكلّم الخديوي شيخ الجامع الأزهر ، وكان الشيخ مصطفى بن محمد العروسي ، فجمع له صلحاء العلماء جمعاً و أخذوا يتلون في البخاري أمام القبة القديمة في الأزهر ، قال : ومع ذلك ظلت الهزائم تتوالى ، فذهب الخديوي و معه شريف إلى العلماء ، وقال لهم محنقاً : إما أن هذا الذي تقرؤونه ليس صحيح البخاري ، أو أنكم لستم العلماء الذين نعهدهم من رجال السلف الصالح ، تتلون هذا الكتاب والهزائم متوالية ، فإن الله لم يدفع بكم و لا بتلاوتكم البلاء ، و كأنه يعنِّفهم ، فوجم العلماء ، وبعد حين ابتدره شيخ من آخر الصف ، يقول له : منك يا إسماعيل ، فإنا رُوينا عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:

(( عَنْ أَبِي الرُّقَادِ قَالَ : خَرَجْتُ مَعَ مَوْلَايَ وَأَنَا غُلَامٌ فَدُفِعْتُ إِلَى حُذَيْفَةَ وَهُوَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَصِيرُ مُنَافِقًا وَإِنِّي لَأَسْمَعُهَا مِنْ أَحَدِكُمْ فِي الْمَقْعَدِ الْوَاحِدِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَحَاضُّنَّ عَلَى الْخَيْرِ أَوْ لَيُسْحِتَنَّكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا بِعَذَابٍ أَوْ لَيُؤَمِّرَنَّ عَلَيْكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ يَدْعُو خِيَارُكُمْ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ ))

[ أحمد عَنْ أَبِي الرُّقَاد]

 فزاد وجوم المشايخ ، وانصرف الخديوي و معه الشريف و لم ينبسا ببنت كلمة ، وأخذ العلماء يلومون القائل و يؤنِّبونه على هذه الجرأة ، و على هذا الإحراج الذي أحرج به الخديوي ، فبينما هم كذلك بعد حين عاد الشريف إليهم ، و قال : أين الشيخ القائل للخديوي هذا؟ فقال الشيخ : أنا ، فأخذه وقام ، و انقلب العلماء بعد أن كانوا يلومون الشيخ يودِّعونه وداعاً أخيراً ، لأنهم ظنوا أنه لن يعود إليهم أبداً ، و سار هذا الشريف بالشيخ إلى أن دخلا على الخديوي في قصره ، فإذا به قاعد في البهو و أمامه كرسي أجلس عليه الشيخ ، و قال له : أعِد يا أستاذ عليّ ما قلته لي في الأزهر ، فأعاد الشيخ كلمته ، و ردد الحديث و شرحه ، فقال له الخديوي : و ماذا صنعنا نحن حتى ينزل بنا هذا البلاء ؟ فقال الشيخ : أليست المحاكم تحكم بغير كتاب الله ؟ أليس الزنا مباحاً ؟ أليس الخمر مباحاً ؟ أليس . . أليس ؟ و ذكر له كل المعاصي التي تُرتكب في مصر وقتها ، فقال الخديوي : وماذا نصنع و قد عاشرنا الأجانب وهذه هي مدنيتهم ؟ قال الشيخ : إذًا فما ذنب البخاري ؟ وما حيلة العلماء ؟ ففكّر الخديوي مليًّا ، و أطرق طويلاً ، ثم قال : صدقت ، صدقت ، هذا معنى قوله تعالى :

﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾

[ سورة المائدة : 54]

 فكان من هذا الكلام الصادق خير كثير ، و قد قال بعض المحققين : إن الخديوي منع كثيراً من هذه المعاصي التي كانت سائدة بفضل هذه الجرأة التي قالها هذا العالم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء ، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل أو نزِل أو نزل ، أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا ، يا رب العالمين ، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب ، يا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك ، يا رب العالمين ، اللهم وفِّق ولاة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها لما تحب و ترضى ، اللهم سدد خطاهم ، يا رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018