الخطبة : 0753 - كيف نفعل إذا فسد الناس - العلاقة بين الأيام البيض و صيامهم طبيا . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0753 - كيف نفعل إذا فسد الناس - العلاقة بين الأيام البيض و صيامهم طبيا .


2000-07-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به و كفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم ، رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِّ و سلم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

نفي الله عز وجل إهلاك القرى من دون ذنب ارتكبه أهلها :

 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول الله جل جلاله:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

 ألا ترى أيها الأخ الكريم أن هناك منطقة فيها زلازل ، ومنطقة أخرى فيها براكين ، ومنطقة فيها جفاف ، ومنطقة فيها اجتياح ، و منطقة فيها حرب أهلية ، و منطقة فيها فقر مدقع ، ألا تستمع إلى الأخبار؟ ألا ترى هذه المآسي التي تحل بأهل القرى ما تفسيرها؟ كيف نفهم هذه الحوادث؟ هذه المصائب الكبرى وهذه المحن العظيمة وهذا البلاء الشديد بِم يُفسر؟ هذه الآية الكريمة توضِّح ما يجري ، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

 أشدّ أنواع النفي هذه الصيغة ، أشدّ أنواع النفي في اللغة العربية هذه الصيغة ، إذا قال قائل: أنا لم أسرق هذه الحاجة ، هذا نفي الحدث ، أما إذا قلت: ما كان لي أن أسرق هذه الحاجة ، هذا نفي الشأن ، ليس هذا من شأني ، و لا من طبيعتي ، و لا من رغبتي ، و لا من إرادتي ، ولا أرضاه ، و لا أقرّ به و لا أستسيغه ، أشدّ صيغة من صيغ النفي في اللغة العربية نفي الشأن ، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

 أي مستحيل و ألفِ ألف مستحيل أن تهلك قرية من دون ذنب ارتكبه أهلها ، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

 لو تتبعت آيات القرآن الكريم كلها لما وجدت و أهلها صالحون ، بل تجد و أهلها مصلحون ، فالصالح صالح بذاته ، أما المصلح فهو الذي يصلح غيره ، هو الذي يتجاوز صلاح نفسه إلى إصلاح غيره ، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 ما علة هذه الخيرية التي أكرمنا الله بها نحن أمة محمد صلى الله عليه و سلم؟ قال:

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110 ]

 فإن لم نـأمر بالمعروف و لم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا التي أكرمنا الله بها .

 

من لم يتحرك عند ظهور الفتن فموقفه يتناقض مع ما في الكتاب و السنة :

 ويقول الله عز وجل:

﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾

[ سورة الأنفال: 25 ]

 من أوضح ما يفسر هذه الآية أن حريقاً نشب في بيت ، فإن لم يهرع أهل الحي كله لإطفاء هذه النار انتقلت هذه النار من بيت إلى بيت إلى أن تصل إلى آخر بيت ، فإذا ظهرت فتنة و لم نتحرك ، و لم نتكلم ، و لم نعترض ، و لم نأمر بالمعروف ، و لم ننه عن المنكر ، هذه الفتنة سوف تستشري و سوف تعم ، عندئذ يعم البلاء ، أن يقول إنسان منا: لا علاقة لي ، هذا موقف انهزامي ، هذا موقف سلبي ، هذا موقف يتناقض مع ما في الكتاب و السنة من توجيهات حكيمة ، قال تعالى :

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

 قد تنسحب الآية على الهلاك الجماعي ، هلاك استئصال ، أو هلاك تعذيب ، قد تُستأصل قرية بأكملها ، و قد تذوق ألوان البؤس و الفقر ، ألوان العذاب و الفقر ، الأول استئصال و الثاني تعذيب ، و قد تنسحب الآية على الأفراد ، كان عليه الصلاة و السلام يقول:

((اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ ، وَجَمِيعِ سَخَطِك ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

ربط المصائب التي تحل بالناس في شتى بقاع الأرض بالذنوب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لأن الله عز وجل يقول:

﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَاباً شَدِيداً كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً﴾

[ سورة الإسراء : 58]

 لا بد من أن نأخذ حذرنا ، لا بد من أن نتفهم واقعنا ، لا بد من أن نربط هلاك القرى بعلة راجحة دليلها في القرآن الكريم ، لا بد من أن نربط هذه المصائب التي تحل بالناس في شتى بقاع الأرض بذنب ، بسبب بعلة راجحة تتناسب مع هذه المصيبة ، هكذا علّمنا القرآن الكريم ، قال تعالى:

﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾

[ سورة هود : 117]

 لا تنجُ أيها الكريم إذا كنت صالحاً ، لأن الله حينما أرسل الملائكة ليهلكوا قرية قالوا: يا رب إن فيها رجلاً صالحاً ، قال: به فابدؤوا ، قالوا: و لِم يا رب؟ قال: لأن وجهه لم يتمعر إذا رأى منكراً ، لم يكن يتمعر ويتغير إذا رأى منكراً .

النجاة من عذاب الله لا يكون إلا إذا كنا مصلحين :

 يا أيها الأخوة الكرام ؛ في الحديث الحسن الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَلَعَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ:

((يَأْتِي اللَّهَ قَوْمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورُهُمْ كَنُورِ الشَّمْسِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَنَحْنُ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: لَا وَلَكُمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَلَكِنَّهُمْ الْفُقَرَاءُ وَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ ، وَقَالَ: طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ طُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ، فَقِيلَ: مَنْ الْغُرَبَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ نَاسٌ صَالِحُونَ فِي نَاسِ سَوْءٍ كَثِيرٍ مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُم ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 أيها الأخ الكريم ، على مستوى فردي و على مستوى جماعي ، لا يمكن أن ننجو من عذاب الله إلا إذا كنا مصلحين ، إلا إذا أمرنا بالمعروف و نهينا عن المنكر ، يقول عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود ]

 صفة الذين يأتون من بعد الأنبياء و قد تطاول عليهم العهد أنهم يقولون ما لا يفعلون ، ينافقون ، و يفعلون ما لا يؤمرون ، يبتدعون ، لا بقلبك تنكر و لا بيدك تنكر ولا بلسانك تنكر ، يقول عليه الصلاة و السلام هذا الذي يدّعي أنه مؤمن و يرى ابنة أخيه في ثياب فاضحة لا ينكر لا بيده ، و لا بلسانه ، و بقلبه ، ليس فيه حبة خردل من إيمان ، الموقف السلبي ، الموقف الانهزامي ، الموقف اللامبالي ، الموقف الذي لا يعبر عن غيرة هذا ليس من شأن المؤمن ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ))

[مسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مسعود ]

إلزام النفس بالإيمان و تحصينها بالعلم و الاستقامة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ لعل بعض الأخوة الكرام يفهم قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 105 ]

 المعنى الذي يغيب عن معظم المسلمين في هذه الآية ، قال تعالى:

﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 105 ]

 أي الزموا أنفسكم ، عرِّفوها بربها ، احملوها على طاعته ، قرِّبوها من ربها بالعمل الصالح ، فإن فعلتم هذا لا يستطيع الطرف الآخر أن يؤذوكم ، و لا أن يشتتوكم ، و لا أن يلقوا فيكم الشبهات ، و لا أن يحملوكم على معصية خالق الأرض و السموات :

﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 105 ]

 حصِّنوها بالإيمان ، حصنوها بالعلم ، طهِّروها بالاستقامة ، ارفعوها بالطاعة ، قرِّبوها بالعمل الصالح ، إن فعلتم هكذا عندئذ لا يستطيع أهل الدنيا المارقون من الدين ، الخارجون عن منهج رب العالمين ، الذين يؤثرون الدنيا على الآخرة أن يلقوا فيكم الشبهات ، و لا أن يحملوكم اقتراف الشهوات :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾

[ سورة المائدة: 105 ]

 الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فرض عين ، فإذا قام به البعض سقط عن الكل ، و لا ينبغي أن تنكر إلا ما كان مجمعاً عليه ، و لا يقبل أن تنكر ما كان مختلفاً فيه .

 

حمل همّ المسلمين و تجاوز الذات إلى الغير :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من استطاع أن يغير المنكر بيده لا يُقبل منه أن يغيِّره بلسانه ، ومن استطاع أن يغيره بلسانه لا يُقبل منه أن يغيره بقلبه ، و إذا نشأ عن إنكار المنكر منكر أشدّ منه ينبغي ألاّ تنكر إلا بقلبك ، هذه كلها أحكام شرعية ، الشرع منهج قويم و صراط مستقيم وحبل الله المتين .
 ورد أيها الأخوة عن أبي أمامة وأبي الدرداء ووائل بن الأصقع وأنس بن مالك قالوا: خرج علينا رسول الله يوماً و نحن نتمارى - ذكرت هذا في الأثر لأن المماراة شيء و إصلاح النفوس شيء آخر ، ينبغي أن نشتغل بإصلاح نفوسنا و إصلاح إخوتنا ، لا أن نتمارى ، لا أن نستهلك وقتنا في الشحناء ، لا أن نستهلك وقتنا في المجادلة العقيمة- في شيء من الدين ، فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله ، ثم انتهرنا فقال: مهلاً يا أمة محمد إنما هلك من كان قبلكم بهذا ، أخذوا المراء لقلة خيره ، ذروا المراء فإن المؤمن لا يماري ، ذروا المراء فإن المماري قد تمت خسارته ، ذروا المراء فكفاك إثماً ألا تزال مرائياً ، ذروا المراء فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة ، ذروا المراء فإن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم و لكن قد رضي منكم بالتحريش بين المؤمنين " أصلح نفسك ثم أصلح أخاك ، و لكن كيف نصلح؟ هذا موضوع الخطبة؟ الغرباء الذين يصلحون الناس إذا فسدوا ، من علامة الغرباء في آخر الزمان أنهم يصلحون ، و من خيرية هذه الأمة أنها تأمر بالمعروف و تنهى عن المنكر ، لا بد من أن تتجاوز ذاتك إلى غيرك ، لا بد من أن تحمل همّ المسلمين ، لا بد من أن تقدم شيئاً لأمة محمد صلى الله عليه و سلم ، لا بد من أن تسهم في إرشادهم إلى الحق ، لا بد من أن تسهم في نهيهم عن المنكر ، لا بد من أن تمنحهم شيئاً ، لا بد من أن تكون خيراً في معاملتك لهم .

 

إصلاح النفوس يكون بـ :

1 ـ القدوة الحسنة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ السؤال الذي تُبنى عليه الخطبة: كيف نصلح إذا فسد الناس؟ قبل كل شيء لا يمكن أن تصلح طفلاً إن لم تصلح نفسك أولاً ، إن طفلاً لا يصدقك ، إن إنساناً ساذجاً لا يقبل منك أن تصلحه من دون أن تصلح نفسك ، أن تأمر الناس بالتقشف و أنت في أعلى درجات النعيم ، هذا كلام مرفوض ، أن تأمر الناس بالصبر و أنت لا تصبر على ذلك هذا كلام مرفوض ، أن تأمر الناس بما لا يطاق و أنت لا تطيق معهم ما تقول ، هذا كلام غير واقعي ، لا بد من أن تصلح نفسك أولاً ، لا بد من أن تكون القدوة ، لذلك جهاد النفس و الهوى أعلى درجات الجهاد ، لأن الذي انتصر على نفسه ، يمكن أن يسهم في إصلاح غيره ، ثم يأتي بعده الجهاد الدعوي ، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 فيا أيها الأخوة الكرام ؛ لا تتوهم أنه بإمكانك أن تصلح طفلاً أو ابناً أو بنتاً أو موظفاً عندك في مؤسستك ، أو جاراً لك أو صديقاً إلا إذا رآك على أعلى درجات الكمال ، القدوة الحسنة هي أول طريق في إصلاح النفوس .
 أيها الأخوة الكرام ؛ نصلح أنفسنا بتعريفها بربها ، و تعريفها بمنهج ربها ، ثم بحملها على طاعة الله ، ثم بحملها على البذل و العطاء ، فإذا صلحت نفوسنا نشمِّر لإصلاح غيرنا .

2 ـ الكلمة الطيبة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ نصلح بالكلمة الطيبة ، و الكلمة الطيبة صدقة ، ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم :

((كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 والأنبياء جاؤوا بالكلمة الطيبة ، و الكلمة الطيبة غيّرت معالم العالم ، الكلمة الطيبة هدت الشعوب ، رسّخت الفضائل ، عمّت بها السعادة ، الكلمة الطيبة الصادقة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكلمة الطيبة صدقة كما قال عليه الصلاة و السلام ، و الله عز وجل يقول:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾

[سورة إبراهيم: 24-25]

 الكلمة النابعة من الوحيين ؛ الكتاب والسنة ، و الكلمة التي تؤديها بإخلاص ، الكلمة التي تؤديها بحكمة ، الكلمة التي تؤديها برفق ، كلمة طيبة من الأصلين الكتاب و السنة، تُلقى على الناس بإخلاص شديد ، و بحكمة بالغة ، و بحب يشفعان لها أن تصل إلى القلوب ، لأنها خرجت من القلب ، الكلمة الطيبة الصادقة المخلصة وفق الكتاب و السنة بأسلوب حكيم و تلطف شديد .
 أيها الأخوة الكرام ؛ يقول عليه الصلاة و السلام:

((لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ))

[البخاري َنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 إذا استبشر الناس بشيء لا تحبط استبشارهم ، إذا تعلق الناس ببعض الأمل لا تكن محبطاً لآمالهم ، الفأل الحسن من الكلمة الطيبة .
 أيها الأخوة الكرام ؛ الكلمة الطيبة الصادقة تفعل فعل السحر في الناس ، الكلمة الطيبة التي تطيب بها النفوس ، أيُّ حديث يجمع الناس على الله ، أي حديث يقرب الناس من الله ، أي حديث يزهِّد الناس في الدنيا ، يعلّقهم بالآخرة ، أي حديث يحرك مشاعر إيمانهم هو من الكلمة الطيبة ، و أي حديث يبعدهم عن الله ، و أي حديث يقربهم من اليأس و الإحباط ، أي حديث يرسَّخ فيه الشرك ، أي حديث تحبب فيه الدنيا ، أي حديث تبتعد بالناس عن الآخرة هو الكلمة الخبيثة ، هذه الكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
 أيها الأخوة الكرام ؛ من عدّ كلامه من عمله نجا ، كلمة تلقي بها حقيقة ، كلمة ترفع بها معنويات إنسان ، كلمة تحمل فيها إنساناً على الصبر ، وهناك كلمات و كلمات ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

ارتباط القدوة الحسنة بالكلمة الطيبة :

 لا تكفي الكلمة الطيبة ، لا بد من القدوة الحسنة ، لا بد من أن تكون مثلاً ، لا بد من أن تكون أسوة ، لا بد من أن تكون قدوة ، الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، إن موقفاً واحداً يلغي ألف كلمة ، الإمام أبو حنيفة رأى طفلاً شارف على الوقوع في حفرة ، فقال: يا غلام إياك أن تسقط ، فقال: بل أنت يا إمام إياك أن تسقط ، إني إن سقطتُ سقطت وحدي ، و إنك إن سقطت سقط معك العالَم ، الأب قدوة ، و المعلم قدوة ، و مدير المؤسسة قدوة ، و مدير المستشفى قدوة ، و مدير الثانوية و أي منصب قيادي هو قدوة . القدوة الحسنة من أسباب نجاح الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه في دعوتهم ، وأن الأرض من مشرقها إلى مغربها آمنت برسالتهم و أنهم فعلوا ما قالوا ، لم يجد أصحاب النبي فرجة بين أقوالهم و أفعالهم ، وأي داعية إلى الله ، وأي مؤمن إذا التزم أن تكون حياته كما يقول ، علاقاته كما يقول ، بيته كما يقول ، أولاده كما يقول ، حقّق نجاحاً في الدعوة ما بعده من نجاح .

3 ـ الإحسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ثم إن الإحسان له دور خطير في إصلاح الناس ، أوَّلاً تلقي عليهم الكلمة الطيبة النابعة من الكتاب و السنة ، لأنه حق صراح ، بإخلاص شديد و حكمة بالغة و تلطُّف شديد ، ثم أن تكون أنت قدوة لهم ، لأن الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم ، ثم أن تحسن إليهم ، عليك أن تفتح قلوبهم بالإحسان إليهم ، فالإنسان عبد الإحسان ، " ذكِّر عبادي بإحساني إليهم ، فإن النفوس جبلت على حبّ من أحسن إليها ، وبغض من أساء إليها ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَه ))

[ مسلم عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ]

 يجب أن تحسن في مهنتك ، وفي وظيفتك ، و في عيادتك ، وفي مكتبك الهندسي، و في صفك ، وفي دكانك ، يجب أن تحسن في بيتك ، يجب أن تحسن في كل نشاطات حياتك، الحديث الدقيق يقول عليه الصلاة و السلام ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))

[الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ ]

 هذا الذي تقوده البيئة هو من أتفه الناس ، الأناس العظام يغيِّرون معالم البيئة ، أما هؤلاء الذين تحكمهم ظروف البيئة فهؤلاء إمعة ، أنت مؤمن عليك أن تتحرك وفق منهج الله، لا وفق الأعراف و التقاليد و معطيات البيئة:

(( . . .وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا))

[الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ ]

 أما هذا الذي يقول: هكذا الناس جميعاً ماذا نفعل ؟ هذا من الإمعة الذي ذمّه النبي عليه الصلاة و السلام .

4 ـ الجمع بين الترغيب و الترهيب :

 أيها الأخوة الكرام ؛ إن لم نصلح أنفسنا أولاً ، و إن لم نصلح غيرنا ثانياً ، لن ننجو من عذاب الله ، على مستوى فردي ، أو على مستوى جماعي ، دقِّق أيها الأخ الكريم كيف أن القرآن الكريم رغّب مرة و رهّب مرة ، تعلّم من أساليب الله عز وجل ، قال تعالى:

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة السجدة : 17]

 هذا هو الترغيب ، قال تعالى:

﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

[ سورة الملك : 16]

 هذا هو الترهيب ، تعلمْ من القرآن الكريم ، رهِّب و رغِّب ، أما هؤلاء الدعاة الذين يرهبون دائماً فليسوا على حكمة ، و ليسوا على منهج الله و لا على منهج رسوله ، و أما الآخرون الذين يمدحون بلا طائل و لا ينظرون إلى الخلل الخطير فيمدحون كل من يرونه أمامهم أيضاً هؤلاء على غير منهج الله ومنهج رسوله ، لا بد من أن ترغِّب تارة وترهِّب تارة أخرى . قال تعالى:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾

[ سورة الشعراء : 205]

 كان عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى لا يدخل مجلس الخلافة إلا ويتلو هذه الآية:

﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ﴾

[ سورة الشعراء : 205]

 وقال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾

[سورة الأنبياء : 90]

 الذي يدعو إلى الله أو الذي يصلح الناس كما أمره الله ، الذي يصلح الناس لئلا يقع تحت طائلة هذه الآية ينبغي أن يجمع بين الترغيب و الترهيب ، ثم إن الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾

[ سورة الشرح: 6]

5 ـ التيسير لا التعسير :

 و يقول الله عز وجل:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾

[ سورة البقرة : 185]

 يسِّر و لا تعسِّر ، يقول عليه الصلاة و السلام:

((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا))

[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 قصة قرأتها في كتاب قد تنفر الناس دعها:

((يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا . . .))

[البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 هذا الذي يقول: الصحابة الكرام شربوا دم حجامة النبي و فعلوا و فعلوا ، ألا تجد في سيرة النبي التي تهز النفس من أعماقها ألا تجد في شمائله وفي كرمه و في رحمته و في حلمه ما يغنيك عن مثل هذه القصص؟ سكنوا و لا تنفروا ، بشروا ولا تنفروا ، يسروا و لا تعسروا ، يقول لصحابيين جليلين ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ قَالَ:

((يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا))

[البخاري عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 قال تعالى:

﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾

[سورة الأنفال : 46]

 تطاوعا و لا تختلفا ، إذًا إن أردت أن تصلح الآخرين يجب أن ترغّب و يجب أن ترهب ، يجب أن تيسر لا أن تعسر .

6 ـ التدرج :

 ثم إن الله عز وجل يعلمنا التدرج ، كيف حرّم الخمر ، أول آية فيها إشارة إلى أن الخمر رزق ليس حسناً ، قوله تعالى:

﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾

[سورة النحل: 67]

 أن تأكل العنب هذا رزق حسن ، الآية الثانية ، قال تعالى:

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾

[سورة البقرة: 219]

 المعيار الثاني ، الدرجة الثالثة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

[سورة النساء: 43]

 الآية الرابعة:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

[سورة المائدة: 90]

 تعلمْ حكمة الله عز وجل في تحريم الخمر ، إن أردت أن تهدي إنساناً إلى الله و رأيت في يده خاتم ذهب و هو لا يصلي أصلاً ، و لا يعرف الله أصلاً ، عرِّفه بالله أولاً ، عرِّفه بآياته ثانياً ، تدرَّج به إلى أن تحمله على طاعة الله عز وجل ، تدرج به بحكمة واتبعْ منهج القرآن الكريم .
 أيها الأخوة الكرام ؛ إن أردت أن تصلح الناس رغِّب و رهِّب ، يسِّر و لا تعسِّر ، تدرَّج دون حمل هذا المدعو على رفض الدين كله ، من دون حكمة ومن دون فقه .

7 ـ التفهيم لا التلقين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ماذا يقول سيدنا لقمان الحكيم؟

﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ﴾

[ سورة لقمان : 16]

 هذا تفهيم ، فهِّم و لا تلقِّن ، أعد الكلام ثلاثاً كما يعيده النبي عليه الصلاة و السلام، تكلم ببطء و هدوء ، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ))

[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ]

 و كان عليه الصلاة و السلام يكثر من ضرب الأمثال للتوضيح .

8 ـ مخاطبة القلب و العقل معاً :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الذي أمامك إنسان له عقل و له قلب ، إن أردت إصلاحه ينبغي أن تخاطب عقله تارة ، وأن تخاطب قلبه تارة أخرى ، فالله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

[ سورة الانفطار : 6]

 هو يخاطب قلبه ، قال تعالى:

﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾

[ سورة الانفطار : 7]

 يخاطب عقله ، لا تنجح دعوة بمخاطبة العقل وحده كما أنه لا تنجح دعوة بمخاطبة القلب وحده ، لا بد من أن تخاطب العقل أولاً و القلب ثانياً أو أن تجمع بينهما .

 

إصلاح الناس فرض عين على كل مسلم :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الكلمة الطيبة النابعة من الكتاب و السنة الصادقة المخلصة الحكيمة مع القدوة الحسنة ، مع الإحسان ، مع الترغيب و الترهيب ، مع التيسير لا التعسير ، مع التدرج لا الطفرة ، مع التفهيم لا التلقين ، مع مخاطبة العقل و القلب معا ، ملامح إصلاح الناس ، و إصلاح الناس فرض عين على كل مسلم:

((مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ))

[مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 و يكفيك أن الله عز وجل يقول:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان : 52]

 عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

[البخاري عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 لا بد من أن تخرج من ذاتك إلى إصلاح غيرك ، في حدود ما تعلم ، و مع من تعرف ، وهي فرض عين على كل مسلم ، ألست متَّبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يقول الله عز وجل:

﴿إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[ سورة يوسف: 108 ]

 إن كنت متبعاً لرسول الله لا بد من أن تدعو على بصيرة ، و لكن لا نكلفك أن تكون علَماً كبيراً من أعلام الدين ، في حدود ما تعلم ، و في حدود من تعرف ، عليك بخاصة نفسك ، إذا رأيت شحاً مطاعاً و هوى متبعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فالزم بيتك وأمسك لسانك، و خذ ما تعرف و دع ما تنكر ، و عليك بخاصة نفسك ، جيرانك ، أقرباؤك ، زملاؤك ، أصحابك ، أصدقاؤك ، هؤلاء خاصة النفس .

 

هداية الناس أعظم عمل على الإطلاق :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ما من عمل عند الله يفوق من أن تكون سبباً في هداية الخلق ، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

[ سورة فصلت: 33 ]

 إصلاح الآخرين جزء من نشاط المؤمن ، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في النفس إلا تعبِّر بذاتها عن ذاتها ، بحركة نحو الآخرين ، و قرأت مرة حكمة في مجلة تركت في نفسي أثراً بليغاً:" إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " اخرج من همومك ، اخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق، عندئذ تكن حبيب الحق .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه و عمل لما بعد ا لموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العلاقة بين حركة الإنسان في الحياة و دورة القمر :

 أيها الأخوة الكرام ؛ عَنْ يَزِيدَ بْنِ القَاسِمِ قَال سَمِعْتُ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ:

((أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ ، قُلْتُ: مِنْ أَيِّهِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ لَا يُبَالِي مِنْ أَيِّهِ صَامَ ))

[الترمذي عَنْ يَزِيدَ بْنِ القَاسِمِ]

 و لكن ورد في وصية النبي عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: صم ثلاثة أيام من كل شهر ، فلما سئل عن هذه الأيام الثلاثة عن أبي ذر قال:

((أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَصُومَ مِنْ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ ))

[النسائي عَنْ أَبِي ذَرٍّ]

 سقت هذا الحديث لا لأربط ربطاً محكماً بينه و بين حقيقة علمية وهي أنه ثبت أن هناك علاقة بين حركة الإنسان في الحياة و بين دورة القمر ، جاء باحث و أخذ ملفات دوائر الشرطة في الأيام التي تقابل الأيام البيض ، فوجد أن نسب الحوادث أعلى بكثير من بقية الأيام، ثم إنه في آخر ما قرأت عن علاقة الأحوال النفسية الصعبة بدورة القمر كأنما الإنسان حينما يصوم ثلاثة أيام من كل شهر ، أو هؤلاء الذين يشكون من عصبية المزاج - الليالي البيض أي الثالث عشر و الرابع عشر و الخامس عشر ، الذي يأتي به النبي عليه الصلاة و السلام كما تعلمون ليس من خبرته ، ولا من اجتهاده ، و لا من ثقافته ، و لا من علمه الشخصي ، إنما هو وحي من الله عز وجل- ربما كان هناك علاقة بين دورة القمر و بين اضطراب الإنسان ، فالصيام قد يهدئ من اضطراب النفس و من رعونتها .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، و عافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق و لا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا و لا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا و بين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، و من اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا و لا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا ما لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء و من شماتة الأعداء و من السلب بعد العطاء ، اللهم إنا نعوذ بك أن نضل أو نُضل أو نزِل أو نزَل ، أو أن نجهل أو أن يُجهل علينا ، يا رب العالمين ، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيمن تحب ، يا رب العالمين ، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك ، يا رب العالمين، اللهم وفِّق ولاة المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها لما تحب و ترضى ، اللهم سدد خطاهم ، يا رب العالمين .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018