الدرس : 9 - سورة الحجر - تفسير الآيات 87 – 99 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 9 - سورة الحجر - تفسير الآيات 87 – 99


1987-01-09

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس التاسع من سورة الحجر، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ(87)لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

علاقة الامتننان بإتيان القرآن مع الأمر بالصفح الجميل :

 قال بعض العلماء : لما أمر الله سبحانه وتعالى نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصفح الصفح الجميل ذكره بالنعمة العظمى التي أنعمها عليه، فإذا كنت في نعمة عظمى كان سهلا عليك الصفح الجميل ، فربنا سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ(85)إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ(86)وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ

ما هي المثاني ؟

 ما المثاني ؟
 قال العلماء: المثاني القرآن كله .
 وقال بعضهم: المثاني كتب الله كلها، يؤيد هذا المعنى قوله تعالى :

 

﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ ﴾

( سورة الزمر : 23)

 إذاً المثاني هي القرآن العظيم، ولمَ سمي القرآن العظيم مثاني ؟
 أولاً: المثاني جمع مثنى، مِن الثني والاثنين، وهذا المصدر يشير إلى العدد، أو لمطلق التكرار .

 

ما معنى التكرار في القرآن الكريم ؟

 ما معنى التكرار في القرآن الكريم ؟ كتاب الله سبحانه وتعالى كتاب هداية، لذلك من أجل أن تتوضّح الحقائق، وأن ترسخ المعاني، وأن يتعظ الإنسان، وأن يهتدي به ربما جاء المعنى الواحد في المواضع المتعددة، وهذه صفة من صفات القرآن الكريم، قصة سيدنا موسى وردت في كتاب الله سبع عشرة مرة، معانٍ عديدة وردت في مواضع متعددة، فالتكرار في القرآن الكريم له هدف تربوي،

مقالة السفهاء : تصنيف القرآن بحسب الموضوعات :

 قد يقول قائل: لماذا لا نصنف آيات القرآن تصنيفاً موضوعياً؟ فالآيات التشريعية في فصل، وآيات القصص في فصل إلى آخره، هذا قول سادج، لأن القرآن ليس كتابا علمياً يحتاج إلى تبويب وتقسيم، إنه كتاب هداية .
 هذه النفس البشرية تأتي بعض آيات فتصف لها عظمة الله سبحانه وتعالى، وآيات تقص عليها أحوال الذين عرفوا الله، وكيف أكرمهم الله في الدنيا والآخرة، ثم الذين أعرضوا عن الله عز وجل، ثم طريق الإيمان إلى الله عز وجل، فهناك حركة نفسية، وهناك تموَّج نفسي، لا بدّ من آية كونية تعظم بها المولى جلّ وعلا، ولا بدّ من قصة تجسد لك هذه القيم، ولا بدّ من تحذير يبين لك مغبة الانحراف عن كتاب الله .
 فالقرآن الكريم فيه تنويع آيات كونية، مشاهد من يوم القيامة، قصص، وعبر، وأمثال، تشريعات، قوانين، ومبادئ، فالذي يقول : ليت القرآن الكريم قد بُوّب أو جمعت موضوعاته بحسب أنواعها، فالجواب : لا، لأن القرآن الكريم كتاب هداية، وكذلك لو قال قائل : إن هذه القصة وردت في أماكن عدة :
 أولاً: وردت في أماكن عدة كي تفعل هذه الأماكن العدة فعلها في نفس القارئ، فترسخ المعني، وتثبت القيم .
 وثانياً: من أدراك أن هذه القصة كلما وردت في كتاب الله عرضت من زاوية خاصة ؟ ولو ذهبت لتوازن بين طريقة عرض القصة في كل موضع لأخذك العجب العجاب .
 إن القرآن الكريم سماه الله سبحانه وتعالى مثاني، من التثنية أو التكرار، والتكرار له هدف تربوي .

كلُّ كتاب إلى زوال سوى القرآن :

 شيء آخر، أيّ كتاب يؤلف فلا بدّ من أن يندثر، أو أن ينقطع، أو أن يهمل، لكن هذا الكتاب، القرآن الكريم فيه صفة الاستمرار والتجدد، ومعنى الاستمرار والتجدد مما توحي به كلمة المثاني، يعني يتكرر ويتجدد، وكلما زدته ذكراً زادك معنىً، لا يبلى على كثرة التكرار، عَنْ الْحَارِثِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلَا تَرَى أَنَّ النَّاسَ قَدْ خَاضُوا فِي الْأَحَادِيثِ؟ قَالَ: وَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( أَلَا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، فَقُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ ﴾، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هَدَى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ))

[ الترمذي وأحمد ]

 كلما قرأته رأيته جديداً، كلما قرأته عرفت منه معاني لم تكن تعلمها من قبل، وهذه صفة ثابتة في كتاب الله سبحانه وتعالى، آياته لا تندثر، ولا تنقطع، ولا تنسى، ولا تلغى، ولا تعطل، هو كلام مستمر متجدد، كلما قرأته رأيته جديداً، أي شيء آخر اقرأه مرات عديدة تمل منه، وتسأم وتضجر منه، أي كتاب أعجبك لمؤلف من بني البشر اقرأه مرتين تشعر أنك قد أشبعت منه، اقرأه ثلاثاً تضجر منه، أما كتاب الله لو تلوت آياته آناء الليل وأطراف النهار طوال حياتك فلا تمل منه، لأنه مثاني، كلما زدته قراءة زادك معنىً، كلما عدت إليه انكشفت لك معانٍ لم تكن تعرفها من قبل، إنه مستمر متجدد، لا ينقطع، لا يتعطل، لا يلغى .

 

من معاني المثاني : التجدد حالا بعد حال :

 شيء آخر، قال بعض العلماء : من معاني المثاني أنه يتجدد حالاً بعد حال، كلما جدّ ظرف جديد، أو مشكلة جديدة، أو موضوع خاص رأيت آية في كتاب الله تغطي هذه الحالة، كلما سمعت خبراً، أو ألمت بك ملمة، أو ظهر حدث في العالم وجدت في القرآن الكريم ما يغطي هذا الحدث، إنه يغطي كل جديد .

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ﴾

( سورة النحل : 8)

 الآن في الدنيا طائرات، وفيها سفن ضخمة جداً، وقطارات سريعة جداً، ومركبات فخمة، قال :

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة النحل : 8)

 هو متجدد، كلما زدته ذكراً زادك معنىً، ويغطي كل جديد.

 

﴿ لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

( سورة يس )

 قال العلماء : هذا وصف لنظام ينتظم الكون كله، بدءاً من الذرة وانتهاء بالمجرة .

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾

( سورة يس )

 اكتشف العلماء أن في الفضاء منطقة تعيد الأمواج الكهرطيسية إلى الأرض، قال تعالى :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

( سورة الطارق)

 واكتشف العلماء أيضاً أن كل كوكب في الكون له مدار ومسار وفلك، وهذا الفلك بيضوي أو دائري، إذاً في حركته لا بدّ من أن يعود إلى مكانه الأول، وهذه صفة تنتظم الأجرام السماوية كلها، قال تعالى :

﴿ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾

( سورة الطارق)

 كلما زدته ذكراً زادك معرفة، لا تبلى جدّته، ولا يُمحى لا ينسى، يغطي كل جديد، لذلك قال الإمام علي كرم الله وجهه : << في القرآن الكريم آيات لما تفسر بعد >>، مع تقدم العلوم قد يكتشف العلم تفسيراً دقيقاً لهذه الآيات .
إذاً: من معاني المثاني التكرار، والتجدد والاستمرار، والانتقال من حال إلى حال .

المثاني : تكرار الألفاظ والمواعظ و القصص :

 بعضهم قال : تتكرر ألفاظه ومواعظه وقصصه، كل هذا الكلام يؤخذ من قوله تعالى :

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ﴾

المثاني : الانثناء :

 والمعنى الآخر للمثاني : هو الثني والانثناء، يعني كل آية تنثني على أختها لتوضحها، فالقرآن يفسر بعضه بعضاً، يوضح بعضه بعضاً، يدعم بعضه بعضاً، هذه خاصة في كتاب الله، مثلاً :

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

(سورة الحجر : 85)

ما هو الحق ؟

 ما تعريف الحق ؟ من آية أخرى :

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 إذاً الحق ضد اللعب .

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ﴾

( سورة ص : 27)

 إذاً الحق ضد الباطل، الباطل الشيء المؤقت الطارئ الزائل الزاهق، واللعب الشيء الذي لا جدوى منه، فآيتان فسرتا هذه الآية .

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

( سورة طه )

 قد ينصرف ذهن القارئ إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام كأنه يتمنى ما عند أهل الدنيا، الآية نفسها في سورة الحجر :

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾

 هو لا يتمنى أن يكون مثله، بل هو يحزن عليهم، هذه الآية وضحت هذه الآية، وضربُ الأمثال حول هذا الموضوع أمر يطول، لكنه من صفات كتاب الله عز وجل أنه مثاني، يعني كل آية تنثني على أختها، توضحها، وتبينها، وتزيل الغموض عنها .

من معاني المثاني : الثناء :

 المعنى الثالث : هو الثناء، إما من التثنية التكرار، أو من الانثناء والليّ والانعطاف، أو من الثناء .
 قال بعض المفسرين: يظهر منه، أي: من القرآن الكريم ما يدعو إلى الثناء عليه، تقرؤه فتثني على هذا الكتاب، وعلى من يتلوه، وعلى من يتعلمه، وعلى من يعلمه، وعلى من يعمل به، فإن قرأته، إن تعلمت أحكامه، إن علمته، إن عملت به، أي علاقة لك به تصبح موضع ثناء بين الناس، أهل القرآن أهل الله عز وجل .

القرآن ثناء على الله :

 معنى آخر مشتق من المعنى الثالث: وهو أن في القرآن الكريم ثناء على الله سبحانه وتعالى :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة الملك )

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

 مثني فيه على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى، فكلما قرأت هذه الآية :

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ﴾

 فإما من التكرار، التكرار التربوي والتجدد، وأنك لا تمل قراءته، ولا يبلى، ولا تسأم منه، ولا تنتهي معانيه .

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا ﴾

( سورة الكهف )

خلاصة معاني المثاني ؟

 من أوجه تفسيرات هذه الآية يعني شرح الكلمات، الكلمات محدودة في هذا الكتاب، لكن شرح آيات الله لو أن البحر كله كان حبراً لشرح كلمات الله لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي .
 إذاً : مثاني، لا تسأمه، بل يتجدد، وتأتيك معانٍ لم تكن تعرفها، ويغطي كل جديد، هذا أول قسم .
 المعنى الثاني: أن كل آية تنثني على أختها لتوضحها، وقد ضربت لكم بعض الأمثلة .
 والمعنى الثالث: أن كل من قرأه، أو جوده، أو تلاه حق تلاوته، أو علمه للناس، أو تعلمه، أو عمل به فهو موضع ثناء من الله عز وجل، ومن الخَلق، أو أن الله سبحانه وتعالى أثنى به على نفسه .

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ﴾

ما هي السبع المثاني ؟

1 ـ  الآيات السبع من سورة الفاتحة :

 من أوجه تفسيرات السبع الفاتحة، لأنها سبع آيات بما فيها البسملة :

﴿ بِاِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(1)الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(2)الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ(3)مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ(4)إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

 سبع آيات، قال بعض العلماء: جمع القرآن في الفاتحة، وجمعت الفاتحة في :

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾

 خلاصة الخلاصة: خلَقك كي تعبده، ويؤكد هذا المعنى قول النبي عليه الصلاة والسلام، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ ))

[ البخاري ]

 وفي رواية الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ ـ أي الفاتحة ـ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي ))

 النبي عليه الصلاة والسلام يشرح السبع المثاني :

(( الْحَمْدُ لِلَّهِ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي ))

2 ـ  الأمر والنهي الوعد والوعيد والأمثال والأنباء والبشارة والنذارة:

 وبعضهم قال : السبع المثاني ما في القرآن الكريم من أمر ونهي، وتحذير وتوعد، وأمثال، ونعم وأنباء، لكن التفسير الأول هو أوجه التفسيرات .

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ﴾

 سبعُ آياتٍ جمع القرآن كله فيها، والمثاني صفة لكتاب الله الكريم .

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ

﴿ وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾

 هذه الواو ليس لعطف المتغايرين، بل لعطف الصفة على الموصوف .

 

﴿ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى ﴾

( سورة البقرة )

 لعطف الصفة على الموصوف .

 

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي ﴾

 وهذه المثاني هي القرآن العظيم، عطف الصفة على الموصوف .

 

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنْ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ(87)لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾

لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ

 هذه في الحجر، أما في طه :

 

﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

( سورة طه)

مقتضى الصفح الجميل عدم الالتفات إلى الدنيا :

 قال بعض العلماء : يقتضي الصفح الجميل ألا تنظر إلى حياتهم، وإلى ما عندهم، وألا تحزن عليهم، وأن تكون نذيراً لهم، وأن تخفض جناحك للمؤمنين .
 في هذه الآية أمران ونهيان، وقد فسرت معنى الصفح الجميل، الصفح الجميل يقتضي :

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88)وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾

 هذا بعض أقوال العلماء في تفسير هذه الآية .

بين مدِّ العين ومدّ البصر :

 وقال بعضهم: ولا تمدن عينيك، الإنسان يمد بصره، أما أن يمد عينه فصورة غريبة، صورة وعبرة فيها خيال، لا تمدن عينيك، تصور أن رجلاً خرجت عيناه من مكانهما تتبعان شيئاً، هذا منتهى الاهتمام .

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾

 قال بعضهم: هذا نهي عن أصل النظر، بالإضافة إلى مدّ النظر، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إياك وفضول النظر فإنه يبدر الهوى ))

[ ورد في الأثر]

 وهو التأمل فيما عند الناس من بيوت ومركبات ومحلات من بساتين من حدائق .

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾

النهي عن مد البصر دليل على عدم التعلق بالدنيا :

 قال بعضهم : عدم التعلق، والرغبة بما في أيدي الكفار كالمال والشوكة، أي : القوة، والسمعة، أي: الصيت، وفي الآية نهي الرجل أن يتمنى ما عند صاحبه .

ملخص الآية :

 ملخص الآية أن الله عز وجل ينهانا نحن من خلال خطابه لنبيه عليه الصلاة والسلام، وهذه الطريقة فيها مغزى، لكيلا تظن أنك متهم كان هذا النهي عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم، كيف أن السيدة عائشة رضي الله عنها تكلم الناس في حقها، وهي بريئة، لتكون مثلاً وأسوة وتسلية لكل امرأة تأتي بعدها يتكلم الناس عنها بالباطل، وهي بريئة، كذلك أراد الله سبحانه وتعالى أن ينهانا عن أن يتمنى أحدنا ما عند صاحبه .
 أيها المؤمن بهذه الآية منهي أن تقول: ليت عندي مثل هذا البيت الذي لفلان، ليت لي مثل هذا المحل التجاري، ليت لي مثل هذه المركبة، ليت وليت، نهي قاطع أن يتمنى أحدنا ما عند صاحبه، هذا هو الأدب، ليس بالإمكان أبدع مما كان، ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني، هذا الذي أقامك الله فيه هو عين الكمال بحقك، ولو كنت أستحق فوق ذلك لأعطاني الله عز وجل، ولكن الله حكيم وعادل في الوقت نفسه .

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾

المتعة شيء طارئ زائل :

 أما الأزواج، أما ما متعنا به، الآية دقيقة جداً، ليس ما أعطينا هو عين العطاء، لأن عطاء الله لا يسلب، الله ما سماه عطاء، بل سماه متعة، والمتعة الشيء الموقت .

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

( سورة الحديد )

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْمُحْضَرِينَ ﴾

( سورة القصص)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

( سورة التوبة )

 كلمة

( متعة )

 تعني الشيء الطارئ، الشيء السريع الزوال، وشيك الانقلاب والتحول، سنوات معدودة .

﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ﴾

( سورة الكهف )

 اسأل نفسك كيف أمضيت هذه السنوات الثلاثين؟ تقول: ما شعرت كيف مضت، وهذه الدنيا متاع الغرور، لا يستمتع بها إلا المغرور، إلا الساذج، إلا المحدود ضيق الأفق، الغبي يراها شيئاً ثميناً .

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾

معنى أزواجا منهم :

 ( أزواجاً منهم )، لها معانٍ عديدة، أوجه هذه المعاني أن هذا الإنسان لشدة تعلقه بالدنيا صار زوجاً لها وهي زوجة له، هذا متعلق بالمال، فهما زوجان، المال يسري في دمه، وفي هواجسه وخواطره وخططه، إذاً هو زوج للدنيا، وهي زوجٌ له، وهما زوجان، وهذا يتعلق بالملذات الرخيصة، فهي كل شيء في حياته، وهذا يتعلق بنسائها، وهذا بشوكتها، وهذا بسمعتها، على كل أزواجاً منهم .

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ﴾

 أنت كونك مؤمنًا فهذه الآية لنا، إذا رأيت بيتاً فخماً، أو أثاثاً فخماً، أو رأيت محلاً تجارياً في موقع ممتاز، وله أرباح طائلة، إياك أن تقول في نفسك : ليتني مكان فلان، هذا التمني يتناقض مع إيمانك .

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾

( سورة القصص )

 لذلك :

﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ ﴾

وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ

المعنى الأول :

 لا تحزن على عدم إيمانهم :

 لا تحزن عليهم يا محمد إن لم يؤمنوا، السبب لأنهم اختاروا هذا، ولأنهم مخيرون، اختيارهم ليس خاضع لاختيارك، هم مستقلون عنك بالاختيار، ولا تحزن عليهم هذا الذي أرادوه .

المعنى الثاني :

 لا تحزن عليهم إذا واجهوا العذاب :

 المعنى الثاني : ولا تحزن عليهم إذا واجهوا العذاب، لأن عذاب الله لهم مما تقتضيه عدالته، فإذا قتل رجل رجلاً ظلماً وعدواناً، وسيق إلى المحاكمة، وحكم عليه بالإعدام، وسيق إلى المشنقة هل تحزن عليه ؟ هذا مما تقتضيه العدالة، لا تحزن عليهم إن لم يؤمنوا، ولا تحزن عليهم إن عذبهم الله عز وجل، فهذا العذاب مما تقتضيه عدالة الله سبحانه وتعالى .
 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي من الدنيا أفضل مما أوتي فقد حقر ما عظم الله ))

[ ورد في الأثر ]

 إذا منّ الله عليك بحضور مجالس العلم، وتعرفت إلى الله خالق السماوات والأرض، وعرفت أسماءه الحسنى، عرفت كتابه، عرفت القواعد الثابتة التي يعامل بها خلقه، واستقمت على أمره، وسعدت بقربه، ثم تقول : ليس عندي بيت أسكنه، فهذا ليس لك، يا سبحان الله ! .
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ))

[ متفق عليه ]

 التغني من معانيه الخاصة الذي يستغني بكتاب الله عز وجل عن كل شيء، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(( القرآن غنىً لا فقر بعده ))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس ]

 إذا وعيت القرآن فإنك لا ترى أحداً أسعد منك، ولا ترى أحداً أوتي خيراً مما أوتيت، ولا ترى أحداً أفضل منك إلا أن يكون أتقى منك، أتشتهي أن يكون عندك ما عند أهل الدنيا من متع من مال عريض ؟ لا والله، لأنك وعيت القرآن، واغتنيت به، هذا حال المؤمن الحق،

(( القرآن غنىً لا فقر بعده ))

[ السيوطي في الجامع الصغير عن أنس ]

 لو جمعت مال الدنيا، ولم تعرف كتاب الله، أو لم تهتدِ إلى الله فهذا ليس غنىً .

﴿ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾

( سورة الفجر : 15)

 هو قال هذا، كلا ليس عطائي إكراماً، ولا منعي حرماناً، إنما عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، لذلك لا ينبغي للمؤمن أن يهتم بما عند أهل الدنيا، أن يسأله : من أين اشتريت هذه ؟ وكم ثمنها ؟ يا الله ما أجملها ! ليس هذا من أخلاق المؤمن، أنت فوق ذلك، هناك شيء يعنيك فوق ذلك، لا ينبغي أن يهتم بما عند أهل الدنيا وألا يستجمل ما عندهم، ولا أن يتمنى ما عندهم، لأن ما عندهم ظل زائل، وعارية مستردة، وما دام هذا القلب يخفق فهذا البيت لهم، فإذا توقف القلب عن الخفقان فإن مصيرنا جميعاً إلى القبر، والقبر نستوي فيه جميعاً، أغنى الأغنياء يستوي في القبر مع أفقر الفقراء، لا تطمع بزخارف الدنيا، وعندك معالم الموالى، كلام الله تحفظه، وتفهمه، وتطبقه، وتعمل به، وتعلمه، وتقول : ليس عندي هذا .
 إن من صفات الأولياء الصالحين ما قرأته عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط، يقول الواحد منا : ما اشتريت بيتاً، فلانة خطبتها، وترددت، ثم أخذها غيري، والله كانت خير زوجة، بقيت حرقة في قلبي إلى الموت، لا تقل هذا، فإن من صفات الأولياء الصالحين أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا قط، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( ... احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ : لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ، وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم ]

 ليس في قاموس المؤمن كلمة( لو )، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان، لا تحزن عليهم، يا محمد :

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

(سورة البقرة 272)

 لا تحزن عليهم إن عذبهم الله عز وجل، لأن هذا العذاب مما تقتضيه العدالة .
 إذاً: الله سبحانه وتعالى في هذه الآية نهانا عن أن نتمنى ما عند غيرنا من خلال نهي النبي عليه الصلاة والسلام تطييباً لخواطرنا .

وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 قال عليه الصلاة والسلام :

(( تواضعوا لمن تعلمونه ))

[ السيوطي في الجامع الصغير ]

لابد من التواضع للمؤمنين :

 يجب أن تخفض جناحك لهم، يجب أن تحبهم، يجب أن يعنيك ما يعنيهم، يجب أن تقلق لمصابهم، يجب أن تعيش مشكلاتهم، يجب أن تسعى لرفعتهم، يجب أن تكرمهم إذا أردت أن تهديهم إلى الله عز وجل، أما أن تحدثهم فقط فهم شبعوا كلاماً، وأما أن تلقي عليهم مواعظ فقط، وأنت لا تتعظ بها فإنهم يكشفونك على حقيقتك

 

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 كن متواضعاً لهم، زر مريضهم، صِل مسكينهم، أعِن ضعيفهم .
 عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ :

(( أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَكَلَّمَهُ، فَجَعَلَ تُرْعَدُ فَرَائِصُهُ، فَقَالَ لَهُ : هَوِّنْ عَلَيْكَ، فَإِنِّي لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّمَا أَنَا ابْنُ امْرَأَةٍ تَأْكُلُ الْقَدِيدَ ))

[ ابن ماجه ]

 كان مع أصحابه في مكة، فأرادوا أن يذبحوا شاة، قال أحدهم :

(( علي ذبحها، وقال الثاني: علي سلخها، وقال الثالث: علي طبخها، وقال عليه الصلاة والسلام: وعلي جمع الحطب، فقيل له: يا رسول الله، نحن نكفيك ذلك، قال: أعرف ذلك، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أحد من أقرانه ))

[ ورد في الأثر ]

 يوم غزوة بدر الرواحل قليلة فأعطى النبي عليه الصلاة والسلام أمراً أن يركب كل ثلاثة على راحلة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ :

(( كُنَّا فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ مِنَّا عَلَى بَعِيرٍ، كَانَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا كَانَ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَا: ارْكَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ، فَيَقُولُ: مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى عَلَى الْمَشْيِ مِنِّي، وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنْ الْأَجْرِ مِنْكُمَا ))

[ أحمد ]

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 إذا أردت أن تهديهم، إذا أردت أن تفتح قلوبهم فاخفض لهم جناحك وواسهم، اسألهم عن مشكلاتهم، عن أعمالهم، عن أولادهم، كيف يعنيك ما يعنيهم وأنت بعيد عنهم؟

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

خفض الجناح كناية عن التواضع والرأفة والرحمة :

 هذا كناية عن التواضع، عن الرأفة، عن الرحمة، جاءته فعَنْ عَائِشَةُ قَالَتْ :

(( تَبَارَكَ الَّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ كُلَّ شَيْءٍ، إِنِّي لَأَسْمَعُ كَلَامَ خَوْلَةَ بِنْتِ ثَعْلَبَةَ، وَيَخْفَى عَلَيَّ بَعْضُهُ، وَهِيَ تَشْتَكِي زَوْجَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَكَلَ شَبَابِي، وَنَثَرْتُ لَهُ بَطْنِي، حَتَّى إِذَا كَبِرَتْ سِنِّي، وَانْقَطَعَ وَلَدِي ظَاهَرَ مِنِّي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْكُو إِلَيْكَ، فَمَا بَرِحَتْ حَتَّى نَزَلَ جِبْرَائِيلُ بِهَؤُلَاءِ الْآيَاتِ:

﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ﴾))

 

[ ابن ماجه ]

 إذا لم تحس بمشكلات إخوانك المسلمين فلست مسلماً، امرأة تشكو إليه زوجها، ووقف النبي عليه الصلاة والسلام يستمع إليها .
 استوقفته امرأة في الطريق فوقف معها طويلاً يستمع إليها .

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ليس في الإسلام استعلاء، وليس في الإسلام كبر ولا انزواء، الإسلام دين الفطرة، دين المحبة، دين التعاون

﴿ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾

وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِين

 لأن الناس منحرفون عن طريق الحق، وهنا لم يقل: إني أنا البشير، بل قال :

﴿ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ﴾

 لأن الانحراف يقتضيه الإنذار .

﴿ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ ﴾

كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ

الاقتسام على مخالفة الأنبياء وإطفاء نور الحق :

 هؤلاء الذين أقسموا، واتفقوا على القسم على أن يخالفوا الأنبياء، اجتمعوا، واتفقوا على أن يطفئوا نور هذه الدعوة، في كل زمان ومكان .

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾

( سورة الأنعام)

 المقتسمون الذين أقسموا فيما بينهم على أن يطفئوا دعوة الحق في كل عصر .

﴿ كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمْ الْقَرْحُ

معنى ( عضين )ودلالته :

 عضين جمع، ومفرده عضة، يعني قطعوه، وقالوا : هذا سحر، وهذه أخبار مأخوذة عن بني إسرائيل، وهذا كهانة، وهذا نرفضه، وهذا نقبله، هذا يعجبنا، وهذا لا يعجبنا، هذا لا يتناسب مع هذا العصر، كل من يقبل منه شيئاً، ويرد منه شيئاً فقد جعله عضين، مثل الإنسان الذي يقول: أنا أريد الرأس فقط، لما قطعت الرأس انتهى ومات،هناك علاقة عضوية، علاقة حيوية بين أجزائك.
 فهؤلاء المقتسمون الذين أقسموا أن يطفئوا نور الله عز وجل، أن يطفئوا هذه الدعوة، هؤلاء فرقوا هذا الكتاب، هذا القرآن فيه أخبار مأخوذة من فلان، فيه قصص مأخوذة من بني إسرائيل، هنا فيه سحر، هنا فيه كهانة .
 وقال بعضهم: الذين آمنوا ببعضه، وكفروا ببعض هم الذين جعلوه عضين .
 بعضهم: اليهود والنصارى، قسموا كتبهم، وحوروها، وغيروها، وبدلوها .

العضة هو البهتان والكذب :

 وقال بعضهم : العضة الكذب والبهتان، الذين كذبوا به كلياً، وقالوا: هذا ليس من كلام الله، هذا من كلام البشر، هذا من اختراع البشر، هذا من كلام محمد عليه الصلاة والسلام ، محمد عليه الصلاة والسلام عبقري .

﴿ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ ﴾

 وقالوا : هذه الآية معقولة، وهذه غير معقولة، ولا تتماشى مع هذا الزمان .
 هؤلاء المقتسمون الذين أقسموا أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، هؤلاء أنفسهم جعلوا القرآن عضين، إما أنهم جعلوه خرافة، وسحراً، أو بهتاناً، وكذباً، وإما أنهم فرقوا بين آياته، فقبلوا بعضها، ورفضوا البعض الآخر .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون

 لا يخفى عليكم أنه مما يقتضيه السؤال الجزاء، سؤال مع الجزاء .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

الموقف العظيم : سؤال الله لعبده يوم القيامة عن كل شيء :

 قال عليه الصلاة والسلام: يقول الله عز وجل للرجل يوم القيامة :

(( ماذا غرك مني بي ؟ ماذا عملت فيما علمت ؟ ماذا أجبت المرسلين ؟ ))

[ ورد في الأثر ]

 الآن هناك تسريب أسئلة، هناك أسئلة سوف نسأل عنها: ماذا أجبت المرسلين؟ ماذا عملت بما علمت ؟ ما الذي غرك بي ؟ قلت : إن الله لا يحاسبني، ما الذي جعلك تغتر بي ؟ الشيطان أم الدنيا، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ؟ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ ))

[ الترمذي ]

 لا بدّ أن تسأل: لم فعلت؟ ولم لم تفعل؟ الشيء الذي فعلته لمَ فعلته؟ الذي لم تفعله لمَ لمْ تفعله؟
 الله عز وجل لن يسألك: هل فعلت هذا؟ لأنه يعلم ما فعلت، هذا السؤال غير موجود، سيدنا عمر قال: << هل صحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح؟ الإنسان يسأل: أفعلت هذا أم لم تفعل؟ لكن الله عز وجل يعلم ما نفعل، سؤاله فقط: لمَ فعلت هذا ؟
 إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه، وعن الفتيل، فإذا سحب الرجل خيطاً من قماش يتسلى فَنَسَله فيسأل: لمَ نَسَلَه ؟
 عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ :

(( بَعَثَنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعِيًا ثُمَّ قَالَ : انْطَلِقْ أَبَا مَسْعُودٍ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَجِيءُ وَعَلَى ظَهْرِكَ بَعِيرٌ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَهُ رُغَاءٌ قَدْ غَلَلْتَهُ، قَالَ : إِذًا لَا أَنْطَلِقُ، قَالَ : إِذًا لَا أُكْرِهُكَ ))

[ أبو داود ]

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ

النبي عليه الصلاة والسلام يتمثل هذه الآية :

 كان عليه الصلاة والسلام يتمثل هذه الآية :

﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ ﴾

 اجهر بالحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، لا تنظر إليهم، ولا تخف منهم، ولا يشغلك أمرهم .

﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ(94)إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾

 

إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ

المستهزئ بالدين مآله القصم :

 هذا الذي يستهزئ بدين الله عز وجل لا بدّ من أن يقصمه الله عز وجل، وهذا في كل زمان ومكان .
 يروى أن رجلاً أراد أن يستهزئ بدين الله فسمى ابنه الله، وقعت هذه الحادثة في عهد النبي ، فنزلت عليه صاعقة فأحرقته وحده .

﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾

 إياك أيها العبد أن تكون في صف المستهزئين، لأن المستهزئ يقصمه الله عز وجل، ويجعله عبرة لمن يعتبر .

﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ(95)الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾

الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

المعبودات من دون الله لا تملك نفعا ولا ضرا :

 يعبد بعضهم بعضاً، يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، يعزون النفع والضر إلى بعضهم، مع أن النافع هو الله، والضارّ هو الله، يضر لينفع، ويمنع ليعطي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز، هو الضار النافع، المعطي المانع، الرافع المذل، الذي لا إله إلا هو .

 

﴿ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(96)وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ﴾

ماذا تفعل إذا ضاق صدرك بقول الكفار ؟

 إذا قعد الإنسان مع منكِر كافر عنيد يستمع إلى حديثه السخيف الذي فيه اعتراض على الله عز وجل، فيه استهزاء بالقيم الدينية، وفيه تعالٍ وتطاول، فإنه يضيق ذرعاً به، فماذا يفعل عقب ذلك ؟

﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(97)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ ﴾

1 ـ تسبيح الله :

 كلما ضاق صدرك يا محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ سبح بحمد ربك، لذلك عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى ))

[ أبو داود، أحمد ]

 هذه سنة، سمعت خبراً مزعجاً، إنسان دس في قلبك شيئاً، رأيت شبح مصيبة قادماً عليك فبادر إلى الصلاة، اسجد ، وقل : يا رب، ليس لي إلا أنت، أنت وليّي في الدنيا والآخرة، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين .

﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ(87)فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾

(سورة الأنبياء)

﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ ﴾

2 ـ الصلاة :

لماذا سمَّى الله الصلاة سجودا ؟

 بعضهم قال : كن من المصلين، لكن الله عز وجل سمى الصلاة سجوداً، لأن أشرف جزء في الصلاة هو السجود، ما أوحى الله إليه أن اجمع المال، وكن من المترفين، بل أوحى إليه أن :

﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ ﴾

 إذاً: كن من المصلين، غير الفرائض الخمسة، كلما ضاق صدرك مما يقولون بادر إلى الصلاة، وكن من الساجدين .
 لكن آخر آية :

وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

المعنى الأول : اليقين هو الموت :

 بإجماع العلماء أن اليقين هو الموت، لمَ لمْ يقل الله عز وجل : واعبد ربك حتى يأتيك الموت ؟ كلمة اليقين التي تعني الموت، وهي أبلغ من كلمة الموت، سمي الموت يقيناً لأنه متيقن وقوعه، ولا ينجو منه أحد، لا بدّ من أن يموت الإنسان، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت .

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾

( سورة آل عمران 185)

المعنى الثاني : عند الموت تعرف اليقين :

 المعنى الثاني لليقين : أنك عند الموت تعرف اليقين، تتيقن من كل هذا الذي سمعته في الدنيا، في الدنيا كان الذي سمعته خبراً فصار عياناً، كان الذي سمعته في الدنيا غيباً فصار شهوداً .
 أحياناً بعض الناس يقول المهندس لرجل: في سقف بيتك شق خطير، هذا يسبب انهيار البناء، إذا انهار البناء صار يقيناً، انقلب كلام المهندس إلى يقين، يقول طبيب لمريض: إن هذا الدخان يسبب جلطة في الدم، فإذا وقعت هذه الجلطة صار كلام الطبيب يقيناً .
 سمي الموت يقينًا لأنه متيقن وقوعه، ولأنه به تنتقل من عالم الغيب إلى عالم الشهود، ومن عالم الظن إلى عالم اليقين .

﴿ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ(1)حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِرَ(2)كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(3)ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ(4)كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ(5)لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ(6)ثُمَّ لَتَرَوْنَهَا عَيْنَ الْيَقِينِ(7)ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنْ النَّعِيمِ ﴾

( سورة التكاثر )

 عند الموت :

 

﴿ لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ ﴾

( سورة ق : 22)

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي(24)فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ(25)وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

( سورة الفجر)

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾

( سورة الفرقان )

 هذا هو اليقين، فاليقين من نوعين لا بدّ من الموت، الموت يقين، وفي الموت أي : عند الموت يظهر اليقين، لكن في الآية دقة بالغة :

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

اليقين هو الذي يأتيك ، ولا تعلم له وقتا :

 اليقين هو الذي يأتيك، أكثر الناس يتوهم أن الموت في التسعينيات، اليقين يأتيه هو، قد يأتيه في الثلاثين، قد يأتيه في العشرين، قد يأتيه وهو يأكل، واليقين يأتيه على أي حال، ليس حتى تأتي اليقين، بل حتى يأتيك اليقين هو يأتيك، ولكن متى؟ لا نعرف، ليلاً أو نهاراً، وأنت في البيت، أو خارج البيت، في شبابك أو في شيخوختك، بعد الزواج أو قبل الزواج، بعد السكنى في البيت، رجل عمّر بيتاً فخماً، وكان مسافراً عاد إلى البيت، فقال : أنا متعب، أرجأ النظر في أجزائه الداخلية إلى أن يستريح، فكانت منيته في هذه الاستراحة، لم ير بقية الغرف .

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

 إياك أن تظن أنك ذاهب إلى الموت في السبعينيات، لا هو آتٍ إليك .
 إذا كان الرجل هاربا، ويلحق به شخص، وأمامه فراغ، والشخص وراءه، فلو أن هذا الذي يتبعه وجده أمامه يصعق، كذلك الموت هو الذي يلاقيك .

﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾

( سورة الجمعة : 8)

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018