الدرس : 7 - سورة الحجر - تفسير الآيات 72 – 84 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة الحجر - تفسير الآيات 72 – 84


1986-12-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون، مع الدرس السابع من سورة الحجر، وصلنا في الدرس الماضي إلى قوله تعالى :

﴿ وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ(67)قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ(68)وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ(69)قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنْ الْعَالَمِينَ(70)قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ(71)لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ

 هذه الآية كلام معترض بين آيتين، في سياق القصة قال الله عز وجل مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم مقسماً بعمره الثمين :

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

كيف يمضي الإنسان عمره الثمين ؟

 فهذا العمر الذي يعيشه الإنسان ستون أو سبعون عاماً، هذا العمر الذي كتبه الله لهذا الإنسان كيف يمضيه ؟
 الأنبياء أمضوا هذا العمر في هداية البشرية، في نقلهم من الضلالة إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، في تخليصهم من عقائد الوثنية، من ضلالات الشرك، من وحول الشهوات، من الخرافات والخزعبلات، وهناك أشخاص منهم هتلر مثلاً عاش عمراً، وانتهى هذا العمر، وترك وراءه خمسين مليون قتيل في الحرب العالمية الثانية، إذا كان لكل قتيل أقرباء يزيدون على خمسة فمئتان وخمسون مليونًا من البشر قد أعطبهم، هذا عمر، فبم يذكر؟ وعمر النبي عليه الصلاة والسلام بهذه السنوات الثلاث والستين التي عاشها أنقذ الناس خلالها من الظلمات إلى النور، من الضلال إلى الهدى، من الانحراف إلى الاستقامة، من الشقاء إلى السعادة، لذلك استحق أن يقسم الله رب السماوات والأرض بعمره الثمين .
 وهذا الكلام لنا علاقة به، هذا العمر الذي وهبنا الله إياه، وأحياه كيف أمضيه؟ ما الموضوعات الكبرى التي تستغرقه؟ كسب المال، تأمين الحاجات، الرفعة بين الناس، أم لك في الحياة رسالة تؤديها؟ ما رسالتك؟ ما الذي يعنيك في الحياة؟ هناك أناس لا تزيد اهتماماتهم على تأمين حاجاتهم، لذلك أحد الشعراء في عهد سيدنا عمر قال بيتاً من الشعر نال به من كرامة بعض الناس فأدبه عمر رضي الله عنه وأدخله السجن بسببه، إذ قال لأحد الأشخاص متهماً إياه باستغراق وقته في الطعام والشراب مجرداً عن المحامد :

دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 من كان اهتمامه لا يزيد على تأمين الطعام والشراب وتامين حاجاته والخلود إلى الراحة والزينة، وما إلى ذلك فإن هذا العمر فارغ وتافه، عش سبعين أو ثمانين أو تسعين، هذه السنوات كلها لا تعني شيئاً إلا إذا كانت عامرة بالخير، إن الله يحب معالي الأمور، ويكره سفسافها ودنيها، اسأل نفسك يا أخي هذا السؤال: أن ماذا فعلت؟ سؤال حرج، حجمك عند الله بحجم عملك، ما العمل الذي تستطيع أن تلقى الله به ؟ ما العمل الذي تستطيع أن تعرضه على الله عز وجل ؟ ماذا فعلت ؟
 لا أنسى مرة حينما حضرت فيها جنازة، وقام أحد العلماء ليؤبّن الميت، فقال: فلان مؤذن فقط، ما تمكن أن يضيف كلمة واحدة، مع أنني أعرف فلاناً رحمه الله كان يحضر معنا أحياناً، كانت حياته مرفهة، وكان دخله كبيراً، وكان يحب أهل العلم، وكان، لكن ماذا فعل ‍؟ هل هدى واحداً؟ هل أنقذ إنساناً؟ هل خلف علماً؟ هل خلف ولداً صالحاً ينتفع الناس به ويدعو له؟ هل ترك صدقة جارية؟ كان على المؤبّن في كلمته أن يذكر قبل هذه الأعمال إن وجدت .
 هذا العمر لفت نظري في هذه الآية كلمة( لعمرك )، الله سبحانه وتعالى في عليائه يقسم بعمر هذا النبي الثمين .

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

 أردت أن أفصل في شرح هذه الآية، هناك عمر تافه، من العمل إلى البيت، يجمع المال، وينفقه على أهله من دون توجيه ولا تربية، ومن دون تأدية رسالة، دينه الدرهم والدينار، فهذا دينه الشهوات، أما هذا فدينه النفع في الأرض، وما إلى ذلك، لذلك فهذا الشخص الذي لا يفعل خيراً لا يساوي عند الله شيئاً، لا تعجب بهؤلاء الفارغين من فعل الخير لا بأموالهم، ولا بأولادهم، ولا ببيوتهم، إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة الدنيا، ولكن اعجب من الذي أمضى حياته في طاعة الله، وفي هداية الخلق، وفي التقرب إلى الحق .

عمر النبي كله خير :

 النبي عليه الصلاة والسلام عاش هذا العمر، ما من كلمة نطق بها، وما من تصرف، وما من سكوت إلا كان له به هدف، حتى إن سكوته تشريع اللهم صلِّ عليه، إذاً نطقه تصرفاته سكوته كله خير ونفع وبر .
 عرَّف علماء الحديث الشريف بأنه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وإقراره، فمثلاً: لو أنه نظر إلى صحابي يفعل شيئاً، وسكت فسكوته تشريع، لأنه إذا سكت فمعنى ذلك أنه أقره على هذا العمل .
 امرأة من خلف الستار كانت تمدح زوجها المتوفى في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، فَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟ قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا ))

[ البخاري ]

 ما سكت عليه الصلاة والسلام، ولو سكت لكان قولها صحيحاً .
 إذاً: هذا النبي الكريم أقواله أفعاله سكوته تصرفاته كلها كانت تشريعاً، جاء إلى الحياة وغادرها، وما أخذ منها شيئاً، لأن الدنيا جيفة طلابها كلابها، والدنيا دار من لا درا له، ولها يسعى من لا عقل له .
 عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

[ الترمذي ]

العمر أثمن شيء :

 هذا الزمان الذي تمضيه هو أثمن ما تملك، فإذا انتهى فلا تملك شيئاً، وحينما تجلس على طاولة في الامتحان العام في صف التخرج، ويتوقف على تخرجك تحقيق آمال عريضة، إن هذه الساعات الثلاث هي وقت مصيري، فإذا أمضيت هذه الساعات في بعض الرسوم التي لا علاقة لها بالسؤال فهذا تضييع للوقت، لأن أثمن ما تملك هو الوقت، وهذا الكلام لكم أيها الإخوة، لأن أثمن شيء تملكونه هو الوقت .
 أحد الصالحين كان يمشي في الطريق فرأى مقهى، ورأى أناساً يقبعون فيه يلعبون النرد، فقال : يا سبحان الله لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريته منهم، المؤمن يتمنى أن يكون النهار خمسين ساعة حتى يحقق طموحه، يتمنى أن يتعلم كل شيء، يتمنى أن يخدم الناس جميعاً، يتمنى أن يصلي كل ليلة قيام الليل، يتمنى أن يحفظ القرآن غيباً، يتمنى أن يفهم التفسير فهماً كافياً، يعني نية المؤمن خير من عمله يحتاج هذا إلى وقت .
 فالوقت أيها الإخوة، أثمن ما تملكونه، بل إن رابعة العدوية رضي الله عنها سئلت : ما الإنسان ؟ فقالت : هو بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه .
 وأنت بين أيام ثلاثة، يوم انقضى لا يعود، ويوم مقبل مغيب عنك، ويوم تعيشه،

ما مضى فات والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

 لك هذه الليلة، والليلة السابقة ليست لك، إن كانت في خير أو كانت في شر، إن أطعت الله فيها مضت، وإن عصيته فيها مضت، لا تندم على ما فات، ولا تقل : غداً، غداً لا تملكه فهو غيب، لا تملك إلا اليوم الذي أنت فيه، لذلك كلما استيقظ الإنسان صبيحة يخاطبه هذا اليوم فيقول : أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود .
 وكلما استيقظ الإنسان من نومه يجب أن يأتي على خاطره ما يلي : لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً أخراً في حياتي، ما دام قد استيقظ، فقد سمح الله به .
 أيها الإخوة الكرام، لي صديق ذهب إلى فراشه الساعة الحادية عشرة، زوجته في الساعة الثانية بعد منتصف الليل مست يدها يده، فإذا هي باردة، فانتفضت من الفراش، فإذا هو ميت .
 إذا استيقظ الإنسان من نومه صباحاً يجب أن يخطر على باله هذا الخاطر: لقد سمح الله لي أن أعيش يوماً آخر، أضيف إلى عمري هذا اليوم ماذا أفعل به؟ راقب نفسك كيف تمضي هذا اليوم؟ قد يمضي بأشياء تافهة، بمشاحنة فارغة، بخصومة سخيفة، بأعمال لا جدوى منها، بحديث فارغ، بجمع مال، بالحديث عن الدنيا وعن حطامها، هذا إذا لم يكن هناك معصية، هذا إذا أمضيت اليوم فيما لا يغضب الله عز وجل فأنت خاسر، فكيف إذا أمضيت اليوم في معصية؟ كيف إذا كنت غافلاً؟ كيف إذا كنت منحرفاً ؟ كيف إذا تجاوزت حدك إلى ما لا يرضي الله عز وجل؟ لذلك في الدعاء: لا بورك لي في يوم لم أزدد فيه من الله قرباً، ولا بورك لي في يوم لم أزدد فيه علماً، والمغبون من تساوى يوماه، ومن لم يكن في زيادة فهو في نقصان .

لا تفوِّت فرصة عمل صالح :

 هذا التوجيه هادف، ولا ينبغي أن ينتهي مع نهاية الدرس، يجب أن تبقى هذه المعاني معكم طوال الأسبوع، هذه شحنة، غداً السبت استيقظت إن شاء الله، ماذا سأفعل اليوم من عمل يرضي الله عز وجل؟ ماذا سأفعل من عمل أدخره لآخرتي، ولما بعد الموت؟ إذا جاء ملك الموت فلسان حالك يقول: يا رب، قدمت هذا العمل، عدت هذا المريض لوجهك، عاونت هذا الفقير رغبة في مرضاتك، جلست في مجلس العلم حتى أتعرف إليك، قرأت القرآن، بررت أمي، خدمت والدي، دعوت إلى الله، أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، إذا استيقظت من منامك فانتبه أن هذا اليوم يوم جديد أضيف إلى عمرك، ولن يعود، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود، أمسك سيدنا عمر تفاحة فقال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت .
 ركبت سيارتك، ورأيت إنساناً يحتاج إلى أن توصله إلى مكان بعيد، ومعك وقت، هذه فرصة لعمل صالح لا تفوت، لك جار مريض عدته، وجدته بحاجة إلى طبيب، فأتيت له بالطبيب، وجدته بحاجة إلى الدواء، فأحضرت له الدواء، هذا عمل تدخره لما بعد الموت .

اعمل لما بعد الموت :

(( الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ ))

 معظم الناس يعملون لما قبل الموت، والمؤمن يعمل لما بعد الموت، إذا كان عملك لما قبل الموت عظيماً فينتهي بالموت، مهما كان عملك عظيماً ينتهي بالموت، مهما تركت من ثروة طائلة تنتهي بالموت .
 يا أهلي يا، ولدي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناءة لكم، والتبعة عليّ .
 فهذا النبي الكريم كما قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم :

(( إنا معشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا ))

[ الجامع الصغير عن عطاء ]

(( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ))

[ الترمذي عن أنس ]

 ما غفل عن الله لحظة، ما نامت عينه، دائم الذكر، دائم الالتجاء، دائم الدعاء، دائم الرجاء، دائم التوكل، دائم التفويض، دائم التسليم، دائم الصبر دائم الشكر، هذا حال النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك استحق أن يقسم الله بعمره الثمين .
 معلوم لدى الجميع أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ سدرة المنتهى، وبلغ المقام المحمود، وكان أكرم الخلق على الحق، لا يحتاج إلى اعتراف بهذا المقام هو غني عن هذا، ولكننا نحن المحتاجون، إذا قلت: إنه أقسم بعمره الثمين فإنك لا تضيف شيئاً إليه، هو هكذا، هذه مرتبته وهذا مقامه، وقد فاز ونجح وكان سيد الخلق وحبيب الحق وانتهى الأمر، لن تضيف شيئاً بكل ما تقول، ولكن الذي يعنيني أنت الذي تعيش، الذي بين جوانحك قلب ينبض، أنت المعني كيف تمضي هذا العمر ؟ كيف أتحضر مجالس العلم ! أمجلس العلم أغلى عليك من كل شيء ! معنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى عظيم عندك .
 أيها الإخوة الأكارم، هناك عمر تافه، وهناك عمر مليء بالشر والتجاوزات والطغيان، وهناك عمر مليء بالخيرات .
 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ ؟ قَالَ : مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[ الترمذي ]

 الذي أحب أن أقوله لكم، والحقيقة مرة دائماً، والأسئلة محرجة: اسأل نفسك: ما هو عملي الذي ألقى الله عليه؟ ما هو عملي الذي أدخره لآخرتي؟ ما العمل الذي يمكنني أن أعرضه على الله عز وجل؟ إذا كان مقامي عند الله عز وجل بحجم عملي فما هو عملي؟ هل تظن أنك إذا حضرت مجلس العلم، ولم تكن في مستواه أنك فعلت شيئاً عظيماً! ولكن ماذا فعلت من أجلي؟ هكذا في الحديث الشريف، هل واليت في ولياً؟ هل عاديت في عدواً؟ ماذا أنفقت من مالك من أجلي؟ ماذا أعطيت، هل منعت من أجلي؟ هل أعطيت من أجلي؟ ماذا فعلت من أجلي ؟

(( يا رسول الله : جئت لتعلمني من غرائب العلم، قال : وماذا صنعت في أصل العلم، قال : وما أصل العلم، قال : هل عرفت الرب ؟ قال : ما شاء الله، فقال : ماذا فعلت في حقه ؟ قال : ما شاء الله، قال : هل عرفت الموت ؟ قال : نعم، قال : فماذا أعددت للموت ؟

[ مسند الربيع عن ابن عباس ]

 هذا كله مستوحى من قوله سبحانه وتعالى :

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

معنى : سكرتهم :

 أما معنى سكرتهم : قال أحد الشعراء :
 سكران سكر هوى وسكر مدامة ومتى أفاقت من به سكران

 

السكر أنواع :

 والسكر أنواع فبعض أنواع السكر أن يشرب الإنسان الخمر فتسكره، وبعض أنواع السكر أن يهوى شيئاً فهو سكران في محبته، وحبك الشيء يعمي ويصم، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، هذا سكران بحب الدنيا، وهذا سكران بحب متاعها وشهواتها، وللسكر نوع ثالث .

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ(1)يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾

( سورة الحج )

 الناس أحياناً يسكرون بالعذاب، لشدة الهول يذهلون عن أنفسهم وعن أعز الناس عليهم، والهوى سكر، وهؤلاء قوم لوط سكارى بهذه الشهوات المنحرفة .

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ ﴾

 هم الآن سكارى، الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا .

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

 قال ابن عباس رضي الله عنه : ما خلق الله، وما ذرأ، وما برأ نفساً أكرم على الله عز وجل من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره .

السكرة هي الضلال :

 أما سكرتهم، فقال بعض المفسرين : ضلالهم .

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

 هم في ضلال ويلعبونى .

السكرة هي الحيرة :

 وبعضهم قال : سكرتهم أي : حيرتهم، و يعمهون يترددون، إنهم لفي حيرتهم يترددون .

السكرة هي الشهوة المنحطة :

 وبعضهم قال : سكرتهم أي : شهوتهم المنحطة هم سكارى بها، وقد تلتقي بإنسان سكران بشهوة ما، غائب عن كل شيء لا يرى سواها، لا يتحدث إلا عنها، لا يعنيه إلا أخبارها، لذلك الشهوات إذا استحوذت على القلوب حجبتها عن علام الغيوب، والله سبحانه وتعالى يقول :

 

﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

( سورة فاطر )

 وبعضهم فسر هذه الآية بأن هذه القبور هي قبور الشهوات، والإنسان قد يدفن في الحياة الدنيا في قبر شهوته، فإذا هو أعمى .

 

﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴾

(سورة البقرة)

 إنه مدفون في قبر الشهوة، هذا بالنساء، وهذا بالمال، وهذا بالعلو في الأرض، وهذا بمباهج الدنيا، وهذا بمتعها الرخيصة، وهذا بقصورها، وهذا بأسواقها .

كلّ شيء أقسم الله به فهو عظيم :

 شيء آخر، هذا يقودنا إلى موضوع القسم، الله سبحانه وتعالى أقسم بعمر النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض العلماء فهم هذا القسم فهماً دقيقاً فقال : ما من شيء أقسم الله به إلا وهو ذو شأن، فإذا أقسم الله عز وجل بعمر النبي صلى الله عليه وسلم فهل أقسم الله بشيء أعظم منه، لا، الإنسان حينما يقسم يقول : والله العظيم، فالإنسان إذا أقسم يقسم بشيء أعظم منه، لكن الله إذا أقسم فقسمه له معنى آخر .
قال بعض العلماء : ما من شيء أقسم الله به إلا ليدل على فضله على ما يدخل في عداده، يعني من يدخل في عداد المصطفى ؟ البشر كلهم لأنه بشر، فإذا أقسم الله بحياته فليدل بقسمه هذا على أن هذا الإنسان متميز على سائر البشر، إذا قال :

 

﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾

 

(سورة التين)

 على هذا المعنى هناك أشجار كثيرة، لكن التين والزيتون يقعان في المقدمة، أشجار معمرة، وتؤدي غايات كثيرة، ولها منافع جمّة، وكذلك في السماء نجوم كثيرة، فإذا أقسم الله قال :

 

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ﴾

 

(سورة الشمس)

 فهذا القسم ليلفت نظر عباده إلى السماء، وأقرب النجوم لنا الشمس، فإذا أقسم الله بشيء فليدل على أنه أفضل مما يدخل في عداده، هذا بعض توجيه الأقسام الإلهية .

توجيه قسم الله بالمخلوقات :

 وبعضهم قال : إذا أقسم الله بالشمس فهو يقول : ورب الشمس، ورب القمر، ورب السماء، ورب محمد، ورب هذا العمر الثمين، إما أن توجه القسم بإضافة كلمة

( رب )

 وإما أن القسم يفيد أن هذا الشيء الذي أقسم الله به يفوق كل ما دخل في عداده، وإما أن يقسم الله عز وجل بشيء هو بالنسبة لنا عظيم، لكن إذا قيس بالله عز وجل فو لا شيء، بالنسبة إلينا يقسم بالنسبة إليه لا يقسم، يقول :

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ(38)وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴾

( سورة الحاقة )

 الكون كله دخل فيه .

 

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

( سورة الواقعة )

 فهذا توجيه ثالث، إذا أقسم بشيء فهذا الشيء بالنسبة إلينا، وإذا لم يقسم بشيء فهذا الشيء بالنسبة إليه، وإذا أقسم فليدلل أن كل ما دخل في عداده دونه، أو لك أن تضيف مع الأقسام الإلهية كلمة و ( رب )، هذه ثلاثة توجيهات للقسم الإلهي في القرآن الكريم .
 على كلٍّ، ما من شك أن جميع العلماء اتفقوا على أن المقصود بهذا القسم هو عمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأن هذا تشريف وتعظيم لعمر النبي صلى الله عليه وسلم، وتأكيد، أي : أيها الإنسان اقتدِ بهذا النبي العدنان، أمض عمرك بهذه الطريقة في طاعة الله .
 إذا عاش الإنسان سنوات طويلة، ونظر إلى الماضي، ورأى أن هذه السنوات أمضاها في طاعة الله، وفي عمل الصالحات، وفي تعلم العلم، ونشره والله الذي لا إله إلا هو عندئذٍ تعمر قلبه سعادة ما بعدها سعادة، فإذا شعرت أنك أمضيت هذا العمر في طاعة الله، فمن أسعد منك وأهنأ، لذلك عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ ؟ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ ؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ؟ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ ؟ ))

[ ترمذي ]

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾

فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ

 صيحة واحدة، مشرقين، أي : وقت شروق الشمس، وهذا أن الإنسان لا يدري متى يأته الأجل، حالة الوفاة غريبة، مع شروق الشمس، مع طلوع الفجر، فالإنسان يستعد كراكب القطار، قد يأتي موظف، ويمسك بيده، ويقول له : انزل، هكذا جاء الأمر، فالراكب الذكي يستعد ويهيئ أمتعته، وهو ينتظر هذه اللحظة، فإذا قيل له : تفضل، يقول أنا جاهز، هكذا المؤمن تائب من كل الذنوب راض لله عز وجل عمله مستقيم قائم بعبادته يتعلم العلم وينشر العلم فإذا جاء ملك الموت يقول: مرحباً بلقاء الله، واكربتاه يا أبت، قال : لا كرب على أبيك بعد اليوم، غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه، والذي لا إله إلا الله تأتي على قلب المؤمن ساعة عند الموت لا تسعه الدنيا وما فيها من شدة الفرح، أهله يبكون ويندبون حظهم وهو في روضات الجنات .

 

﴿ قِيلَ ادْخُلْ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26)بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُكْرَمِينَ ﴾

( سورة يس )

 

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ(72)فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ(73)فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴾

 هي صيحة واحدة، فإذا عاليها سافلها، وهذه نعرفها، كم من زلزال أحال مدينة في أوج ازدهارها ونشاطها إلى أكوام من الأنقاض، أغادير في ثلاث دقائق أصبحت قاعاً صفصفاً، فيها فندق ثلاثون طابقاً غاص كله في الأرض، وبقي الطابق الأخير مع اسم الفندق على مستوى الأرض .

﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ﴾

 الآن نسمع، ونشاهد عن زلازل دمَّرت المدن بدقائق محدودة .

 

﴿ فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴾

معنى : حجارة من سجيل :

 لهذه الكلمة معنيان :

المعنى الأول :

 أن السجيل هو الطين اليابس .

المعنى الثاني :

 أن السجيل من السجل، حجر سجل عليه اسم صاحبه، بمعنى أنه في ملكوت السماوات والأرض ليس هناك شظية طائشة، فكل حجر عليه اسم صاحبه الذي يستحقه من سجيل، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ))

[ أحمد ]

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ

من هم المتوسمون ؟

 من هم المتوسمون؟ روى الحكيم الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تفضل علينا رسول الله، وفسر هو نفسه هذه الكلمة، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ :

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

 

 

قَالَ أَبُو عِيسَى : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ :

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

 قَالَ : لِلْمُتَفَرِّسِينَ .

[ الترمذي ]

 أي : الذي يتفرس الحقيقة، ويتعرف إليها، ومن ملامح العقلاء، وأصحاب العقول أنه يكشف الحقيقة .

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

 لذلك فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ ))

[ الترمذي ]

 وينطق بتوفيق الله .
 بعض المفسرين أضاف إلى هذا فقال: المتفرسون هم المتفكرون .
 وبعضهم قال: للناظرين .
 وبعضهم قال: للمتبصرين .

من علامات العاقل النظر والتبصر والتفرّس :

 من علامة العاقل أنه يتبصر، يتفكر، يدقق، يحقق، يتريث قبل أن يقبل، قبل أن يتهافت، قبل أن يلقي نفسه في جحيم هذه الشهوة ينتظر هل ترضي الله أم تغضبه؟ هل عملي صحيح؟ ينطبق على الشرع، هل فيه مخالفة؟ هل توعد الله من فعل هذا بعذاب أليم؟ قبل أن تأكل الربا هل قرأت قوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ(278)فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾

( سورة البقرة : 279 )

 قرأت هذه الآية، العاقل هو الذي يقف عند كتاب الله، سيدنا عمر كان وقافاً عند كتاب الله، لا تتسرَّع، قبل أن توقع العقد مع شريكك هل تعلم أن هذه البضاعة فيها مادة حرام يحرمها الشرع، قبل أن تأخذ هذا المبلغ هل علمت أن هذا المبلغ قد يكون حراماً، قبل أن تطلق هذه الزوجة هل تعلم أن هذا الطلاق يرضي الله عز وجل، أم أن فيه سخط الله عز وجل، قبل أن تتزوج هل اخترت المرأة الصالحة، من تزوج المرأة لجمالها أذله الله، من تزوجها لمالها أفقره الله، من تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، قبل أن تسجل اسمك في هذه الرحلة هل تعلم ما في هذه الرحلة من معاصٍ وانحرافات، هل أنت تملك نفسك في هذه الأماكن، قبل أن توافق كن متوسماً، توسم الحقيقة قبل أن تصل إليها، العاقل هو الذي يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه، يصل إليه بفكره قبل أن يصل إليه بجسمه .

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ﴾

هذا أيضا من المتفرّسين :

 قال بعضهم : المتوسم هو الناظر إليك من فرقك إلى قدمك، هذا متوسم يتفرس، المؤمن كذلك يتفرس، إنسان يكلمك كلاماً قد يكون مغرضاً، قد تكون له نية سيئة، قد يكون يحاول خداعك، كن متوسماً .
 دخل رجل إلى مجلس سيدنا عثمان رضي الله عنه فقال : أيدخل أحدكم إلى المجلس وعليه آثار الزنا، فقالوا : يا خليفة رسول الله أوحي بعد رسول الله ؟ قال : لا، ولكنها فراسة صادقة .
 والتوسم كما قال العلماء : التثبت والتفكر، لذلك ورد في الأثر أن الحزم سوء الظن، وسوء الظن عصمة، واحترس من الناس بسوء الظن، وكان عليه الصلاة والسلام يحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوي بشره عن أحد، كان بشره للجميع، ولكن يحذر أحياناً .

شروط التوسم والفراسة :

 والعلماء قالوا : التوسم يحتاج إلى شروط : إلى جودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر، وتفريغ القلب من حشو الدنيا، وتطهير النفس من أدران المعاصي، وفضول الدنيا، هذا المتوسم قلبه شفاف فارغ من حب الدنيا، فارغ من شهواتها وحطامها، المتوسم إنسان حاد الفكر والخاطر، صافي النفس، بعيد عن المعاصي، مطهر عن الدنس، إذا كنت كذلك يؤتيك الله هذه الفراسة الصادقة .
 والسادة الصوفية قالوا : التوسم هو الكرامة، كرامة الله لهذا الصوفي يعطيه هذه القدرة على كشف الحقائق، أحد أحوال الصوفية الكشف، ينظر إلى الشخص فكأنه يعرف ما يخبّأ له .
 وقال بعضهم : التوسم هو الاستدلال بالعلامات، إما علامات ظاهرة، أو علامات باطنة .
 وبعضهم عدّ التوسم إدراكاً دقيقاً جداً عن طريق استدلال دقيق، سيدنا الصديق رصي الله عنه حينما سمع قوله تعالى، أو حينما نزلت هذه الآية صار يبكي، قال تعالى :

 

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ(1)وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا(2)فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾

( سورة النصر )

 صار يبكي، البكاء ليس له معنى، فقد عرف أن في هذه الآية نعيًا للنبي صلى الله عليه وسلم، انتهت رسالته، حقق الهدف، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ :

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾

 قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي بِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ))

[ أحمد ]

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(75)وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ﴾

وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ

 وإن آثار هؤلاء القوم في طريق العرب من مكة إلى بلاد الشام، ديار لوط على طريقهم، وكيف جعل الله عاليها سافلها، وإن هذه الآثار تنطق بظلم هؤلاء، تنطق بما فعلوا، والسبيل هو الطريق، كما أن أهرامات الفراعنة شواهد عليهم، وعلى حضارتهم، وكيف دمروا، وأهلكهم الله عز وجل .

 

﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(77)وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ﴾

وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ

من هم أصحاب الأيكة ؟

 أصحاب الأيكة أصحاب البساتين، والأيكة هي الشجرة العظيمة ملتفة الأغصان، وأصحاب الأيكة هم قوم سيدنا شعيب .

 

﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ ﴾

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ

 يعني آثار قوم لوط، وآثار قوم شعيب أمام المسافرين جيئةً وذهاباً على طريق مكة الشام .

 

﴿ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ(79)وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ ﴾

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ

من هم أصحاب الحجر ؟

 وأصحاب الحجر بعضهم قال : الذين نحتوا بيوتهم من الصخر، هؤلاء الأنباط إذا زرت مدينتهم، ولا تزال قائمة حتى الآن، إنها مدينة رائعة، بيوتها محفورة في الصخر، بيوت غرف نوافذ أماكن للتهوية، حماماتهم أماكن لهوهم، بيوت أمرائهم، أنا رأيتها بأم عيني .

 

﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ(80)وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾

 أحياناً وصدفة في أثناء تقليب الإذاعات يسمع الذي يدير هذا الجهاز القرآن الكريم، فسريعاً ما يزيح الإبرة عنه، فهو لا يريد أن يسمع القرآن، بل يريد الغناء، لو أنك نصحته لتثاءب أمامك، فإذا حدثته عن الدرهم والدينار، وعن المشاريع تراه أذناً مصغية، إذا قبض المال كان يقظاً، فإذا استمع إلى مجلس علم تأخذه سنة من النوم، هل رأيت في حياتك كلها إنساناً يقبض الآلاف وهو نائم! لا ينام، بل هو في كامل الصحوة والنشاط واليقظة، فربنا عز وجل قال :

﴿ وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ(80)وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ ﴾

وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ

شأن المقبل على الدنيا الإعراضُ عن آيات الله :

 الآيات جعلوها وراء ظهورهم، ولم يلتفتوا إليها، يقول قائل : هذا الموضوع لا يعنينا، هذا الموضوع عفا عليه الدهر، يقول لك : حدثنا عن الدرهم والدينار، حدثنا عن الشهوات، حدثنا عن شيء نتوق إليه، ودعنا من شيء لا يعنينا الآن.

﴿ فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ(81)وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِين ﴾

وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِين

 ظنوا أنهم بهذه الطريقة يأمنون من جائحات الزمان، أو يأمنون من الموت، أو أن هذه المدينة محصنة، إن الطريق إليها ممر إجباري بين جبلين لا يتسع إلا لفرس أو فرسين، إذاً أي عدو يصل إليهم يحاصرونه .

 

﴿ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ(82)فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ ﴾

نهاية أصحاب الحجر : فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ

 أخذتهم الصيحة، صاح الله بهم فدمروا عن آخرهم .

 

﴿ فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ(83)فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

لا يغني عن عذاب الله شيء من الدنيا :

 هذه المدينة، وهذه البيوت، وهذا المسارح، حتى إن البيت الكبير هو لمن يدير شؤونهم، مساحته ثلاثون متراً في ثلاثين متراً في ثلاثين متراً عمقاً، نُحِت من الصخر في لب الجبل، وعلى مدخل هذا القصر الأعمدة والتيجان والأقواس، شيء لا يصدق .

 

﴿ وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ(82)فَأَخَذَتْهُمْ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ(83)فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 

 والآن لو أن الإنسان أشاد بناءً، لقال: أنا اعتنيت بالكسوة اعتناءً تاماً، كنت أنتقي أحسن أنواع المواد من البلاط والطلاء والأثاث وغيره، فإذا جاء ملك الموت يدعه كما هو، ثم يحملونه إلى المثوى الأخير، والله الذي لا إله إلا هو لو تبصر الناس بما كتب على النعي لارتعدت فرائصهم، اقرأ النعي: وسيشيع فلان إلى مثواه الأخير، إذاً: هذا البيت الذي يسكنه ماذا يسمى؟ مثوى مؤقتا، بيتا مؤقتا، اعتنِ به ما شئت، سنوات معدودة، ثم ترحل عنه .
 أعرف رجلاً مضى عليه وهو يكسو بيته سنتان لشدة وسوسته، وشدة حرصه على أن يكون بيته مثالاً في الجمال والذوق، بعد أن سكنه بشهرين توفيت زوجته، وبعد ستة أشهر توفي هو، إذاً عمل سنتين، ثم لم يسكن فيه إلا سبعة أشهر، فلذلك :

﴿ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

 ابنِ بيتاً في الآخرة، ادفع من مالك في سبيل الله، ادفع من مالك للفقراء والمساكين، أحسن إلى الخلق يحبك رب العالمين .

 

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحْ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ﴾

 

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ

المقرون بالمحبوب محبوب والمقرون بالمبغوض مبغوض :

 روى الإمام البخاري رحمه الله عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ :

(( نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاسِ عَامَ تَبُوكَ نَزَلَ بِهِمْ الْحِجْرَ عِنْدَ بُيُوتِ ثَمُودَ، فَاسْتَسْقَى النَّاسُ مِنْ الْآبَارِ الَّتِي كَانَ يَشْرَبُ مِنْهَا ثَمُودُ، فَعَجَنُوا مِنْهَا، وَنَصَبُوا الْقُدُورَ بِاللَّحْمِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَرَاقُوا الْقُدُورَ، وَعَلَفُوا الْعَجِينَ الْإِبِلَ، ثُمَّ ارْتَحَلَ بِهِمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ عَلَى الْبِئْرِ الَّتِي كَانَتْ تَشْرَبُ مِنْهَا النَّاقَةُ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ عُذِّبُوا، قَالَ : إِنِّي أَخْشَى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ ))

[ البخاري، مسلم ، أحمد ]

 العلماء استنبطوا من هذا الحديث الشريف الصحيح أنه لا يجوز دخول مقابر الكفار، وأنه لا يجوز استعمال هذه الأماكن، وأن يطعم فيها الإنسان ويشرب، كما أنه يجوز أن تعلف الناقة أو الحيوان الشيء الذي ينبغي ألا نأكله نحن، لأن الإبل والبهائم لا تكليف عليها .
 أما الاستسقاء من بئر الناقة فكان هذا على سبيل التبرك بآثار الأنبياء الصالحين، لكن الجمادات غير مؤاخذة، إلا أن المقرون بالمحبوب محبوب، والمقرون بالمبغوض مبغوض .

أحب لحبها السودان حتى  أحب لحبها سود الكلاب
***
أمر على الديار ديار ليلى  أقبل ذا الجدار و ذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي  ولكن حب من سكن الديارا
***

 هناك استنباطات لطيفة، إن أماكن اللهو والفجور حتى ولو كانت خالية من المعاصي لا ينبغي أن تقف فيها، أحياناً نجري حفلة عقد قران في نادٍ، هذا النادي تشرب فيه الخمور، وتقام فيه الحفلات الراقصة، لكن في هذه الساعة لا يوجد شيء من المنكرات، بل فيه منشدون، وقراءة، قرآن، لا، هذا المكان ما دامت تقام فيه المعصية لا ينبغي أن تجلس فيه، هذا الاستنباط الذي أردت منه هذه الحقيقة .
 وقد منع العلماء الصلاة في هذا المكان دار سخط وبقعة غضب، وقد منع العلماء الصلاة في المزبلة والمقبرة والمجزرة وقارعة الطريق والحمام، وفوق بيت الله الكعبة، وفي الدار المغصوبة، والكنيسة، والبيت الذي فيه تماثيل، أو في موضع تستقبل فيه وجه أدمي، أو جدار عليه نجاسة، وقد روي : أخرجوا من الموضع الذي أصابتكم فيه الغفلة.
 مكان أصابتك فيه غفلة، أو وقعت فيه في معصية وانحراف، هذا المكان لا ينبغي أن تعود إليه، لأنك إذا عدت إليه ذكرك بالمعصية، وربما ساقك إلى معصية ثانية، فالأماكن التي غفل منها الإنسان، أو أخطأ، أو عصى الله عز وجل لا ينبغي أن يقربها، النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الأحاديث أرشد إلى أن أماكن الفجرة والكفار وأماكن المعاصي والفجور لا ينبغي أن ترتادها، ولو في وقت الصباح، فمثلاً قد تدخل إلى مكان صباحاً ولا أحد، ولكن مساءً كانت فيه معاصٍ، إن للمعاصي رائحة تفوح منه .
 مثلاً كأس ماء في مكان موبوء، هذه الكأس قد يوضع فيها الخمر، فإذا شربت فيه ماء فهذه الكأس فيها آثار الخمر، لا ينبغي أن تكون في هذه الأماكن.
 الإمام الجنيد رحمه الله سئل: " من ولي الله؟ إذ قيل له: هل ولي الله الذي يطير في السماء، قال لهم: لا، قالوا: هل ولي الله الذي يمشي على وجه الماء، قال لهم: لا ثم قال: الولي الذي يتوقف عند الحلال والحرام " .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018